المبحث الرابع
عقيدة الإمام الشافعي
أ- قوله في التوحيد:
١ - أخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان قال: «قال الشافعي: من حلف بالله أو باسم من أسمائه فحنث فعليه الكفارة، ومن حلف بشيء غير الله مثل أن يقول الرجل: والكعبة وأبي وكذا وكذا ما كان، فحنث فلا كفارة عليه، ومثل ذلك قوله لعمري ... لا كفارة عليه ويمين بغير الله فهي مكروهة منهي عنها من قبل قول الرسول ﷺ : «إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليسكت» (١) ... » (٢).
وعلل الشافعي لذلك بأن أسماء الله غير مخلوقة، فمن حلف
стр. 37
باسم الله فحنث فعليه الكفارة (١).
٢ - وأورد ابن القيم في اجتماع الجيوش عن الشافعي أنه قال: «القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء» (٢).
٣ - وأورد الذهبي عن المزني قال: «قلت: إن كان أحد يخرج ما في ضميري وما تعلق به خاطري في أمر التوحيد فالشافعي؛ فصرت إليه وهو في مسجد مصر، فلما جثوتُ بين يديه قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد فعلمت أن أحدًا لا يعلم علمك فما الذي عندك؟
стр. 38
فغضب ثم قال: أتدري أين أنت؟ قلت: نعم. قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون، أبلغك أن رسول الله ﷺ ، أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت: لا. قال: هل تكلم فيه الصحابة؟ قلت: لا، قال: تدري كم نجمًا في السماء؟ قلت: لا، قال: فكوكب منها تعرف جنسه، طلوعه، أفوله، مم خُلق؟ قلت: لا، قال: فشيء تراه يعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه؟
ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها ففرعها على أربعة أوجه فلم أُصِبْ في شيء منه فقال: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات تدع علمه وتتكلف علم الخالق إذا هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٣، ١٦٤]. فاستدل بالمخلوق على الخالق ولا تتكلف على ما لم يبلغه عقلك (١).
٤ - وأخرج ابن عبد البر عن يونس بن عبد الأعلى (٢) قال:
стр. 39
«سمعت الشافعي يقول: إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى أو الشيء غير الشيء فاشهد عليه بالزندقة» (١).
٥ - وقال الشافعي في كتابه الرسالة: «والحمد لله ... الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه» (٢).
٦ - وأورد الذهبي في السير عن الشافعي أنه قال: «نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها السنة وننفي التشبيه عنه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
[الشورى: ١١]» (٣).
٧ - وأخرج ابن عبد البر عن الربيع بن سليمان قال: «سمعت الشافعي يقول في قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. أعلمنا بذلك أن ثم قومًا غير
стр. 40
محجوبين ينظرون إليه لا يضامون في رؤيته» (١).
٨ - وأخرج اللالكائي عن الربيع بن سليمان قال: «حضرت محمد بن إدريس الشافعي جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال الشافعي: فلما حجبوا هؤلاء في السخط كان هذا دليلاً على أنهم يرونه في الرضا قال الربيع: قلت: يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال: نعم به أدين الله» (٢).
٩ - وأخرج ابن عبد البر عن الجارودي (٣) قال: «ذكر عند الشافعي إبراهيم بن إسماعيل ابن علية (٤) فقال: أنا مخالف له في كل شيء وفي قول لا إله إلا الله لست أقول كما يقول،
стр. 41
أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلّم موسى ﵇ تكليمًا من وراء حجاب وذلك يقول لا إله إلا الله الذي خلق كلامًا أسمعه موسى من وراء حجاب» (١).
١٠ - وأخرج اللالكائي عن الربيع بن سليمان، قال الشافعي: «من قال القرآن مخلوق فهو كافر» (٢).
