Полный текст (64 стр.). Показаны 36–64 · переход к 41.
стр. 36
- وَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ: طَلَبْتُ الدُّنْيَا مِنْ مَظَانِّهَا حَلالا، فَجَعَلْتُ لا أُصِيبُ مِنْهَا إِلا قُوتًا، أَمَّا أَنَا فَلا أُعِيلُ فِيهَا، وَأَمَّا هُوَ فَلا يُجَاوِزُنِي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: أَيْ نَفْسِي، جُعِلَ رِزْقُكِ كَفَافًا فَارْبَعِي فَرَبَعَتْ وَلَمْ تَكَدْ
- كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَهُ تجلةَ وَعَطَايَا وَمَعْرُوفٌ، فَأَصَابَهُ رَيْبُ الزَّمَانِ فَاحْتَاجَ مَالا، فَأَرَادَ أَنْ يَضْرِبَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَقَالَتْ بُنَيَّةٌ لَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلا حَكَاهُ عَنْهَا فِي شِعْرٍ لَهُ، فَقَالَ:
تَقُولُ ابْنَتِي وَالسَّيْرُ قَدْ جَدَّ جَدُّهُ ... وَقَدْ حَصَرَتْنِي بَغْتَةٌ وَرَحِيلُ
لَعَلَّ الْمَنَايَا فِي ارْتِحَالِكَ تَفْتَدِي ... بِنَفْسِكَ قَوْمًا أَوْ تَغُولُكَ غُولُ
فَتَتْرُكُنِي أُدْعَى الْيَتِيمَةَ بَعْدَمَا ... بين وَعِزِّي بَعْدَ ذَاكَ ذَلِيلُ
أَفِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَرَبُّكَ لِلَّذِي ... تُحَاوِلُ مِنْهَا وَالشُّخُوصَ كَفِيلُ
أَلَيْسَ ضَعِيفُ الْقَوْمِ يَأْتِيهِ رِزْقُهُ ... فَيُسَاقُ إِلَيْهِ وَالْبِلادُ مَحُولُ
وَيُحْرَمُ جَمْعَ الْمَالِ مَنْ لَمْ يَزَلْ بِهِ ... بِكُلِّ بِلادٍ رِحْلَةٌ وَحُلُولُ
فَلَوْ كُنْتَ فِي طَرْدٍ عَلَى رَأْسِ هَضْبَةٍ ... لَهَا لَجَبٌ فِيهِ الْوُعُولُ تَقِيلُ
بِصَعِيدَةٍ لا يُسْتَطَاعُ ارْتِقَاؤُهَا ... وَلَيْسَ إِلَى مِنْهَا النُّزُولِ سَبِيلُ
إِذًا لأَتَاكَ الرِّزْقُ يَحْدُوهُ سَائِقٌ ... حَثِيثٌ وَيَهْدِيهِ إِلَيْكَ دَلِيلُ
مِنْ مَوَاعِظِ الأَعْرَابِ
- حُكِيَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الأَعْرَابِ زَرَعُوا زَرْعًا، فَلَمَّا بَلَغَ أَصَابَتْهُ آفَةٌ فَذَهَبَتْ بِهِ،
стр. 37
فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى رُؤِيَ فِيهِمْ، فَخَرَجَتْ أَعْرَابِيَّةٌ مِنْهُمْ، فَقَالَتْ: مَا لِي أَرَاكُمْ مُتَغَيِّرَةٌ أَلْوَانُكُمْ، مَيِّتَةٌ قُلُوبُكُمْ، هُوَ رَبُّنَا فَلْيَفْعَلْ بِنَا مَا يَشَاءُ، وَرِزْقُنَا عَلَيْهِ، يَأْتِي بِهِ مِنْ حَيْثُ يَشَاءُ، ثُمَّ أَنْشَدَتْ تَقُولُ:
لَوْ كَانَ فِي صَخْرَةٍ فِي الْبَحْرِ رَاسِيَةٍ ... صَمَّاءَ مَلْمُومَةٍ مُلْسٌ نَوَاحِيهَا
رِزْقُ نَفْسٍ بَرَاهَا اللَّهُ لانْفَلَقَتْ ... حَتَّى تُؤَدِّي إِلَيْهِ كُلَّ مِا فِيهَا
أَوْ كَانَ بَيْنَ طِبَاقِ السَّبْعِ مَسْلَكُهَا ... لَسَهَّلَ اللَّهُ فِي الْمَرَاقِي مَرَاقِيهَا
حَتَّى تَنَالَ الَّذِي فِي اللَّوْحِ خُطَّ لَهَا ... فَإِنْ أَتَتْهُ وَإِلا سَوْفَ يَأْتِيهَا
- وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ وَائِلٍ: لا تَهْتَمَّ لِلرِّزْقِ، وَاجْعَلْ هَمَّكَ لِلْمَوْتِ
- وَقَالَ الْفُضَيْلُ: مَا اهْتَمَمْتُ لِرِزْقٍ أَبَدًا، أَوْ قَالَ: إِنِّي لأَسْتَحِي مِنْ رَبِّي أَنْ أَحْزَنَ لِرِزْقِي بَعْدَ رِضَائِهِ
- وَقَالَ مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمَانَ: إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكُونُ نَفْسًا لَيَوْمَ يُقَالُ: فَقِيرٌ
مِنْ حِكَمِ الْحَسَنِ بْنِ حُسَيْنٍ
- وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حُسَيْنٍ: إِنِّي لأُصْبِحُ وَمَا عِنْدِي دِينَارٌ، وَلا دِرْهَمٌ، وَلا رَغِيفٌ، كَأَنَّمَا حِيزَتْ لِيَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا
- وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حُسَيْنٍ لِرَجُلٍ: لا تَخَفْ أَنْ تَفْتَقِرَ وَإِنَّمَا خَفْ أَنْ تَسْتَغْنِيَ
- وَشَكَى رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ حُسَيْنٍ سُوءَ الْحَالِ، وَجَعَلَ يَبْكِي فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: يَا هَذَا، أَكُلُّ هَذَا اهْتِمَامُكَ بِالدُّنْيَا؟ وَاللَّهِ , لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا كُلُّهَا لِعَبْدٍ فَسُلِبَهَا، مَا رَأَيْتُهَا أَهْلا يَبْكِي عَلَيْهَا، وَاللَّهِ لأَنَا......
مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى الأَرْضِ أَشَدّ اهْتِمَامًا مِنِّي بِالرِّزْقِ مِنْ أَيْنَ يَأْتِينِي؟
стр. 38
- وَشَكَا رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ حَاجَةً وَضُرًّا، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ، لَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ دُنْيَا لَوْ لَمْ تَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ لَكَانَ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ
- وَكَتَبَ سُلَيْمَانُ بْنُ حُسَيْنٍ الْمُهَلَّبِيُّ إِلَى الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ وَقَدْ وَلِيَ الأَهْوَازَ، يَدْعُوهُ فَأَبَى أَنْ يَأْتِيَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ:
أَبْلِغْ سُلَيْمَانَ أَنِّي عَنْهُ فِي سَعَةٍ ... وَفِي غِنًى غَيْرَ أَنِّي لَسْتُ بِمَيْسُورِ
إِنِّي لا أَرَى أَحَدًا يَمُوتُ هَزْلا، وَلا يَبْقَى عَلَى حَالٍ، الرِّزْقُ هُوَ قَدَرٌ، لا الضَّعْفُ يُنْقِصُهُ، وَلا يَزِيدُكَ فِيهِ حَوْلٌ
حَدِيثٌ بَيْنَ ابْنٍ وَأُمِّهِ
- خَرَجَ فَتًى يَطْلُبُ الدُّنْيَا فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ فَكَتَبَ إِلَى أُمِّهِ:
سَأَكْسِبُ مَالا، أَوْ أُرَى فِي ضَرِيحَةٍ ... مِنَ الأَرْضِ لا تَبْكِي عَلَيَّ سُهُوبُ
وَلا....
