← Тафсир

Тафсир · id 22371

معانى القرآن للأخفش

الأخفش الأوسط

Полный текст (582 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

﴿بسم الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ معانى القرآن للأخفش المعاني الواردة في آيات سورة (الفاتحة) ﴿بسم الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿بِسْمِ اللهِِِِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ : "اسم" [في التسمية] صلة زائدة، زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم الى قصد التبرّك, لان اصل الكلام "بالله" وحذفت الألف من "بسم" من الخط تخفيفاً لكثرة الاستعمال واستغناء عنها بباء الالصاق في اللفظ والخط فلو كتبت "باسم الرحمن" او "باسم القادر" أو "باسم القاهر" لم تحذف الالف. والألف في "اسم" ألف وصل، لانك تقول: "سُمْيّ" وحذفت لانها ليست من اللفظ.

стр. 2

(اب) اسمٌ، لانك تقول اذا صغّرته: "سُمَيّ"، فتذهب الألف. وقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ، وقوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ فهذا موصول لانك تقول: "مُرَيَّة" و "ثُنَيَّا عشر". و [قوله] : ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ موصول: لانك تقول: "ثُنَيَّتا عشرةَ"، وقال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ ، وقال: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ ، لانك تقول في "اثنين": "ثُنَيِّيّن" وفي "آمرىء": "مُرَىّءِ" فتسقط الالف. وانما زيدت لسكون الحرف الذي بعدها لما ارادوا استئنافه فلم يصلوا الى الابتداء بساكن، فأحدثوا هذه الالف ليصلوا الى الكلام بها. فاذا اتصل [الكلام] بشيء قبله استغنى عن هذه الالف. وكذلك كل الف كانت في اول فعل او مصدر، وكان "يَفْعل" من ذلك الفعل ياؤه مفتوحة فتلك

стр. 3

ألف وصل نحو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنَا﴾ . لانك تقول: "يَهْدِي" فالياء مفتوحة. وقوله: ﴿أُوْلَائِكَ الَّذِينَ اشْتَرُواْ الضَّلاَلَةَ﴾ و [قوله] : ﴿ياهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً﴾ ، وقوله: ﴿عَذَابٌ [٤١] ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ ، وأشباه هذا في القرآن كثيرة. والعلة فيه كالعلّة في "اسم"، و "اثنين" وما أشبهه، لانه لما سكن الحرف الذي في اول الفعل جعلوا فيه هذه الالف ليصلوا الى الكلام به اذا استأنفوا. وكل هذه الالفات (٢ء) اللواتي في الفعل اذا استأنفتهنّ مكسورات، فاذا استأنفت قلت ﴿اهْدِنَا الصّرَاطَ﴾ , ﴿ابْنِ لِي﴾ , ﴿اشْتَرُواْ الضَّلاَلَةَ﴾ ، الا ما كان منه ثالث حروفه مضموما فانك تضم أوله اذا استأنفت، تقول: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ ، وتقول ﴿اذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً﴾ . وانما ضمت هذه الالف اذا كان الحرف الثالث مضموماً لانهم لم يروا بين الحرفين إلا حرفاً ساكنا, فثقل عليهم ان يكونوا في كسر ثم يصيروا الى الضم. فارادوا أن يكونا جميعاً مضمومين اذا كان ذلك لا يغير المعنى. وقالوا في بعض الكلام في "المُنْتِن": مِنْتِن". وانما هي من ""أنتن" فهو "مُنْتِن"، مثل "أكرم" فهو "مُكْرِم". فكسرو الميم لكسرة التاء. وقد ضم بعضهم التاء فقال "مُنْتُن" لضمة الميم. وقد قالوا في "النَقِد": "النِقِد" فكسروا النون لكسرة القاف.

стр. 4

وهذا ليس من كلامهم الا فيما كان ثانيه احد الحروف الستة نحو "شعير". والحروف الستة: الخاء والحاء والعين والغين والهمزة والهاء وما كان على "فُعِلَ" مما في أوله هذه الالف الزائدة فاستئنافه ايضاً مضموم نحو: ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ﴾ لان أول "فُعِلَ" ابداً مضموم، [٢ب] والثالث من حروفها ايضاً مضموم. وما كان على "أَفعَلُ أنا" فهو مقطوع الالف وإن كان من الوصل، لأن "أَفْعَلُ" فيها ألف سوى ألف الوصل، وهي نظيرة الياء في "يَفْعَل". وفي كتاب الله ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ، و ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ﴾ و ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ . وما كان من نحو الالفات اللواتي ليس معهن اللام في أول اسم، وكانت لا تسقط في التصغير فهي مقطوعة تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال نحو قوله: ﴿هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ﴾ ، وقوله ﴿يَاأَبَانَآ﴾ ، وقوله، ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ ،

стр. 5

و ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ﴾ , لانها اذا صغرت ثبتت الالف فيها، تقول في تصغير "إحدى": "أُحَيْدى"، و "أحَد": "أُحَيْد", و "أَبانا": "أُبَيُّنا" وكذلك "أُبَيّانِ" و "أُبَيُّونَ". وكذلك [الالف في قوله] ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ و ﴿أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾ ، لانك تقول في "الأنصار": "أُنَيْصار"، وفي "الأنباءِ": "أُبَيْناء" و "أُبَيْنُون". وما كان من الالفات في أول فعل أو مصدر، وكان "يَفْعل" من ذلك الفعل ياؤه مضمومة, فتلك الالف مقطوعة. تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال، نحو قوله ﴿بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ، لأنك تقول: "يُنْزَل". فالياء مضمومة. و ﴿رَبَّنَآ آتِنَا﴾ تقطع لان الياء مضمومة، لأنك تقول: "يُؤْتِى". وقال ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ و ﴿وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ لأنك تقول: "يُؤتِي"، و "يُحْسِن" [٣ء] . وقوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ ، و ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ فهذه موصولة لأنك تقول: "يَأتي"، فالياء مفتوحة. وانما الهمزة التي في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ همزة كانت من الاصل في موضع الفاء من الفعل، الا ترى انها ثابتة في "أتيت" وفي "أتى" لا تسقط. وسنفسر لك الهمز في موضعه إن شاء الله. وقوله: ﴿آتِنَا﴾ يكون من "آتى" و "آتاه الله"، كما تقول: "ذهب" و "أذهبه الله" ويكون على "أَعطنا". قال ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً﴾ على "فَعَل"و "أَفْعَلَهُ غيرُه".