١١ - وأخرج البيهقي عن أبي محمد الزبيري قال: «قال رجل للشافعي أخبرني عن القرآن خالق هو؟ قال الشافعي: اللهم لا. قال: فمخلوق؟ قال الشافعي: اللهم لا. قال: فغير مخلوق؟ قال الشافعي: اللهم نعم. قال: فما الدليل على أنه غير مخلوق؟ فرفع الشافعي رأسه وقال: تُقر بأن القرآن كلام الله، قال: نعم. قال الشافعي: سبقت في هذه الكلمة قال الله تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].
قال الشافعي: فتقر
стр. 42
بأن الله كان وكان كلامه؟ أو كان الله ولم يكن كلامه؟ فقال الرجل: بل كان الله وكان كلامه. قال: فتبسم الشافعي وقال: يا كوفيون إنكم لتأتوني بعظيم من القول إذا كنتم تقرون بأن الله كان قبل القبل وكان كلامه فمن أين لكم الكلام: إن الكلام الله، أو سوى الله، أو غير الله، أو دون الله؟ قال: فسكت الرجل وخرج» (١).
١٢ - وفي جزء الاعتقاد المنسوب للشافعي - من رواية أبي طالب العشاري (٢) - ما نصّه قال: وقد سُئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به، فقال: «لله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ ، أمته
стр. 43
لا يسع (١) أحدًا من خلق الله قامت لديه (٢) الحجة إن القرآن نزل به وصحيح عنده (٣) قول النبي ﷺ ، فيما روى عنه العدل خلافه (٤) فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله (٥) ، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالدراية (٦) والفكر.
ونحو ذلك إخبار الله أنه سميع وأن له يدين بقوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأن له يمينًا بقوله : ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وإن له وجهًا بقوله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله:
стр. 44
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن له قدمًا بقوله ﷺ : «حتى يضع الرب فيها قدمه» (١) يعني جهنم لقوله ﷺ ، للذي قتل في سبيل الله أنه: «لقي الله وهو يضحك إليه» (٢) وأنه يهبط كل ليلة إلى السماء الدنيا بخبر رسول الله ﷺ ، بذلك وأنه ليس بأعور لقول النبي ﷺ إذ ذكر الدجال فقال: «إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور» (٣).
وإن المؤمنين يرون ربهم
стр. 45
عز وجل يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر وإن له أصبعًا بقوله ﷺ : «ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن » (١).
وإن (٢) هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ ، لا يدرك (٣) حقه (٤) ذلك بالفكر والدراية (٥) ولا يكفر بجهلها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه وإن (٦) كان الوارد بذلك خبرًا يقوم في الفهم مقام
стр. 46
المشاهدة في السماع «وجبت الدينونة» (١) على سامعه بحقيقته والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله ﷺ ، ولكن نثبت (٢) هذه الصفات وننفي (٣) التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ... (٤) آخر الاعتقاد.
ب- قوله في القدر:
١ - أخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان، قال: «سُئل الشافعي عن القدر فقال:
ما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى والمُسِن
стр. 47
على ذا مننت وهذا خذلت ... وهذا أعنت وذا لم تعن
فمنهم شقي ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن (١)
٢ - أورد البيهقي في مناقب الشافعي أن الشافعي قال: «إن مشيئة العبادة هي إلى الله تعالى ولا يشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين، فإن الناس لم يخلقوا أعمالهم وهي خلق من خلق الله تعالى أفعال العباد وإن القدر خيره وشره من الله ، وإن عذاب القبر حق، ومساءلة أهل القبور حق، والبعث حق، والحساب حق، والجنة والنار حق، وغير ذلك مما جاءت به السنن» (٢).
٣ - وأخرج اللالكائي عن المزني قال: «قال الشافعي: تدري ما القدري؟ الذي يقول إن الله لم يخلق الشيء حتى عمل به» (٣).
стр. 48
٤ - وأورد البيهقي عن الشافعي حيث قال: «القدرية الذين قال رسول الله ﷺ : «هم مجوس هذه الأمة» (١) الذين يقولون إن الله لا يعلم المعاصي حتى تكون» (٢).
٥ - وأخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان عن الشافعي أنه كان يكره الصلاة خلف القدري (٣).