عَلَى خَزِينَتِهِ ... وَلا أَحَدٌ مِمَّنْ أُحِبُّ قَرِيبُ
سِوَى أَنْ يَرَى قَبْرِي غَرِيبٌ فَرُبَّمَا ... بَكَى أَنْ يَرَى قَبْرَ الْغَرِيبِ غَرِيبُ
فَوَافَى الْكِتَابُ، وَقَدْ مَاتَتْ أُمُّهُ فَأَجَابَتْهُ خَالَتُهُ:
تَذَكَّرْتُ إِخْوَانًا وَأَذْرَيْتُ عَبْرَةً ... وَهَيَّجْتُ أَحْزَانًا، وَذَاكَ عَجِيبُ
فَإِنْ تَكُ مُشْتَاقًا إِلَيْنَا فَإِنَّنَا ... ظِمَاءٌ وَالْحَبِيبُ حَبِيبُ
فَمُنَّ عَلَى أُمٍّ عَلَيْكَ شَفِيقَةٌ ... بِوَجْهِكَ لا تَثْوِي وَأَنْتَ غَرِيبُ
فَإِنَّ الَّذِي يَأْتِيكَ بِالرِّزْقِ دَائِمًا ... يَجِيءُ بِهِ وَالْحَيُّ مِنْكَ قَرِيبَ
- وَقِيلَ لأَبِي أُسَيْدٍ الْفَزَارِيِّ: مِنْ أَيْنَ تَعِيشُ؟ فَكَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَهُ وَقَالَ: يَرْزُقُ اللَّهُ الْقِرْدَ وَالْخِنْزِيرَ، وَلا يَرْزُقُ أَبَا أُسَيْدٍ:
إِنَّ الْمَقَادِيرَ لا تُنَاوِلُهَا الأَوْهَامُ ... لُطْفًا وَلا تَرَاهَا الْعُيُونُ
سَيَجْرِي عَلَيْكَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ ... وَيَأْتِيكَ رِزْقُكَ الْمَضْمُونُ
- وَلِبَعْضِ السَّلَفِ:
إِنْ يُقَدِّرْ لَكَ الرَّحْمَنُ رِزْقًا ... فَعُدَّ لِرِزْقِهِ الْمُقَدَّمِ بَابًا
وَإِنْ يَحْرِمْكَ لَمْ تَسْتَطِعْ بِحَوْلٍ ... وَلا رَأَى الرِّجَالُ لَهُ اكْتِسَابَا
فَأَقْصِرْ مِنْ خُطَاكَ فَلَيْسَ يَغْدُو ... بِحِيلَتِكَ الْقَضَا وَلا الْكِتَابَا
стр. 39
- وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيُّ: كُنْتُ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّي وَكَانَ يُؤْتَى بِرِزْقِي حَتَّى يُوضَعَ فِي فَمِي، حَتَّى إِذَا كَبِرْتُ وَعَرَفْتُ رَبِّي سَاءَ ظَنِّي، فَأَيُّ عَبْدٍ أَشَرُّ مِنِّي
١١٧ - وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ مَرْفُوعًا: " إِنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَةً لَوْ أَخَذَتْهَا النَّاسُ لَكَفَتْهُمْ: " ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ الطلاق ٢ - ٣﴾
لَيْسَ أَحَدٌ بِأَكْسَبَ مِنْ أَحَدٍ
١١٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِأَكْسَبَ مِنْ أَحَدٍ قَدْ كَتَبَ اللَّهُ الْمُصِيبَةَ وَالأَجَلَ، وَقَسَمَ الْمَعِيشَةَ وَالْعَمَلَ، فَالنَّاسُ يَجْرُونَ فِيهَا إِلَى مُنْتَهًى»
- وَقِيلَ: لَمَّا قَدِمَ عُرْوَةُ بْنُ أُذَيْنَةَ الشَّاعِرُ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ: وَلَوْ قَعَدْتُ أَتَانِي لا يُعَنِّينِي قَالَ: جِئْتُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَعْطَاهُ أَرْبَعَ مِائَةِ دِينَارٍ، وَهَذَا هُوَ الشِّعْرُ:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ، وَمَا الإِشْرَافُ مِنْ خُلُقِي ... أَنَّ الَّذِي هُوَ رِزْقِي سَوْفَ يَأْتِينِي
أَسْعَى لَهُ فَيُعَنِّينِي تَطَلُّبُهُ ... وَلَوْ قَعَدْتُ أَتَانِي لا يُعَنِّينِي
- وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ: خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ فَإِذَا رَجُلٌ يَهْتِفُ بِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَخْرٍ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: لِلَّهِ أَبُوكَ لِهَذَا الْعَدُوِّ الَّذِي أُبِيحَ لأَبَوَيْنَا، وَهُمَا فِي الْجَنَّةِ يَأْكُلانِ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءَا، فَلَمْ يَزَلْ يُمَنِّيهِمَا وَيُدَلِّيهِمَا بِغُرُورٍ وَيُقَاسِمُهُمَا بِاللَّهِ، أَنَّهُ لَهُمَا مِنَ النَّاصِحِينَ، حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ.
ثُمَّ هَا هُوَ ذَا قَدْ نَصَبَ لَنَا فَنَحْنُ نُمَلِّي أَعْيُنَنَا إِلَى مَا لَمْ يُقْسَمْ لَنَا مِنَ الرِّزْقِ، حَتَّى تُقْطَعَ أَنْفُسُنَا دُونَهُ، وَيُزَهِّدُنَا فِي الَّذِي قَدِ انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ، وَجَوَّبَنَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ، حَتَّى تَنَصَّرَ فِي الشُّكْرِ.
قَالَ:
стр. 40
فَذَهَبْتُ لأُجِيبَهُ فَمَا أَدْرِي كَيْفَ ذَهَبَ.
قَالَ: فَذَكَرْتُهُ، فَقِيلَ: ذَاكَ الْخِضْرُ، وَلا نَظُنُّ إِلا الْخِضْرَ ﵇
- وَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: كَتَبْتُ إِلَى رَجُلٍ حَرِيصٍ عَلَى الدُّنْيَا: أَمَّا بَعْدُ , أَصْلَحَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ لِمَا لَهُ خَلَقَنَا، وَحَصِّننَّا وَإِيَّاكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ أَصْبَحْنَا، فَإِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي أَنْكَدِ النَّكَدِ، مِنْ أَكْدَرِ الْكَدَرِ , لا نَنَالُ الدُّنْيَا إِلا بِأَطْوَلَ نَصَبٍ، وَأَشَدَّ تَعَبٍ مَعَ أَنَّا فِيمَا.....
نَخُوضُ، الذُّلّ، وَنُعْرَفُ بِالصَّغَارِ، وَلا تَدَعْنَا نَجْتَرُّ بِهِ إِلَى انْتِفَاعٍ.
وَلَقَدْ رَأَيْنَا فِي هَذِهِ الدَّارِ الْعَجَبَ، وَالاعْتِبَارَ، الْعَجَبَ مِنَ الضَّعِيفِ فِي ضَعْفِهِ، وَالْعَاجِزِ فِي حِيلَتِهِ، وَالْعَلِيلِ فِي عَقْلِهِ، وَالْفَاجِرِ فِي دِينِهِ، وَهُوَ بِقَدْرٍ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى حُبِّهِ.
وَالْعَجَبَ مِنَ الْقَوِيِّ فِي شِدَّتِهِ، وَالصَّحِيحِ فِي عَقْلِهِ، وَالْجَلِيدِ فِي أَمْرِهِ، وَالْعَفِيفِ فِي دِينِهِ وَهُوَ فِي....... . فَالَّذِي حَالَ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَبَيْنَ طِلْبَتِهِ هُوَ الْمَقْدُورُ اللَّازِمُ لِخَلْقِهِ، فَهَلْ عَبْدٌ رَضِيَ بِمَا قُسِمَ لَهُ فَيَفْرَغُ بَدَنُهُ، وَتَطْمَئِنُّ نَفْسُهُ، أَيْ أَخِي، ذَلَّلَ اللَّهُ لَكَ رِزْقًا لا بُدَّ لَكَ مِنْ أَنْ تَأْكُلَهُ حَلالا بِزَادٍ تَبْلُغُهُ، وَأَثَرٍ فَلا بُدَّ مِنْ أَنْ تَطَأَهُ، وَقَسَمًا فَلا بُدَّ أَنْ تُعْطَاهُ، فَفِيمَ شُغْلُ هَذِهِ النَّفْسِ، وَتَغَيُّرُ هَذَا الْقَلْبِ إِلا الْوَسْوَسَةَ، وَهَذَا الْعَدُوُّ، فَأَعَانَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ عَلَى عَدُوِّنَا الْحَرِيصِ عَلَى أَنْ يَسُوءَ ظَنُّنَا بِرَبِّنَا، وَأَنْ يَقِلَّ رِضَانَا عَنْ خَالِقِنَا، يَعِدُنَا اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ وَالْفَضْلَ، وَيَعِدُنَا عَدُوُّنَا الْفَقْرَ، فَأَسْرَعَتْ قُلُوبُنَا إِلَى عِدَةِ عَدُوِّنَا، مَا لَمْ تُسْرِعْ إِلَى عِدَةِ خَالِقِنَا، وَالسَّلامُ
رَجُلانِ يَطْلُبَانِ فَضْلَ اللَّهِ
- حُكِيَ أَنَّ رَجُلا أَعْوَرَ خَرَجَ يَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَصَحِبَ رَجُلا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَسَأَلَهُ عَنْ مَخْرَجِهِ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَنَا وَاللَّهِ أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكَ، فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى نَلْتَمِسْ مِنْ فَضْلِهِ، فَخَرَجَا فِي جِبَالِ لُبْنَانَ، يَؤُمَّانِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَأَتَيَا عَلَى بَعْضِ الْمَنَازِلِ فَنَزَلا فِي قَصْرٍ خَرِبٍ، فَانْطَلَقَ أَحَدُهُمَا لِيَأْتِيَ بِطَعَامٍ، فَقَالَ الْمُتَخَلِّفُ مِنْهُمَا فِي الرَّحِيلِ: أَلْقَيْتُ نَفْسِي وَجَعَلْتُ أَنْظُرُ بِنَاءَ ذَلِكَ الْقَصْرِ وَهَيْئَتَهُ وَخَرَابَهُ بَعْدَ الْعِمَارَةِ وَجَعَلْتُ وَاللَّهِ أَذْكُرُ سَفَرِي، وَتَرْكِي عِيَالِي فَإِذَا أَنَا بِلَوْحٍ مِنْ رُخَامٍ تِجَاهِي فِي قِبْلَةِ حَائِطِ الْقَصْرِ، فِيهِ كِتَابَةٌ فَاسْتَوَيْتُ جَالِسًا فَإِذَا فِيهِ:
لَمَّا رَأَيْتُكَ جَالِسًا مُسْتَقْبِلِي ... أَيْقَنْتُ أَنَّكَ لِلْهُمُومِ قَرِينُ
فَافْطِنْ لَهَا وَتعرض مِنْ أَثْوَابِهَا ... إِنْ كَانَ عِنْدَكَ بِالْقَضَاءِ يَقِينُ
فَالْهَمُّ سِيمَاهُ مَشِيبٌ سَائِلٌ ... وَيَكُونُ مَثْوَى الضُّرِّ حَيْثُ يَكُونُ
هَوِّنْ عَلَيْكَ وَكُنْ بِرَبِّكَ وَاثِقًا ... فَحَقُّ التَّوَكُّلِ شَأْنُهُ التَّهْوِينُ
طَرَحَ الأَذَى عَنْ نَفْسِهِ فِي رِزْقِهِ ... لَمَّا تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَضْمُونُ
فَجَعَلْتُ أَقْرَؤُهُنَّ، وَأَتَدَبَّرُهُنَّ، إِذْ جَاءَ صَاحِبِي، فَقُلْتُ: أَلا أُعْجِبُكَ؟ قَالَ: بَلَى.