стр. 6

وأما قوله: ﴿الرحمن الرَّحِيمِ الْحَمْدُ﴾ فوصلت هذه الأسماء التي في أوائلها الالف واللام حتى ذهبت الالف في اللفظ. وذلك لان كل اسم في أوله ألف ولام زائدتان فالالف تذهب اذا اتصلت بكلام قبلها. واذا استأنفتها كانت مفتوحة ابداً لتفرق بينها وبين الالف التي تزاد مع غير اللام, ولان هذه الالف واللام هما جميعاً حرف واحد كـ"قد" و "بل". وانما تعرف زيادتهما بأن تروم الفا ولاما اخريين تدخلهما عليهما، فان لم تصل الى ذلك عرفت انهما [٣ب] زائدتان الاترى ان قولك "الحمدُ للهِ" وقولك: "العالمين" وقولك "التي" و "الذي" "والله" لا تستطيع أن تدخل عليهن الفا ولاما أخريين؟ فهذا يدل على زيادتهما، فكلما اتصلتا بما قبلهما ذهبت الالف. الا أن توصل بالف الاستفهام فتترك مخففة، [و] لا يخفف فيها الهمزة الاناس من العرب قليل، وهو قوله ﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ وقوله ﴿ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ . وانما مدت في الاستفهام ليفرق بين الاستفهام والخبر. الا ترى انك لو قلت وأنت تستفهم: "الرجل قال كذا وكذا" فلم تمددها صارت مثل قولك "الرجل قال كذا وكذا" اذا اخبرت. وليس سائر الفات الوصل هكذا. قال ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ ، وقال ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ . فهذه

стр. 7

الالفات مفتوحة مقطوعة، لأنها ألف استفهام، وألف الوصل التي كانت في "اصطفى" [و "افترى"] قد ذهبت، حيث اتصلت الصاد [والفاء] بهذه الالف التي قبلها للاستفهام. وقال من قرأ هذه الآية ﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأَشْرَارِ﴾ ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ فقطع الف "أَتخذناهم" فانما جعلها ألف استفهام وأذهب ألف الوصل التي كانت بعدها، لانها اذا اتصلت بحرف قبلها ذهبت. وقد قرىء هذا الحرف موصولا، وذلك انهم حملوا قوله ﴿أَمْ زَاغَتْ [٤ء] عَنْهُمُ الأَبْصَار﴾ على قوله ﴿مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأَشْرَارِ﴾ ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَار﴾ . وما كان من اسم في اوله الف ولام تقدر أن تدخل عليهما الفا ولاما أخريين، فالالف من ذلك مقطوعة تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال، نحو قوله ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ اله غَيْرُهُ﴾ لانك لو قلت "الإِله" فأدخلت عليها الفا ولاما جاز ذلك. وكذلك "أَلواح" وإلهام" و "إلقاء" مقطوع كله، لأنه يجوز ادخال الف ولام أخريين. فأما "إلى" فمقطوعة ولا يجوز ادخال الالف واللام عليها لأنها ليست باسم، وانما تدخل الالف واللام على الاسم. ويدلك على ان الالف واللام في "إلى" ليستا بزائدتين انك انما وجدت الالف واللام تزادان في الأسماء، ولا تزادان في غير الأسماء، مثل "إلى" و "أَلاَّ". ومع ذلك تكون الف "إلى" مكسورة والف اللام الزائدة لا تكون مكسورة.

стр. 8

وأما قوله ﴿الْحَمْدُ للَّهِ﴾ فرفعه على الابتداء. وذلك ان كل اسم ابتدأته لم توقع عليه فعلا من بعده فهو مرفوع، وخبره ان كان هو هو فهو ايضاً مرفوع، نحو قوله ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ وما أشبه ذلك. وهذه الجملة تأتي على جميع ما في القرآن من المبتدأ فافهمها. فانما رفع [٤ب] المبتدأ ابتداؤك اياه، والابتداء هو الذي رفع الخبر في قول بعضهم [و] كما كانت "أنَّ" تنصب الاسم وترفع الخبر فكذلك رفع الابتداء الاسم والخبر. وقال بعضهم: "رفع المبتدأ خبره" وكل حسن، والأول أقيس. وبعض العرب يقول ﴿الْحَمْدَ للَّهِ﴾ فينصب على المصدر، وذلك ان اصل الكلام عنده على قوله "حَمْداً لله" يجعله بدلا من اللفظ بالفعل، كأنه جعله مكان "أَحْمَدُ" ونصبه على "أَحْمَدُ" حتى كأنه قال: "أَحْمَدُ حَمْداً" ثم ادخل الالف واللام على هذه. وقد قال بعض العرب ﴿الْحَمْدِ للَّهِ﴾ فكسره، وذلك أنه جعله بمنزلة الأسماء التي ليست بمتمكنة، وذلك ان الأسماء التي ليست بمتمكنة تحرّك اواخرها حركة واحدة لا تزول علتها نحو "حَيْثُ" جعلها بعض العرب مضمومة على كل حال، وبعضهم يقول "حَوْثُ" و "حَيْثَ" ضم وفتح.

