← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 2228

تاريخ القرآن الكريم

محمد طاهر الكردي

Полный текст (217 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وسببه كما في البخاري عن أنس ان حذيفة بن اليمان (١) قدم على عثمان وكان يغازى أهل الشام في فتح أرمينية وأذريجان مع اهل العراق

стр. 37

فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان يا امير المؤمنين أدرك هذه الامة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى (١) فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي الينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها اليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد ابن ثابت (٢) وعبد الله بن الزبير (٣) وسعيد بن العاص (٤) وعبد الرحمن

стр. 38

ابن الحارث بن هشام (١) فنسخوها في المصاحف (٢) وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم انتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فانه انما نزل بلسانهم ففعلوا (٣) حتى إذا نسخوا

стр. 39

الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وارسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق (١) قال ابن شهاب واخبرني خارجة بن زيد ابن ثابت سمع زيد بن ثابت قال فقدت آية من الاحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت اسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها

стр. 40

مع خزيمة بن ثابت الانصاري (١) " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهداو الله عليه " فالحقناها في سورتها في المصحف - رواه البخاري في كتاب التفسير في باب جمع القرآن ورواه الطبري في تفسيره بلفظ اخر وفي رواية ابى قلابة فلما فرغ عثمان من المصحف كتب إلى اهل الامصار انى صنعت كذا وكذا ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم اه وفي رواية شعيب عند ابن أبى داود (٢) والطبراني وغيرهما وأمرهم ان يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذى ارسل به اه. (نقول) اكثر الروايات على الاحراق وبعضها على المحو فيمكن الجمع بينها بأن نقول كان الاحراق فيما كتب على نحو الجلود والعظام وكان المحو فيما كتب على نحو الالواح والحجارة والمحو قد يكون بالغسل وقد يكون بالطمس. وفي رواية أن حذيفة قال يا أمير المؤمنين أدرك الناس فقال عثمان وما ذاك قال غزوت مرج أرمينيا فحضرها أهل العراق وأهل الشام فإذا أهل الشام يقرؤن بقراءة أبى بن كعب فيأتون

стр. 41

بما لم يسمع أهل العراق فيكفرهم اهل العراق وإذا أهل العراق يقرؤن بقراءة ابن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفرهم أهل الشام قال زيد فأمرني عثمان إلى آخر القصة (١) وفى رواية اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون (٢) فبلغ ذلك عثمان بن عفان فقال عندي تكذبون به وتلحنون فيه فمن نآى عنى من الامصار كان اشد تكذيبا واكثر لحنا يا اصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما. واخرج ابن ابى داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال قال على لا تقولوا في عثمان الا خيرا فو الله ما فعل الذى فعل في المصاحف الا عن ملا منا قال ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني ان بعضهم يقول قراءتى خير من قراءتك وهذا يكاد يكون كفرا قلنا فما ترى قال أرى ان يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف

стр. 42

قلنا فنعم ما رأيت (١) وقال على ايضا لو وليت لعملت بالمصاحف التى عمل بها عثمان. وفي عنوان البيان قال الالوسى في تفسيره وهذا الذى ذكرناه من فعل عثمان هو ما ذكره غير واحد من المحققين حتي صرحوا بان عثمان لم يصنع شيئا فيما جمعه أبو بكر من زيادة أو نقص أو تغيير ترتيب سوى انه جمع الناس على القراءة بلغة واحدة وهى لغة قريش محتجا بأن القرآن نزل بلغتهم اه (٢) وهو ظاهر في ان ترتيب السور كترتيب الآيات كان في عهد ابى بكر رضى الله عنه خلافا لما ذكره الحاكم في مستدركه. انتهى من عنوان البيان.

стр. 43

قال ابن حجر وكان ذلك (أي جمع عثمان للمصحف) في سنة خمس وعشرين قال وغفل بعض من أدركناه فزعم انه في حدود سنة ثلاثين ولم يذكر مستندا (١) قال ابن التين وغيره الفرق بين جمع ابى بكر وجمع عثمان أن جمع ابى بكر كان لخشية ان يذهب من القرآن شئ بذهاب حملته لانه لم يكن مجموعا في موضع واحد فجمعه في صحائف مرتبا لايات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرؤه بلغاتهم على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشى من تفاقم الامر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم وان كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الامر فرآى ان الحاجة إلى ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة اه فلو تأملت ما كان يحصل لبعضهم في عهد النبي ﷺ من الفزع وتغير الحال عند سماعه قراءة لا يعرفها كما سيأتي بيانه عند