قُلْتُ: انْظُرْ مَا عَلَى هَذَا اللَّوْحِ، فَنَظَرَ وَنَظَرْتُ فَلَمْ يَرَ حَائِطًا وَلا شَيْئًا، فَجَعَلْتُ أُطَوِّفُ فِي الْقَصْرِ، وَأَتَتَبَّعُ مَا فِيهِ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا
стр. 41
- وَقَالَ الْعُمَرِيُّ: حَضَرْنَا أَبِي عِنْدَ الْمَوْتِ فَنَظَرَ إِلَيْنَا، وَقَالَ: مَا أَنْتَ لِي أَبْتَغِي لَكُمُ الدُّنْيَا وَمَا أُحْسِنَ الظَّنَّ بِكُمْ كَمَا أَحْسَنْتُمُ الظَّنَّ بِمَنْ لَمْ يُضْمَنْ، فَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِمَا قَدْ ضُمِنَ
- وَقِيلَ: لَمَّا احْتُضِرَ بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ قِيلَ لَهُ: أَوْصِ بِدِينِكَ؟ قَالَ: أَنَا أَرْجُو رَبِّي لِذَنْبِي، لا أَرْجُوهُ لِدَيْنِي!! قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ قَضَى عَنْهُ دَيْنَهُ بَعْضُ إِخْوَانِهِ
لا تَيْأَسْ مِنَ الرِّزْقِ أَبَدًا
١٢٥ - وَدَخَلَ ابْنَا خَالِدٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ وَهُوَ يَعْمَلُ عَمَلا يَبْنِي بِنَاءً: «لا تَيْأَسَا مِنَ الرزق مَا تَهَزْهَزَتْ رُءُوسُكُمَا، فَإِنَّ الْوَلَدَ تَلِدُهُ أُمُّهُ، وَهُوَ أَحْمَرُ لَيْسَ عَلَيْهِ قِشْرٌ، ثُمَّ يَرْزُقُهُ اللَّهُ قِشْرًا»
مِنْ حِكَمِ عِيسَى ﵇
- وَقَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، إِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ فِي الدُّنْيَا فِي أَرْبَعِ مَنَازِلَ، هُوَ فِي ثَلاثٍ مِنْهُنَّ بِاللَّهِ وَاثِقٌ، حَسَنٌ ظَنُّهُ فِيهِنَّ بِرَبِّهِ، وَهُوَ فِي الرَّابِعِ سَيِّئٌ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ، يَخَافُ خِذْلانَ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ، فَأَمَّا الْمَنْزِلَةُ الأُولَى: فَإِنَّهُ خُلِقَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ: ظُلْمَةِ الْبَطْنِ، وَظُلْمَةِ الرَّحِمِ، وَظُلْمَةِ الْمَشِيمَةِ، يُنَزِّلُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ رِزْقَهُ فِي جَوْفِ ظُلْمَةِ الْبَطْنِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْبَطْنِ وَقَعَ فِي اللَّبَنِ لا يَخْطُو إِلَيْهِ بِقَدَمٍ، وَلا يَتَنَاوَلُهُ بِفَمٍ، وَلا يَنْهَضُ إِلَيْهِ بِقُوَّةٍ، وَلا يَأْخُذُهُ بِحِرْفَةٍ، يُكْرَهُ عَلَيْهِ
стр. 42
إِكْرَاهًا، وَيُؤْجَرُهُ إِيجَارًا، حَتَّى يَنْبُتَ عَلَيْهِ عَظْمُهُ، وَلَحْمُهُ , وَدَمُهُ، فَإِذَا ارْتَفَعَ عَنِ اللَّبَنِ، وَقَعَ فِي الْمَنْزِلَةِ الثَّالِثَةِ، فِي الطَّعَامِ بَيْنَ أَبَوَيْهِ يَكْتَسِبَانِ عَلَيْهِ مِنْ حَلالٍ وَحَرَامٍ، فَإِنْ مَاتَ أَبَوَاهُ عَنْ غَيْرِ شَيْءٍ تَرَكَاهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ النَّاسُ، هَذَا يُطْعِمُهُ وَهَذَا يَسْقِيهِ، وَهَذَا يُؤْوِيهِ، فَإِذَا وَقَعَ فِي الْمَنْزِلَةِ الرَّابِعَةِ، فَاشْتَدَّ وَاسْتَوَى، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ، وَكَانَ رَجُلا خَشِيَ أَنْ لا يَرْزُقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَوَثَبَ عَلَى النَّاسِ يَخُونُ أَمَانَاتِهِمْ، وَيَسْرِقُ أَمْتِعَتَهُمْ، وَيَخُونُهُمْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ مَخَافَةَ خِذْلانِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ
١٢٧ - كَانَ رَجُلا يُقَالُ لَهُ: أَبُو شَحْمَةَ، وَكَانَ مِنْ قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهَا: بَاهِلَةُ، وَكَانَ لَهُ ضِدٌّ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ: حَبِيبُ بْنُ وَائِلٍ، أَخَذَ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ رَهْطِ أَبِي أُمَامَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ، فَقَالَ وَلَدُ ابْنِ شَحْمَةَ: أَلا تَبْتَغِي فِي الْبِلادِ الرِّزْقَ حَتَّى تَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ حَبِيبُ بْنُ وَائِلٍ؟ فَقَالَ:
إِنِّي وَإِنْ كَانَ حَبِيبٌ أَوْسَعَا ... وَلَمْ أَزِدْ عَلَى الْكَفَافِ قَنِعَا
آكُلُ مَا يَأْكُلُ حَتَّى أَشْبَعَا ... وَأَشْرَبُ الْبَارِدَ حَتَّى أَنْفَعَا
وَأَقْطَعُ اللَّيْلَ رُقَادًا أَجْمَعَا ... لا خَائِفًا سِرْبًا وَلا مُفَزَّعَا
وَلَمْ أُقَارِفْ سَوْءَةً فَأَخْشَعَا ... تُغْرِي بِيَ الْقَوْمَ اللِّئَامَ الْوُضَّعَا
مُمْتَلِئٌ قَلْبِي غِنًى وَقَنَعَا ... بِاللَّهِ مَا أَدْرَكْتُ ذَاكَ أَجْمَعَا
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا صَنَعَا
١٢٨ - وَعَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوْصِنِي، قَالَ:
стр. 43
«اسْتَغْنِ بِغَنَى اللَّهِ» قَالَ: مَا غِنَى اللَّهِ؟ قَالَ: «غَدَاءُ يَوْمٍ، أَوْ عَشَاءُ لَيْلَةٍ»
- كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَخٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فِي اللَّهِ، فَكَانَ فِي كِتَابِهِ: لا تَطْلُبَنَّ شَيْئًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا بِقَوْلٍ وَلا بِفِعْلٍ، أَخَافُ أَنْ تَضُرَّ بِآخِرَتِكَ وَتُزْرِي بِدِينِكَ، وَيُمْقَتَ عَلَيْكَ
الْقَانِعُ أَغْنَى النَّاسِ
١٣٠ - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «يَابْنَ آدَمَ إِذَا قَنِعْتَ بِمَا رَزَقْنَاكَ فَأَنْتَ أَغْنَى النَّاسِ»
- وَقَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ: مَنْ رَضِيَ بِالْقَسْمِ طَابَتْ مَعِيشَتُهُ، وَمَنْ قَنِعَ بِمَا هُوَ فِيهِ قَرَّتْ عَيْنُهُ.