стр. 9

ونحو "قَبْلُ" و "بَعْدُ" جعلتا مضمومتين على كل حال. وقال الله ﵎ ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ فهما مضموتان الا ان تضيفهما، فاذا اضفتهما صرفتهما. قال ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ و ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ و ﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ وقال ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ وذلك ان قوله ﴿أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ اسم أضاف اليه ﴿قَبْل﴾ [٥ء] وقال ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ﴾ . وذلك ان قوله ﴿أَن نَّزغَ﴾ اسم هو بمنزلة "النَزْغ"، لأن "أنْ" الخفيفة وما عملت فيه بمنزلة اسم، فأضاف اليها" بَعْد". وهذا في القرآن كثير. ومن الأسماء التي ليست بمتمكنة قال الله ﴿إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي﴾ و ﴿هَآأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ مكسورة على كل حال. فشبهوا "الحمدَ" وهو اسم متمكن في هذه اللغة بهذه الأسماء التي ليست بمتمكنة، كما قالوا "يا زيدُ". وفي كتاب الله ﴿ياهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً﴾ هو في موضع النصب، لان الدعاء كلّه في موضع نصب، ولكن شبه بالأسماء التي ليست بمتمكنة فترك على لفظ واحد، يقولون: "ذهب أَمسِ بما فيه" و "لَقِيتهُ أمسِ يا فتى"، فيكسرونه في كل

стр. 10

موضع في بعض اللغات. وقد قال بعضهم: "لَقِيتهُ الأمسِّ الأحدث" فجرّ أيضاً وفيه الف ولام، وذلك لا يكاد يعرف. وسمعنا من العرب من يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتِ وَالْعُزَّى﴾ ، ويقول: "هي اللاتِ قالت ذاك" فجعلها تاء في السكوت، و "هي اللاتِ فاعلم" جرّ في موضع الرفع والنصب. وقال بعضهم "من الآنَ إلى غد" فنصب لانه اسم غير متمكن. واما قوله: "اللاتِ فاعلم" [٥ب] فهذه مثل "أمسِ" وأجود، لان الالف واللام التي في "اللات" لا تسقطان وان كانتا زائدتين. واما ما سمعنا في "اللات والعزى" في السكت عليها فـ"اللاه" لانها هاء فصارت تاءً في الوصل وهي في تلك اللغة مثل "كان من الأمر كيتِ وكيتِ". وكذلك "ههياتِ" في لغة من كسر.

стр. 11

الا انه يجوز في "هيهات" ان تكون جماعة فتكون التاء التي فيها تاء الجميع التي للتأنيث، ولا يجوز ذلك في "اللاتِ"، لان "اللات" و "كيت" لا يكون مثلهما جماعة، لان التاء لا تزاد في الجماعة الا مع الألف فان جعلت الألف والتاء زائدتين بقي الاسم على حرف واحد. وزعموا ان من العرب من يقطع ألف الوصل. أخبرني من أثق به أنه سمع من يقول: "يا إِبني" فقطع. وقال قَيْس بن الخطيم [من الطويل وهو الشاهد الأول] . اذا جاوز الإِثنين سرٌّ فإنّه * بنشرٍ وتكثيرِ الوشاة قمين وقال جميل: [من الطويل وهو الشاهد الثاني] : ألا لا أرى إِثنين أكرمَ شيمةً * على حدثانِ الدهر مني ومن جُمْلِ وقال الراجز: [وهو الشاهد الثالث] . يا نفسُ صبراً كلُّ حي لاق * وكلُّ إثنين إلى افتراق [٦ء] وهذا لا يكاد يعرف.

стр. 12

وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ جر باللام كما انجر قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ الرحمن الرَّحِيمِ﴾ لانه من صفة قوله ﴿للَّهِ﴾ . فان قيل: "وكيف يكون جرّا وقد قال: ﴿إِيّاك نَعْبُدُ [٥] ﴾ . وأما فتح نون ﴿الْعَالَمِينَ﴾ فانها نون جماعة، وكذلك كل نون جماعة [زائدة] على حدّ التثنية فهي مفتوحة. وهي النون الزائدة التي لا تغيّر الاسم عما كان عليه: نحو نون "مسلمين" و "صالحين"

стр. 13

و "مؤمنين" فهذه النون زائدة لأنك تقول: "مسلم" و "صالح" فتذهب النون [٦ب] ، وكذلك "مؤمن" قد ذهبت النون الآخرة، وهي المفتوحة، وكذلك "بنون". ألا ترى [انك] انما زدت على "مؤمن" واوا ونونا, وياء ونونا, وهو على حاله لم يتغير لفظه، كما لم يتغير في التثنية حين قلت "مؤمنان" و "مؤمنين". الاّ انك زدت ألفا ونونا، أو ياء ونونا للتثنية. وانما صارت هذه مفتوحة ليفرق بينهما وبين نون الاثنين. وذلك أن نون الاثنين مكسورة أبدا. قال: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ﴾ وقال ﴿أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ والنون مكسورة. وجعلت الياء للنصب والجرّ نحو "العالمينَ" و "المتقينَ", فنصبهما وجرهما سواء، كما جعلت نصب "الاثنينِ" وجرهما سواء، ولكن كسر ما قبل ياء الجميع وفتح ما قبل ياء الاثنين ليفرق ما بين الاثنين والجميع، وجعل الرفع بالواو ليكون علامة للرفع، وجعل رفع الاثنين بالالف. وهذه النون تسقط في الاضافة كما تسقط نون الاثنين، نحو قولك: "بنوك" "ورأيت مسلميك" فليست هذه النون كنون "الشياطين" و "الدهاقين" و "المساكين". لان "الشياطين" و "الدهاقين" و "المساكين" نونها من الاصل [٧ ء] ألا ترى انك تقول: [شيطان] و "شُييطين" و "دِهقان" "دُهَيْقين" و "مِسْكين" و "مُسَيْكين" فلا تسقط النون. فأما "الذينَ" فنونها مفتوحة، لانك تقول: "الذي" فتسقط النون لانها زائدة، ولانك تقول في رفعها: "اللذون" لان هذا اسم ليس بمتمكن مثل