جـ- قوله في الإيمان:
١ - أخرج ابن عبد البر عن الربيع قال: «سمعت الشافعي يقول: «الإيمان قول وعمل واعتقاد بالقلب، ألا ترى قول الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، يعني صلاتكم إلى بيت المقدس فسمى الصلاة إيمانًا وهي قول
стр. 49
وعمل وعقد»» (١).
٢ - وأخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان قال: «سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص» (٢).
٣ - وأخرج البيهقي عن أبي محمد الزبيري قال: «قال رجل للشافعي أي الأعمال عند الله أفضل؟ قال الشافعي: ما لا يقبل عملاً إلا به، قال: وما ذاك؟ قال: الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو، أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظًّا.
قال الرجل: ألا تخبرني عن الإيمان: قول وعمل، أو قول بلا عمل؟
قال الشافعي: الإيمان عمل لله والقول بعض ذلك العمل.
قال الرجل: صف لي ذلك حتى أفهمه.
قال الشافعي: إن للإيمان حالات ودرجات وطبقات فمنها التام المنتهي تمامه، والناقص البين نقصانه، والراجح الزائد رجحانه.
قال الرجل: وإن الإيمان لا يتم وينقص ويزيد؟
قال الشافعي: نعم.
قال: وما الدليل على ذلك؟
قال الشافعي: إن الله جل ذكره فرض الإيمان على جوارح بني آدم، فقسّمه فيها، وفرّقه عليها، فليس من
стр. 50
جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها بفرض من الله تعالى:
فمنها: قلبه الذي يعقل به، ويفقه ويفهم وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره.
ومنها: عيناه اللتان ينظر بهما، وأُذناه اللتان يسمع بهما، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباهُ من قبله، ولسانه الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه.
فرض على القلب غير ما فرض على اللسان، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه.
فأما فرض الله على القلب من الإيمان: فالإقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبه ولا ولدًا، وأن محمدًا ﷺ عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب فذلك ما فرض الله جل ثناؤه على القلب وهو عمله:
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [الرعد: ٢٨]، وقال (ألا بذكر الله تطمئن القُلوب) [الرعد: ٢٨] وقال:
стр. 51
﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] وقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فذلك ما فرض الله على القلب من الإيمان، وهو عمله، وهو رأس الإيمان.
وفرض ﴿الله﴾ على اللسان: القول والتعبير عن القلب بما عقد وأقر به، فقال في ذلك: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]. وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، فذلك ما فرض الله على اللسان من القول، والتعبير عن القلب، وهو عمله، والفرض عليه من الإيمان.
وفرض الله على (السمع): أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرم الله، وأن يُغض عما نهى الله عنه، فقال في ذلك: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] ثم استثنى موضع النسيان، فقال جل وعز: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ
стр. 52
الشَّيْطَانُ﴾ أي: فقعدت معهم ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧، ١٨] وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٤]، وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]، وقال: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، فذلك ما فرض الله، جل ذكره، على السمع من التنزيه عما لا يحل له، وهو عمله، وهو من الإيمان.
و «فرض العينين»: ألا ينظر بهما إلى ما حرم الله، وأن يغضهما عمّا نهاه عنه، فقال ﵎، في ذلك: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠، ٣١] الآيتين: أن ينظر أحدهم إلى فرج أخيه، ويحفظ فرجه من أن ينظر إليه.
وقال: كل شيء من حفظ الفرج، في كتاب الله، فهو من الزنا
стр. 53
إلا هذه الآية، فإنها من النظر.
فذلك ما فرض الله على العينين من غض البصر، وهو عملها، وهو من الإيمان.
ثم أخبر عما فرض على القلب والسمع والبصر، في آية واحدة، فقال، ، في ذلك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] قال: يعني وفرض على الفرج: أن لا يهتكه بما حرم الله عليه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]، وقال: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] الآية يعني بالجلود: الفروج والأفخاذ فذلك ما فرض الله على الفروج من حفظهما عمّا لا يحل له، وهو عملها.