стр. 44

حديث انزل القرآن على سبعة احرف، لم تستغرب حدوث الاختلاف في قراءة القرآن بعد وفاته ﵊ بنحو خمسة عشر عاما وان جمع عثمان القرآن بحرف واحد وحمل الناس عليه لهو عين الحكمة وعين الصواب، وهو سر قوله تعالى " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " ولو ترك الناس على ما كانوا عليه ولم تتوحد قراءتهم للقرآن لوقع التحريف والتبديل فيه إلى يوم القيامة..فرضى الله تعالى عن صحابة رسول الله اجمعين (فان قيل) لم امتثل زيد بن ثابت امر عثمان بجمع القرآن ولم يمتثل أمر أبى بكر الا بعد نظر ومراجعة (نقول) كان ذلك مع ابى بكر لان هذا الامر لم يفعله رسول الله ﷺ ولم يأمر به فخوفا من وقوعهم في محظور توقف هو وابو بكر ايضا عن موافقة عمر ثم بعد روية وتفكر ظهر لهم أن ذلك من المصلحة الدينية وأن تركهم له قد يؤدى إلى ضياع ما أنزله الله على رسوله، فبعد أن جمع زيد المصحف لابي بكر لا مبرر له في عدم موافقته وامتثاله امر عثمان خصوصا وقد رآى اختلاف الناس في قراءة القرآن (وان قيل) لم اسند أبو بكر حمع المصحف لزيد وحده واسنده إليه عثمان واشرك معه رجالا من قريش (نقول) اختص أبو بكر زيدا

стр. 45

وحده لما يعهده فيه من النشاط وقوة الشباب ولانه كان يكتب الوحى لرسول الله ﷺ فهو ادرى بأوجه القراءات كلها وعثمان انما اشرك معه نفرا من قريش لانه يريد جمع القرآن على حرف واحد وهو لغة قريش ويد من الانصار، ولانه يريد سرعة انجاز جمعه خوفا من تفاقم امر اختلاف الناس في القراءة ولننقل هنا شيئا مناسبا مما ذكره الامام محمد بن جرير الطبري المولود سنه اربع وعشرين ومائتين في اول تفسيره بعد أن بين وجهة حمل عثمان الناس على مصحفه وهو (فان قال) بعض من ضعفت معرفته وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله ﷺ وامرهم بقراءتها (قيل) ان امرهم بذلك لم يكن أمر ايجاب وفرض وانما كان أمر اباحة ورخصة الخ (ويسأل بعضهم) لم لم تكن الاحرف الستة الموجودة وقد انزلت من عند الله تعالى على نبيه ﷺ وهو أقرأها اصحابه فان نسخت فرفعت فما الدليل عليه، وان نسيتها الامة وتركتها فذلك تضييع ما قد امروا بحفظه (فأجاب الامام ابن جرير الطبري) على هذه الاسئلة بقوله: لم تنسخ الاحرف الستة فترفع ولا ضيعتها الامة وهى مأمورة بحفظها ولكن الامة أمرت بحفظ القرآن

стр. 46

وخيرت في قراءته وحفظه بأى تلك الاحرف السبعة شاعت وضرب لها مثلا في الفقه وهو إذا حنث موسر في يمين فله ان يختار كفارة من ثلاث كفارات اما بعتق أو اطعام أو كسوة فكذلك الامة امرت بحفظ القرآن وقراءته وخيرت في قراءته بأى الاحرف السبعة شاءت فرأت لعلة من العلل اوجبت عليها الثبات على حرف واحد (١) قراءته بحرف واحد ورفض القراءة بالاحرف الستة الباقية ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن له في قراءته به ثم اورد الطبري انباء ما قد حدث في ايام ابى بكر وعثمان من جمع المصحف اه كلام ابن جرير رحمه الله تعالى ولا يخفى ان جوابه سديد ومعتمد، وقد اطال البحث في هذا الموضوع فراجع تفسيره ان شئت وجاء في فتح الباري على صحيح البخاري قال أبو شامة وقد اختلف السلف في الاحرف السبعة التى نزل بها القرآن هل هي مجموعة في المصحف الذى بأيدى الناس اليوم أو ليس فيه الا حرف واحد منها مال الباقلانى إلى الاول وصرح الطبري وجماعته بالثاني وهو المعتمد اه منه

стр. 47

وجاء في فتح الباري ايضا ما نصه: وسبب اختلاف القراءات السبع وغيرها كما قال ابن ابى هشام ان الجهات التى وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه اهل تلك الجهة وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل قال فثبت اهل كل ناحية على على ما كانوا تلقوه سماعا عن الصحابة بشرط موافقة الخط وتركوا ما يخالف الخط امتثالا لامر عثمان الذى وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراءة الامصار مع كونهم متمسكين بحرف واحد من السبعة اه من فتح الباري لابن حجر (فخلاصة ما تقدم) أن أبا بكر أول من جمع القرآن باشارة عمر رضى الله عنهما وكان جمعه بالاحرف السبعة كلها التى نزل بها القرآن وسببه الخوف من ضياعه بقتل القراء في الغزوات - ثم في خلافة عثمان كثر اختلاف الناس في قراءة القرآن فخشى رضى الله عنه عاقبة هذا الامر الخطير وقام بجعع القرآن على حرف واحد من الا حرف السبعة وهو حرف قريش وترك الا حرف الستة الباقية حرصا منه على جمع المسلمين على مصحف واحد وقراءة واحدة وعزم على كل من كان عنده مصحف مخالف لمصحفه الذى جمعه أن يحرقه فأطاعوه واستصوبوا رأيه - فالمصحف العثماني لم يجمع الا بحرف واحد من