стр. 14

"الذي". ألا ترى أن "الذي" على حال واحدة. الا انّ ناسا من العرب يقولون: "هم اللذون يقولون كذا وكذا". جعلوا له في الجمع علامة للرفع، لان الجمع لا بد له من علامة، واو في الرفع، وياء في النصب والجرّ وهي ساكنة. فأذهبت الياء الساكنة التي كانت في "الذي" لانه لا يجتمع ساكنان، كذهاب ياء "الذي" اذا ادخلت الياء التي للنصب، ولانهما علامتان للاعراب. والياء في قول من قال "هم الذين" مثل حرف مفتوح او مكسور بني عليه الاسم وليس فيه اعراب. ولكن يدلك على انه المفتوح او المكسور في الرفع والنصب والجر الياء التي للنصب والجرّ لأنها علامة للاعراب. وقد قال ناس من العرب "الشياطون" لانهم شبّهوا هذه الياء التي كانت في "شياطين" اذا كانت بعدها نون، وكانت في جميعٍ وقبلها كسرة، بياء الاعراب التي في الجمع. فلما صاروا الى الرفع ادخلوا الواو. وهذا يشبه "هذاجُحرُ ضبٍّ خَرِبٍ" [٧ب] فافهم. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وأما قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فانه يجرّ لانه من صفة "اللَّهِ" . وقد قرأها قوم ﴿مالكَ﴾ نصب على الدعاء وذلك جائز, يجوز فيه النصب والجرّ, [وقرأها قوم ﴿مَلْك﴾ ] الا أن "المَلْك" اسم ليس بمشتق من فعل نحو قولك: "مَلْك ومُلوك" وأما "المالك" فهو الفاعل كما تقول: "مَلَك فهو مالِكٌ" مثل "قهر فهو قاهر". ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فلأنه اذا قال "الحمدُ لِمالِكِ يومِ الدين" فانه ينبغي ان يقول "إيّاهُ نعبد" فانما هذا على الوحي. وذلك ان الله ﵎ خاطب النبي ﷺ فقال: "قل يا محمد": "الحمدُ لله" وقل: "الحمدُ لمالكِ يومِ الدين" وقل يا محمد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . وأما قوله ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ولم يقل "أنت نعبد" [ف] لان هذا موضع نصب. واذا لم يقدر في موضع النصب على الكاف أو الهاء وما أشبه ذلك من الاضمار الذي يكون للنصب جعل "أِيّاك" أو "إيَّاهُ" أو نحو ذلك مما يكون في موضع نصب.

стр. 15

قال: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ لان هذا موضع نصب، تقول: "إني أَو زيداً منطلق". و ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ . هذا في موضع نصب. كقولك: "ذهب القوم الاّ زيدا". [و] انما صارت ﴿إِيَّاكَ﴾ [في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ] في موضع نصب من اجل ﴿نَعْبُدُ﴾ وكذلك: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أيضاً. واذا كان موضع رفع جعلت فيه "أنت" و "أنتما" و "أنتم"، و "هو" و "هي" واشباه ذلك. المعاني الواردة في آيات سورة (الفاتحة) ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ واما قوله ﴿اهْدِنَا الصّرِاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فيقول: "عَرِّفْنا". واهل الحجازِ يقولون: "هديتُه الطريقَ" أي: عَرَّفته، وكذلك "هديتُه البيتَ" في لغتهم. وغيرهم يُلّحق به "الى". ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّآلِّينَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ نصب على البدل. و ﴿أَنْعَمْتَ﴾ مقطوع الالف لانك تقول "يُنعِم" فالياء مضمومة فافهم. وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم﴾ هؤلاء صفة ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لان "الصراطَ" مضاف اليهم، فهم جرّ للاضافة. وأجريت عليهم "غيرَ" صفة أو بدلا. و "غَيْرٌ" و "مِثْلٌ" قد تكونان من صفة المعرفة التي بالالف واللام، نحو قولك: " إني لأَمرّ بالرجلِ غيرِكَ وبالرجلِ مثلِكَ فما يشتمني"، و "غيرٌ" و "مثلٌ" انما تكونان صفة للنكرة، ولكنهما [٨ء] قد احتيج اليهما في هذا الموضع فأجريتا صفة لما فيه الالف واللام،

стр. 16

والبدل في "غير" أجود من الصفة، لان "الذي" و "الذين" لا تفارقهما الالف واللام، وهما أشبه بالاسم المخصوص من "الرجل" وما أشبهه. و"الصراط" فيه لغتان، السين والصاد، الاّ انا نختار الصاد لان كتابها على ذلك في جميع القرآن. وقد قال العرب "هم فيها الجَمّاءَ الغفيرَ" فنصبوا، كأنهم لم يدخلوا الالف واللام، وان كانوا قد اضهروهما كما أجروا "مثلك" و "غيرَك" كمجرى ما فيه الالف واللام وان لم يكونا في اللفظ. وانما يكون هذا وصفا للمعرفة التي تجيء في معنى النكرة. الا ترى انك اذا قلت: "إنّي لأَمرُّ بالرجلِ مِثلك" انما تريد "برجلٍ مثلِك". لأنك لا تحدّ له رجلا بعينه ولا يجوز اذا حددت له ذلك، الا ان تجعله بدلا ولا يكون على الصفة. ألا ترى أنه لا يجوز "مررت بزيدٍ مثلِك" الا على البدل. ومثل ذلك: "إنّي لأَمُرُّ بالرجلِ من اهل البصرة" ولو قلت: "إنّي لأَمُرُ بزيدٍ من أهل البصرة" لم يجز الاّ ان تجعله في موضع حال. فكذلك ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم﴾ . وقد قرأ قوم ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم﴾ جعلوه على الاستثناء [٨ب] الخارج من اول الكلام. ولذلك تفسير سنذكره ان شاء الله، وذلك انه اذا استثنى شيئا ليس من أول الكلام في لغة أهل الحجاز فانه

стр. 17

ينصب [و] * يقول "ما فيها أحدٌ إلاّ حماراً"، وغيرهم يقول: "هذا بمنزلة ما هو من الأول" فيرفع. فذا يجرّ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾ في لغته. وان شئت جعلت "غيرَ" نصبا على الحال لانها نكرة والأول معرفة، وانما جرّ لتشبيه "الذي بـ"الرجل". وليس هو على الصفة بحسن ولكن على البدل نحو ﴿بِالنَّاصِيَةِ﴾ ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ . ومن العرب من يقول: "هِيّاك" بالهاء ويجعل الالف من "إيّاك" هاء فيقول "هِيّاك نعبد" كما تقول: "إيهِ" و "هِيهِ" وكما تقول: "هَرَقت" و "أَرَقْتُ". وأهل الحجاز يؤنثون "الصراطَ" كما يؤنثون "الطريقَ" و "الزُقاقَ" و "السبيل" و "السوقَ" و "الكَلاّءَ". وبنو تميم يذكّرون هذا كله. وبنو أسد يؤنثون "الهُدى".

