← Книги сунны

Книги сунны · id 22347

القناعة والتعفف

ابن أبي الدنيا

Полный текст (64 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بَابُ ذَمِّ الْمَسْأَلَةِ وَالزَّجْرِ عَنْهَا وَالْفَضْلِ فِي التَّعَفُّفِ عَنْهَا ١ - عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَتَقَبَّلْ لِي بِوَاحِدَةٍ أَتَقَبَّلْ لَهُ بِالْجَنَّةِ» . قَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا، قَالَ: «لا تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئًا» . قَالَ: فَكَانَ ثَوْبَانُ تَسْقُطُ عُلاقَةُ سَوْطِهِ فَلا يَأْمُرُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ، وَيَنْزِلُ هُوَ فَيَأْخُذُهَا

стр. 2

٢ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ أَنْ لا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، قَالَ: فَكَانَ يَقَعُ السَّوْطُ مِنْ يَدِهِ، فَيَنْزِلُ فَيَأْخُذُهُ هَلْ لَكَ فِي بَيْعَةٍ وَلَكَ الْجَنَّةُ ؟ ٣ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «هَلْ لَكَ فِي بَيْعَةٍ وَلَكَ الْجَنَّةُ؟» ، قُلْتُ: نَعَمْ، فَبَسَطْتُ يَدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يَشْتَرِطُ عَلَيَّ: «لا تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئًا» ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «وَلا سَوْطَكَ إِنْ سَقَطَ مِنْكَ، حَتَّى تَنْزِلَ فَتَأْخُذَهُ» ٤ - عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «أَلا تُبَايِعُونِي؟» يُرَدِّدُهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَرَفَعْنَا أَيْدِيَنَا، فَبَايَعَنَا، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَايَعْنَاكَ، فَعَلامَ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ «وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً» وَأَنْ لا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا ". قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُهُ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلَهُ ٥ - عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ، قَالَ: «لا

стр. 3

تَسْأَلْ أَحَدًا شَيْئًا» . فَكَانَ حَكِيمٌ لا يَسْأَلُ خَادِمَهُ أَنْ يَسْقِيَهُ مَاءً، وَلا يُنَاوِلَهُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ ٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَقِي بِهِ وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ» الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «لأَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ حَبْلا فَيَأْتِيَ رَأْسَ جَبَلٍ فَيَحْتَطِبَ، ثُمَّ يَحْمِلَهُ فَيَبِيعَهُ، فَيَسْتَعِفَّ بِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» ٨ - عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذَا الْمَالِ، فَقَالَ: «مَا أَنْكَرَ مَسْأَلَتَكَ يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، وَإِنَّهُ أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ، وَإِنَّ يَدَ اللَّهِ فَوْقَ يَدِ الْمُعْطِي، وَيَدَ الْمُعْطِي فَوْقَ يَدَيِ الْمُعْطَى، وَيَدَ الْمُعْطَى أَسْفَلُ الأَيْدِي»

стр. 4

٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَي» ، فَمَا سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَعْدُ شَيْئًا، فَمَنْ سِوَاهُ ١٠ - عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: بَعَثَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنِ ارْفَعْ إِلَيَّ حَاجَتَكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»

стр. 5

فَلَسْتُ أَسْأَلُكَ شَيْئًا، وَلا أَرُدُّ رِزْقًا رَزَقَنِيهِ اللَّهُ تَعَالَى لا تَرُدَّ مَا رَزَقَكَ اللَّهُ ١١ - عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ كَانَ يُرْسِلُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِالْمَالِ فَيَقْبَلُهُ، وَيَقُولُ: لا أَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، وَلا أَرُدُّ مَا رَزَقَنِي اللَّهُ تَعَالَى ١٢ - عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ بِنَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ، فَقَالَتْ لِلرَّسُولِ ﷺ : إِنِّي لا أَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ ، قَالَتْ: رُدُّوهُ، إِنِّي ذَكَرْتُ شَيْئًا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ أَعْطَاكِ عَطَاءً مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَاقْبَلِيهِ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ عَرَضَهُ اللَّهُ

стр. 6

لَكِ» مَا هُوَ قَدْرُ الْغِنَى ؟ ١٣ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي وَجْهِهِ كُدُوحٌ، أَوْ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ» . قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْغِنَى؟ قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ» ١٤ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَسْأَلَةُ الْغَنِيِّ شَيْنٌ فِي وَجْهِهِ» ١٥ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سُؤَالُ الْفَقِيرِ شَيْنٌ فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسُؤَالُ الْغَنِيِّ نَارٌ فِي وَجْهِهِ، إِنْ أُعْطِيَ قَلِيلا فَقَلِيلٌ , وَإِنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا فَكَثِيرٌ»

стр. 7

الْمَسْأَلَةُ دَاءٌ فِي الْبَطْنِ وَصُدَاعٌ فِي الرَّأْسِ ١٦ - عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، فَإِنَّمَا هُوَ دَاءٌ فِي الْبَطْنِ، وَصُدَاعٌ فِي الرَّأْسِ» ١٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ مَسْأَلَةً، وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ كَانَتْ شَيْنًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» جَزَاءُ مَنْ سَأَلَ النَّاسَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ١٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ مِنْ غَيْرِ فَاقَةٍ نَزَلَتْ بِهِ، أَوْ عِيَالٍ لا يَطِيقُهُمْ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِوَجْهٍ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ» ١٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، إِنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ، وَإِنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ»

стр. 8

٢٠ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ، إِلا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا السُّلْطَانِ فِي أَمْرٍ لا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا» ٢١ - عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: قَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْأَلَنِي؟ فَقَالَ: قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ، إِلا أَنْ يَسْأَلَ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ يَنْزِلَ بِهِ أَمْرٌ لا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا» ، قَالَ: فَإِنِّي ذُو سُلْطَانٍ، فَهَلُمَّ حَاجَتَكَ، قَالَ: وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلامٌ! قَالَ: أَعْطُوهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ

стр. 9

ثَلاثٌ يَجُوزُ لَهُمُ السُّؤَالُ ٢٢ - عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ بِحِمَالَةٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: " نُؤَدِّيهَا عَنْكَ إِذَا جَاءَتْ نِعَمُ الصَّدَقَةِ، يَا قَبيِصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ حَرُمَتْ إِلا فِي ثَلاثٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حِمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، ثُمَّ يُمْسِكَ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ حَاجَةٌ أَوْ فَاقَةٌ حَتَّى تَكَلَّمَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ، فَيَسْأَلُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ سُحْتٌ " ٢٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: " إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَصْلُحُ إِلا فِي ثَلاثٍ: فَقْرٌ مُدْقِعٌ، أَوْ دَيْنٌ مُوجِعٌ، أَوْ غُرْمٌ مُفْظِعٌ " ٢٤ - وَقَالَ الزُّبَيْرُ: لا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا إِلا عَارِيَةً، أَوْ

стр. 10

ذَا حَاجَةٍ ٢٥ - عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» ، قُلْتُ: وَمِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَمِنِّي» . قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ , لا آخُذُ مِنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ عَطِيَّةً. قَالَ: «وَلْيَبْدَأْ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ» . قَالَ: قُلْتُ: وَمِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَمِنِّي» . قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لا تَكُونُ يَدِي تَحْتَ يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ بَعْدَكَ مَا حَيِيتُ أَبَدًا. قَالَ: فَمَا رَزَأَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ، وَلا مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَلا عُمَرَ، وَلا عُثْمَانَ حَتَّى مَاتَ ﵁ مِنْ فَضَائِلِ الْمَالِ ٢٦ - عَنْ حَكِيمِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَوْصَى بَنِيهِ، قَالَ:

стр. 11

عَلَيْكُمْ بِالْمَالِ وَاصْطِنَاعِهِ، فَإِنَّهُ مَنْبَهَةٌ لِلْكَرِيمِ، وَيُسْتَغْنَى بِهِ عَنِ اللَّئِيمِ، وَإِيَّاكُمْ وَمَسْأَلَةَ النَّاسِ، فَإِنَّهُ آخِرُ كَسْبِ الرَّجُلِ ٢٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «مَا فَتَحَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ فَاسْتَعِفُّوا» ٢٨ - عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵉ فَسَأَلَهُمَا، فَقَالا لَهُ: " إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَصْلُحُ إِلا لِثَلاثَةٍ: لِحَاجَةٍ مُجْحِفَةٍ، أَوْ لِحِمَالَةٍ شَاقَّةٍ، أَوْ دَيْنٍ فَادِحٍ، وَأَعْطَيَاهُ، ثُمَّ أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَأَعْطَاهُ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: أَتَيْتُ ابْنَيْ عَلِيٍّ، وَهُمَا أَصْغَرُ مِنْكَ سِنًّا فَسَأَلانِي، وَقَالا لِي، وَأَنْتَ لَمْ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ؟! ، فَقَالَ: جَدُّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّمَا كَانَا يَغُرَّانِ الْعِلْمَ غَرًّا ٢٩ - عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَخِي يُحَدِّثُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 12