стр. 48

الاحرف السبعة وان القراءات المعروفة الآن جميعها في حدود ذلك الحرف الواحد فقط واما الاحرف الستة فقد اندرست بتاتا من الامة كما صرح بهذا الامام ابن جرير الطبري في تفسيره حيث قال " فتركت الامة القراءة بالاحرف الستة التى عزم عليها امامها العادل (يعنى عثمان) في تركها طاعة منها له ونظرا منها لانفسها ولمن بعدها من سائر اهل ملتها حتى درست من الامة معرفتها وتعفت آثارها فلا سبيل لاحد اليوم إلى القراءة بها لدثورها وعفو آثارها وتتابع المسلمون على رفض القراءة بها من غير جحود منها بصحتها وصحة شئ منها ولكن نظرا منها لانفسها ولسائر اهل دينها فلا قراءة اليوم للمسلمين الا بالحرف الواحد الذى اختاره لهم امامهم الشفيق الناصح دون ما عداه من الا حرف الستة الباقية فان قال بعض من ضعفت معرفته وكيف جاز لهم ترك قراءة اقرأهموها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها قيل ان امرهم بذلك لم يكن امر ايجاب وفرض وانما كان اباحة ورخصة..الخ اه فتنبه لهذا الموضوع المهم ولا تفوتك معرفته فانه مبحث نفيس. ولقد اتينا بكلام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى لانه من كبار الائمة ولان عصره كان قريبا من عصر الصحابة والتابعين فانه ولد سنة مائتين واربع وعشرين وطاف الاقاليم في طلب العلم وسمع

стр. 49

عن الثقات الاجلة وجمع من العلوم ما لم يشاركه احد في عصره وله تصانيف عديدة حكى انه مكث اربعين سنة فكتب في كل يوم منها اربعين ورقة توفى في شوال عام ثلاثمائة وعشره وصلى على قبره عدة شهور ليلا ونهارا اه باختصار من طبقات الشافعية الكبرى ولنختم هذا الفصل بابيات في موضوع جمع القرآن من نظم الامام الشاطبي رحمه الله تعالى في عقيلة اتراب القصائد وهى: ان اليمامة أغواها مسيلمة الك * - ذاب في زمن الصديق إذ خسرا وبعد بأس شديد حان مصرعه * وكان بأسا على القراء مستعرا نادى أبا بكر الفاروق خفت على الق * - راء فادارك القرآن مستطرا فأجمعوا جمعه في الصحف واعتمدوا * زيد بن ثابت العدل الرضى نظرا فقام فيه بعون الله يجمعه * بالنصح والجد والحزم الذي بهرا من كل أوجهه حتى استتم له * بالاحرف السبعة العليا كما اشتهرا فأمسك الصحف الصديق ثم إلى الف * - اروق أسلمها لما قضى العمرا وعند حفصة كانت بعد فاختلف الق * - راء فاعتزلوا في أحرف زمرا وكان في بعض مغزاهم مشاهدهم * حذيفة فرآى في خلفهم عبرا فجاء عثمان مذعورا فقال له * أخاف أن يخلطوا فادارك البشرا فاستحضر الصحف الاولى التي جمعت * وخص زيدا ومن قريشهم نفرا على لسان قريش فاكتبوه كما * على الرسول به انزاله انتشرا فجردوه كما يهوى كتابته * ما فيه شكل ولا نقط فيحتجرا

стр. 50

الفصل الثاني (في احتياط الصحابة في كتابة القرآن) جمع القرآن العظيم لاول مرة في التاريخ وهو مفرق في الالواح والعظام وصدور الرجال ليس بالامر الهين، بل هو عمل خطير يحتاج إلى عناية كبرى ونثبت تام * لذلك ما كانت اللجنة القائمة بجمعه يعتمدون على ما في صدورهم منه وفيهم من يحفظه كله كما انهم ما كانوا يكتفون بمجرد نظر إلى ما هو مكتوب في الرقاع ونحوها بل يأخذونه عمن تلقاه سماعا من رسول الله ﷺ فذلك أدعى للاطمئنان والاحتياط وأبعد للشك والارتياب. فقد اخرج ابن أبى داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال قدم عمر فقال من تلقى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والالواح والعسب وكان زيد لا يقبل من احد شيئا حتى يشهد شهيدان. واخرج ابن أبى داود ايضا من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه. فهاتان الروايتان تدلان صريحا انهم ما كانوا يكتفون بمجرد وجدان شئ من كتاب الله مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعا

стр. 51

زيادة في الاحتياط، وهذه الطريقة محكمة جدا وحيث يطمئن إليها كل مسلم ولا تدع مجالا لطعن المنافقين. قال ابن حجر - وكأن المراد بالشاهدين شاهد الحفظ والكتابة قال السخاوي المراد انهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدى رسول الله ﷺ (١) والمراد انهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التى نزل بها القرآن. يقول بعض المعاصرين لنا - أن رواية الجلوس على باب المسجد واستعراض مالدى الناس من قرآن هي إلى الوهم اقرب منه إلى الحقيقة - فنقول - ان جمع القرآن بالاحرف السبعة واستقصاؤها لا يكون الا باستعراض ما لدى الناس من قرآن لما عسى ان توجد عند بعضهم آية أو قراءة من الاحرف السبعة تلقاها من النبي ﷺ لا توجد عند آخر - ثم ان المسجد في ذلك العهد هو خير مكان يليق باستقبال الناس لمثل هذا الامر الجليل، فالحضارة المدنية المستلزمة لانتظام دواوين الحكومات لم تكن تعرف عند العرب وقنئذ بل كانوا في حالة من البداوة وبساطة العيش حتى ان نفس المسجد النبوى كان سقفه

стр. 52

من الجريد وجدرانه من اللبن، فإذا علم ما ذكر زال الاستغراب من هذه الرواية التى هي عين الحقيقة. واخرج ابن أشتة في المصاحف عن الليث بن سعد قال أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية الا بشاهدي عدل وان آخر سورة براءة لم توجد الا مع خزيمة بن ثابت (١) فقال اكتبوها فان رسول الله ﷺ جعل شهادته بشهادة رجلين (٢) فكتب وان عمر اتى بآية الرجم

стр. 53

فلم يكتبها لانه كان وحده (١) وروى ابن عساكران عثمان خطب في الناس يومئذ وعزم على كل رجل عنده شئ من كتاب الله لما جاء به فكان الرجل يجئ بالورقة والاديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة ثم دعاهم رجلا رجلا فناشدهم اسمعت رسول الله ﷺ وهو املاه عليك فيقول نعم فلما فرغ من ذلك عثمان قال من اكتب الناس (٢) قالوا كاتب رسول الله ﷺ

стр. 54

زيد بن ثابت قال فأى الناس أعرب (١) قالوا سعيد بن العاص قال فليمل سعيد وليكتب زيد اه - وفي الرواية السابقة ان عثمان احضر معهما عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وقد تقدمت ترجمتهم فرواية ابن عساكر هذه تقتضي ان عثمان استأنف في جمعه أخذ القرآن من الناس وبعد أن استوثق بصحة ما اتوه به من الآيات القرآنية أمر زيدا ومن معه بكتابته ونسخه، ورواية البخاري المتقدمة في الفصل الاول تدل على ان عثمان انما نسخ مصحفه عن صحف أبى بكر التى اخذها من حفصة وقد علمت ان جمعه وجمع أبى بكر متفقان غير أن جمع عثمان كان بحرف واحد وهو لغة قريش وجمع أبى بكر كان بجميع الاحرف السبعة فعلى رواية ابن عساكر يمكن ان نقول ان عثمان فعل ذلك للوقوف على ما عند الناس من القراءات، أو لانه عزم في نفسه على احراق ما كتبه الناس من القرآن إذا تم نسخ مصحفه - لا انه فعل لشكه في صحة جمع ابى بكر وهو الذى اعتمد في نسخ مصحفه على صحف أبى بكر

стр. 55

ففى هذه الروايات كلها دلالة واضحة على شدة احتياطهم في جمع القرآن الكريم وتثبتهم في كتابته لذلك اجمعت الصحابة كلهم على هذا العمل المبرور وتلقوه بالقبول التام (١) وكان عددهم حينئذ اثنى عشر ألفا تقريبا (٢) رضى الله عنهم اجمعين الفصل الثالث (في ضبط وتصحيح المصحف الكريم) قد يتوهم بعض قاصري العقول ان القرآن ربما سقط منه شئ حين نسخهم وجمعهم له أو حصل فيه تغيير أو تحريف كما زعم ذلك

стр. 56

بعض المستشرقين من الافرنج وكما زعمت الشيعه ان الصحابة حرفوا القرآن وأسقطوا كثيرا من اياته وسوره وكتموا ما نزل في امامة على رضى الله عنه واستخلافه (١) فنقول. ان الله تعالى قد تكفل بحفظ القرآن الكريم وضمن صيانته من عبث العابثين بصريح قوله " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " وقوله " وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " واى دليل اعظم على ذلك من مرور أربعة عشر قرنا والقرآن هو هو ما مسته ايدى الخلائق بالتحريف ولا بالتزوير وهكذا يكون محفوطا إلى ان يرفعه الله من الصدور والمصاحف فلا تبقى في الارض منه آية ويكون هذا في اخر الزمان قبل يوم القيمة كما جاء في كثير من الاخبار (٢) فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم ما كانوا ليتهاونوا في امر المصحف وهم الذين ايد الله بهم الاسلام، فقد ورد عن زيد بن ثابت انه قال كنت