стр. 18

المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة) ﴿الم﴾ أما قوله ﴿الم﴾ فان هذه الحروف اسكنت لان الكلام ليس بمدرج، وانما يكون مدرجا لو عطف بحرف العطف وذلك ان العرب تقول [٩ء] في حروف المعجم كلها بالوقف اذا لم يدخلوا حروف العطف فيقولون: "ألفْ باءْ تاءْ ثاءْ" ويقولون: "ألفٌ وباءٌ وتاءٌ وثاءٌ". وكذلك العدد عندهم ما لم يدخلوا حروف العطف [فـ] يقولون: "واحدْ اثنانْ ثلاثَهْ". وبذلك على انه ليس بمدرج قطع ألف "اثنين" وهي من الوصل. فلو كان وصلها بالذي قبلها لذهبت ولكن هذا من العدد، والعدد والحروف كل واحد منها شيء مفصول على حياله.. ومثل ذلك ﴿المص﴾ و ﴿الر﴾ و ﴿المر﴾ و ﴿كهيعص﴾ و ﴿طسم﴾ و ﴿يس﴾ و ﴿طه﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿ق﴾ و ﴿ص﴾ . الا ان قوما قد نصبوا ﴿يس﴾ و ﴿طه﴾ و ﴿حم﴾ وهو كثير في كلام العرب،

стр. 19

وذلك انهم جعلوها اسماء كالأسماء الاعجمية "هابيل" و "قابيل" فاما ان يكونوا جعلوها في موضع نصب ولم يصرفوها كأنه قال: "اذكر حم وطس ويس". او جعلوها كالأسماء، التي [هي] غير متمكنة فحرّكوا آخرها حركة واحدة كفتح "أينَ"، وكقول بعض الناس ﴿الْحَمْدِ للَّهِ﴾ . وقرأ بعضهم ﴿صَ﴾ و ﴿نَ﴾ و ﴿قَ﴾ بالفتح وجعلوها أسماء ليست بمتمكنة فألزموها حركة واحدة وجعلوها أسماءَ للسورة*، فصارت أسماء مؤنثة. ومن العرب من لا يصرف المؤنث اذا كان وسطه ساكنا [٩ب] نحو "هِنْد" و "جُمْل" و "دَعد"**. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الرابع] . وإني لأَهوى بيت هِنْدٍ وأهلها * على هنواتٍ قد ذكرن على هِنْدِ وهو يجوز في هذه اللغة أوَ يكون سماها بالحرف، والحرف مذكر واذا سمي المؤنث بالمذكر لم ينصرف، [ف] جعل ﴿ص﴾ وما أشبهها اسما للسورة ولم يصرف، وجعله في موضع نصب. وقال بعضهم "صادِ والقرآنِ" فجعلها من "صاديت"

стр. 20

ثم أمركما تقول "رامِ" كأنه قال: "صادِ الحقَّ بعملك" اي: تعمده، ثم قال ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ فأقسم، ثم قال ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ . فعلى هذا وقع القسم. وذلك أنهم زعموا أن "بل" هاهنا انما هي "إنّ" فلذلك صار القسم عليها. وقد اختلف الناس في الحروف التي في فواتح السور، فقال بعضهم: "انما هي حروف يستفتح بها" فان قيل "هل يكون شيء من القرآن ليس له معنى"؟. فان معنى هذه أنه ابتدأ بها ليعلم أن السورة التي قبلها قد انقضت، وأنه قد أخذ في أخرى. فجعل هذا علامة لانقطاع ما بينهما، وذلك موجود في كلام العرب، ينشد الرجل منهم الشعر فيقول [من الرجز وهو الشاهد الخامس] : * بلْ. وبلدةٍ ما الانسُ من أُهّالها * [١٠ء] أو يقول [من الرجز وهو الشاهد السادس] : * بلْ. ما هاجَ أحزاناً وشجواً قد شجا * فـ"بل" ليست من البيت ولا تعد في وزنه، ولكن يقطع بها كلام ويستأنف آخر.

стр. 21

وقال قوم: "انها حروف اذا وصلت كانت هجاء لشيء يعرف معناه، وقد أوتى بعض الناس علم ذلك. وذلك ان بعضهم كان يقول: "ألر" و "حم" و "ن" هذا هو اسم "الرحمن" جل وعزَّ، وما بقي منها فنحو هذا. وقالوا ان قوله ﴿كهيعص﴾ كاف هاد عالم صادق فاظهر من كل اسم منها حرفا ليستدل به عليها. فهذا يدل على ان الوجه الأول لا يكون الا وله معنى. لانه يريد معنى الحروف. ولم ينصبوا من هذه الحروف شيئا غير ما ذكرت لك، لان ﴿الم﴾ و ﴿طسم﴾ و ﴿كهيعص﴾ ليست مثل شيء من الأسماء، وانما هي حروف مقطعة. وقال ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لاَ اله إِلاَّ هُوَ﴾ فالميم مفتوحة لانها لقيها حرف ساكن فلم يكن من حركتها بد. فان قيل: "فهلا حركت بالجر"؟ فان هذا لا يلزم فيها [و] انما أرادوا الحركة، فاذا حركوها بأي حركة كانت فقد وصلوا الى الكلام بها، ولو كانت كسرت لجاز ولا أعلمها الا لغة. وقال بعضهم: "فتحوا الحروف التي للهجاء اذا لقيها الساكن [١٠ب] ليفصلوا بينها وبين غيرها. وقالوا: "مِنَ الرجل" ففتحوا لاجتماع الساكنين. ويقولون: "هلِ الرجل" و "بلِ الرجل" وليس بين هذين وبين "من الرجل" فرق، الا انهم قد فتحوا "مِنَ الرجل" لئلا تجتمع كسرتان، وكسروا ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ .

стр. 22

وقد اجتمعت كسرتان لان "مِنْ اكثر استعمالا في كلامهم من "إذْ"، فادخلوها الفتح ليخف عليهم. وان شئت قلت "ألم" حروف منفصل بعضها من بعض، لأنه ليس فيها حرف عطف، وهي ايضاً منفصلة مما بعدها، فالاصل فيه ان تقول ﴿الم ألله﴾ فتقطع ألف ﴿الله﴾ اذا كان ما قبله منفصلا منه كما قلت "واحد، إثنان" فقطعت. وكما قرأ القراء ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ فبينوا النون لانها منفصلة. ولو كانت غير منفصلة لم تبين الا ان يلقاها أحد الحروف الستة. الا ترى انك تقول " خذه من زيد" و "خذه من عمرو" فتبين النون في "عمرو" ولا تبين في "زيد". فلما كانت ميم ساكنة وبعدها حرف مقطوع مفتوح جاز أن تحرك الميم بفتحة الالف وتحذف الالف في لغة من قال "منَ ابوك" فلا تقطع. وقد جعل قوم (نون) بمنزلة المدرج فقالوا ﴿نونَ والقلمِ﴾ فاثبتوا

стр. 23

النون ولم يبينوها. وقالوا ﴿يس وَالْقُرْآنِ﴾ فلم يبينوا ايضاً. وليست * هذه النون ها هنا بمنزلة قول ﴿كهيعص﴾ و ﴿طس تِلْكَ﴾ و ﴿حم عسق﴾ [فـ] هذه النونات لا تبين في القراءة في قراءة أحد، لان النون قريبة من الصاد، لأن الصاد والنون من مخرج طرف اللسان. وكذلك التاء والسين في ﴿طس تِلْكَ﴾ وفي ﴿حم عسق﴾ ، فلذلك لم تبين النون اذ قربن منها. وتبينت النون في ﴿يس﴾ و ﴿نون﴾ لبعد النون من الواو لان النون بطرف اللسان والواو بالشفتين. ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ قال ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ وقال ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فنصبهما بغير تنوين. وذلك ان كل اسم منكور نفيته بـ"لا" وجعلت "لا" الى جنب الاسم فهو مفتوح بغير تنوين، لان "لا" مشبهة بالفعل، كما شبهت "إنْ" و "ما" بالفعل. و (فيه) في موضع خبرها وخبرها رفع، وهو بمنزلة الفاعل، وصار المنصوب بمنزلة المفعول به، و (لا) بمنزلة الفعل. وانما حذفت التنوين منه لانك جعلته و "لا" اسما واحدا، وكل شيئين

стр. 24

جُعِلاَ اسما لم يصرفا. والفتحة التي فيه لجميع الاسم، بني عليها وجعل غير متمكن. والاسم الذي بعد "لا" في موضع نصب عملت فيه "لا". واما قوله ﴿لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فالوجه فيه الرفع لان المعطوف عليه لا يكون الا رفعا [١١ب] ورفعته لتعطف الآخر عليه. وقد قرأها قوم نصبا وجعلوا الآخر [رفعا] على الابتداء. وقوله ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فالوجه النصب لان هذا نفي ولانه كله نكرة. وقد قال قوم ﴿فَلاَ رَفَثٌ وَلاَ فُسُوقٌ وَلاَ جِدَالٌ فِي الْحَجِّ﴾ فرفعوه كله، وذلك انه قد يكون هذا المنصوب كله مرفوعاً في بعض كلام العرب. قال الشاعر:: [من البسيط وهو الشاهد السابع] : وما صرمتُكِ حتى قلتِ معلنةً * لا ناقةٌ ليَ في هذا ولا جَمَل وهذا جواب لقوله "هل فيه رفثٌ أو فسوقٌ" فقد رفع الأسماء بالابتداء وجعل لها خبراً، فلذلك يكون جوابه رفعاً. واذا قال "لا شيءَ" فانما هو جواب "

стр. 25

هل من شىءٍ"، لان "هل مِن شيءٍ"* قد اعمل فيه "مِن" بالجر وأضمر الخبر والموضع مرفوع، مثل "بحسبِك أَنْ تشتمَني" [فـ] انما هو "حسبُك أَنْ تشتمني". فالموضع مرفوع والباء قد عملت. وقد قال قوم ﴿فَلاَ رَفَثٌ وَلاَ فُسُوقٌ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فرفعوا الأول على ما يجوز في هذا من الرفع، او على النهي، كانه قال "فلا يكونن فيه رفثٌ ولا فسوقٌ" كما تقول: "سمعُكَ اليّ" تقولها العرب فترفعها، وكما تقول للرجل **: "حسبُك" و "كفاك". وجعل الجدال [نصبا] على النفي. وقال الشاعر [من الكامل وهو الشاهد الثامن] . [١٢ء] ذاكم وَجَدِّكُم الصَّغار بأسرِه * لا أُمَّ لي إنْ كان ذاكَ ولا أَبُ فرفع أحدهما ونصب الآخر. واما قوله ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾ فرفع لان "لا" [لا] تقوى أنْ تعمل إذا فصلت، وقد فصلتها بـ"فيها" فرفع على الابتداء ولم تعمل "لا". وقوله ﴿فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [فـ"فيه"] و "عليه" و "إليه"، وأشباه ذلك في القرآن كثير. وذلك ان العرب اذا كان قبل هذه الهاء التي للمذكر ياء ساكنة، حذفوا الياء التي تجيء من بعد