قَالَ: «لا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّهُ لا يَسْأَلُنِي إِنْسَانٌ، فَتُخْرِجُ لَهُ مِنِّي الْمَسْأَلَةُ شَيْئًا، وَأَنَا كَارِهٌ، لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ» ٣٠ - عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيِّ، أَنَّ الْفِرَاسِيَّ، قَالَ: أَسْأَلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لا، وَإِنْ كُنْتَ لا بُدَّ سَائِلا فَسَلِ الصَّالِحِينَ» - عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ خَلِيفَةَ، قَالَ: قَالَ مُوسَى ﵊: " يَا رَبِّ إِنْ نَزَلَتْ بِي حَاجَةٌ فَإِلَى مَنْ؟ قَالَ: إِلَى النُّجَبَاءِ مِنْ خَلْقِي " ٣٢ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا

стр. 13

أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ، فَكُلْ وَتَصَدَّقْ» - عَنْ وَاصِلٍ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ، قَالَ: مَا أَتَاكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلا مَسْأَلَةٍ فَكُلْهُ وَتَمَوَّلْهُ " ٣٤ - عَنْ سَهْلٍ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ الأَنْصَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَهَنَّمَ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: «مَا يُغَدِّيهِ، أَوْ مَا يُعَشِّيهِ»

стр. 14

٣٥ - عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَةً وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ كَانَتْ شَيْنًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ٣٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» ٣٧ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فَرَدَّهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «لِمَ رَدَدْتَهُ؟» ، قَالَ: قُلْتُ: لِمَا حَدَّثْتَنِي، قَالَ: «إِنَّمَا ذَاكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَهَذَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ» ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا أَتَاكَ شَيْءٌ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى "، فَقَالَ عُمَرُ: لا يَجِيئُنِي شَيْءٌ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَأَرُدُّهُ، وَلا أَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا ٣٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلا فَيَحْتَطِبَ عَلَى رَأْسِهِ، فَيَبِيعَ، وَيَأْكُلَ، وَيَتَصَدَّقَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ» ٣٩ - عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ مَعَ نَبِيِّنَا ﷺ إِذَا أَعْرَابِيٌّ قَدْ أَلَحَّ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَطْعِمْنِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَخَذَ بِعُضَادَتَيِ الْحُجْرَةِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مِنَ الْمَسْأَلَةِ

стр. 15

مَا أَعْلَمُ، مَا سَأَلَ رَجُلٌ رَجُلا وَهُوَ يَجِدُ لَيْلَةً تُبِيتُهُ» ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِطَعَامٍ ٤٠ - عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ مَا مَشَى أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ يَسْأَلُهُ شَيْئًا» قَضَاءُ الْحَوَائِجِ بِالْكِتَابِ - عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، أَنَّهُ قَالَ لِصَاحِبٍ لَهُ: «إِذَا كَانَتْ لَكَ إِلَيَّ حَاجَةٌ فَلا تُكَلِّمْنِي فِيهَا، وَلَكِنِ اكْتُبْهَا فِي رُقْعَةٍ، ثُمَّ ارْفَعْهَا إِلَيَّ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَرَى فِي وَجْهِكَ ذُلَّ الْمَسْأَلَةِ» - شِعْرٌ: لا تَحْسَبَنَّ الْمَوْتَ مَوْتَ الْبِلَى ... فَإِنَّمَا الْمَوْتُ سُؤَالُ الرِّجَالِ كِلاهُمَا مَوْتٌ وَلَكِنَّ ذَا ... أَشَدُّ مِنْ ذَاكَ لِذُلِّ السُّؤَالِ - وَعَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ: اقْعُدْ أُحَدِّثْكَ مَا كَتَبَ إِلَيَّ

стр. 16

خَيْثَمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «يَا أَبَا عِمْرَانَ، إِذَا كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ فَارْفَعْ إِلَيَّ، وَلا تَسْأَلْنِي، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَرَى فِي وَجْهِكَ ذُلَّ الْمَسْأَلَةِ» - وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ! أَقْبَحَ اللَّهُ الْمَعْرُوفَ، إِذَا لَمْ يَكُنِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَأَمَّا إِذَا أَتَاكَ تَرَى دَمَهُ فِي وَجْهِهِ، وَمُخَاطِرًا، لا يَدْرِي أَتُعْطِيهِ، أَمْ تَمْنَعُهُ، فَوَاللَّهِ , لَوْ خَرَّجْتَ لَهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِكَ مَا كَافَأْتَهُ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ فَزَارَةَ، قَالَ: قَالَ لِي أَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ: «مَا بَذَلَ إِلَيَّ رَجُلٌ

стр. 17

قَطُّ وَجْهَهُ فَرَأَيْتُ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا وَإِنْ عَظُمَ لَوَجَدْتُهُ عِوَضًا لِبَذْلِ وَجْهِهِ إِلَيَّ» - سَأَلَ رَجُلٌ مُحَمَّدَ بْنَ سُوقَةَ حَاجَةً، فَقَالَ: فَهَلا كَتَبْتَهَا؟!! - كَانَ سَلَمُ بْنُ قَانِعٍ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا رِزْقًا حَلالا مِنْ غَيْرِ كَدٍّ، وَلا كِبْرٍ، وَلا مَنٍّ مِنْ أَحَدٍ، وَلا عَارٍ فِي الدُّنْيَا، وَلا مَنْقَصَةٍ فِي الآخِرَةِ» - وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: قَالَ لِي سُفْيَانُ: قَالَ لِي مَنْصُورٌ: «إِنَّ الرَّجُلَ

стр. 18

لَيَسْقِينِي الشَّرْبَةَ مِنَ الْمَاءِ فَيَدُقُّ بِهَا ضِلْعًا مِنْ أَضْلاعِي» - وَأَنْشَدُوا: لَبُوسُ ثَوْبَيْنِ بَالِيَيْنِ ... وَطَيُّ يَوْمٍ وَلَيْلَتَيْنِ أَهْوَنُ مِنْ مِنَّةٍ لِقَوْمٍ ... أَغُضُّ مِنْهَا جُفُونَ عَيْنِي وَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ ذَا عِيَالٍ ... قَلِيلَ مَالٍ كَثِيرَ دَيْنِ لَمُسْتَعِفٌّ بِرِزْقِ رَبِّي ... حَوَائِجِي بَيْنَهُ وَبَيْنِي نَقْلُ الصُّخُورِ مِنَ الْجِبَالِ أَخَفُّ مِنَ السُّؤَالِ - غَيْرُهُ: وَنَقْلُ الصَّخْرِ مِنْ تِلْكَ الْجِبَالِ ... أَخَفُّ عَلَيَّ مِنْ مِنَنِ الرِّجَالِ يَقُولُ النَّاسُ كَسْبٌ فِيهِ عَارٌ ... فَقُلْتُ: الْعَارُ فِي ذُلِّ السُّؤَالِ - كَانَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ مِنْ رِجَالِ قَوْمِهِ، فَخَرَجَ فِي سَفَرٍ لَهُ، فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ مِنَ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُصِبْ طَعَامًا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ، فَقَالَ: يَا رَبَّةَ الْبَيْتِ، هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَجَاءَتْ بِعُمْرُوسٍ، يَعْنِي حِمْلا مِنَ الْغَنَمِ، وَقَالَتِ: اذْبَحْهُ، فَذَبَحَهُ، ثُمَّ سَلَخَهُ، ثُمَّ حَشَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ، وَلَمَّا وَجَدَ رِيحَ الشِّوَاءِ قَرْقَرَ بَطْنُهُ، قَالَ: وَإِنَّكَ لَتُقَرْقِرُ مِنْ رَائِحَةِ الطَّعَامِ، يَا رَبَّةَ الْبَيْتِ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ صَبْرٍ، قَالَتْ: نَعَمْ، وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: شَيْءٌ أَجِدُهُ فِي بَطْنِي، فَأَتَتْهُ بِصَبْرٍ، فَمَلأَ رَاحَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ بَطْنِي تُقَرْقِرُ إِذَا وَجَدَتْ رَائِحَةَ الطَّعَامِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَلْ رَأَيْتَ قَبِيحًا؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ، وَلا سُوءًا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: وَإِنِّي لأُثْوِي الْجُوعَ حَتَّى يَمَلَّنِي ... حَيَاءً وَلَمْ تَدْنَسْ ثِيَابِي وَلا جِرْمِي