стр. 57

اكتب الوحى عند رسول الله ﷺ وهو يملى على فإذا فرغت قال اقرأه فأقرؤه فان كان فيه سقط أقامه. وفي بعض الروايات عن زيد بن ثابت ايضا المتخصص في كتابة القرآن أنه قال - فلما فرغت (أي من نسخ مصحف عثمان) عرضته عرضة فلم اجد فيه هذه الاية من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (١) قال فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها فلم اجدها عند احد منهم ثم استعرضت الا نصار أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم حتى وجدتها عند خزيمة (يعنى ابن ثابت) (٢) فكتبتها ثم عرضته عرضة اخرى فلم اجد فيه هاتين الآيتين لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه

стр. 58

ما عنتم حريص عليكم. إلى اخر السورة فاستعرضت المهاجرين فلم اجدها عند أحد منهم ثم استعرضت الانصار أسألهم عنها فلم اجدها عند احد منهم حتى وجدتها مع رجل آخر يدعى خزيمة ايضا (١) فأثبتها في آخر براءة ولو تمت ثلاث ايات لجعلتها سورة على حدة ثم عرضته عرضة اخرى فلم أجد فيه شيئا ثم ارسل عثمان إلى حفصة يسألها ان تعطيه الصحيفة وحلف لها ليردنها إليها فأعطته فعرض المصحف عليها فلم يختلف في شئ (٢) فردها إليها وطابت نفسه وأمر الناس أن يكتبوا مصاحف (٣) فأنت ترى في كلام زيد بن ثابت أنه بعد فراغه من كتابة

стр. 59

المصحف راجعه ثلاث مرات ثم راجعه امير المؤمنين عثمان بنفسه فلما اطمأن قلبه حمل الناس على ان يكتبوا المصاحف على؟ فط هذا المصحف الامام، فهل بعد هذه المراجعات الاربعة واجماع الصحابة كلهم على قبوله يتطرق الشك إلى قلب احد من المسلمين في كلام رب العالمين القائل " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " ولو جوزنا في نسخ القرآن وكتابته وجمعه السهو والنسيان عليهم أو عدم معرفتهم لاصول الكتابة وقواعد الاملاء لادى ذلك فيه إلى التغيير والتبديل والنقص والزيادة وهذا محال فالقرآن سليم من اللحن والغلط ليس فيه حرف زايد ولا حرف ناقص ولا تبديل في كلمة ولا تحريف في اخرى - وكيف لا يكون كذلك والذين جمعوه هم كبار الصحابة وأشراف العرب الذين عنهم اخذت الفصاحة وفيهم ظهر البيان وقد تلقوه غضا طريا من رسول الله ﷺ وأما ما ورد أن عثمان رضى الله عنه قال (ان في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها) فغير صحيح ولا يعقل ان عثمان يقول ذلك لا قبل جمعه القرآن ولا بعده - نعم انه قال قبل جمعه لما بلغه اختلاف الناس في القرآن حتى اقتتل الغلمان والمعلمون (عندي تكذبون به وتلحنون فيه فمن نآى عنى من الامصار كان اشد تكذيبا واكثر لحنا يا اصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس اماما) ولا يخفى الفرق بين القولين

стр. 60

وقد رد القول الاول العلامة الالوسى في اول تفسيره روح المعاني بقوله. فالحق ان ذلك لا يصح عن عثمان والخبر ضعيف مضطرب منقطع إذ كيف يظن بالصحابة اولا اللحن في الكلام فضلا عن القرآن وهم هم ثم كيف يظن بهم ثانيا اجتماعهم على الخطأ وكتابته ثم كيف يظن بهم ثالثا عدم التنبه والرجوع ثم كيف يظن بعثمان عدم تغييره وكيف يتركه لتقيمه العرب وإذا كان الذين تولوا جمعه لم يقيموه وهم الخيار فكيف يقيمه غيرهم فلعمري ان هذا مما يستحيل عقلا وشرعا وعادة اه منه ومن المشاهد انه لو أمر احد الملوك أو الامراء بنسخ مصحف أو كتاب لا يقدمه الكاتب إليه الا بعد العناية بتصحيحه والتثبت من عدم وجود أي غلط فيه فكيف بهؤلاء الصحابة الذين بذلوا أنفسهم لله لا يتحرون في كتابة وضبط المصحف الكريم الذى هو اساس الدين الاسلامي الحنيف هذا ولقد وصلت عدة مصاحف من جمع عثمان إلى البلدان الاسلامية فلو وجدوا فيها خطأ أو غلطا لما سكت احد من المسلمين عليه ولكنهم أجمعوا على صحتها وقبولها وقد قال ﵊ " ان امتى لن تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الاعظم " رواه ابن ماجة عن انس بن مالك وهو حديث صحيح