وَأَنْشَدُوا:
مَا تَوَاخَى قَوْمٌ عَلَى غَيْرِ ذَاتِ ... اللَّهِ إِلا تَفَرَّقُوا عَنْ تَقَالِ
لَمْ يَصُنْ حُرَّ وَجْهِهِ سَائِلُ ... النَّاسِ وَلَمْ يَحْمِهِ مِنَ الإِذْلالِ
صَانَ وَجْهِي عَنِ السُّؤَالِ بِحَمْدِ ... اللَّهِ أَنِّي أَرَى الْقَنَاعَةَ مَالِي
فَإِذَا شِئْتَ أَنْ تُعَرَّضَ لِلذُّلِّ ... فَرُمْ مَا حَوَتْهُ أَيْدِي الرِّجَالِ
стр. 44
١٣٢ - وَعَنْ أَبِي الْعَلاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أَرْضَاهُ بِمَا قَسَمَ لَهُ، وَبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْرًا، لَمْ يُرْضِهِ بِمَا قَسَمَ لَهُ، وَلَمْ يُبَارِكْ لَهُ فِيهِ»
- لَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِالْبَصْرَةِ كَتَبَ إِلَى أَخٍ لَهُ كَانَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ مَعَهُ، وَكَانَ بِبَعْضِ الثُّغُورِ: أَمَّا بَعْدُ , فَإِنِّي لَمْ أَدْخُلْ فِي الْقَضَاءِ حِينَ دَخَلْتُ فِيهِ إِلا مَخَافَةَ أَنْ يَحْمِلَنِي الْفَقْرُ عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْقَضَاءِ، وَذَكَرَ كَثْرَةَ الْعِيَالِ، وَقِلَّةَ الشَّيْءِ، وَقِلَّةَ مُوَاسَاةِ الإِخْوَانِ، وَوَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ، وَضَعْفَ الإِنْسَانِ، وَأَشْيَاءَ رَقَّقَ بِهَا فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ يَا سَوَّارُ الَّذِي جَعَلَ التَّقْوَى عِوَضًا مِنْ كُلِّ فَائِتٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَجْعَلْ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا يَكُونُ عِوَضًا عَنِ التَّقْوَى، فَإِنَّ التَّقْوَى عِدَّةُ كُلِّ عَاقِلٍ إِلَيْهَا يَسْتَرْوِحُ وَبِهَا
стр. 45
يَسْتَرْشِدُ، وَلَمْ يَظْفَرْ أَحَدٌ فِي عَاجِلِ هَذِهِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الآخِرَةِ بِمِثْلِ مَا ظَفَرَ بِهِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ شَرِبُوا بِكَأْسِ حُبِّهِ، وَكَانَتْ قُرَّةُ أَعْيُنِهِمْ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَعْمَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي حَسْمِ الأَدَبِ، وَرَاضُو فِيهَا رِيَاضَةَ الأَصِحَّاءِ الصَّادِقِينَ، فَطَلَّقُوهَا عَنْ فُضُولِ الشَّهَوَاتِ، وَأَلْزَمُوهَا الْقُوتَ الْمُعَلَّقَ، وَجَعَلُوا الْجُوعَ وَالْعَطَشَ شِعَارًا لَهَا بُرْهَةً مِنَ الزَّمَانِ، حَتَّى انْقَادَتْ وَأَذْعَنَتْ، وَعَزَفَتْ لَهُمْ عَنْ فُضُولِ الْخِطَامِ، فَلَمَّا ظَعَنَ حُبُّ فُضُولِ الدُّنْيَا عَنْ قُلُوبِهِمْ، وَزَائِلها أَهْوَاءَهُمْ، وَانْقَطَعَتْ أَمَانِيهِمْ، وَصَارَتِ الآخِرَةُ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَمُنْتَهَى أَمَلِهِمْ، وَوَرَّثَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ نُورَ الْحِكْمَةِ، وَقَلَّدَهُمْ قَلائِدَ الْعِصْمَةِ، وَجَعَلَهُمْ دُعَاةً لِمَعَالِمِ الدِّينِ يَلُمُّونَ مِنْهُ الشَّعَثَ، وَيُشْحِبُونَ الصَّدْعَ، لَمْ يَلْبَثُوا إِلا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَوْعُودٌ صَادِقٌ اخْتَصَّ بِهِ الْعَالِمِينَ لَهُ، وَالْعَامِلِينَ بِهِ، دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، فَإِذَا سَرَّكَ أَنْ تَسْمَعَ صِفَةَ الأَبْرَارِ الأَتْقِيَاءِ فَصِفَةُ هَؤُلاءِ فَاسْتَمِعْ، وَإِيَّاكَ يَا سَوَّارُ وَنِسْيَانَ الطَّرِيقِ، وَالسَّلامُ
- وَكَتَبَ رَجُلٌ مِنَ الْحُكَمَاءِ إِلَى أَخٍ لَهُ، كَانَ حَرِيصًا عَلَى الدُّنْيَا: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ أَصْبَحْتَ تَخْدُمُ الدُّنْيَا وَهِيَ تَزْجُرُ عَنْ نَفْسِهَا بِالإِعْرَاضِ، وَالأَمْرَاضِ، وَالآفَاتِ، وَلَعَلَّكَ كَأَنَّكَ لَمْ تَرَ حَرِيصًا مَحْرُومًا، وَلا زَاهِدًا مَرْزُوقًا، وَلا مَيِّتًا عَنْ كَثِيرٍ، وَلا مُتَبَلِّغًا مِنَ الْيَسِيرِ، حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْهَا لَمْ يَأْلَمْ فَقِيرٌ بِفَقْرِهِ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ غَنِيٌّ بِغِنَاهُ، مَهْجُورِينَ تَحْتَ تُرَابِ الأَرْضِ مَنْسِيِّينَ فِيهَا بَعْدَ النِّعْمَةِ.
فَمَا تَصْنَعُ بِدَارٍ هَذِهِ صِفَتُهَا، وَيْلِي إِنِ اسْتَقْصَرْتُ لَيْلَهَا وَنَهَارَهَا، وَاغْتَنَمْتُ مُرُورَ سَاعَتِهَا، فَنِعْمَ الدَّارُ هِيَ لَكَ، وَإِنَّ امْرَأً حَثَّهُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَاسْتَقْبَلَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ بِالْفَنَاءِ لَحَرِيٌّ أَنْ يُقِيلَ نَوْمَهُ، وَأَنْ يَتَوَقَّعَ يَوْمَهُ، وَالسَّلامُ
١٣٥ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً.
النحل: ٩٧﴾ ، قَالَ: الْقَنَاعَةُ
стр. 46
- وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: اكْتَسَبَ فُلانٌ مَالا، قَالَ: فَهَلِ اكْتَسَبَ أَيَّامًا يَأْكُلُهُ فِيهَا؟ قِيلَ: وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: فَمَا أَرَاهُ اكْتَسَبَ شَيْئًا
- وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُنْشِدُ:
يَا جَامِعًا مَانِعًا وَالدَّهْرُ يَرْمُقُهُ ... مُقَدِّرًا أَيَّ نَابٍ فِيهِ يَعْلَقُهُ
مُفَكِّرًا كَيْفَ تَأْتِيهِ مَنِيَّتُهُ ... أَغَادِيًا، أَمْ بِهَا يَسْرِي فَتَطْرُقُهُ
جَمَعْتَ مَالا فَفَكِّرْ هَلْ جَمَعْتَ لَهُ ... يَا جَامِعَ الْمَالِ أَيَّامًا تُفَرِّقُهُ
الْمَالُ عِنْدَكَ مَخْزُونٌ لِوَارِثِهِ ... مَا الْمَالُ مَالُكَ إِلا يَوْمَ تُنْفِقُهُ
أَرْفِهْ بِبَالِ فَتًى يَغْدُو عَلَى ثِقَةٍ ... أَنَّ الَّذِي قَسَّمَ الأَرْزَاقَ يَرْزُقُهُ
فَالْعِرْضُ مِنْهُ مَصُونٌ لا يُدَنِّسُهُ ... وَالْوَجْهُ مِنْهُ جَدِيدٌ لَيْسَ يُخْلِقُهُ
إِنَّ الْقَنَاعَةَ مَنْ يَحْلُلْ بِسَاحَتِهَا ... لَمْ يَلْقَ فِي ظِلِّهَا هَمًّا يُؤَرِّقُهُ
- كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَمَلَّ مُعَافَاتِكَ، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ فِي بَلَدِهِ فِي خَفْضٍ وَدَعَةٍ، فَتَدْعُوهُ نَفْسُهُ إِلَى أَنْ يَطْلُبَ الرِّزْقَ مِنْ غَيْرِهِ
- وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: يَكْفِيكَ مِنَ الدُّنْيَا مَا قَنِعْتَ بِهِ وَلَوْ كَفُّ تَمْرٍ، وَشَرْبَةُ مَاءٍ، وَظِلُّ خِبَاءٍ، وَكُلُّ مَا انْفَتَحَ عَلَيْكِ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ ازْدَادَتْ نَفْسُكَ بِهِ تَعَبًا
١٤٠ - وَقَالَ فُضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «أَفْلَحَ مَنْ
стр. 47
هُدِيَ إِلَى الإِسْلامِ وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا فَأَوْسَعَ بِهِ»
لا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ فَوْقَكَ
١٤١ - وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فِي الْمَالِ وَالْجِسْمِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْمَالِ وَالْجِسْمِ»
١٤٢ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: لا تَدْخُلُوا عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَسْخَطَةٌ لِلرِّزْقِ
- وَكَانَ مُسْلِمٌ يُنْشِدُ:
فَلَوْ بَعْضُ الْحَلالِ ذَهِلْتَ عَنْهُ ... لأَغْنَاكُ الْحَلالُ عَنِ الْفُضُولِ
- وَقَالَ:
وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا ... وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ
خَصْلَتَانِ مِنْ خِصَالِ الْقَانِعِينَ
١٤٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ قَالَ: «خَصْلَتَانِ
стр. 48
مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا، وَمَنْ لَمْ تَكُونَا فِيهِ لَمْ يُكْتَبْ لا شَاكِرًا وَلا صَابِرًا، مَنْ نَظَرَ إِلَى مَنْ فَوْقَهُ فِي دِينِهِ، فَاقْتَدَى بِهِ، وَنَظَرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي دُنْيَاهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا فَضَّلَهُ عَلَيْهِ، كُتِبَ شَاكِرًا صَابِرًا، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي دِينِهِ فَاقْتَدَى بِهِ، وَنَظَرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فِي دُنْيَاهُ فَأَسِفَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، لَمْ يُكْتَبْ شَاكِرًا وَلا صَابِرًا»
مِنْ مَوَاعِظِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
- وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁: مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ بِنَصِيحَةٍ لَهُ فِي دِينِهِ، وَنَظَرَ لَهُ فِي صَلاحِ دُنْيَاهُ، فَقَدْ أَحْسَنَ صِلَتَهُ، وَأَدَّى وَاجِبَ حَقِّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّهَا نَصِيحَةٌ لَكُمْ فِي دِينِكُمْ فَاقْبَلُوهَا، وَمَوْعِظَةٌ مُنْجِيَةٌ مِنَ الْعَوَاقِبِ فَالْزَمُوهَا، فَالرِّزْقُ مَقْسُومٌ، وَلَنْ يَعْدُوَ الْمَرْءُ مَا قُسِمَ لَهُ، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ فِي الْقُنُوعِ سَعَةً وَبُلْغَةً، وَكَفًّا عَنْ كَلَفَةٍ، لا يَحِلُّ الْمَوْتُ فِي أَعْنَاقِكُمْ، وَجِهَتُهُ أَيَّامُكُمْ، وَمَا تَرَوْنَ ذَاهِبٌ، وَمَا مَضَى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، أَمَا رَأَيْتُمْ حَالاتِ الْمُنِيبِ وَهُوَ يُشْرِفُ وَيَعُدُّ فَرَاغَهُ، وَقَدْ ذَاقَ الْمَوْتَ وَعَائِلَهم تَعْجِيلِ إِخْرَاجِ أَهْلِهِ إِيَّاهُ مِنْ دَارِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَسُرْعَةِ انْصِرَافِهِمْ إِلَى مَسْكَنِهِ، وَجْهُهُ مَفْقُودٌ، وَذِكْرُهُ مَنْسِيٌّ، وَبَابُهُ عَنْ قَلِيلٍ مَهْجُورٌ، كَأَنْ لَمْ يُخَالِطْ إِخْوَانَ الْحُفَّاظِ، وَلَمْ يُعَمِّرِ الدِّيَارَ، فَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَخْفَى فِيهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ فِي الْمَوَازِينِ
مِنْ مُعْجِزَاتِ دَانِيَالَ ﵇
- وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ: أَحْضَرَ بُخْتُنَصَّرُ أَسَدَيْنِ فَأَلْقَاهُمَا فِي
стр. 49
جُبٍّ، وَجَاءَ بِدَانِيَالَ فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِمَا فَلَمْ يَهِيجَاهُ فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اشْتَهَى مَا يَشْتَهِي الآدَمِيُّونَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَرْمِيَا وَهُوَ بِالشَّامِ أَنْ أَعْدِدْ طَعَامًا وَشَرَابًا لِدَانِيَالَ.