стр. 26

الهاء او الواو، لان الهاء حرف خفي وقع بين حرفين متشابهين فثقل ذلك. فمن كان من لغته إلحاق الواو اذا كان قبلها كسرة ولم يكن قبلها الياء، ترك الهاء مضمومة اذا كان قبلها الياء الساكنة ومن كان من لغته إلحاق الواو اذا كان قبلها كسرة ولم يكن قبلها الياء، ترك الهاء مضمومة اذا كان قبلها الياء الساكنة ومن كان من لغته إلحاق الياء ترك الهاء مكسورة اذا كان قبلها الياء الساكنة. وكذلك اذا كان قبل الهاء الف ساكنة او واو فانه يحذف الواو التي تكون بعد الهاء، ولكن الهاء لا تكون الا مضمومة نحو ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ وقوله ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ وقوله ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾ وأشباه هذا في القرآن كثير. ومن العرب من يتم لان ذلك من الاصل فيقول ﴿فكذّبُوهو﴾ ﴿فأنجَيْناهو﴾ ﴿وألقى موسى عصاهو﴾ و ﴿لا ريبَ فيهُو هُدىً للمتقين﴾ وهي قراءة أهل المدينة. [١٢ب] وقد قال قوم ﴿إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ فألقوا الواو وشبهوا الساكن بالياء والواو والالف. وهذا ليس بجيّد في العربية، وأجوده ﴿منهو نذير﴾ تُلْحَقُ الواو وان كانت لا تكتب. وكل هذا اذا سكت عليه لم تزد على الهاء شيئا. ولا تكسر هذه الهاء الا ان تكون قبلها ياء ساكنة، او حرف مكسور. وانما يكسر بنو تميم. فأما أهل الحجاز فانهم يضمون بعد الكسر وبعد الياء ايضا قال ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ

стр. 27

مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ . واهل الحجاز [يقولون] ﴿من بعدِهُو﴾ فيثبتون الواو في كل موضع. ومن العرب من يحذف الواو والياء في هذا النحو ايضاً, وذلك قليل قبيح يقول: "مررت بِهِ قبلُ" و "بِهُ قبلُ" يكسرون ويضمون، ولا يلحقون واوا ولا ياء، ويقولون "رأيتُهُ قبلُ" فلا يلحقون واوا. وقد سمعنا بعض ذلك من العرب الفصحاء. قد قرأ بعض القراء ﴿فِيهْ هُدَى﴾ فادغم الهاء الأولى * في هاء ﴿هُدى﴾ لانهما التقتا وهما مثلان. وزعموا ان من العرب من يؤنث "الهُدى". ومنهم من يسكن هاء الاضمار للمذكر قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد التاسع] : فَظِلْتُ لدى البيت العتيق أُخيلُه * [١٣ء] ومِطواي مشتاقانِ لَهْ أرِقانِ وهذه في لغة اسد السراة، زعموا، كثير.

стр. 28

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قوله ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ففيها لغتان، منهم من يقولها بالوقف اذا وصل، ومنهم من يلحق فيها الواو. وكذلك هو في كل موضع من القرآن والكلام إلاّ ان يكون ما قبلها مكسورا او ياء ساكنة، فان كانت ياء ساكنة او حرف مكسور نحو "عليْهِم" و "بِهِمْ" و "مِن بعدِهِمْ" فمن العرب من يقول: "عليهِمِي" فيلحق الياء ويكسر الميم والهاء، ومنهم من يقول: "عليْهُمُو" فيلحق الواو ويضم الميم والهاء، ومنهم من يقول: "عليهِم" و "عليهُم"، فيرفعون الهاء ويكسرونها، ويقفون الميم، ومنهم من يقول: "عليهِمُو" فيكسرون الهاء ويضمون الميم ويلحقون الواو، ومنهم من يقول: "عليهُمِي" فيضمون الهاء ويكسرون الميم ويلحقون الياء.

стр. 29

وكل هذا اذا وقفت عليه فآخره ساكن والذي قبله مكسور هو بمنزلة ما قبله ياء. وهذا في القرآن كثير. ومنهم من يجعل ["كُمْ] في] "عليكم" و "بكم" اذا كانت قبلها ياء ساكنة او حرف مكسور بمنزلة "هُمْ" وذلك قبيح لا يكاد يعرف، وهي لغة لبكر بن وائل سمعناها من بعضهم يقولون "عليكِمي" و "بِكِمي" وأنشد [١٣ب] الاخفش قال سمعته من بكر بن وائل: [من الطويل وهو الشاهد العاشر] : وإنْ قالَ مولاهمْ على جُلِّ حاجةٍ * من الأمرِ رُدّوا فَضْلَ أحلامِكِم رَدُّوا وكل هذا اذا لقيه حرف ساكن حركت الميم بالضم ان كان بعدها واو, فان كان بعدها واو حذفت الواو، وان كان ياء حذفت الياء وحركت الميم بالكسر. وكذلك الهاء التي للواحد المذكر من نحو "مررت به اليوم" و "رأيته اليوم". وزعموا ان بعض العرب يحرك الميم ولا يلحق ياء ولا واوا في الشعر وذا لا يكاد يعرف. وقال الشاعر: [من الرجز وهو الشاهد الحادي عشر] : ت اللهِ لولا شُعْبتي من الكرم * وشعبتي فيهِم من خالٍ وعَمّ

стр. 30

المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ فأما قوله ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ فانما دخله حرف الاستفهام وليس باستفهام لذكره السواء، لانه اذا قال في الاستفهام: "أَزيدْ عندك أم عَمْرو" وهو يسأل ايهما عندك فهما مستويان عليه، وليس واحد منهما أحق بالاستفهام من الآخر. فلما جاءت التسوية في قوله ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ أشبه بذلك الاستفهام، اذ أشبهه في التسوية. ومثلها ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [١٤ء] ولكن ﴿أَسْتَغْفَرْتَ﴾ ليست بممدودة, لان الالف التي فيها ألف وصل لانها من "اسْتَغْفَر" "يَستغِفرُ" فالياء مفتوحة من "يَفْعل" واما (أَأَنْذرتهم) ففيها الفان الف ﴿أَنْذَرت﴾ وهي مقطوعة لانه يقول "يُنْذِرُ" فالياء مضمومة ثم جعلت معها الف الاستفهام فلذلك مددت وخففت الآخرة منهما لانه لا يلتقي همزتان. وقال ﴿أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هذاالَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ . وقال بعضهم انه على قوله ﴿أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ وجعل قوله ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هذاالَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ بدلا من ﴿تُبْصِرُونَ﴾ . لان ذلك عنده بصرا منهم ان يكون عندهم هكذا وهذه "أم" التي تكون في معنى "أيهما".