стр. 19

وَأَصْطَبِحُ الْمَاءَ الْقَرَاحَ وَأَلْتَقِي ... إِذَا الزَّادُ أَمْسَى لِلْمُزَلَّجِ ذَا طُعْمِ أَرُدُّ شُجَاعَ الْجُوعِ كَيْ تَعْلَمِينَهُ ... وَأُوثِرُ غَيْرِي مِنْ عِيَالِكِ بِالأُدْمِ مَخَافَةَ أَنْ أَحْيَا بِرَغْمٍ وَذِلَّةٍ ... وَلَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ عَلَى رَغْمِ رَجُلٌ يَأْبَى الدَّنِيَّةَ - قَالَ الأَصْمَعِيُّ: أَضَافَ أَعْرَابِيٌّ قَوْمًا، فَحَلَبَ إِبِلَهُ، وَجَعَلَ يَبْدَأُ يَسْقِي الأَغْنِيَاءَ مِنْهُمْ فِي صَحْنٍ لَهُ أَوَّلا، فَأَوَّلا، حَتَّى وَصَلَ إِلَى آخِرِ الْقَوْمِ رَجُلٌ عَلَيْهِ أَطْمَارٌ لَهُ، فَضَرَبَ الصَّحْنَ بِظَهْرِ كَفِّهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: إِنْ رَأَيْتَ رَدِيَّ الثَّوْبَ مُنْطَرِحًا ... بَالِي الثِّيَابِ عَرَاهُ الْهَمُّ وَالْعُدْمُ ضَرْبُ صَحْنِكَ إِزْرَاءً بِهَيْئَتِهِ ... وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي حَيْثُمَا اقْتَحَمُوا أُبْدِي وَأُظْهِرُ نَارًا عِنْدَ مَكْرُمَةٍ ... جُنْحَ الْعِشَاءِ إِذَا مَا أَقْبَلَ الْقَتَمُ فَاصْرِفْ إِنَاءَكَ عَنِّي إِنَّنِي رَجُلٌ ... يَأْبَى الدَّنِيَّةَ مِنِّي الْعِزُّ وَالْكَرَمُ قَالَ: فَبَاتَ طَاوِيًا، حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ رَحَلَ - كَانَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ يُنْشِدُ: أَأُخَيَّ إِنَّ الْحَادِثَاتِ ... عَرَكْنَنِي عَرْكَ الأَدِيمِ لا تَجْزَعَنْ مِنْ أَنْ رَأَيْتَ ... أَخَاكَ فِي ثَوْبٍ قَدِيمِ إِذْ كُنَّ أَثْوَابِي بَلِينَ ... وَإِنَّهُنَّ عَلَى كَرِيمِ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ٥٤ - عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ بَنِي فُلانٍ أَغَارُوا

стр. 20

عَلَيَّ، فَذَهَبُوا بِإِبِلِي، وَابْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لَكَذَا وَكَذَا أَهْلُ بَيْتٍ، مَا فِيهِمْ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ فَسَلِ اللَّهَ تَعَالَى» . فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَتْ: مَا قَالَ لَكَ؟ فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ: نِعْمَ مَا رَدَّكَ إِلَيْهِ، فَمَا لَبِثَ أَنْ رَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ إِبِلَهُ، وَابْنَهُ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَأَمَرَ النَّاسَ بِمَسْأَلَةِ اللَّهِ وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ الطلاق ٢ - ٣﴾ - وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: جَاءَنِي طَاوُسٌ الْيَمَانِيُّ بِكَلامٍ مُحَبَّرٍ مِنَ الْقَوْلِ،

стр. 21

قَالَ: يَا عَطَاءُ , لا تُنْزِلَنَّ حَاجَتَكَ بِمَنْ أَغْلَقَ دُونَكَ أَبْوَابَهُ، وَجَعَلَ عَلَيْهَا حُجَّابَهُ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهَا بِمَنْ بَابُهُ لَكَ مَفْتُوحٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَمَرَكَ أَنْ تَدْعُوَهُ، وَضَمِنَ لَكَ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكَ

стр. 22

بَابُ الإِجْمَالِ بِالطَّلَبِ وَالرِّضَى بِالْقَسْمِ ٥٦ - عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَجْمِلُوا الطَّلَبَ فِي الدُّنْيَا فَكُلّ ؤ اللَّه لَهُ مِنْهَا» ٥٧ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ، وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، إِلا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَإِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ حَتَّى تُسْتَوْفَى رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ وَلا يَحْمِلْكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللَّهِ، فَإِنَّهُ لا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلا بِطَاعَتِهِ» ٥٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ فَرَّ أَحَدُكُمْ مِنْ رِزْقِهِ

стр. 23

لأَدْرَكَهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ» ٥٩ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنِ امْرِئٍ إِلا وَلَهُ أَثَرٌ هُوَ وَاطِؤهُ، وَرِزْقٌ هُوَ آكِلُهُ، وَأَجَلٌ هُوَ بَالِغُهُ، وَحَتْفٌ هُوَ قَاتِلُهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلا هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ لاتَّبَعَهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ، كَمَا أَنَّ الْمَوْتَ مُدْرِكٌ مَنْ هَرَبَ مِنْهُ» ٦٠ - وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَمَّا بَعْدُ ... فَإِنَّ الأَمْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ كَقَطَرَاتِ الْمَطَرِ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهَا مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فِي نَفْسٍ أَوْ أَهْلٍ أَوْ مَالٍ , فَمَنْ رَأَى نَقْصًا فِي أَهْلِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، وَرَأَى لِغَيْرِهِ غَفِيرَةً فَلا تَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةً، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةً تَظْهَرُ فَيَخْشَعُ لَهَا إِذَا ذُكِرَتْ، وَيُعَزِّي بِهَا لِئَامَ النَّاسِ كَانَ كَالْفَالِجِ الْيَاسِرِ، الَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْرَةٍ مِنْ قَدَاحَةٍ تُوجِبُ لَهُ الْمَغْنَمَ، وَتَدْفَعُ عَنْهُ الْمَغْرَمَ، وَكَذَلِكَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ الْبَرِيءُ مِنَ الْخِيَانَةِ يَنْتَظِرُ مِنَ اللَّهِ إِحْدَى الْحُسَنْيَيْنِ، إِمَّا دَاعِي اللَّهِ، فَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلٍ وَمَالٍ وَمَعَهُ حَسَبُهُ وَدِينُهُ: الْحَرْثُ حَرْثَانِ، فَحَرْثُ الدُّنْيَا: الْمَالُ وَالْبَنُونُ، وَحَرْثُ الآخِرَةِ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لأَقْوَامٍ، قَالَ سُفْيَانُ: وَمَنْ ذَا يَتَكَلَّمُ بِهَذَا الْكَلامِ إِلَى عَلِيٍّ!!. كُلُّ لُقْمَةٍ مُقَدَّرَةٌ لِصَاحِبِهَا - وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَأُتِيَ بِطَعَامِهِ،

стр. 24

فَأَخَذَ لُقْمَةً فَرَفَعَهَا إِلَى فِيهِ، ثُمَّ حَدَّثَ نَفْسَهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا فَرَفَعَهَا إِلَى فِيهِ، ثُمَّ حَدَّثَ نَفْسَهُ، فَوَضَعَهَا فَطَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا، فَخَطَبَ النَّاسَ فِيهَا، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ , اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّهُ مَا لامْرِئٍ مِنْكُمْ إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، وَوَاللَّهِ , إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَرْفَعُ اللُّقْمَةَ إِلَى فِيهِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ ثُمَّ تُقْضَى لِغَيْرِهِ يَقْسِمُ اللَّهُ الْقُوتَ كُلَّ صَبَاحٍ ٦٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا خَلَقَ اللَّهُ فَلْقَ صَبَاحٍ بِعِلْمِ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ مَا يَكُونُ فِي آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَيَقْسِمُ اللَّهُ فِيهِ قُوتَ كُلِّ دَابَّةٍ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَجِيءُ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ، وَقَدْ حَمَلَ قُوتَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ بَيْنَ عَاتِقَيْهِ يَقُولُ لَهُ: اكْذِبِ افْجُرْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ رِزْقَهُ ذَلِكَ بِكَذِبٍ وَفُجُورٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ بِبِرٍّ، وَتَقْوَى فَذَلِكَ الَّذِي عَزَمَ اللَّهُ عَلَى رُشْدِهِ " ٦٣ - وَعَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، قَالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَيَتَّجِرُ لِعَبْدِهِ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ حَتَّى يَأْتِيَهُ بِرِزْقِهِ أَنَّى يَكُونُ» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَإِنْ كَانَ مِنَ الأَسْنَابِ؟ قَالَ: «وَإِنْ كَانَ مِنَ الأَسْنَابِ» - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي

стр. 25

الطَّلَبِ فَلَوْ كَانَ رِزْقُ أَحَدِكُمْ فِي قُلَّةِ جَبَلٍ، أَوْ فِي حَضِيضِ أَرْضٍ لأَكَلَ رِزْقَهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ - وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَخْرُجَ فِي وَجْهٍ فَبَيْنَا أَنَا فِي الطَّرِيقِ، إِذْ قَالَ رَجُلٌ: هَذَا أَبُوكَ خَلَفَكَ حَتَّى لَحِقَنِي، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَاعْلَمْ أَنَّ لَكَ رِزْقًا لَنْ تَعْدُوَهُ، فَاطْلُبْهُ مِنْ حِلِّهِ، فَإِنَّكَ إِنْ طَلَبْتَهُ مِنْ حِلِّهِ، رَزَقَكَ اللَّهُ طَيِّبًا، وَاسْتَعْمَلَكَ صَالِحًا، وَأَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ الْحَرِيصُ الْجَاهِلُ وَالْقَانِعُ الزَّاهِدُ - وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْحَرِيصُ الْجَاهِلُ، وَالْقَانِعُ الزَّاهِدُ كُلٌّ مُسْتَوْفٍ أَكْلَهُ مُسْتَوْفٍ رِزْقَهُ، فَعَلامَ التَّهَافُتُ فِي النَّارِ؟ - حُكِيَ أَنَّ رَجُلا كَتَبَ إِلَى ابْنٍ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَبْلُغْ أَمَلَكَ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ , فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ ... الْكَسْب، وَإِنَّهُ رُبَّ طَالِبٍ قَدْ جُرَّ إِلَى حَزَنٍ، فَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ

стр. 26

دُنْيَا دَنِيَّةٍ، وَشَهْوَةٍ رَدِيَّةٍ، فَإِنَّكَ لا تَعْتَاضُ مَا تَبْذِلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضًا، وَلا تَأْمَنُ مِنْ خِدَعِ الشَّيْطَانِ أَنْ يَقُولَ: مَتَى مَا أَرَى مَا أكرم نَزَعت، فَإِنَّهُ هَكَذَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ!. - قَالَ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ذكر عَنْهُ فضيلا: أُثَامِنُ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَةِ رَبَّهَا ... فَلَيْسَ لَهَا فِي النَّاسِ كُلِّهِمُ ثَمَنُ بِهَا تُشْتَرَى الْجَنَّاتُ إِذَا بِعْتَهَا ... بِشَيْءٍ سِوَاهَا إِنَّ ذَلِكَ غَبْنُ لَئِنْ ذَهَبَتْ نَفْسِي بِدُنْيَا أَصَبْتُهَا ... فَقَدْ ذَهَبَتِ الدُّنْيَا وَقَدْ ذَهَبَ الثَّمَنُ - غَيْرُهُ: وَمُنْتَظِرٍ سُؤَالَكَ بِالْعَطَايَا ... وَأَفْضَلُ مِنْ عَطَايَاهُ السُّؤَالُ إِذَا لَمْ يَأْتِكَ الْمَعْرُوفُ عَفْوًا ... فَدَعْهُ فَالتَّنَزُّهُ عَنْهُ مَالُ وَكَيْفَ يَلَذُّ ذُو أَدَبٍ نَوَالا ... وَمِنْهُ لِوَجْهِهِ فِيهِ ابْتِذَالُ إِذَا كَانَ السُّؤَالُ بِذُلِّ وَجْهٍ ... وَإِلْحَاحٍ فَلا كَانَ النَّوَالُ - غَيْرُهُ: مَا اعْتَاضَ بَاذِلُ وَجْهِهِ بِسُؤَالِهِ ... عِوَضًا وَلَوْ كَانَ الْغِنَى بِسُؤَالِ وَإِذَا السُّؤَالُ مَعَ النَّوَالِ وَزَنْتَهُ ... رَجَحَ السُّؤَالُ وَخَفَّ كُلُّ نَوَالِ - غَيْرُهُ: لَيْسَ يَعْتَاضُ بَاذِلُ الْوَجْهِ فِي ... الْحَاجَةِ مِنْ بَذْلِ وَجْهِهِ عِوَضًا فَكَيْفَ يَعْتَاضُ مَنْ أَتَاكَ وَقَدْ ... صَيَّرَ لِلذُّلِّ وَجْهَهُ غَرَضَا

стр. 27

- وَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ لِلْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى، وَقَدْ رَدَّ رَجُلا عَنْ حَاجَةٍ لَهُ: إِنَّ هَذَا لَمْ يَصُدَّ وَجْهَهُ عَنْ مَسْأَلَتِكَ، وَأَكْرَمَ وَجْهَكَ عَنْ رَدِّكَ أَنْ تَقْضِيَ حَاجَتَهُ - سَأَلَ ابْنُ أَخٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ مُحَمَّدًا، فَجَعَلَ مُحَمَّدٌ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَخِيهِ: يَا عَمُّ، لَوْ عَلِمْتَ أَنَّ مَسْأَلَتِي تَبْلُغُ هَذَا مِنْكَ مَا سَأَلْتُكَ، قَالَ: يَابْنَ أَخِي لَمْ أَبْكِ مِنْ مَسْأَلَتِكَ إِيَّايَ، إِنَّمَا بَكَيْتُ مِنْ تَرْكِي ابْتِدَاءَكَ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَنِي مِنَ الْحِكَمِ الْمَأْثُورَةِ - وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ فِي الْكُتُبِ: يَا عَبْدِي إِنْ كُنْتَ لا بُدَّ طَالِبَ حَاجَةٍ مِنْ عِبَادِي، فَاطْلُبْهَا مِنْ مَعَادِنِ أَهْلِ الْخَيْرِ فَتَرْجِعَ مَغْبُوطًا مَسْرُورًا وَلا تَطْلُبْهَا مِنْ مَعَادِنِ أَهْلِ الشَّرِّ فَتَرْجِعَ غَضْبَانَ مَحْسُورًا

стр. 28

بَابُ إِنْزَالِ الْحَاجَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالاسْتِعْفَافِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ ٧٥ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَزَلَتْ بِهِ حَاجَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللَّهِ أَوْشَكَ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْغِنَى إِمَّا عَاجِلا أَوْ آجِلا» ٧٦ - وَقَالَ هِلالُ بْنُ حِصْنٍ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَنَزَلْتُ دَارَ أَبِي سَعِيدٍ فَضَمَّنِي وَإِيَّاهُ الْمَجْلِسُ، فَحَدَّثَ أَنَّهُ أَصْبَحَ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ طَعَامٌ، وَأَصْبَحَ قَدْ عَصَبَ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ، قَالَ: فَقَالَتِ امْرَأَتِي: ائْتِ النَّبِيَّ ﷺ فَسَلْهُ، فَقَدْ أَتَاهُ فُلانٌ فَأَعْطَاهُ، وَأَتَاهُ فُلانٌ فَأَعْطَاهُ، فَأَبَيْتُ، وَقُلْتُ: حَتَّى أَلْتَمِسَ شَيْئًا فَذَهَبْتُ أَطْلُبُ فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: «مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ سَأَلَنَا شَيْئًا فَوَجَدْنَاهُ أَعْطَيْنَاهُ، وَوَاسَيْنَاهُ، وَمَنِ اسْتَعَفَّ عَنَّا، وَاسْتَغْنَى فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّنْ سَأَلَنَا» ، قَالَ: فَرَجَعْتُ وَمَا سَأَلْتُ شَيْئًا فَرَزَقَنَا اللَّهُ تَعَالَى، حَتَّى مَا أَعْلَمَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الأَنْصَارِ أَكْثَرَ أَمْوَالا مِنَّا جَزَاءُ مَنِ انْقَطَعَ إِلَى اللَّهِ ٧٧ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ انْقَطَعَ إِلَى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ كُلَّ مُؤْنَةٍ، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وَمَنِ انْقَطَعَ إِلَى الدُّنْيَا وَكَلَهُ اللَّهُ

стр. 29

إِلَيْهَا» أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ ٧٨ - وَرُوِيَ أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلا أَعْطَاهُ، حَتَّى نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ، قَالَ: «مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَأَنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهِ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا، وَلا أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» ٧٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَإِنَّ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ انْتِظَارَ الْفَرَجِ» ٨٠ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَزَلَتْ بِهِ حَاجَةٌ، وَأَنْزَلَهَا النَّاسَ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، فَإِنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ أَوْشَكَ اللَّهُ بِآجِلٍ حَاضِرٍ، أَوْ رِزْقٍ عَاجِلٍ» مَنْ عَرَفَ اللَّهَ اسْتَغْنَى - وَقَالَ أَبُو الْجَلْدِ: كَانَ لَنَا جَارٌ، وَكَانَ أَثَرُ الْفَاقَةِ وَالْمَسْكَنَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: لَوْ عَالَجْتَ شَيْئًا، لَوْ طَلَبْتَ شَيْئًا؟ قَالَ: يَا أَبَا الْجَلْدِ، وَأَنْتَ تَقُولُ هَذَا؟ مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ فَلَمْ يَسْتَغْنِ فَلا أَغْنَاهُ اللَّهُ