«وفرض على اليدين»: ألا يبطش بهما إلى ما حرم الله تعالى، وأن يبطش بهما، إلى ما أمر الله من الصدقة وصلة الرحم، والجهاد في سبيل الله، والطهور للصلوات، فقال في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
стр. 54
الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] إلى آخر الآية، وقال: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] لأن الضرب، والحرب، وصلة الرحم، والصدقة من عملها.
«وفرض على الرجلين»: ألا يمشي بهما إلى ما حرّم الله، جلّ ذكره، فقال في ذلك: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧].
«وفرض على الوجه»: السجود لله بالليل والنهار، ومواقيت الصلاة، فقال في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] يعني بالمساجد: ما يسجد عليه ابن آدم في صلاته، من الجبهة وغيرها.
قال: فذلك ما فرض الله على هذه الجوارح.
وسمّى الطهور والصلوات إيمانًا في كتابه، وذلك حين صرف
стр. 55
الله تعالى، وجه نبيه ﷺ ، من الصلاة إلى بيت المقدس، وأمره بالصلاة إلى الكعبة. وكان المسلمون قد صلوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، فقالوا: يا رسول الله، أرأيت صلاتنا التي كنا نصليها إلى بيت المقدس، ما حالها وحالنا؟
فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] فسمّى الصلاة إيمانًا، فمن لقي الله حافظًا لصلواته، حافظًا لجوارحه، مؤديًا بكل جارحة من جوارحه ما أمر الله به وفرض عليها - لقي الله مستكمل الإيمان من أهل الجنة، ومن كان لشيء منها تاركًا متعمدًا مما أمر الله به - لقي الله ناقص الإيمان.
قال: وقد عرفت نقصانه وإتمامه، فمن أين جاءت زيادته؟.
قال الشافعي: قال الله، جل ذكره: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣].
قال الشافعي: ولو كان هذا الإيمان كله واحدًا لا نقصان فيه ولا زيادة - لم يكن لأحد فيه فضل، واستوى الناس، وبطل التفضيل. ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله ﴿في الجنة]، وبالنقصان من الإيمان دخل المفرطون النار.
قال الشافعي: إن الله، جل وعز، سابق بين عباده كما سُوبق بين الخيل يوم الرهان. ثم إنهم على درجاتهم من سبق عليه، فجعل كل امرئ على درجة سبقه، لا ينقصه فيها حقه، ولا يقدم مسبوق على سابق، ولا مفضول على فاضل. وبذلك فضل أول هذه الأمة على آخرها. ولو لم يكن لمن سبق إلى الإيمان فضل على من أبطأ عنه - للحق آخر هذه الأمة بأولها» (١).
د- قوله في الصحابة:
١ - أورد البيهقي عن الشافعي أنه قال: «أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل وسبق لهم لسان رسول الله ﷺ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله، وهنأهم بما أتاهم من ذلك
стр. 56
ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، فهم أدوا إلينا سُنن رسول الله ﷺ ، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ عامًّا وخاصًّا وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سُنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا والله أعلم» (١).
٢ - وأخرج البيهقي عن ربيع بن سليمان قال: «سمعت الشافعي يقول في التفضيل: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي» (٢).
٣ - وأخرج البيهقي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (٣)
стр. 57
قال: «سمعت الشافعي يقول: أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ، أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃» (١).
٤ - وأخرج الهروي عن يوسف بن يحيى البويطي قال: «سألت الشافعي أأصلي خلف الرافضي؟ قال: لا تصل خلف الرافضي ولا القدري ولا المرجئ، قلت: صفهم لنا، قال: من قال: الإيمان قول فهو مرجئ، ومن قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامين فهو رافضي، ومن جعل المشيئة إلى نفسه فهو قدري» (٢).
هـ- نهيه عن الكلام والخصومات في الدين:
١ - أخرج الهروي عن الربيع بن سليمان قال: «سمعت الشافعي يقول: ... لو أن رجلاً أوصى بكتبه من العلم لآخر، وكان فيها كتب الكلام، لم تدخل في الوصية لأنه ليس من العلم» (٣).
