← Язык

Язык · id 2219

معجم تصحيح لغة الإعلام العربي

عبد الهادي أبو طالب

Полный текст (330 стр.). Показаны 316–330 · переход к 321.

стр. 316

ولو وضعنا مكان كلمة الذّريعة كلمة "بتعِلَّة" لاستقام الكلام. فالتعِلَّة في اللغة هي الجهْد في البحث عن علةٍ ما لتبرير أمر. وفِعْلُ تَعلَّل بالشيء يعني أن العِلّة أو السبب الذي يُجهد المرء نفسَه لتقديمهما غير مؤكدَيْن أو غير صحيحَيْن: "تعلّل التلميذ بالمرض لتبرير غيابه عن المدرسة. قَبْر الانتفاضة أو إقبارها يُستعمَل لفظ قَبْر مضافا إلى الانتفاضة على الشكل التالي:"يعمل "شارون" على قَبْر الانتفاضة" أي إيقافها والقضاء عليها.

стр. 317

وبالرغم من أن المعاجم اللغوية تتحدث عن وجود فعل ثلاثي لهذه المادة: قَبَر / يَقْبُر / قَبْرا، وأنه يستعمل للدلالة على دفن الميت، وعلى إخفاء الأمر حتى لا يبقى له أثر، فإني أفضل أن نترك الفعل الثلاثي للدلالة على دفن الميت، وأن نستعمل للدلالة على إخفاء الأمر الفعل الرباعي: أقبر / يُقبر / إقبارا. فنقول:" أقبر الموظفُ الملفَّ". ونقول:" هذه القضية أُقْبِرت ولم تعُدْ تُذكَر". ونقول:"شارون يعمل على إقبار الانتفاضة".

стр. 318

بهذا التمييز الذي أنصح به يكون لفظ القبْر الدال على مكان دفن الميت مشتقا من الفعل الثلاثي وجمعه قبور. والمقْبَرة: المكان الذي تجتمع فيه القبور مشتقة كذلك من الفعل الثلاثي. وجاء في القرآن الكريم:"وأن الله يبعث من في القبور". وقوله تعالى: "ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر". ومع ذلك يبقى استعمال "أقبر" في الدفن المادي صوابا بمقتضى أنه جاء استعماله كذلك في القرآن:"ثم أماته فأقبره". ولكني أفضل التمييز بين الكلمات حتى يكون لكل كلمة معنى خاص بها وهذه منهجيتي في هذه الحلقات التي يتألف منها هذا

стр. 319

الكتاب. أخطاء ناتجة عن تعريب كلمات فرنسيَّة للإعلام العالمي أكثر من لغة. وأكثر اللغات انتشارا هي الإنجليزية. وتأتي الفرنسية بين اللغات متوسطة الانتشار، لا تحتل مكان الصدارة ولا تأتي في آخر القائمة. والإعلام العالمي يُترجم إلى العربية في غالب الأحيان ما تبثُّه مصادر الإعلام العالمي باللغتين المذكورتين. والترجمة تُخضِع أحيانا تراكيبَ اللغة العربية لتراكيب اللغات المترجَم عنها، بل تذهب أحيانا إلى ترجمة سوابق الكلمات (Préfixe) ولواحقها (Suffixe) وإخضاع بنية الكلمة العربية إلى ذلك.

стр. 320

وهذا الاتجاه الذي أصبح سائدا ليس ترجمة حتى لو أضفنا إلى كلمة ترجمة نعت حرفية، بل هو شَطَط لغوي غير مقبول. ومما يدخل في هذا الشطط جعل ما هو مؤنث في اللغة المترجم عنها مؤنثا في العربية كذلك، وما هو مذكر في اللغة المترجَم عنها مذكرا كذلك، مما يُحدِث خَلْطا مَشينا في العربية. وسنعطي فيما يلي أمثلة عن هذا الخلط غير المقبول. المشكلُ يَفرض نَفْسَه إنه ترجمة حرفية للتركيب الفرنسي: "Le problème se pose" وقد أصبحت المشكلة (بصيغة التأنيث) هي المشكل (بصيغة التذكير) ، لمجرد أن المشكلة في الفرنسية تصاغ