стр. 30

- وَقَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِذَا افْتَقَرْتَ، فَافْزَعْ إِلَى رَبِّكَ وَحْدَهُ، فَادْعُهُ، وَتَضَرَّعْ إِلَيْهِ، وَسَلْهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَخَزَائِنِهِ، فَإِنَّهُ لا يُكْرِمُكَ غَيْرُهُ، وَلا تَسَلِ النَّاسَ فَتَهُونُ عَلَيْهِمْ، وَلا يَرُدُّوا إِلَيْكَ شَيْئًا - شِعْرٌ: أُبَالِي أَنْ أُقِيمَ بِدَارِ خَسْفٍ ... عَلَى أَمَلِ الرِّضَاءِ، فَمَا وَجَدْتُ. وَإِذَا أَنَاخَ بِكَلْكَلِهِ زَمَانِي ... عَلَيَّ وَلَجَّ بِي دَهْرِي صَبَرْتُ وَقَدَّمَنِي عَلَى نُظَرَائِي أَنِّي ... إِذَا طَمَعٌ عَرَاهُمْ يَئِسْتُ وَيَجْمَعُنِي وَسُوءُ الْحَالِ لَيْلٌ ... فَأَكْثَرُ مَا أَقُولُ: «بِكَ اسْتَعَنْتُ» وَيَسْأَلُنِي صَدِيقِي: كَيْفَ حَالِي؟ ... فَأُوهِمُهُ الْغَنِيَّ وَلَوْ جَهِدْتُ وَلَوْلا أَنَّ ذِكْرَ الْمَوْتِ يُسْلِي ... عَنِ الدُّنْيَا وَلَذَّتِهَا أَسِفْتُ وَأَعْظَمُ مِنْ نُزُولِ الْمَوْتِ أَنِّي ... أُدَانُ بِمَا كَسَبْتُ وَمَا اكْتَسَبْتُ - غَيْرُهُ: لا تَخْضَعَنَّ لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعٍ ... فَإِنَّ ذَاكَ مُضِرٌّ مِنْكَ بِالدِّينِ وَاسْتَرْزِقِ اللَّهَ مِمَّا فِي خَزَائِنِهِ ... فَإِنَّمَا هِيَ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ - وَغَيْرُهُ: شَادَ الْمُلُوكُ قُصُورَهُمْ وَتَحَصَّنُوا ... مِنْ كُلِّ طَالِبِ حَاجَةٍ وَرَاغِبِ غَالُوا بِأَبْوَابِ الْحَدِيدِ لِعِزِّهَا ... وَتَنَوَّقُوا فِي قُبْحِ وَجْهِ الْحَاجِبِ فَإِذَا تَلَطَّفَ فِي الدُّخُولِ إِلَيْهِمُ ... عَافٍ تَلَقَّوْهُ بِوَعْدٍ كَاذِبِ

стр. 31

فَاطْلُبْ إِلَى مَلِكِ الْمُلُوكِ وَلا تَكُنْ ... يَا ذَا الضَّرَاعَةِ طَالِبًا مِنْ طَالِبِ - كَتَبَ بَعْضُ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَى أَبِي حَازِمٍ يَعْزِمُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ حَوَائِجَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ , فَقَدْ جَاءَنِي كِتَابُكَ تَعْزِمُ عَلَى إِلا رَفَعْتُ حَوَائِجِي إِلَيْكَ، وَهَيْهَاتَ! ، رَفَعْتُ حَوَائِجِي لِمَنْ لا تُنْصَرُ الْحَوَائِجُ دُونَهُ، فَمَا أَعْطَانِي مِنْهَا قَبِلْتُ، وَمَا أَمْسَكَ عَنِّي مِنْهَا رَضِيتُ - خَرَجَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزِ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ عَامِلُ الْعِرَاقِ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ رَجُلانِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَحَدُهُمَا: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، وَالآخَرُ مِنْ ثَقِيفٍ، فَكَتَبَ بِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ فِيمَا يَكْتُبُ بِهِ مِنَ الأَخْبَارِ فَأَقْبَلا يَسِيرًا حَتَّى إِذَا كَانَا بِنَاحِيَةِ الْبَصْرَةِ، قَالَ الأَنْصَارِيُّ لِلثَّقَفِيِّ: هَلْ لَكَ فِي رَأْيٍ رَأَيْتُهُ؟ قَالَ: اعْرِضْهُ، قَالَ: رَأَيْتُ أَنْ نُنِيخَ رَوَاحِلَنَا، وَنَتَنَاوَلَ مَطَاهِرَنَا فَنَتَوَضَّأَ، ثُمَّ نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَنَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا قَضَى مِنْ سَفَرِنَا. قَالَ: هَذَا الَّذِي لا يُرَدُّ، فَتَوَضَّيْنَا وَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ فَالْتَفَتَ الأَنْصَارِيُّ إِلَى الثَّقَفِيِّ، فَقَالَ: يَا أَخَا ثَقِيفٍ: مَا رَأْيُكَ؟ قَالَ: وَأَيُّ مَوْضِعِ رَأْيٍ هَذَا، قَضَيْتُ سَفَرِي وَأَنْضَيْتُ بَدَنِي وَأَنْصَبْتُ رَاحِلَتِي وَلا مُؤَمَّلَ دُونَ ابْنِ عَامِرٍ، فَهَلْ لَكَ رَأْيٌ غَيْرَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنِّي لَمَّا صَلَّيْتُ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فَكَّرْتُ فَ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي أَنْ يَرَانِي طَالِبًا رِزْقًا مِنْ غَيْرِهِ، اللَّهُمَّ يَا رَازِقَ ابْنِ عَامِرٍ ارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ، ثُمَّ وَلَّى رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ وَدَخَلَ الثَّقَفِيُّ الْبَصْرَةَ فَمَكَثَ أَيَّامًا فَأَذِنَ لَهُ ابْنُ عَامِرٍ، فَلَمَّا رَآهُ رَحَّبَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّ ابْنَ جَابِرٍ خَرَجَ مَعَكَ؟ فَخَبَّرَهُ خَبَرَهُ، فَبَكَى ابْنُ عَامِرٍ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا قَالَهَا أَشِرًا، وَلا

стр. 32

بَطِرًا، وَلَكِنْ رَأَى مَجْرَى الرِّزْقَ وَمَخْرَجَ النِّعْمَةِ، فَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي مَنَحَكَ ذَاكَ فَسَأَلَهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَأَمَرَ لِلثَّقَفِيِّ بِأَرْبَعَةِ آلافٍ، وَكِسْوَةٍ وَطُرَفٍ، وَأَضْعَفَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلأَنْصَارِيِّ، فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ وَهُوَ يَقُولُ: أُمَامَةُ مَا حِرْصُ الْحَرِيصِ بِزَائِدٍ ... فَتِيلا وَلا زُهْدُ الضَّعِيفِ بِضَائِرِ خَرَجْنَا جَمِيعًا مِنْ مَسَاقِطِ رَأْيِنَا ... عَلَى ثِقَةٍ مِنَّا بِخَيْرِ ابْنِ عَامِرِ فَلَمَّا أَنَخْنَا النَّاعِجَاتِ بِبَابِهِ ... تَأَخَّرَ عَنِّي الْيَثْرِبِيُّ ابْنُ جَابِرِ وَقَالَ: سَتَكْفِينِي عَطِيَّةُ قَادِرٍ ... عَلَى مَا يَشَاءُ الْيَوْمَ لِلْخَلْقِ قَاهِرِ وَإِنَّ الَّذِي أَعْطَى الْعِرَاقَ ابْنَ عَامِرٍ ... لَرَبِّي الَّذِي أَرْجُو لِسَدِّ مَعَاقِرِي فَلَمَّا رَآنِي سَأَلَ عَنْهُ صَبَابَةً ... إِلَيْهِ كَمَا حَنَّتْ ضِرَابُ الأَبَاعِرِ فَأَضْعَفَ عَبْدَ اللَّهِ إِذْ غَابَ حَظُّهُ ... عَلَى حَظِّ لَهْفَانَ مِنَ الْحِرْصِ فَاغِرِ فَعُدْتُ، وَقَدْ أَيْقَنْتُ أَنْ لَيْسَ نَافِعِي ... وَلا صَائِرٌ شَيْءٌ خِلافَ الْمَقَادِرِ - وَقَالَ ابْنُ سِمَاكٍ: كَتَبَ إِلَيَّ أَخٌ لِي: أَمَّا بَعْدُ فَلا تَكُنْ لأَحَدٍ غَيْرَ اللَّهِ عَبْدًا مَا وَجَدْتَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ بُدًّا - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَخَذَ بِالتَّقْوَى، وَرُزِقَ الْوَرَعَ، أَنْ يَذِلَّ لِصَاحِبِ الدُّنْيَا زِينَةُ الْمُؤْمِنِ - وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ: أَدْرَكْتُ نَفَرًا يَقُولُونَ: زِينَةُ الْمُؤْمِنِ طُولُ صَمْتِهِ،