стр. 58
٢ - وأخرج الهروي عن الحسن الزعفراني قال: «سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدًا في الكلام إلا مرة وأنا أستغفر الله من ذلك» (١).
٣ - وأخرج الهروي عن الربيع بن سليمان قال: «قال الشافعي: لو أردت أن أضع على كل مخالف كتابًا كبيرًا لفعلت، ولكن ليس الكلام من شأني، ولا أحب أن ينسب إلي منه شيء» (٢).
٤ - وأخرج ابن بطة عن أبي ثور قال: «قال لي الشافعي: ما رأيت أحدًا ارتدى شيئًا من الكلام فأفلح» (٣).
٥ - وأخرج الهروي عن يونس المصري قال: «قال الشافعي: لأن يبتلي الله المرء بما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير من أن يبتليه بالكلام» (٤).
فهذه أقوال الإمام الشافعي ﵀ في مسائل أصول الدين، وهذا موقفه من علم الكلام.
стр. 59
المبحث الخامس
عقيدة الإمام أحمد بن حنبل
أ- قوله في التوحيد:
١ - جاء في طبقات الحنابلة (١): «إن الإمام أحمد سُئل عن التوكل، فقال: قطع الاستشراق بالإياس من الخلق».
٢ - وجاء في كتاب المحنة (٢) لحنبل أن الإمام أحمد قال: «لم يزل الله متكلمًا والقرآن كلام الله غير مخلوق وعلى كل جهة، ولا يوصف الله بشيء أكثر مما وصف به نفسه ».
٣ - وأورد ابن أبي يعلى عن أبي بكر المروزي قال: «سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والرؤية والإسراء وقصة العرش فصححها وقال: تلقتها الأمة بالقبول وتمر الأخبار كما جاءت» (٣).
стр. 60
٤ - قال عبد الله بن أحمد في كتاب السنة: إن أحمد قال: «من زعم أن الله لا يتكلم فهو كافر إلا أننا نروي هذه الأحاديث كما جاءت» (١).
٥ - وأخرج اللالكائي عن حنبل (٢)
أنه سأل الإمام أحمد عن الرؤية فقال: «أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر، وكل ما روي عن النبي ﷺ ، بأسانيد جيدة نؤمن به ونقر» (٣).
٦ - وأورد ابن الجوزي في المناقب كتاب أحمد بن حنبل لمسدد (٤)
стр. 61
وفيه: «صفوا الله بما وصف به نفسه، وانفوا عن الله ما نفاه عن نفسه ... » (١).
٧ - جاء في كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد قوله: «وزعم - جهم بن صفوان - أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدّث عن رسوله كان كافرًا وكان من المشبهة» (٢).
٨ - وأورد ابن تيمية في «الدرء» قول الإمام أحمد: «نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حدّ ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد، فصفات الله منه وله وهو كما وصف نفسه لا تدركه الأبصار» (٣).
٩ - وأورد ابن يعلى عن أحمد أنه قال: «من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر مكذب بالقرآن» (٤).
١٠ - وأورد ابن أبي يعلى عن عبد الله بن أحمد قال: «سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلّم الله موسى لم يتكلم بصوت فقال
стр. 62
أبي: تكلم الله بصوت وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت» (١).
١١ - وأخرج اللالكائي عن عبدوس بن مالك العطار قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: « ... والقرآن كلام الله وليس بمخلوق ولا تضعف أن تقول ليس بمخلوق فإن كلام الله منه وليس منه شيء مخلوق» (٢).
ب- قوله في القدر:
١ - أورد ابن الجوزي في المناقب كتاب أحمد بن حنبل لمسدد وفيه: «ويؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومُرّه من الله» (٣).
٢ - وأخرج الخلال عن أبي بكر المروزي قال: «سُئل أبو عبد الله فقال: الخير والشر مقدر على العباد؟ فقيل له: الله خلق الخير والشر، قال: نعم، الله قدره» (٤).