стр. 61

وقال ايضا في حديث العرباض بن سارية " فانه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ " رواه أبو داود والترمذي ولهذا كان اجماعهم حجة. على انك لن تجد من المسلمين عناية بشئ كعنايتهم بكتاب الله تعالى الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - سواء في نسخه أو تصحيحه أو حفظه أو حرمته وهذا لا يحتاج إلى دليل. وانظركم من المصاحف التى لا تعد ولا تحصى قد كتبت منذ بدء الاسلام إلى يومنا هذا " أي اربعة عشر قرنا " فهل رأيت فيه تبديلا أو تغييرا مع كثرة اعداء الدين من مختلف الاجناس والعقول (ولنختم هذا الفصل) بما رواه البيهقى عن يحى بن اكثم قال دخل يهودى على المأمون فأحسن الكلام فدعاه إلى الاسلام فابى ثم بعد سنة جاء مسلما فتكلم في الفقه فأحسن الكلام فسأله المأمون ما سبب اسلامه قال انصرفت من عندك فامتحنت هذه الاديان فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها البيعة (١) فاشتريت منى وعمدت إلى الانجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها البيعة فاشتريت مني وعمدت إلى القرآن فكتبت

стр. 62

ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها إلى الوراقين (١) فتصفحوها فوجدوا فيها الزيادة والنقصان فرموا بها فلم يشتروها فعلمت ان هذا الكتاب محفوظ فكان هذا سبب اسلامي - ذكره الزرقاني على المواهب في الجزء الخامس (حفظة القرآن) (في عهد النبي ﷺ حفظ كثير من الصحابة القرآن كله على عهد رسول الله ﷺ فممن حفظه من المهاجرين أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وطلحة، وسعد وابن مسعود، وحذيفة (٢) وسالم مولى ابى حذيفة (٣) وابو هريرة وابن عمر، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله، ومعاوية

стр. 63

وابن الزبير، وعبد الله بن السائب، وعائشة، وحفصة، وام سلمة (١) وأم ورقة (٢) وممن حفظه من الانصار * زيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبى ابن كعب، وابو الدرداء، ومجمع بن حارثه، وانس بن مالك، وابو زيد الانصاري أحد عمومة أنس بن مالك (٣) رضى الله تعالى عنهم اجمعين (ومما يناسب المقام) ما يروى. أن خزرجا كانت تفاخر أوسا بأربعة ممن حفظوا القرآن كله على عهد النبي ﷺ ، وأن أوسا كانت تفاخر خزرجا

стр. 64

بأربعة ممن لهم مناقب اخرى وإلى مفاخرتهما اشار صاحب نظم عمود النسب رحمه الله تعالى بقوله. فاخرت الخزرج أوسا بنفر * مع النبي حفظوا كل السور زيد بن ثابت معاذ بن جبل * ثم أبى وابو زيد البطل والاوس خزرجا بذى الشهادة * كانت شهادتين في الافاده والمراد بذى الشهادتين خزيمة بن ثابت وبما ان المقصود ذكر حفاظ القرآن لم نأت ببقية المفاخرة * وإذا تأملت حالة العرب اول ظهور الاسلام وعدم انتشار الكتابة بينهم علمت ان عدد الذين ذكرناهم ممن يحفظ القرآن كله ليس بقليل - ولا شك ان جميع الصحابة رضى الله عنهم يحفظون منه بعض السور والآيات كل منهم بحسب فراغه واستعداده وذلك لصلواتهم وعباداتهم. الفصل الرابع (في ترتيب آيات القرآن وسوره) جاء في كتاب الاتقان للسيوطي ان الاجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك (اما الاجماع) فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان وابو جعفر بن الزبير في مناسباته وعبارته ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره

стр. 65

من غير خلاف في هذا بين المسلمين (ومنها النصوص) فمنها حديث زيد السابق كنا عند النبي ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع، ومنها ما اخرجه احمد بأسناد حسن عن عثمان بن أبى العاص قال كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص (١) ببصره ثم صوبه ثم قال أتانى جبريل فأمرني أن أضع هذه الاية هذا الموضع من هذه السورة (ان الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى إلى اخرها) ومنها ما اخرجه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الانفال وهى من المثانى وإلى براءة وهى من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال (٢) فقال عثمان كان رسول الله ﷺ

стр. 66

تنزل عليه السورة ذات العدد فكان إذا نزل عليه الشئ دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هذه الآيات في السورة التى يذكر فيها كذا وكذا وكانت الانفال من اوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من اخر القرآن نزولا وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت انها منها فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا انها منها فمن اجل ذلك قرنت بينهما ولم اكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطوال واخرج القشيرى الصحيح ان التسمية لم تكن فيها (أي في براءة) لان جبريل ﵇ لم ينزل فيها

стр. 67

وقال البغوي في شرح السنة: الصحابة رضى الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذى انزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئا خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته فكتبوه كما سمعوا من رسول الله ﷺ من غير أن قدموا شيئا أو أخروا أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ يلقن اصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذى هو عليه الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل اياه على ذلك واعلامه عند نزول كل آية ان هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا فثبت ان سعى الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه فان القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب الذى انزله الله جملة إلى السماء الدنيا ثم كان ينزله مفرقا عند الحاجة وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة - اه من الاتقان (واما ترتيب السور) ففى كونه اجتهاديا أو توقيفيا خلاف والجمهور على الاول قال أبو بكر الانباري انزل الله تعالى القرآن كله إلى سماء الدنيا ثم فرقه في بضع وعشرين فكانت السورة تنزل لامر يحدث والآية جوابا لمستخبر فيوقف جبريل النبي ﷺ على موضع الآية والسورة فمن قدم أو أخر فقد افسد نظم القرآن *