قَالَ: رَبِّ أَنَا بِالأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وَدَانِيَالُ بِأَرْضِ بَابِلَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ أَعْدِدْ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ، فَإِنَّا سَنُرْسِلُ إِلَيْكَ مَنْ يَحْمِلُكَ، وَيَحْمِلُ مَا مَعَكَ، فَفَعَلَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ مَنْ حَمَلَهُ، وَحَمَلَ مَا أَعَدَّهُ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَأْسِ الْجُبِّ..
فَقَالَ: دَانِيَالُ، دَانِيَالُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَرْمِيَا، قَالَ مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَنِي رَبِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ دَانِيَالُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لا يَنْسَى مَنْ ذَكَرَهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لا يُخَيِّبُ مَنْ رَجَاهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنْ وَثِقَ بِهِ لَمْ يَكِلْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَجْزِي بِالإِحْسَانِ إِحْسَانًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَجْزِي بِالصَّبْرِ نَجَاةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ يَكْشِفُ ضُرَّنَا بَعْدَ كَرْبِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ يَقِينَا حِينَ يَسُوءُ ظَنُّنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ رَجَاؤُنَا حِينَ تَنْقَطِعُ الْحِيَلُ عَنَّا
- وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ ﵇: يَا رَازِقَ الْغُرَابِ النَّعَّابِ فِي عُشِّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغُرَابَ إِذَا فَقَسَ عَنْ فِرَاخِهِ فَقَسَ عَنْهَا بَيْضَاءَ، وَإِذَا رَآهَا كَذَلِكَ نَفَرَ عَنْهَا، فَتَفْتَحُ أَفْوَاهَهَا فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهَا ذُبَابًا، فَيَدْخُلُ فِي أَفْوَاهِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ غِذَاءَهَا حَتَّى تَسْوَدَّ، فَإِذَا اسْوَدَّتِ انْقَطَعَ الذُّبَابُ عَنْهَا، وَعَادَ الْغُرَابُ إِلَيْهَا فَغَذَّاهَا
١٤٩ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ عَابِدًا يَعْبُدُ فِي غَارٍ فَكَانَ غُرَابٌ يَأْتِيهِ كُلَّ يَوْمٍ بِرَغِيفٍ يَجِدُ فِيهِ طَعْمَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى مَاتَ ذَلِكَ الْعَابِدُ
стр. 50
- أَقَامَ إِلْيَاسُ ﵇ مُخْتَفِيًا مِنْ قَوْمِهِ فِي كَهْفِ جَبَلٍ عِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ قَالَ: أَرْبَعِينَ، يَأْتِيهِ الْغِرْبَانُ بِرِزْقِهِ
- وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْخَيْرِ أَنْ تَرَى مَا أُوتِيتَ مِنَ الإِسْلامِ عَظِيمًا عِنْدَمَا زُوِيَ عَنْكَ مِنَ الدُّنْيَا.
- وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَا مِنْ أَحَدٍ إِلا وَفِي عَقْلِهِ نَقْصٌ عَنْ حِلْمِهِ، وَعِلْمِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَتَتْهُ الدُّنْيَا بِزِيَادَةٍ فِي مَالٍ ظَلَّ فَرِحًا مَسْرُورًا، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ دَائِبَانِ فِي هَدْمِ عُمْرِهِ لا يَحْزُنُهُ أَنْ ضَلَّ ضَلالَةً، مَا يَنْفَعُ مَالٌ يَزِيدُ، وَعُمْرٌ يَنْقُصُ.
- وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ: إِنْ لَمْ يُعَذِّبْنَا اللَّهُ إِلا عَلَى هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ، كُنَّا قَدِ اسْتَوْجَبْنَا أَنْ يُعَذِّبَنَا: نَفْرَحُ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا مَا عَلِمَ اللَّهُ مِنَّا مِثْلَ ذَلِكَ الْفَرَحِ فِي حَسَنَةٍ عَمِلْنَاهَا، وَنَحْزَنُ عَلَى الشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُنَا مَا عَلِمَ اللَّهُ مِنَّا مِثْلَ ذَلِكَ الْحُزْنَ فِي سَيِّئَةٍ ارْتَكَبْنَاهَا.
- وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِلْخَارِجِيِّ: يَا خَارِجِيُّ , مَا شَيْءٌ قُلْتُهُ كَأَنَّكَ عَنَيْتَنَا بِهِ، أَوْ لَمْ تَعْنِنَا؟ أَجَمَعْتَ مَالا، ثُمَّ أَنْتَ مُوَكَّلٌ حَتَّى الْمَمَاتِ بِحُبِّ مَا لَمْ تَجْمَعْ.
الدُّنْيَا مَمَرٌّ وَالآخِرَةُ مَرْجِعٌ
- وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الدُّنْيَا مَمَرٌّ، وَالآخِرَةُ مَرْجِعٌ، وَالْقَبْرُ بَرْزَخٌ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ طَلَبَ الآخِرَةَ لَمْ يَفُتْهُ رِزْقُهُ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا لَمْ يُعْجِزِ الْمَلَكَ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِهِ.
وَكَانَ
стр. 51
يَبْكِي وَيَقُولُ: كُلُّنَا قَدْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ، وَهُوَ مُقَصِّرٌ عَنْ نَفْسِهِ، كَأَنَّهُ لا يَخَافُ عَلَيْهَا الْمَوْتَ.
- قَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الآيَةَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿٢﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.
الطلاق: ٢-٣﴾ فَقَالَ عَوْنٌ: وَاللَّهِ , إِنَّهُ لَيَرْزُقُنَا مِنْ حَيْثُ لا نَحْتَسِبُ، وَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَجْعَلُ لَنَا الْمَخْرَجَ، وَمَا بَلَغْنَا كُلَّ التَّقْوَى، وَإِنَّا نَرْجُو إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَفْعَلَ بِنَا فِي الثَّالِثَةِ كَمَا فَعَلَ بِنَا فِي الاثْنَيْنِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا.
الطلاق: ٥﴾ .
- وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: مَا مِنْ أَحَدٍ إِلا وَهُوَ مَحْبُوسٌ عَنْهُ، وَمَحْبُوسٌ عَلَيْهِ، فَالْمَحْبُوسُ عَنْهُ بَعْضُ مَا فِي يَدِهِ رِزْقًا لِغَيْرِهِ، وَالْمَحْبُوسُ عَلَيْهِ بَعْضُ مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ رِزْقًا لَهُ.
- وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَئِنْ - وَاللَّهِ - نَجَوْنَا مِنْ شَرِّ مَا أُعْطِينَا، لا يَضُرُّنَا مَا زُوِيَ عَنِّا، وَإِنْ كُنَّا قَدْ تَوَرَّطْنَا فِي شَرِّ مَا بُسِطَ عَلَيْنَا مَا نَطْلُبُ مَا بَقِيَ إِلا حُمْقًا.
احْذَرِ الْقُرْبَ مِنْ أَبْوَابِ السَّلاطِينِ
- وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ لِعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: وَيْحَكَ يَا عَطَاءُ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَحْمِلُ عِلْمَكَ إِلَى أَبْوَابِ الْمُلُوكِ وَأَبْنَاءِ الدُّنْيَا، وَيْحَكَ يَا عَطَاءُ تَأْتِي مَنْ يَغْلِقُ عَنْكَ بَابَهُ، وَيُظْهِرُ لَكَ فَقْرَهُ، وَيُوَارِي عَنْكَ غِنَاهُ! وَتَدَعُ مَنْ يَفْتَحُ لَكَ بَابَهُ
стр. 52
وَيُظْهِرُ لَكَ غِنَاهُ، وَيَقُولُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
غافر: ٦٠﴾ .