стр. 33

وَعِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ - وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: كَيْفَ أَخَافُ الْفَقْرَ، وَلِمَوْلايَ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِمَا، وَمَا تَحْتَ الثَّرَى؟! - وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ضَاعَتْ نَفَقَتِي مَرَّةً وَأَنَا فِي بَعْضِ الثُّغُورِ وَأَصَابَتْنِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ فَإِنِّي فِي بَعْضِ أَيَّامِي أُفَكِّرُ فِي جَهْدِ مَا أَنَا فِيهِ، إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهُ وَجْهًا، وَهُوَ يَقُولُ: تَبَارَكَ اللَّهُ وَسُبْحَانَهُ ... مَنْ جَهِلَ اللَّهَ فَذَاكَ الْفَقِيرُ مَنْ ذَا الَّذِي تَلْزَمُهُ فَاقَةٌ ... وَذُخْرُهُ اللَّهُ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ قَالَ: فَكَأَنَّمَا مُلِئْتُ غِنًى، وَذَهَبَ عَنِّي مَا كُنْتُ أَجِدُهُ الدُّنْيَا شَيْئَانِ - وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ الْمَدِينِيُّ: وَجَدْتُ الدُّنْيَا شَيْئَيْنِ: فَشَيْءٌ مِنْهَا هُوَ لِي، فَلَنْ أَعْجَلَهُ قَبْلَ آجِلِهِ، وَلَوْ طَلَبْتُهُ بِقُوَّةِ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَشَيْءٌ مِنْهَا: هُوَ لِغَيْرِي، فَذَلِكَ مَا لَمْ أَنَلْهُ فِيمَا مَضَى، وَلا أَرْجُوهُ فِيمَا بَقِيَ، فَيَمْنَعُ الَّذِي لِي مِنْ غَيْرِي كَمَا يَمْنَعُ الَّذِي لِغَيْرِي مِنِّي، فَفِي أَيِّ هَذَيْنِ أُفْنِي عُمْرِي؟ وَوَجَدْتُ مَا أُعْطِيتُهُ فِي الدُّنْيَا شَيْئَيْنِ: فَشَيْءٌ يَأْتِي أَجَلُهُ قَبْلَ أَجَلِي، فَأُغْلَبُ عَلَيْهِ، وَشَيْءٌ يَأْتِي أَجَلِي قَبْلَ أَجَلِهِ فَأَمُوتُ وَأُخَلِّفُهُ لِمَنْ بَعْدِي فَفِي هَذَيْنِ أَعْصِي رَبِّي؟ - وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: بَلَغَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «كَفَى بِي لِعَبْدِي بَالا إِذَا كَانَ عَبْدِي فِي طَاعَتِي، أَعْطَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَنِي، وَأَجَبْتُهُ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوَنِي , وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا يَرْفِقُ

стр. 34

بِهِ مِنْهُ» . وَقَالَ الْعُمَرِيُّ: لَقَدِ انْقَطَعْتُمْ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ فَمَا صَنَعْتُمْ، فَإِنِ انْقَطَعْتُمْ إِلَيْهِ خَشِيتُمُ الصَّنِيعَةَ - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ زِيَادٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلْمَانَ فِي بَعْضِ نُدَمَائِهِ فَأَتَيْنَاهُ نُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَنَا: صَفُّوا لِلْمُنْعِمِ قُلُوبَكُمْ يَكْفِيكُمُ الْمُؤَنَ عِنْدَ هَمِّكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ خَدَمْتَ مَخْلُوقًا تَطْلُبُ خِدْمَتَهُ، أَلَمْ يَكُنْ يَرْعَى لِخِدْمَتِكَ حُرْمَةً؟ فَكَيْفَ بِمَنْ يُنْعِمُ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ تُسِيءُ إِلَى نَفْسِكَ , تَتَقَلَّبُ فِي نِعَمِهِ، وَتَتَعَرَّضُ لِغَضَبِهِ، هَيْهَاتَ! هِمَّتُكَ هِمَّةُ الْبَطَّالِينَ، لَيْسَ لِهَذَا خُلِقْتُمْ وَلا بِهَذَا أُمِرْتُمْ، الْكَيْسَ الْكَيْسَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ: لَوْ أَنَّ رَجُلا انْقَطَعَ إِلَى رَجُلٍ لَعَرَفَ ذَلِكَ لَهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَهُ السَّمَوَاتُ وَالأَرَضُونَ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: مَا أَحْسَنَ حَالَ مَنِ انْقَطَعَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى - وَقَالَ الْحَسَنُ: يَابْنَ آدَمَ خَفْ مِمَّا خَوَّفَكَ اللَّهُ تَعَالَى يَكْفِيكَ مَا خَوَّفَكَ النَّاسُ، وَإِنَّ مِنْ ضَعْفِ يَقِينِكَ أَنْ تَكُونَ بِمَا فِي يَدِكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ مَعَانِي التَّوَكُّلِ - وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ مِنْ تَوَكُّلِ الْعَبْدِ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ ثِقَتُهُ

стр. 35

- وَحُكِيَ أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي رَوَّادٍ كَانَ خَلْفَ الْمَقَامِ جَالِسًا، وَذَلِكَ بِنِصْفِ اللَّيْلِ، فَسَمِعَ دَاعِيًا دَعَا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَعَجِبْتُ مِنْهُنَّ، وَحَفِظْتُهُنَّ، قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: فَرِّغْنِي لِمَا خَلَقْتَنِي لَهُ، وَلا تَشْغَلْنِي بِمَا تَكَلَّفْتَ لِي بِهِ، وَلا تَحْرِمْنِي وَأَنَا أَسْأَلُكَ، وَلا تُعَذِّبْنِي، وَأَنَا أَسْتَغْفِرُكَ. وَكَانَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مِنْ فَضْلِكَ رِزْقًا يَزِيدُنَا لَكَ بِهِ شُكْرًا، وَإِلَيْكَ فَاقَةً وَفَقْرًا، وَبِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ غِنًى وَتَعَفُّفًا - وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَا لِي أَرَاكُمْ تَجْتَهِدُونَ فِيمَا قَدْ تُوُكِّلَ لَكُمْ بِهِ، وَتَبَطَّلُونَ عَمَّا أُمِرْتُمْ بِهِ

стр. 36

- وَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ: طَلَبْتُ الدُّنْيَا مِنْ مَظَانِّهَا حَلالا، فَجَعَلْتُ لا أُصِيبُ مِنْهَا إِلا قُوتًا، أَمَّا أَنَا فَلا أُعِيلُ فِيهَا، وَأَمَّا هُوَ فَلا يُجَاوِزُنِي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: أَيْ نَفْسِي، جُعِلَ رِزْقُكِ كَفَافًا فَارْبَعِي فَرَبَعَتْ وَلَمْ تَكَدْ - كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَهُ تجلةَ وَعَطَايَا وَمَعْرُوفٌ، فَأَصَابَهُ رَيْبُ الزَّمَانِ فَاحْتَاجَ مَالا، فَأَرَادَ أَنْ يَضْرِبَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَقَالَتْ بُنَيَّةٌ لَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلا حَكَاهُ عَنْهَا فِي شِعْرٍ لَهُ، فَقَالَ: تَقُولُ ابْنَتِي وَالسَّيْرُ قَدْ جَدَّ جَدُّهُ ... وَقَدْ حَصَرَتْنِي بَغْتَةٌ وَرَحِيلُ لَعَلَّ الْمَنَايَا فِي ارْتِحَالِكَ تَفْتَدِي ... بِنَفْسِكَ قَوْمًا أَوْ تَغُولُكَ غُولُ فَتَتْرُكُنِي أُدْعَى الْيَتِيمَةَ بَعْدَمَا ... بين وَعِزِّي بَعْدَ ذَاكَ ذَلِيلُ أَفِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَرَبُّكَ لِلَّذِي ... تُحَاوِلُ مِنْهَا وَالشُّخُوصَ كَفِيلُ أَلَيْسَ ضَعِيفُ الْقَوْمِ يَأْتِيهِ رِزْقُهُ ... فَيُسَاقُ إِلَيْهِ وَالْبِلادُ مَحُولُ وَيُحْرَمُ جَمْعَ الْمَالِ مَنْ لَمْ يَزَلْ بِهِ ... بِكُلِّ بِلادٍ رِحْلَةٌ وَحُلُولُ فَلَوْ كُنْتَ فِي طَرْدٍ عَلَى رَأْسِ هَضْبَةٍ ... لَهَا لَجَبٌ فِيهِ الْوُعُولُ تَقِيلُ بِصَعِيدَةٍ لا يُسْتَطَاعُ ارْتِقَاؤُهَا ... وَلَيْسَ إِلَى مِنْهَا النُّزُولِ سَبِيلُ إِذًا لأَتَاكَ الرِّزْقُ يَحْدُوهُ سَائِقٌ ... حَثِيثٌ وَيَهْدِيهِ إِلَيْكَ دَلِيلُ مِنْ مَوَاعِظِ الأَعْرَابِ - حُكِيَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الأَعْرَابِ زَرَعُوا زَرْعًا، فَلَمَّا بَلَغَ أَصَابَتْهُ آفَةٌ فَذَهَبَتْ بِهِ،