стр. 68

وقال ايضا اتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي ﷺ فمن قدم سورة أو اخرها فقد افسد نظم القرآن. وفي ايقاظ الاعلام قال أبو جعفر النحاس والمختار كون ترتيب السور توقيفا كالآيات وقال الزركشي والخلاف بين الفريقين في ترتيب السور لفظي لان القائل بعدم صدوره من النبي ﷺ يقول انه رمز لهم بذلك والثانى يقول انه صرح لهم به ولذلك قال مالك انما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ اه وذكر الامام النووي في شرحه على صحيح مسلم في باب صلاة النبي ﷺ ودعائه في الليل عند حديث حذيفة قال صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلى بها في ركعة فمضى فقلت يركع ذبها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح ال عمران فقرأها يقرأ مترسلا ... الخ الحديث - مانصه - قال القاضى عياض فيه دليل لمن يقول ان ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف وانه لم يكن ذلك من ترتيب النبي ﷺ بل وكله إلى امته بعده قال وهذا قول مالك وجمهور العلماء واختاره القاضى أبو بكر الباقلانى قال ابن الباقلانى هو اصح القولين مع احتمالهما قال والذى نقوله ان ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة ولا في الصلاة ولا في

стр. 69

الدرس ولا في التلقين والتعليم وانه لم يكن من النبي ﷺ في ذلك نص ولا حد تحرم مخالفته ولذلك اختلف ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان قال واستجاز النبي ﷺ والامة بعده في جميع الاعصار ترك ترتيب السور في الصلاة والدرس والتلقين - قال واما على قول من يقول من اهل العلم ان ذلك بتوقيف من النبي ﷺ حدده لهم كما استقر في مصحف عثمان انما اختلف المصاحف قبل ان يبلغهم التوقيف والعرض الاخير فيتأول قراءته ﷺ النساء أولا ثم آل عمران هنا على انه كان قبل التوقيف والترتيب وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أبى قال ولا خلاف انه يجوز للمصلى ان يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التى قرأها في الاولى وانما يكره ذلك في ركعة ولمن يتلو في غير صلاة قال وقد اباحه بعضهم وتأول نهى السلف عن قراءة القرآن منكوسا على من يقرأ من اخر السورة إلى اولها قال ولا خلاف ان ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف وهكذا نقلته الامة عن نبيها ﷺ هذا آخر كلام القاضي عياض والله تعالي اعلم انتهى ما ذكره النووي. قال السيوطي في الاتقان والذى ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقى وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفي الا براءة والانفال ولا ينبغى ان يستدل بقراءته صلى الله عليه وسلم

стр. 70

سورا ولاء على ان ترتيبها كذلك وحينئذ فلا يرد حديث قراءته النساء قبل آل عمران لان ترتيب السور في القراءة ليس بواجب ولعله فعل ذلك لبيان الجواز اه وقال الكرماني: ترتيب السور هكذا هو عند الله تعالى في اللوح المحفوظ وعليه كان رسول الله ﷺ يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرض عليه في السنة التى توفى فيها مرتين، وقال ابن الحصار ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها انما كان بالوحى كان رسول الله ﷺ يقول ضعوا آية كذا في موضع كذا وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله ﷺ ومما اجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف اه وقال البيهقى في المدخل كان القرآن على عهد النبي ﷺ مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب الا الانفال وبراءة لحديث عثمان السابق اه وقد ذكر السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه الاتقان روايات عديدة فراجعه ان شئت وإلى ما سبق أشار الشيخ محمد العاقب الشنقيطى ﵀ في نظمه كشف العمى بقوله: قد أنزل القرآن دون ثنيا (١) * ليلته إلى سماء الدنيا ثم على قلب النبي هجما * به الامين أنجما منجما

стр. 71

وليس ترتيب النزول كالادا * وفي الاد الترتيب بالوحى اقتدى (١) فهو كما هو عليه مستطر * في لوحه المحفوظ نعم المستطر وذاك في السور في القول الاحق * والحق في الآى عليه متفق ويحرم التنكيس فيه والخبر * جاء بتنكيس قراءة السور (٢) (واما اسماء السور) فبتوقيف من النبي ﷺ كما ثبت ذلك من الآحاديث والآثار فمن ذلك ما اخرجه احمد باسناد حسن عن عثمان بن ابى العاص قال كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال أتانى جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى

стр. 72

إلى آخرها (ومنه) ما أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة ان البيت الذى تقرأ فيه البقرة لا يدخله شيطان (ومنه) ما اخرجه مسلم ايضا عن ابى الدرداء مرفوعا من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال وفي لفظ من قرا العشر الاواخر من سورة الكهف * ومن تتبع ما ورد في خصائص بعض السور ظهر له ذلك واضحا جليا فلا داعى لاطالة البحث. فعلم من جميع ما تقدم ان ترتيب آيات القرآن توقيفي باتفاق العلماء، وكذلك تسمية السور باسماء خاصة، وان ترتيب سوره مختلف فيه فقال بعضهم انه توقيفي وقال بعضهم انه من اجتهاد الصحابة رضى الله تعالى عنهم. ولقد أنعمنا النظر في ترتيب السور فلم يظهر لنا ترجيح أحد القولين على الآخر فلكل منهما وجهة ولا يسعنا الا أن نفوضه إلى علام الغيوب، ولا بأس أن نذكر هنا ما يؤيد كلا القولين فنقول (الدليل على انه توقيفي) أن الصحابة رضى الله تعالى عنهم هم أشد الناس اقتداء برسول الله ﷺ وأبعدهم عن الابتداع والعمل بالظن والهوى، ومما لا شك فيه انه حين جمعهم للقرآن الكريم تحروا فيه كل شئ فما قدموا سورة على اخرى الا باستناد إلى أمره ﷺ أو فعله

стр. 73

أو تقريره، ولا يخفى أن النبي ﷺ عرض القرآن على جبريل مرتين (١) في السنة التى توفى فيها، ولا ريب أن القرآن حينئذ كان قد انزل كله على رسول الله ﷺ فعرضه على جبريل هذه المرة كان من أوله الي آخره، وبالضرورة يكون ترتيبه على ما هو في اللوح المحفوظ الموافق على ما هو عليه الآن بهذه الصفة إذ لا يعرضه ﷺ العرض الاخير على جبريل الا مرتب الايات والسور، وان زيد بن ثابت كان حاضرا هذه العرضة الاخيرة وهو كاتب الوحى فعلى هذه العرضة كتب مصحف ابى بكر ومصحف عثمان. ثم لا يعقل أن يضعوا سور القرآن كيفما اتفق لهم، فلو كان ترتيبها باجتهادهم لرتبوها اما بحسب تاريخ نزولها أو مواقعها، واما بحسب طولها وقصرها، واما بحسب ترتيب مصحف احد كبار الصحابة

стр. 74

كعلى بن ابى طالب وابن عباس وابن مسعود وأبى بن كعب - وكل ذلك لم يكن فما هناك سوى التوقيف (والدليل على انه اجتهادى) ما جاء في صحيح مسلم عن حذيفة قال صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلى بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا..الخ الحديث، فكونه ﷺ قرأ النساء اولا ثم آل عمران فيه دليل على ان ترتيب سور المصحف من اجتهاد الصحابة كما تقدم ذلك من قول القاضى عياض وان ترتيبها في الصلاة ليس بواجب وايضا ما جاء في صحيح البخاري عن يوسف بن ماهك قال انى عند عائشة ام المؤمنين رضى الله عنها إذ جاءها عراقى فقال أي الكفن خير قالت ريحك وما يضرك قال يا ام المؤمنين ارينى مصحفك قالت لم قال لعلى أولف القرآن عليه فانه يقرأ غير مؤلف قالت وما يضرك أيه قرأت قبل انما نزل اول ما نزل منه سورة من المفصل..الخ الحديث، ففى قول عائشة للعراقي وما يضرك أيه قرأت قبل دليل على أن ترتيب السور في التلاوة ليس بواجب، وهو كذلك في جميع المذاهب فانه يجوز ترك ترتيبها في الصلاة والتلاوة والدرس، لان كل سورة

стр. 75

مستقلة بذاتها مستوفية لآياتها - ويفهم من هذا الحديث أن الناس كانوا يقرؤن القرآن ويكتبونه من غير ترتيب لسوره حتى جمع عثمان مصحفه وحمل الناس عليه. فلو كان ترتيب المصحف توقيفيا لم يختلف ترتيب السور في مصاحف كبار الصحابة كعلى بن ابى طالب وأبى بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعائشة ام المؤمنين وزيد ابن ثابت فكل واحد من هؤلاء كتب مصحفه على عهد رسول الله ﷺ فمصحف على كان أوله اقرأ ثم المدثر ثم ن وهكذا إلى آخر المكى والمدنى ومصحف ابن مسعود كان أوله البقرة ثم النساء ثم آل عمران على اختلاف شديد، وقد ذكر ابن النديم في كتابه الفهرست (١) ترتيب سور مصاحف بعض الصحابة كما ذكره ايضا السيوطي في كتابه الاتقان فراجعهما ان شئت. فلو كان هناك أمر صريح أو اشارة خفية من النبي ﷺ في ترتيب سور المصحف لما عزب ذلك على هؤلاء وهم من اجلاء الصحابة واكثرهم اتصالا به ﵊
следующие страницы →