يَا عَطَاءُ أَتَرْضَى بِالدُّونِ مِنَ الدُّنْيَا مَعَ الْحِكْمَةِ، وَلا تَرْضَى بِالدُّونِ مِنَ الْحِكْمَةِ مَعَ الدُّنْيَا، وَيْحَكَ يَا عَطَاءُ إِنْ كَانَ يُغْنِيكَ مَا يَكْفِيكَ، وَأَنَّ أَدْنَى مَا فِي الدُّنْيَا يَكْفِيكَ، وَإِنْ كَانَ لا يُغْنِيكَ مَا يَكْفِيكَ فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ يَكْفِيكَ.
وَيْحَكَ يَا عَطَاءُ إِنَّمَا بَطْنُكَ بَحْرٌ مِنَ الْبُحُورِ وَوَادٍ مِنَ الأَوْدِيَةِ، وَلا يَمْلَؤُهُ شَيْءٌ إِلا التُّرَابُ.
- وَقَالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ: لا يَعْبُدُ الرَّجُلُ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَصْلَتَانِ: الْعِفَّةُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَالتَّجَاوُزُ عَمَّا يَكُونُ مِنْهُمْ.
- وَقَرَأَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا.
آل عمران: ١٠٣﴾ قَالَ: إِنِّي لأَرْجُو أَنْ لا يُعِيدَكُمْ إِلَيْهَا بَعْدَ أَنْ أَبْعَدَكُمْ مِنْهَا.
- وَقَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇: مَا سَكَنَتِ الدُّنْيَا قَلْبَ أليط عَبْدٍ إِلا أُلِيطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَلاثٍ: شُغْلٍ لا يَنْفَكُّ عَنَاهُ، وَفَقْرٌ لا يُدْرَكُ غِنَاهُ، وَأَمَلٌ لا يُدْرَكُ مُنْتَهَاهُ.
الدُّنْيَا طَالِبَةٌ وَمَطْلُوبَةٌ، فَطَالِبُ الآخِرَةِ تُطَالِبُهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ فِيهَا رِزْقَهُ، وَطَالِبُ الدُّنْيَا تَطْلُبُهُ الآخِرَةُ حَتَّى يَجِيءَ الْمَوْتُ فَيَأْخُذُهُ بِعُنُقِهِ.
стр. 53
الْكَرَمُ التَّقْوَى
١٦٣ - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْكَرَمُ التَّقْوَى، وَالشَّرَفُ التَّوَاضُعُ، وَالْيَقِينُ الْغِنَى»
- وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ الرُّوحَ وَالْفَرَجَ، وَقَالَ يَعْلَى: «وَالْفَرَحَ» فِي الْيَقِينِ وَالرِّضَى، وَإِنَّ الْغَمَّ وَالْحَزَنَ فِي الشَّكِّ وَالسَّخَطِ.
- وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُنْتُ أَسِيرُ فِي اللَّيْلِ فَإِذَا خَلْفِي رَجُلٌ أَظُنُّهُ الأَحْنَفَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَبْ لِي يَقِينًا يُهَوِّنُ عَلَيَّ مَصَائِبَ الدُّنْيَا.
أَفْضَلُ النَّاسِ
١٦٦ - وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «رَجُلٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ، وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، قِيلَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ فَقِيرٌ مُسْتَغْنٍ عَنِ النَّاسِ»
١٦٧ - وَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا، وَكَفَى بِالْعِبَادَةِ شُغْلا، وَكَفَى بِالْيَقِينِ غِنًى
стр. 54
- وَقَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أُوَدِّعُهُ، فَلَمَّا انْصَرَفْتُ نَادَانِي يَا عَنْبَسَةُ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، فَإِنَّكَ لا تَكُونُ فِي وَاسِعٍ مِنَ الأَرْضِ إِلا ضَيَّقَهُ عَلَيْكَ، وَلا فِي ضِيقٍ مِنَ الأَمْرِ إِلا وَسَّعَهُ عَلَيْكَ.
لا تَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَ
- وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا.
الحديد: ٢٢﴾ ، قَالَ: عَزَّاهُمْ، فَقَالَ: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ.
الحديد: ٢٣﴾ أَيْ: لا تَأْسَوْا عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، فَأَنَا لَمْ أُقَدِّرْهُ لَكُمْ ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ.
الحديد: ٢٣﴾ لا تَفْرَحُوا بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا أَعْطَيْنَاكُمُوهُ فَإِنَّهُ لَنْ يَدُومَ لَكُمْ.
- وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيَّ فِيمَا زَوَى عَنِّي مِنَ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيَّ فِيمَا أَعْطَانِي مِنْهَا.
стр. 55
- وَقَالَ: إِذَا وُقِينَا شَرَّ مَا أُعْطِينَا لَمْ نُبَالِ بِمَا فَاتَنَا.
لَوْ تَوَكَّلْتَ حَقَّ التَّوَكُّلِ
١٧٢ - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»
إِيَّاكَ وَفُضُولَ الدُّنْيَا
- وَقَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇: اعْمَلُوا لِلَّهِ، وَلا تَعْمَلُوا لِبُطُونَكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَفضُوُل الدُّنْيَا، فَإِنَّ فُضُولَ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ رِجْسٌ، هَذِهِ الطَّيْرُ فِي السَّمَاءِ تَغْدُو وَتَرُوحُ لَيْسَ مَعَهَا مِنْ أَرْزَاقِهَا شَيْءٌ، لا تَحْرُثُ، وَلا تَحْصُدُ، اللَّهُ يَرْزُقُهَا، فَإِنْ أَبَيْتُمْ وَقُلْتُمْ إِنَّ بُطُونَنَا أَعْظَمُ مِنْ بُطُونِ الطَّيْرِ، فَهَذِهِ الْوُحُوشُ مِنَ الْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ تَغْدُو، وَتَرُوحُ لَيْسَ مَعَهَا مِنْ شَيْءٍ لا تَحْرُثُ، وَلا تَحْصُدُ، وَاللَّهُ يَرْزُقُهَا.
- وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْعِبَادِ لِرَجُلٍ يَوْمًا: حَسْبُكَ مِنَ التَّوَسُّلِ إِلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ قِبَلَكَ حُسْنَ تَوَكُّلِكِ عَلَيْهِ، فَكَمْ مِنْ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ قَدْ فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَيْهِ فَكَفَاهُ مِنْهُ مَا أَهَمَّهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿٢﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.
الطلاق: ٢-٣﴾ .
- قَرَأَ رَجُلٌ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا.
الفرقان: ٥٨﴾ فَأَقْبَلَ عَلَى سُلَيْمَانَ الْخَوَّاصِ، فَقَالَ: يَا أَبَا قُدَامَةَ مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ أَنْ يَلْجَأَ
стр. 56
إِلَى أَحَدٍ غَيْرَ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أَبَا قُدَامَةَ، لَوْ عَامَلَ عَبْدٌ اللَّهَ بِحُسْنِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَصَدَقَ النِّيَّةَ لَهُ بِطَاعَتِهِ، لاحْتَاجَتْ إِلَيْهِ الأُمَرَاءُ، فَمَنْ دُونَهُمْ، وَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا يَحْتَاجُ، وَمُؤَمَّلُهُ، وَمَلْجَؤُهُ إِلَى الْغَنِيِّ الْحَمِيدِ.
- وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: مَنْ مِثْلُكَ يَابْنَ آدَمَ خُلِّيَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الطَّهُورِ مَتَى شِئْتَ تَطَهَّرْتَ، ثُمَّ نَاجَيْتَ رَبَّكَ، وَلَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلا تَرْجُمَانٌ.
- وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: إِذَا أَتَى رَجُلٌ بَابَ سُلْطَانٍ فَاحْتَجَبَ عَنْهُ، فَلْيَأْتِ بُيُوتَ الرَّحْمَنِ فَإِنَّهَا مُفَتَّحَةٌ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَلَيْسَلْ حَاجَتَهُ.
الْقَنَاعَةُ فِي رَوْضَةِ الشُّعَرَاءِ
- شِعْرٌ:
بَاتَتْ تُخَوِّفُنِي الإِقْتَارَ وَالْعُدْمَا ... لَمَّا رَأَتْ لأَخِيهَا الْمَالَ وَالْخَدَمَا
عَبَثًا لِوَامِلِ مَا الأَرْزَاقُ عَنْ أَدَبٍ ... وَلا مِنَ الْحَزْمِ بَلْ مَقْسُومَةٌ قَسْمَا
لَوْ كَانَ مِنْ أَدَبٍ ذَا الْمَالُ أَوْ جَلَدٍ ... أَكْثَرَ مِنْهُ أَهْلُ الْقُرَى....