٣ - وجاء في كتاب السُّنَّة للإمام أحمد قوله: «والقدر خيره وشره وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومره، ومحبوبه
стр. 63
ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره من الله قضاء قضاه على عباده وقدر قدره، ولا يعدو واحد منهم مشيئة الله ولا يجاوز قضاءه» (١).
٤ - وأخرج الخلال عن محمد بن أبي هارون عن أبي الحارث قال: «سمعت أبا عبد الله يقول: فالله قدّر الطاعة والمعاصي، وقدر الخير والشر، ومن كتب سعيدًا فهو سعيد، ومن كتب شقيًّا فهو شقي» (٢).
٥ - قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي وسأله علي بن جهم عمن قال بالقدر يكون كافرًا؟ قال: «إذا جحد العلم إذا قال: إن الله لم يكن عالمًا حتى خلق علمًا فعلم فجحد علم الله فهو كافر» (٣).
٦ - قال عبد الله بن أحمد: «سألت أبي مرة أخرى عن الصلاة خلف القدري، فقال: إن كان يخاصم فيه ويدعو إليه فلا تصل خلفه» (٤).
стр. 64
ج- قوله في الإيمان:
١ - أورد ابن أبي يعلى عن أحمد قال: «من أفضل خصال الإيمان الحب في الله والبغض في الله» (١).
٢ - وأورد ابن الجوزي عن أحمد قال: «الإيمان يزيد وينقص كما جاء في الخبر: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» (٢) ... » (٣).
٣ - وأخرج الخلال عن سليمان بن أشعث (٤) قال: «إن أبا عبد الله قال: الصلاة والزكاة والحج والبر من الإيمان والمعاصي
стр. 65
تنقص الإيمان» (١).
٤ - قال عبد الله بن أحمد: «سألت أبي عن رجل يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص ولكن لا يستثنى أمرجئ؟ قال: أرجو ألا يكون مرجئًا. سمعت أبي يقول: الحجة على ما لا يستثنى قول رسول الله ﷺ ، لأهل القبور: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (٢) ... » (٣).
٥ - قال عبد الله بن أحمد: «سمعت أبي ﵀ سُئل عن الإرجاء فقال: نحن نقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، إذا زنى وشرب الخمر نقص إيمانه» (٤).
стр. 66
د- قوله في الصحابة:
١ - جاء في كتاب السُّنَّة للإمام أحمد ما يأتي: «ومن السُّنَّة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ ، كلهم أجمعين، والكف عن ذكر مساوئهم والخلاف الذي شجر بينهم، فمن سبّ أصحاب رسول الله ﷺ ، أو أحدًا منهم فهو مبتدع، رافضي خبيث، مجلف، لا يقبل الله منه صرفًا، ولا عدلاً، بل حبهم سُنَّة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة».
ثم قال: «ثم أصحاب رسول الله ﷺ ، بعد الأربعة خير الناس، ولا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساوئهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه» (١).
٢ - أورد ابن الجوزي رسالة أحمد إلى مسدد وفيها: «وأن تشهد للعشرة أنهم في الجنة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجرّاح ومن شهد له النبي ﷺ ، شهدنا له بالجنة» (٢).
стр. 67
٣ - قال عبد الله بن أحمد: «سألت أبي عن الأئمة فقال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي» (١).
٤ - وقال عبد الله بن أحمد: «سألت أبي عن قوم يقولون: إن عليًّا ليس بخليفة، قال هذا قول سوء ردي» (٢).
٥ - وأورد ابن الجوزي عن أحمد قال: «من لم يثبت الخلافة لعلي فهو أضل من حمار أهله» (٣).
٦ - وأورد ابن أبي يعلى عن أحمد قال: «من لم يربع علي بن أبي طالب الخلافة فلا تكلموه، ولا تناكحوه» (٤).