стр. 321

بصيغة التذكير (le problème) . وكاد تأنيث الكلمة (المشكلة) يضيع تحت هذا التأثير أو هذا الخلْط الذي لا داعي له. لم يكن معروفا في اللغة العربية الحديث عن قَضية مُشْكِلَةٍ بلفظ المشكل، بل دائما بلفظ مشكلة: " مشكلة إصلاح التعليم" "مشكلة ضحايا السير" "مشكلة انقطاع الكهرباء". أما المشكل في الفقه فهو الذي يوصَف به الخُنْثَى. وهو إنسان يجمع بين خاصِيات الذكورة والأنوثة. وإذا كان لا يتمحَّص لنوع منهما يُنعَت بالمُشكل لأنه يبقى لغزا لا هو ذكر ولا هو أنثى. وقد قرأنا في كتاب الشيخ خليل الجامع لأحكام الفقه

стр. 322

: "إن بال الخُنْثى فلا إشكال". أي أن بوله من الذكر، أو بوله من الفرج يجعلانه يتمحص بدون إشكال للذكورة أو الأنوثة". وأما تعبير "يفرض نفسه" فهو ترجمة من الفرنسية لتعبير."se pose" وهو في الفرنسية فعل ضميري "Pronominal"أي فعل يُصَرَّف مع ضمير الفاعل ويسبق فيه حرفُ (se) ضميرَ الغيبة في المفرد. فترجمه مرتكبو الشطط اللغوي بكلمة "نفسَه". ومن الأفضل أن يقال في العربية: "المشكلة مطروحة". ونقول بناء على ذلك: "المشكلة النَّوَوية" "ومشكلة التسلح النووي"، "ومشكلة الصراع العربي الإسرائيلي"، "والمشكلة

стр. 323

الأفغانية". وليس المشكل الأفغاني كما يُعَبَّر عنه هذه الأيام في لغة الإعلام. ومما هو مشهور في الاستعمال للدَّلالة على ما كان لعلي ابن أبي طالب من مؤهلات فكرية وعلمية لحل المشكلات المقولة: "مُشْكِلةٌ ولا أبا حَسنٍ لها" أي مشكلة لا يوجد شخص مؤهّل لحلها وتدبير شأنها، من نوع أبي الحسن علي ابن أبي طالب ﵁ . ومن باب إخضاع تراكيب العربية لتراكيب الفرنسية استحداث كلمة "السَّكَن " بلفظ المذكر لترجمة كلمة "Habitat" الفرنسية. وهي لفظ مذكر. واللغة العربية تسمّي السَّكَن مَسْكَنا أي مكان

стр. 324

السكنى. وهو أوضح دَلالة من كلمة السَّكَن. وقد جاء لفظ السَّكَن في القرآن: "والله جعل لكم من بيوتكم سَكَنا" لكن ليس بمعنى المسكن أو البيت، بل بمعنى المكان الآمن الموفر للراحة والاطمئنان والعيش الكريم. وإخضاع الكلمات العربية لتذكير ما هو مذكر أو تأنيث ما هو مؤنث في الفرنسية على سبيل التبعية لهذه الأخيرة إنما يوجد في اللغة الفرنسية. أما في اللغة الإنجليزية فلا يوجد ما يفرق بين المؤنث والمذكر فلهما صيغة واحدة. لذلك يشيع هذا التعسف على ألسنة العارفين بالفرنسية في المغرب العربي. ولا يوجد نظيره في

стр. 325

المشرق العربي في أغلبية أقطاره لدى العارفين بالإنجليزية. خاتمة ما أكثر الأخطاء التي تجري على الألسنة والأقلام ويضيق حجم هذا المعجم عن تصحيحها! ويمكن القول إنها لا تُعدّ ولا تحصى. وأعترف أن تكاثرها أرغمني على الاقتصار على ما جاء منها هذا المعجم، مفضلا الاختصار حتى لا يصبح موسوعة لغوية لا يستفيد منها إلا النخبة والخواص. لذا أؤكد على أن ما صححه هذا المعجم من أخطاء لا يعدو أن يكون نماذج يمكن لباحثين لغويين آخرين أن ينسجوا على منوال هذا الكتاب ليصححوا ما لم يصححه.