يَا أَمَةَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَدَعْ طَلَبًا ... قَدْ تَعْلَمِينَ الشَّرَفَ وَالشَّمَمَا
وَكُلُّ ذَلِكَ بِالإِجْمَالِ مِنْ طَلَبِي ... وَنَالَ بِالْجِدِّ غَيْرِي الْمَالَ وَالْهِمَمَا
فَهَلْ عَلِمْتِ مَثْوَى التَّشْمِيرِ مِنْ طَلَبِي ... وَجْهًا يَذِلُّ الْغِنَى مِنْ نَفْعِهِ جُرُمَا
بِاللَّهِ سَرَّكِ أَنَّ اللَّهَ خَوَّلَنِي ... مَا كَانَ خَوَّلَ الأَعْرَابَ وَالْعَجَمَا
وَأَنِّي لَمْ أَحُزْ عَقْلا وَلا أَدَبًا ... وَلَمْ أَرِثْ وَالِدِي مَجْدًا وَلا كَرَمَا
стр. 57
مَا سَرَّنِي أَنَّنِي خَوَّلْتُ ذَاكَ ... وَلا أَنْ أَقُولَ لِبَاغِي حَاجَةٍ نَعَمَا
فَاقَتِي مِنَ الْعَيْشِ مَا لَمْ تُحَوِّجْنِي ... مَعَهُ أَنْ تَفْتَحِي لِسُؤَالِ الأَغْنِيَاءِ فَمَا
وَاسْتَشْعِرِي الصَّبْرَ عَلَّ اللَّهَ خَالِقَنَا ... يَوْمًا سَيُفْرِجُ عَنَّا الْبُؤْسَ وَالْعَدَمَا
لا تُحْوِجِينِي إِلَى مَا لَوْ بَذَلْتُ لَهُ ... نَفْسِي لأَعْقَبَكِ التَّهْمَامَ وَالنَّدَمَا
فَكَيْفَ صَبْرُكِ لَوْ أَبْصَرْتِنِي مَزِقًا ... قَدْ أَلْجَمَتْنِي الْمَنَايَا السَّبْعُ وَالرَّحِمَا
فَحَيْثُ لا حَافِزُ الْغَنِي وَلا كَفَنَا ... أَجَلْ وَلا غَاسِلا أَلْفَى وَلا رَحِمَا
فَحَسْرَةُ الْمَرْءِ أَحْرَى مِنْ مَعَاشِكِ مِنْ ... أَمْرٍ يَجُرُّ عَلَيْكِ الْهَمَّ وَالأَلَمَا
- وَكَانَ أَبُو يَحْيَى الْهَمْدَانِيُّ يُنْشِدُ:
يَلُومُنِي النَّاسُ فِي قُعُودِي ... وَفِي كَمَالِي عَنِ الْمَعَالِي
وَمَا عَلَى النَّاسِ أَنْ يَرَوْنِي ... عَدِيمَ دَيْنٍ مُفِيدَ مَالِ
أَنَالُ مِنْهُ قُرَابَ بَطْنِي ... وَسَائِرَ الْكَسْبِ لِلنَّوَالِ
أَكْسِبُ الْمَالَ لِلنَّوَالِ ... وَلِلأَعَادِي مِنَ الْعِيَالِ
فَهُمْ يَخُوضُونَ فِيهِ خَوْضًا ... وَغَيْرُهُمْ بِالْحِسَابِ.....
وَأَنَّ خَيْرًا مِنَ الْمَعَالِي ... لَدَيَّ قُوتًا مِنَ الْحَلالِ
أَلْتَمِسُ الرِّزْقَ مِنْ حَلالٍ ... وَمِنْ حِيلَةٍ أَوْ بِلا احْتِيَالِ
فَرُبَّ رِزْقٍ أَتَاكَ عَفْوًا ... مِنْ غَيْرِ حِلٍّ وَلا ارْتِحَالِ
مَنْ نَالَ دُنْيَا بِبَذْلِ دِينٍ ... نَالَ وَبَالا عَلَى وَبَالِ
يَزَالُ مَا عَاشَ فِي اشْتِغَالٍ ... ثُمَّ يَهْوَى إِلَى.....
سَتَحْمِلُ اثْمَ ذَلِيلٍ وَهُوَ ... مِنَ الْحِرْصِ لا يُبَالِي
الْمَالُ مِنْ حِلِّهِ جَمِيلٌ ... وَالدِّينُ مِنْ أَجْمَلِ الْجَمَالِ
فَإِنْ رُزِقْنَاهُمَا جَمِيعًا ... فَتِلْكَ عَادَاتُ ذِي الْجَلالِ.
- غَيْرُهُ:
مَضَى مِنِّي الأَشَدُّ، وَثَابَ حِلْمِي ... وَأَدَّبَنِي مُمَارَسَةُ الرِّجَالِ
أَنَا الرَّجُلُ الْخَبِيرُ بِأَهْلِ دَهْرِي ... فَلا تُخْلِقْ أَدِيمَكَ بِالسُّؤَالِ
وَمِنْ عَجَبٍ زَمَانِي عَنْ صَدِيقِي ... وَعَنْ ثِقَتِي يُضَعْضِعُ بَعْضَ حَالِي
أَهَمَّهُ الْغِنَى عَنْهُ وَإِنِّي ... لَمِنْ عُدْمٍ عَلَى مِثْلِ الْمَقَالِي
تَخَيَّرْ عِفَّةً مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ... وَسَلْوَةً تُكْثِرُ لِلنَّاسِ قَالِي
стр. 58
فَمَا لَبِثَتْ بِنَا الأَيَّامُ إِلا ... قَلِيلا إِذْ أَتَتْ عَقِبُ اللَّيَالِي
فَعُدْتُ لَهُ بِوُدِّ أَخِي وَفَاءً ... وَعَادَ مُشَارِكِي فِي حُرِّ مَالِي
стр. 59
بَابُ ذَمِّ الطَّمَعِ وَحَمْدِ الْيَأْسِ
١٨١ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَظْهِرُوا الْيَأْسَ فَإِنَّهُ غِنًى، وَإِيَّاكُمْ وَالطَّمَعَ فَإِنَّهُ فَقْرٌ حَاضِرٌ»
١٨٢ - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ طَمَعٍ يُرَدُّ إِلَى طَمَعٍ وَمِنْ طَمَعٍ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ، وَمِنْ طَمَعٍ حَيْثُ لا مَطْمَعَ»
١٨٣ - وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الطَّمَعُ: اللُّؤْمُ
١٨٤ - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الصَّفَا الزُّلالُ الَّذِي لا تَثْبُتُ عَلَيْهِ أَقْدَامُ الْعُلَمَاءِ: الطَّمَعُ "
-....
وَكَانَ تَاجِرًا فَتَرَكَ ذَاكَ، وَكَانَ مُتَلَهِّفًا يَقُولُ: خَدَمْتُ الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ سَنَةً....
١٨٦ - لَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كَعْبَ الأَحْبَارِ عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ يَا كَعْبُ: مَنْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ؟ فَقَالَ: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِهِ، قَالَ: فَمَا يُذْهِبُ الْعِلْمَ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ بَعْدَ إِذْ عَقِلُوهُ وَحَفِظُوهُ؟ قَالَ: يُذْهِبُهُ الطَّمَعُ وَشَرَهُ النَّفْسِ، وَتَطَلُّبُ الْحَاجَاتِ إِلَى النَّاسِ قَالَ: صَدَقْتَ
стр. 60
١٨٧ - وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ، وَإِنَّ الْيَأْسَ غِنًى، وَإِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا يَئِسَ مِنَ الشَّيْءِ اسْتَغْنَى عَنْهُ»
- شِعْرٌ:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ عِصْمَةً ... تُشَدُّ بِهَا مِنْ رَاحَتَيْكَ الأَصَابِعُ
شَرِبْتَ بَرِيقَ الْمَاءِ حَيْثُ وَجَدْتَهُ ... عَلَى كَدَرٍ وَاسْتَعْبَدَتْكَ الْمَطَامِعُ
وَإِنِّي لأَبْلِي الثَّوْبَ، وَالثَّوْبُ ضَيِّقٌ ... وَأَتْرُكُ فَضْلَ الثَّوْبِ وَالثَّوْبُ أَوْسَعُ
الاسْتِعَاذَةُ مِنَ الطَّمَعِ
١٨٩ - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ طَمَعٍ يُرَدُّ إِلَى طَمَعٍ، وَمِنْ طَمَعٍ إِلَى غَيْرِ مَطْمَعٍ»
١٩٠ - وَقَالَ ﷺ : «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ طَمَعٍ يَهْدِي إِلَى طَمَعٍ، وَمِنْ طَمَعٍ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ، وَمِنْ طَمَعٍ حَيْثُ لا مَطْمَعَ»
- وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ تَقِيًّا حَتَّى يَكُونَ نَقِيَّ الطَّمَعِ، نَقِيَّ الْغَضَبِ.
- شِعْرٌ:
قَدْ يَصْبِرُ الْحُرُّ لا يَدْنُو إِلَى طَمَعٍ ... فَكَمْ مَنْ هَوَى قَدْ ضَرَّ بِالْجُمُوعِ
- غَيْرُهُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْيَاسِ مِنْ ... كُلِّ إِنْسَانٍ مِنَ النَّاسِ
стр. 61
أَصْبَحْتُ لا أَطْلُبُ مِنْ فَضْلِ ... مَنْ يَخَافُ مِنْ فَقْرٍ وَإِفْلاسِ
وَلَكِنَّنِي أَطْلُبُ مِنْ فَضْلِ مَنْ ... يُجِيبُ فِي الضَّرَّاءِ وَالْبَاسِ
١٩٤ - وَقَالَ هَزَّالٌ الْقُرَيْعِيُّ: مِفْتَاحُ الْحِرْصِ الطَّمَعُ، وَمِفْتَاحُ الاسْتِغْنَاءِ الْغِنَى عَنِ النَّاسِ، وَالْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ
١٩٥ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قُلُوبُ الْجُهَّالِ تَسْتَفِزُّهَا الأَطْمَاعُ، وَتُرْتَهَنُ بِالْمُنَى، وَتُسْتَغْلَقُ......
١٩٦ - وَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي قَالَ: «عَلَيْكَ بِالْيَأْسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَإِنَّهُ الْغِنَى، وَإِيَّاكَ وَالطَّمَعَ فَإِنَّهُ الْفَقْرُ الْحَاضِرُ، وَصَلِّ صَلاتَكَ وَأَنْتَ مُوَدِّعٌ، وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ»
- وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: الْكُفْرُ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ، فَرُكْنٌ مِنْهُ الْغَضَبُ، وَرُكْنٌ مِنْهُ الشَّهْوَةُ، وَرُكْنٌ مِنْهُ الْخَوْفُ، وَرُكْنٌ مِنْهُ الطَّمَعُ.