هـ- نهيه عن الكلام والخصومات في الدين:
١ - أخرج ابن بطة عن أبي بكر المروزي قال: «سمعت أبا عبد الله يقول: من تعاطى الكلام لم يفلح، ومن تعاطى الكلام لم يخل أن يتجهم» (٥).
стр. 68
٢ - وأورد ابن عبد البر في جامع بيان العلم عن أحمد قال: «إنه لا يفلح صاحب كلام أبدًا ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل» (١).
٣ - وأخرج الهروي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: «كتب أبي إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان (٢) لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله أو في حديث رسول الله ﷺ ، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود» (٣).
٤ - وأخرج ابن الجوزي عن موسى بن عبد الله الطرسوسي قال: «سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا تجالسوا أهل الكلام وإن
стр. 69
(ذبوا) عن السُّنَّة» (١).
٥ - وأخرج ابن بطة عن أبي الحارث الصايغ قال: «من أحب الكلام لم يخرج من قلبه، ولا ترى صاحب كلام يفلح» (٢).
٦ - وأخرج ابن بطة عن عبيد الله بن حنبل قال: «حدثني أبي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: عليكم بالسنة والحديث وينفعكم الله به، وإياكم والخوض والجدال والمراء فإنه لا يفلح من أحب الكلام، وكل من أحدث كلامًا لم يكن آخر أمره إلا إلى بدعة، لأن الكلام لا يدعو إلى خير، ولا أحب الكلام ولا الخوض ولا الجدال، وعليكم بالسُّنن والآثار والفقه الذي تنتفعون به، ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء، أدركنا الناس ولا يعرفون هذا، ويجانبون أهل الكلام، وعاقبة الكلام لا تئول إلى خير، أعاذنا الله وإياكم من الفتن وسلمنا وإياكم من كل هلكة» (٣).
٧ - أورد ابن بطة في الإبانة عن أحمد قال: «إذا رأيت الرجل
стр. 70
يحب الكلام فاحذره» (١).
فهذه أقواله ﵀ في مسائل أصول الدين وهذا موقفه من عِلْم الكلام.
стр. 71
الخاتمة
ظهر لنا مما تقدم تطابق أقوال الأئمة الأربعة واتفاقهم لأن عقيدتهم واحدة، ما عدا مسألة الإيمان التي انفرد بها الإمام أبو حنيفة. ومع ذلك قيل إنه رجع عنها.
فهذه العقيدة هي الجديرة بأن تجمع المسلمين على كلمة سواء وتعصمهم من التفرق في الدين لأنها مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقليل من الناس من يفقه عقيدة هؤلاء الأئمة ويعرفها حق المعرفة ويفهمها حق الفهم فقد شاع أن هؤلاء الأئمة مفوضون لا يعرفون من النص إلا مجرد قراءته وكأن الله ما أنزل الوحي إلا عبثًا.
وقد قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢].
فالله تعالى أنزل الكتاب لتدبر آياته والاتعاظ به، وأخبر أنه أنزله بلسان عربي مبين ليعقل الناس معناه ويفهموه، وإذا كان الله نزله لتدبر آياته بلسان عربي مبين فإنه يلزم أن يكون معناه ميسرًا علمه لمن نزل إليهم بمقتضى ذلك اللسان، ثم إنه لو لم يكن معناه يمكن علمه لكان إنزاله عبثًا إذ لا فائدة من كلمات تنزل على قوم هي عندهم بمنزلة الحروف المهملة التي لا معنى لها.
فهذا القول جناية على عقيدة الصحابة والتابعين والأئمة من بعدهم ورمي لهم بما هم منه براء. فهم يعرفون معاني نصوص الوحي ويفقهونها لقربهم من عهد النبوة، بل هم أحق الناس بذلك وهم يتعبدون لله بعبادات فهموها من دلالة الكتاب والسنة واعتقدوها حقًّا وشرعًا من عند الله تعالى، فإذا فهموا الطريق الموصل لمعبودهم فكيف لا يعرفون معبودهم بصفات الكمال ولا يعقلون معاني النصوص التي عرف الله بها عباده بنفسه.