стр. 37

فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى رُؤِيَ فِيهِمْ، فَخَرَجَتْ أَعْرَابِيَّةٌ مِنْهُمْ، فَقَالَتْ: مَا لِي أَرَاكُمْ مُتَغَيِّرَةٌ أَلْوَانُكُمْ، مَيِّتَةٌ قُلُوبُكُمْ، هُوَ رَبُّنَا فَلْيَفْعَلْ بِنَا مَا يَشَاءُ، وَرِزْقُنَا عَلَيْهِ، يَأْتِي بِهِ مِنْ حَيْثُ يَشَاءُ، ثُمَّ أَنْشَدَتْ تَقُولُ: لَوْ كَانَ فِي صَخْرَةٍ فِي الْبَحْرِ رَاسِيَةٍ ... صَمَّاءَ مَلْمُومَةٍ مُلْسٌ نَوَاحِيهَا رِزْقُ نَفْسٍ بَرَاهَا اللَّهُ لانْفَلَقَتْ ... حَتَّى تُؤَدِّي إِلَيْهِ كُلَّ مِا فِيهَا أَوْ كَانَ بَيْنَ طِبَاقِ السَّبْعِ مَسْلَكُهَا ... لَسَهَّلَ اللَّهُ فِي الْمَرَاقِي مَرَاقِيهَا حَتَّى تَنَالَ الَّذِي فِي اللَّوْحِ خُطَّ لَهَا ... فَإِنْ أَتَتْهُ وَإِلا سَوْفَ يَأْتِيهَا - وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ وَائِلٍ: لا تَهْتَمَّ لِلرِّزْقِ، وَاجْعَلْ هَمَّكَ لِلْمَوْتِ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: مَا اهْتَمَمْتُ لِرِزْقٍ أَبَدًا، أَوْ قَالَ: إِنِّي لأَسْتَحِي مِنْ رَبِّي أَنْ أَحْزَنَ لِرِزْقِي بَعْدَ رِضَائِهِ - وَقَالَ مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمَانَ: إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكُونُ نَفْسًا لَيَوْمَ يُقَالُ: فَقِيرٌ مِنْ حِكَمِ الْحَسَنِ بْنِ حُسَيْنٍ - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حُسَيْنٍ: إِنِّي لأُصْبِحُ وَمَا عِنْدِي دِينَارٌ، وَلا دِرْهَمٌ، وَلا رَغِيفٌ، كَأَنَّمَا حِيزَتْ لِيَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حُسَيْنٍ لِرَجُلٍ: لا تَخَفْ أَنْ تَفْتَقِرَ وَإِنَّمَا خَفْ أَنْ تَسْتَغْنِيَ - وَشَكَى رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ حُسَيْنٍ سُوءَ الْحَالِ، وَجَعَلَ يَبْكِي فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: يَا هَذَا، أَكُلُّ هَذَا اهْتِمَامُكَ بِالدُّنْيَا؟ وَاللَّهِ , لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا كُلُّهَا لِعَبْدٍ فَسُلِبَهَا، مَا رَأَيْتُهَا أَهْلا يَبْكِي عَلَيْهَا، وَاللَّهِ لأَنَا...... مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى الأَرْضِ أَشَدّ اهْتِمَامًا مِنِّي بِالرِّزْقِ مِنْ أَيْنَ يَأْتِينِي؟

стр. 38

- وَشَكَا رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ حَاجَةً وَضُرًّا، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ، لَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ دُنْيَا لَوْ لَمْ تَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ لَكَانَ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ - وَكَتَبَ سُلَيْمَانُ بْنُ حُسَيْنٍ الْمُهَلَّبِيُّ إِلَى الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ وَقَدْ وَلِيَ الأَهْوَازَ، يَدْعُوهُ فَأَبَى أَنْ يَأْتِيَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَبْلِغْ سُلَيْمَانَ أَنِّي عَنْهُ فِي سَعَةٍ ... وَفِي غِنًى غَيْرَ أَنِّي لَسْتُ بِمَيْسُورِ إِنِّي لا أَرَى أَحَدًا يَمُوتُ هَزْلا، وَلا يَبْقَى عَلَى حَالٍ، الرِّزْقُ هُوَ قَدَرٌ، لا الضَّعْفُ يُنْقِصُهُ، وَلا يَزِيدُكَ فِيهِ حَوْلٌ حَدِيثٌ بَيْنَ ابْنٍ وَأُمِّهِ - خَرَجَ فَتًى يَطْلُبُ الدُّنْيَا فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ فَكَتَبَ إِلَى أُمِّهِ: سَأَكْسِبُ مَالا، أَوْ أُرَى فِي ضَرِيحَةٍ ... مِنَ الأَرْضِ لا تَبْكِي عَلَيَّ سُهُوبُ وَلا.... عَلَى خَزِينَتِهِ ... وَلا أَحَدٌ مِمَّنْ أُحِبُّ قَرِيبُ سِوَى أَنْ يَرَى قَبْرِي غَرِيبٌ فَرُبَّمَا ... بَكَى أَنْ يَرَى قَبْرَ الْغَرِيبِ غَرِيبُ فَوَافَى الْكِتَابُ، وَقَدْ مَاتَتْ أُمُّهُ فَأَجَابَتْهُ خَالَتُهُ: تَذَكَّرْتُ إِخْوَانًا وَأَذْرَيْتُ عَبْرَةً ... وَهَيَّجْتُ أَحْزَانًا، وَذَاكَ عَجِيبُ فَإِنْ تَكُ مُشْتَاقًا إِلَيْنَا فَإِنَّنَا ... ظِمَاءٌ وَالْحَبِيبُ حَبِيبُ فَمُنَّ عَلَى أُمٍّ عَلَيْكَ شَفِيقَةٌ ... بِوَجْهِكَ لا تَثْوِي وَأَنْتَ غَرِيبُ فَإِنَّ الَّذِي يَأْتِيكَ بِالرِّزْقِ دَائِمًا ... يَجِيءُ بِهِ وَالْحَيُّ مِنْكَ قَرِيبَ - وَقِيلَ لأَبِي أُسَيْدٍ الْفَزَارِيِّ: مِنْ أَيْنَ تَعِيشُ؟ فَكَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَهُ وَقَالَ: يَرْزُقُ اللَّهُ الْقِرْدَ وَالْخِنْزِيرَ، وَلا يَرْزُقُ أَبَا أُسَيْدٍ: إِنَّ الْمَقَادِيرَ لا تُنَاوِلُهَا الأَوْهَامُ ... لُطْفًا وَلا تَرَاهَا الْعُيُونُ سَيَجْرِي عَلَيْكَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ ... وَيَأْتِيكَ رِزْقُكَ الْمَضْمُونُ - وَلِبَعْضِ السَّلَفِ: إِنْ يُقَدِّرْ لَكَ الرَّحْمَنُ رِزْقًا ... فَعُدَّ لِرِزْقِهِ الْمُقَدَّمِ بَابًا وَإِنْ يَحْرِمْكَ لَمْ تَسْتَطِعْ بِحَوْلٍ ... وَلا رَأَى الرِّجَالُ لَهُ اكْتِسَابَا فَأَقْصِرْ مِنْ خُطَاكَ فَلَيْسَ يَغْدُو ... بِحِيلَتِكَ الْقَضَا وَلا الْكِتَابَا