حَدِيثُ الشُّعَرَاءِ عَنِ الْقَنَاعَةِ
- لابْنِ الْمُثَنَّى:
إِذَا قَلَّ مَالِي ازْدَدْتُ فِي هِمَّتِي غِنًى ... عَنِ النَّاسِ وَالْغَانِي بِمَا نَالَ قَانِعُ
وَفِي النَّاسِ مَنْ لَمْ يَنَلْ بِكَ رَاحَةً ... وَفِي الصَّبْرِ عِزٌّ لِلضَّرَاعَةِ قَاطِعُ
وَمَنْ لا يَزَالُ يَسْتَتْبِعُ الْعَيْنَ مَا رَأَى ... لَدَى عِزِّهِ يَلْقَى الرَّدَى وَهُوَ ضَارِعُ
جَنَابِيَ لَمْ يَرقعِ الضَّيْمُ لِي حِمًى ... مَنِيعٌ و ...
بِالْغَرَامَةِ وَاسِعُ
وَإِنِّي لأَسْتَبْقِي إِذَا الْعُسْرُ مَسَّنِي ... بَشَاشَةَ وَجْهِي حِينَ تَبْلَى الْمَنَافِعُ
مَخَافَةَ أَنْ أُقْلَى إِذَا جِئْتُ زَائِرًا ... وَتُرْجِعُنِي نَحْوَ الرِّجَالِ الْمَطَامِعُ
فَأَطْمَعُ مِنْ ...
منعمًا ... وَكُلُّ مصادري نِعْمَة مُتَضا ...
وَأُغْضِي عَلَى....
لَوْ شِئْتُ نِلْتُهَا ... حَيَاءً إِذَا مَا كَانَ فِيهَا....
стр. 62
وَأَعْفِي زَائِرِي وَلَوْ شِئْتُ ...
... إِذَا مَا تَشَكَّى الْمُلْحِفُ الْمُتَجَاشِعُ
- غَيْرُهُ:
قُلْتُ لِقَوْمِي ...
أَنْ أَمِيرَهُمُ ... بِمَاءِ وَجْهِي فَلَمْ أَفْعَلْ وَلَمْ أَكَدِ
أَلا ...
إِذَا نَهَوْنِي وَاكِلُكُمْ ... وَلا تَمُدُّوا إِلَى فِعْلَةِ اللِّئَامِ يَدِي
تَبْلُغوا....
الأَيَّامَ وَمَا أَرْبَعَتْ ... وَلا يَكُنْ هَمُّكُمْ فِي يَوْمِكُمْ لِغَدِ
فَرُبَّ جَامِعِ مَالٍ لَيْسَ آكِلَهُ ... وَمُسْتَعِدٍّ لِيَوْمٍ لَيْسَ فِي الْعَدَدِ
- غَيْرُهُ:
رَكِبْتَ إِلَى دَارِكَ الصُّغْرَى ... وَدَارُكَ قُدَّامُكَ الْكُبْرَى
وَمَنْ صَارَ فَوْقَ سَرِيرِ الْبِلَى ... فَقَدْ صَارَ فِي صُورَةٍ أُخْرَى
سَيَأْتِيكَ رِزْقُكَ فِي وَقْتِهِ ... وَلَوْ كُنْتَ فِي كَبِدِ الشِّعْرَى
- غَيْرُهُ:
تَقُولُ الَّتِي أَنَا رِدْءٌ لَهَا ... وِقَاءُ الْحَوَادِثِ دُونَ الرَّدَى
أَلَسْتَ تَرَى الْمَالَ مُنْهَلَّةً ... مَخَارِمُ أَمَامَهُ يَالَهِي
فَقُلْتُ لَهَا وَهِيَ لَوَّامَةٌ ... وَفِي عَيْشِهَا لَوْ ضَحَتْ مَا كَفَى
ذَرِينِي ذَهَبْتُ أَنَالُ الْغِنَى ... بِيَأْسِ الضَّمِيرِ وَهَجْرِ الْمُنَى
كَفَافُ امْرِئٍ قَانِعٍ قُوتُهُ ... وَمَنْ يَرْضَى الْقنعَ نَالَ الْغِنَى
- غَيْرُهُ:
وَقَائِلَةٍ تُعَاتِبُنِي ... وَجُرْمُ اللَّيْلِ مُعْتَلِجُ
فَقُلْتُ: رُوَيْدَ مُعْتِبَةٍ ... لِكُلِّ مُلِمَّةٍ فَرَجُ
أَسَرَّكِ أَنْ أَكُونَ رَتَعْتُ ... بَيْنَ الإِثْمِ وَالْبَهَجِ
فَأُدْرِكُ مَا ظَفِرْتُ بِهِ ... وَيَبْقَى الْعَارُ وَالْحَوَجُ
ذَرِينِي خَلْفَ قَاصِيَةٍ ... أُضَايِقُهَا وَتَنْفَرِجُ
فَإِنْ ضَاقَتْ بِنَا بَلَدٌ ... فَلِي فِي الأَرْضِ مُنْعَرَجُ
- غَيْرُهُ:
الْفَقْرُ أَدَّبَنِي وَالسَّتْرُ رَبَّانِي ... وَالْقُوتُ أَنْهَضَنِي، وَالْيَأْسُ أَغْنَانِي
стр. 63
وَأَحْكَمَتْنِي، وَفِي الأَيَّامِ تَجْرِبَةٌ ... فَصِرْتُ......
.....
لَذَّة تُزْرِي بِمَكْرُمَةٍ ... وَلا اسْتَعَنْتُ......
....
مَأْلُوفًا فَتربصني مغتبة ... وَأَحْمِلُ الصَّبْرَ......
- غَيْرُهُ:
عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَاقْنَعْ بِرِزْقِهِ ... فَخَيْرُ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ هُوَ قَانِعُ
وَلا تُلْهِكَ الدُّنْيَا وَلا تَطْمَعْ بِهَا ... فَقَدْ يُهْلِكُ الْمَغْرُورَ فِيهَا الْمَطَامِعُ
وَصَبْرًا عَلَى مَا نَابَ مِنْهَا فَمَا يَسْتَوِي ... عَبْدٌ صَبُورٌ وَجَازِعُ
أَعَاذِلُ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ فِي النَّفْسِ مِنْهُ الأَضَالِعُ
- غَيْرُهُ:
أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَرَضْخُ النَّوَى ... وَشُرْبُ مَاءِ الْقُلَّبِ الْمَالِحَهْ
أَعَزُّ لِلإِنْسَانِ مِنْ حِرْصِهِ ... وَمِنْ سُؤَالِ الأَوْجُهِ الْكَالِحَهْ
فَاسْتَشْعِرِ الْيَأْسَ تَكُنْ ذَا غِنًى ... مُتْغَبِّطًا بِالصَّفْقَةِ الرَّابِحَهْ
فَالزُّهْدُ عِزٌّ وَالتَّقْوَى سُؤْدَدٌ ... وَرَغْبَةُ النَّفْسِ لَهَا فَاضِحَهْ
مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا بِهِ بَرَّةٌ ... فَإِنَّهَا يَوْمًا لَهُ ذَابِحَهْ
- غَيْرُهُ:
ذَرِينِي غَنِيًّا بِالْقُنُوعِ وَجَدْتُ ... أَخَا الْمَالِ الْحَرِيصَ فَقِيرَا
- غَيْرُهُ:
وَقَدْ عَاشَرْتُ أَقْوَامًا فَمَا أَجِدُهُمْ طُرًّا ... إِلا قَدْ يُكْسَى الدَّهْرُ فَاضِحِي خَلق....
- غَيْرُهُ:
إِذَا حَكَى لِي طَمَعٌ رَاحَةً ... قُلْتُ لَهُ: الرَّاحَةُ فِي الْيَأْسِ
وَإِصْلاحُ مَا عِنْدِي وَتَرْقِيعُهُ ... أَفْضَلُ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ
стр. 64
- غَيْرُهُ:
وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الْيَأْسَ ... مِنَ النَّاسِ تَعِشْ حُرًّا
- كَتَبَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ إِلَى أَخٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ، فَلْتَفْعَلِ الْقُنُوعَ ذُخْرًا، يَبْلُغْ بِهِ إِلَى أَنْ تُفْتَحَ لَكَ بَابٌ تُحْسِنُ الدُّخُولَ فِيهِ، فَإِنَّ الثِّقَةَ مِنَ الْقَانِعِ لا تُخْذِلُكَ، وَعَوْنُ اللَّهِ مَعَ ذِي الأَنَاةِ، وَمَا أَقْرَبَ الطَّمَعَ مِنَ الْمَلْهُوفِ....
مِنْ آدَابِ اللَّهِ، وَخَيْره فِي الْعَوَاقِبِ، وَلا تَعْجَلْ عَلَى تَمْرَةٍ لَمْ تُدْرِكْ، فَإِنَّكَ تُدْرِكُهَا......
لَوْ أَنَّهَا عَذْبَةٌ لَكَ.
اعْلَمْ بِالْوَقْتِ الَّذِي تَصْلُحُ فِيهِ لِمَا....
فَثِقْ......
أَنَّ فِي أُمُورِكَ أَوْ كُلِّهَا، وَالسَّلامُ.
آخِرُ كِتَابِ الْقَنَاعَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ، وَآلِهِ، وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ مَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ ...
إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إِلَى رَحْمَتِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ...
الْمُحَدِّثُ بِجَامِعِ الأَزْهَرِ، وَغَيْرِهِ، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ....
آمِينَ.