فالحاصل أن عقيدة هؤلاء الأئمة الأربعة هي العقيدة الصحيحة التي جاءت في الكتاب والسنة من منبع صاف لا تشوبه شائبة التأويل والتعطيل أو التشبيه أو التمثيل، فالمعطل
стр. 72
والمشبه لم يفهم من الصفات الإلهية إلا ما يليق بالمخلوقين وهذا خلاف ما فطر الله عليه العباد من أنه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
والله أسأل أن ينفع بهذه الرسالة المسلمين وأن يجمعهم على عقيدة واحدة وطريقة واحدة، عقيدة الكتاب والسنة وهدي النبي محمد ﷺ ، وسُنته، والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على نبينا محمد
стр. 73
فهرس المصادر والمراجع
١ - آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم، تحقيق عبد الغني عبد الخالق، ط دار الكتب العلمية، بيروت.
٢ - الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، د. فوقية حسين، ط الأولى سنة ١٣٩٧هـ، دار الأنصار، القاهرة.
٣ - البناية في شرح الهداية، لأبي محمد محمود العيني، ط دار الفكر الأدبي، سنة ١٤٠١هـ، بيروت.
٤ - اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، ط دار الكتب العلمية، ط أخرى الفرزدق الرياض.
٥ - الأسماء والصفات للبيهقي ط. دار إحياء التراث العربي.
٦ - الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للبيهقي، تحقيق أحمد عاصم الكاتب، ط دار الآفاق الجديدة، بيروت ١٤٠١هـ.
٧ - اتحاف السادة المتقين، للزبيدي، ط دار الفكر بيروت.
٨ - الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء لابن عبد البر، ط دار الكتب العلمية بيروت.
٩ - الإيمان لشيخ الإسلام، ط دار الطباعة المحمدية، تحقيق محمد الهراس.
стр. 74
١٠ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد للحافظ ابن عبد البر، تحقيق مصطفى العلوي وآخرين، وزارة الأوقاف الإسلامية، المملكة المغربية.
١١ - التوسل والوسيلة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق ربيع بن هادي، ط مكتبة لينة بمصر، ط أخرى دار الكتاب العربي، تحقيق عماد الدين حيدر ١٤٠٥هـ الأولى.
١٢ - السُّنَّة لعبد الله بن أحمد، تحقيق د. محمد بن سعيد القحطاني، ط دار ابن القيم، الدمام ١٤٠٦هـ، ط أخرى تحقيق أبي هاجر محمد بسيوني زغلول، ط دار الكتب العلمية بيروت ١٤٠٥هـ.
١٣ - السُّنَّة لابن أبي عاصم، ط المكتب الإسلامي، بيروت، ط الأولى.
١٤ - السنن الكبرى للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ط دار الفكر بيروت.
١٥ - الموسوعة العربية المُيسرة، ط دار نهضة لبنان للطباعة والنشر، بيروت.
١٦ - الرسالة للإمام محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق أحمد محمد شاكر، ط الحلبي.
١٧ - الدر المختار مع حاشية رد المحتار لمحمد أمين الشهير بابن عابدين، ط. البابي الحلبي.
стр. 75
١٨ - الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، الطبعة الثانية ١٤٠٢هـ.
١٩ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ط دار الكتاب العربي بيروت لبنان، ط أخرى دار الكتب العلمية، دار اللواء الرياض.
٢٠ - تقريب التهذيب لابن حجر، ط دار المعرفة بيروت لبنان ١٣٩٥هـ.
٢١ - تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ط دار الكتب العلمية بيروت.
٢٢ - تاريخ الإلحاد في الإسلام، عبد الرحمن بدوي مكتبة النهضة، القاهرة.
٢٣ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض، ط وزارة الأوقاف المغرب، ط أخرى مكتبة الحياة بيروت.
٢٤ - تذكرة الحفاظ للذهبي، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان.
٢٥ - تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط دائرة المعارف النظامية بحيدر أباد الهند.٢٩٧٣.