стр. 39

- وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيُّ: كُنْتُ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّي وَكَانَ يُؤْتَى بِرِزْقِي حَتَّى يُوضَعَ فِي فَمِي، حَتَّى إِذَا كَبِرْتُ وَعَرَفْتُ رَبِّي سَاءَ ظَنِّي، فَأَيُّ عَبْدٍ أَشَرُّ مِنِّي ١١٧ - وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ مَرْفُوعًا: " إِنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَةً لَوْ أَخَذَتْهَا النَّاسُ لَكَفَتْهُمْ: " ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ الطلاق ٢ - ٣﴾ لَيْسَ أَحَدٌ بِأَكْسَبَ مِنْ أَحَدٍ ١١٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِأَكْسَبَ مِنْ أَحَدٍ قَدْ كَتَبَ اللَّهُ الْمُصِيبَةَ وَالأَجَلَ، وَقَسَمَ الْمَعِيشَةَ وَالْعَمَلَ، فَالنَّاسُ يَجْرُونَ فِيهَا إِلَى مُنْتَهًى» - وَقِيلَ: لَمَّا قَدِمَ عُرْوَةُ بْنُ أُذَيْنَةَ الشَّاعِرُ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ: وَلَوْ قَعَدْتُ أَتَانِي لا يُعَنِّينِي قَالَ: جِئْتُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَعْطَاهُ أَرْبَعَ مِائَةِ دِينَارٍ، وَهَذَا هُوَ الشِّعْرُ: وَلَقَدْ عَلِمْتُ، وَمَا الإِشْرَافُ مِنْ خُلُقِي ... أَنَّ الَّذِي هُوَ رِزْقِي سَوْفَ يَأْتِينِي أَسْعَى لَهُ فَيُعَنِّينِي تَطَلُّبُهُ ... وَلَوْ قَعَدْتُ أَتَانِي لا يُعَنِّينِي - وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ: خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ فَإِذَا رَجُلٌ يَهْتِفُ بِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَخْرٍ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: لِلَّهِ أَبُوكَ لِهَذَا الْعَدُوِّ الَّذِي أُبِيحَ لأَبَوَيْنَا، وَهُمَا فِي الْجَنَّةِ يَأْكُلانِ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءَا، فَلَمْ يَزَلْ يُمَنِّيهِمَا وَيُدَلِّيهِمَا بِغُرُورٍ وَيُقَاسِمُهُمَا بِاللَّهِ، أَنَّهُ لَهُمَا مِنَ النَّاصِحِينَ، حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ. ثُمَّ هَا هُوَ ذَا قَدْ نَصَبَ لَنَا فَنَحْنُ نُمَلِّي أَعْيُنَنَا إِلَى مَا لَمْ يُقْسَمْ لَنَا مِنَ الرِّزْقِ، حَتَّى تُقْطَعَ أَنْفُسُنَا دُونَهُ، وَيُزَهِّدُنَا فِي الَّذِي قَدِ انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ، وَجَوَّبَنَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ، حَتَّى تَنَصَّرَ فِي الشُّكْرِ. قَالَ:

стр. 40

فَذَهَبْتُ لأُجِيبَهُ فَمَا أَدْرِي كَيْفَ ذَهَبَ. قَالَ: فَذَكَرْتُهُ، فَقِيلَ: ذَاكَ الْخِضْرُ، وَلا نَظُنُّ إِلا الْخِضْرَ ﵇ - وَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: كَتَبْتُ إِلَى رَجُلٍ حَرِيصٍ عَلَى الدُّنْيَا: أَمَّا بَعْدُ , أَصْلَحَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ لِمَا لَهُ خَلَقَنَا، وَحَصِّننَّا وَإِيَّاكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ أَصْبَحْنَا، فَإِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي أَنْكَدِ النَّكَدِ، مِنْ أَكْدَرِ الْكَدَرِ , لا نَنَالُ الدُّنْيَا إِلا بِأَطْوَلَ نَصَبٍ، وَأَشَدَّ تَعَبٍ مَعَ أَنَّا فِيمَا..... نَخُوضُ، الذُّلّ، وَنُعْرَفُ بِالصَّغَارِ، وَلا تَدَعْنَا نَجْتَرُّ بِهِ إِلَى انْتِفَاعٍ. وَلَقَدْ رَأَيْنَا فِي هَذِهِ الدَّارِ الْعَجَبَ، وَالاعْتِبَارَ، الْعَجَبَ مِنَ الضَّعِيفِ فِي ضَعْفِهِ، وَالْعَاجِزِ فِي حِيلَتِهِ، وَالْعَلِيلِ فِي عَقْلِهِ، وَالْفَاجِرِ فِي دِينِهِ، وَهُوَ بِقَدْرٍ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى حُبِّهِ. وَالْعَجَبَ مِنَ الْقَوِيِّ فِي شِدَّتِهِ، وَالصَّحِيحِ فِي عَقْلِهِ، وَالْجَلِيدِ فِي أَمْرِهِ، وَالْعَفِيفِ فِي دِينِهِ وَهُوَ فِي....... . فَالَّذِي حَالَ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَبَيْنَ طِلْبَتِهِ هُوَ الْمَقْدُورُ اللَّازِمُ لِخَلْقِهِ، فَهَلْ عَبْدٌ رَضِيَ بِمَا قُسِمَ لَهُ فَيَفْرَغُ بَدَنُهُ، وَتَطْمَئِنُّ نَفْسُهُ، أَيْ أَخِي، ذَلَّلَ اللَّهُ لَكَ رِزْقًا لا بُدَّ لَكَ مِنْ أَنْ تَأْكُلَهُ حَلالا بِزَادٍ تَبْلُغُهُ، وَأَثَرٍ فَلا بُدَّ مِنْ أَنْ تَطَأَهُ، وَقَسَمًا فَلا بُدَّ أَنْ تُعْطَاهُ، فَفِيمَ شُغْلُ هَذِهِ النَّفْسِ، وَتَغَيُّرُ هَذَا الْقَلْبِ إِلا الْوَسْوَسَةَ، وَهَذَا الْعَدُوُّ، فَأَعَانَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ عَلَى عَدُوِّنَا الْحَرِيصِ عَلَى أَنْ يَسُوءَ ظَنُّنَا بِرَبِّنَا، وَأَنْ يَقِلَّ رِضَانَا عَنْ خَالِقِنَا، يَعِدُنَا اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ وَالْفَضْلَ، وَيَعِدُنَا عَدُوُّنَا الْفَقْرَ، فَأَسْرَعَتْ قُلُوبُنَا إِلَى عِدَةِ عَدُوِّنَا، مَا لَمْ تُسْرِعْ إِلَى عِدَةِ خَالِقِنَا، وَالسَّلامُ رَجُلانِ يَطْلُبَانِ فَضْلَ اللَّهِ - حُكِيَ أَنَّ رَجُلا أَعْوَرَ خَرَجَ يَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَصَحِبَ رَجُلا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَسَأَلَهُ عَنْ مَخْرَجِهِ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَنَا وَاللَّهِ أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكَ، فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى نَلْتَمِسْ مِنْ فَضْلِهِ، فَخَرَجَا فِي جِبَالِ لُبْنَانَ، يَؤُمَّانِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَأَتَيَا عَلَى بَعْضِ الْمَنَازِلِ فَنَزَلا فِي قَصْرٍ خَرِبٍ، فَانْطَلَقَ أَحَدُهُمَا لِيَأْتِيَ بِطَعَامٍ، فَقَالَ الْمُتَخَلِّفُ مِنْهُمَا فِي الرَّحِيلِ: أَلْقَيْتُ نَفْسِي وَجَعَلْتُ أَنْظُرُ بِنَاءَ ذَلِكَ الْقَصْرِ وَهَيْئَتَهُ وَخَرَابَهُ بَعْدَ الْعِمَارَةِ وَجَعَلْتُ وَاللَّهِ أَذْكُرُ سَفَرِي، وَتَرْكِي عِيَالِي فَإِذَا أَنَا بِلَوْحٍ مِنْ رُخَامٍ تِجَاهِي فِي قِبْلَةِ حَائِطِ الْقَصْرِ، فِيهِ كِتَابَةٌ فَاسْتَوَيْتُ جَالِسًا فَإِذَا فِيهِ: لَمَّا رَأَيْتُكَ جَالِسًا مُسْتَقْبِلِي ... أَيْقَنْتُ أَنَّكَ لِلْهُمُومِ قَرِينُ فَافْطِنْ لَهَا وَتعرض مِنْ أَثْوَابِهَا ... إِنْ كَانَ عِنْدَكَ بِالْقَضَاءِ يَقِينُ فَالْهَمُّ سِيمَاهُ مَشِيبٌ سَائِلٌ ... وَيَكُونُ مَثْوَى الضُّرِّ حَيْثُ يَكُونُ هَوِّنْ عَلَيْكَ وَكُنْ بِرَبِّكَ وَاثِقًا ... فَحَقُّ التَّوَكُّلِ شَأْنُهُ التَّهْوِينُ طَرَحَ الأَذَى عَنْ نَفْسِهِ فِي رِزْقِهِ ... لَمَّا تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَضْمُونُ فَجَعَلْتُ أَقْرَؤُهُنَّ، وَأَتَدَبَّرُهُنَّ، إِذْ جَاءَ صَاحِبِي، فَقُلْتُ: أَلا أُعْجِبُكَ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: انْظُرْ مَا عَلَى هَذَا اللَّوْحِ، فَنَظَرَ وَنَظَرْتُ فَلَمْ يَرَ حَائِطًا وَلا شَيْئًا، فَجَعَلْتُ أُطَوِّفُ فِي الْقَصْرِ، وَأَتَتَبَّعُ مَا فِيهِ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا
следующие страницы →