стр. 326

وأود في ختام حلقات هذا المعجم أن أؤكد على الخواطر التالية: اعتمدت في منهجية الكتاب على التمييز بين معاني المترادفات، لتدقيق معاني المفردات حتى يُستعمل كلُّ مترادف للدلالة على مفهوم خاص متميز، وحتى تتحقق وحدة اللغة كما هو شأن اللغات الحية الأخرى. إنني على سبيل المثال لا أعتبر أن الفرح يعبر عنه بكلمات السرور، والاغتباط، والابتهاج، والجَدل، وما إلى ذلك من المترادفات، بل أعطي لهذه الكلمات مدلولا خاصا أستنبطه مما يوجد في جذر الكلمة من معنى مشترك تلتقي عليه المشتقاة مثال ذلك: أن الفعل الثلاثي

стр. 327

"عَبَر" المركّب من حرف العين والباء والراء يوحي بأن اجتماع هذه الحروف الثلاثة في الكلمة الواحدة يعني التجاوز، فيقال عبر النهر إذا تجاوز شاطئه الأدنى إلى الشاطئ الآخر. وعليه فالتعبير يعني تجاوز المفكّر فيه إلى النطق به، والعِبرة (بكسر العين) تعني تجاوز الحدث إلى استخلاص دروسه. ومن هنا أقول إن العَبْرة (بفتح العين) ليست هي فقط الدمعة، بل الدمعة التي تسيل على جزء من الخد بعد أن تجتاز المآقي، وأن العبير ليس هو العِطر، وإنما هو العِطر حين يجتاز قاروته ويفوح. وهكذا دواليك.

стр. 328

بتتبعي للأخطاء اللغوية انتهيت إلى أن السبب في ذلك هو اعتماد المنهجية الجديدة في تعليم اللغة، إذ أصبح التلميذ لا يدرس قواعد اللغة نحوا وصرفا كمادة خاصة، ولكن يلقنها له المعلم من خلال قراءة نص في مادة التلاوة (أو المطالعة) . وهذا لا يكفي لامتلاك قواعد اللغة التي تقي من يدرسها ارتكاب الخطأ. يوضع شكل الكلمات في اللغات الأجنبية بجانب الحرف جزءا من الكلمة، بينما لا تُشْكَل كلمات اللغة العربية، فينطق بها كل واحد كما تيسر له. وقضية الشكل مطروحة للنقاش وينصح بعض اللغويين بإدخال الشكل، وهو توجه سديد، لكن

стр. 329

من شأنه أن يقطع الصلة بين الأجيال والتراث العربي غير المشكول، إذ ستصبح ناشئتنا العربية عاجزة عن قراءة ما يزخر به تراثنا وجميعه غير مشكول. مما ساعد على تفشي الأخطاء ميل الإعلام (صحيفة، وكتابا، وإذاعة، وتلفزيونا) إلى استعمال اللهجات المحلية (أو القُطْرية) بدلا من الفصحى، ولهجاتنا لا تتقيد بقواعد الفصحى. وحين ينطق المتحدث باللغة التي تزاوج بين الفصحى واللهجة، يغلب عليه أن ينطق بالكلمة الفصيحة كما ينطق بها في اللهجة، فينصب (مثلا) الكلمة في محل الرفع، أو يرفعها في محل النصب، أو يلجأ إلى الجزم

стр. 330

(السكون) عملا بمدأ من جزم سلِم، لكنه لا يسلم من الخطأ وهو لا يدري. يقول العراقيون (مثلا) لن يخرجون لأن اللهجة العراقية تثبت النون في جميع حالات الإعراب، والمغربي يقول لم يَقْرَوْ ولن يَقْرَوْ، فيستعمل الدارجة المغربية مقرونة بأدوات الإعراب في الفصحى. هذه بعض الأفكار التي أطرحها للعناية بها من لدن الباحثين اللغويين المتخصصين، مهيبا بهم أن يفكروا فيها ويختاروا لها حلولها، إنقاذا للغتنا، وضبطا لتعليمها، ومساعدة لها على المزيد من الانتشار.