стр. 31

وقد قال قوم "انها يمانية" وذلك ان أهل اليمن يزيدون "أم" في جميع الكلام. واما ما سمعنا من اليمن فيجعلون "أم" مكان الالف واللام الزائدتين، يقولون "رأيت امْرَجُلَ" و "قام امرجل" يريدون "الرجل". ولا يشبه ان تكون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ﴾ على لغة أهل اليمن. وقد زعم ابو زيد انه سمع اعرابياً فصيحا ينشدهم: [من الرجز وهو الشاهد الثاني عشر] : يا دَهرُ أَمْ كان مَشْيِي رَقَصا * بلْ قدْ تكونُ مشيتي تَرَقُّصا فسأله فقال: "معناه ما كان مشيي رقصا فـ"أم" ها هنا زائدة. وهذا [١٤ب] لا يعرف. وقال علقمة بن عبدة: [من الطويل وهو الشاهد الثالث عشر] : وما القلب أَمْ ما ذكرُهُ رَبَعِيَّةً * يُخَطُّ لَها من ثَرْمَداءَ قَلِيبُ يريد "ما ذكرُهُ ربيعةً " يجعله بدلا من "القلب"، وقال بعض الفقهاء: "ان معناه انه قال فرعون ﴿أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ أم انتم بصراء". وقال الشاعر:

стр. 32

[من الطويل وهو الشاهد الرابع عشر] : فَيا ظبيةَ الوعساءِ بين جُلاجِلٍ * وبينَ النَّقا أَأَنتِ أَمْ أُمُّ سالِمِ يريد: "أَأَنت أَحسن أَمْ أمُّ سالِم" فأضمرَ "أَحْسَن". يريد: "أليسَ أَنا خيراً من هذا الذي هو مَهين". ولها موضع آخر تكون فيه منقطعة من الكلام كأنك تميل الى أوله قال ﴿لاَ رَيْبَ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ . وهذا لم يكن قبله استفهام, وهذا قول العرب: "إنَّها لإِبل" ثم يقولون * "أَمْ شاءٌ" [وقولهم] ** "لقد كان كذا وكذا أَمْ حَدَّثتُ نفسي"، ومثل قول الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الخامس عشر] : كَذَبَتْكَ عَينُكَ أَمْ رأيتَ بواسِطٍ * غَلَسَ الظَلامِ مِنَ الرَّبابِ خيالا وليس قوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ لانه شك، ولكنه قال هذا ليقبّح صنيعهم كما تقول: "ألستَ الفاعلَ كذا وكذا" ليس تستفهم انما توبخّه. ثم قال ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ . ومثل هذا في القرآن كثير, قال ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ [١٥ء] بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ ثم قال ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ﴾ [و] ** ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ﴾ كل هذا على استفهام الاستئناف. وليس لـ"أَمْ" غير هذين الموضعين

стр. 33

لانه اراد أن ينبه، ثم ذكر ما قالوا عليه يعني النبي ﷺ ليقبح ما قالوا عليه، نحو قولك للرجل "ألْخَيْرُ أَحَبُّ إلَيكَ أَمْ الشَرّ"؟ وأنت تعلم انه يقول "الخير" ولكن أردت أن تقبح عنده ما صنع. وأما قوله ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ فقد نهاه عن الآثم والكفور جميعا. وقد قال بعض الفقهاء:: "إنَّ" "أوْ" تكون بمنزلة الواو وقال [من المتقارب وهو الشاهد السادس عشر] : يُهِينُونَ من حقَروا شَأيَهُ * وإنْ كانَ فيهِمْ يَفِي أو يَبَرّ يقول: "يَفِي وَيَبرّ". وكذلك هي عندهم ها هنا وانما هي بمنزلة "كلُ اللحمَ أو التمرَ" اذا رخصت له في هذا النحو. فلو أكل كله أو واحدا منه لم يعص. فيقع النهي عن كل ذا في هذا المعنى فيكون ان ركب الكل او واحداً [قد] عصى. كما كان في الامر ان صنع واحداً أطاع. وقال ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ومعناه "ويزِيدُونَ" ومخرجها في العربية انك تقول: "لا تجالسْ زيداً أو عمراً أَوْ خالِداً" فإنْ أَتى واحداً منهم أو كُلَّهُم كانَ عاصياً. كما أَنَكَ إذا قلت: "إِجْلِس الى فلان أو فلان [١٥ب] أوْ فلان "فجلس الى واحد منهم أَوْ كلِهِّم كان مطيعا. فهذا مخرجه من العربية. وأرى الذين قالوا: "إنَّما" أو "بمنزلة الواو" انما قالوها لأنهم رأوها في معناها. واما ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فانما يقول ﴿أَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ﴾ عِنْد الناس ", ثم قال ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ عند الناس" لأنّ الله ﵎ لا يكون منه شكّ.

стр. 34

وقد قال قوم" إنَّما "أو" ها هنا بمنزلة "بل" وقد يقول الرجل "لأَذْهَبَنَّ إلى كَذا وكَذا" ثم يبدو له بعدُ فَيَقولَ "أَوْ أَقْعُد" فقال ها هنا ﴿أَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ﴾ عند الناس" ثم قال ﴿أَوْ يَزيدون﴾ عند الناس" اي ان الناس لا يشكون أنهم قد زادوا. والوجه الآخر هكذا. أي "فكذا حال الناس فيهم "أي: ان الناس يشكون فيهم. وكذا حال "أم" المنقطعة ان شئت جعلتها على "بل" فهو مذهب حسن. وقال مُتَمِّم بن نويرة [من الوافر وهو الشاهد السابع عشر] : فلو كانَ البكاءُ يردُّ شيئاً * بكَيْتُ على جُبَيْرٍ أو عِفاقٍ على المَرْأَيْنِ إذْ هَلَكا جميعا * بشأنهما وحزنٍ واشتياق وقال ابنُ أحمر [من الطويل وهو الشاهد الثامن عشر] : فقلتُ البِثي شَهْرَيْنِ أَوْ نِصْفَ ثالثٍ * إلى ذاكَ ما قَد غَيَّبتَنِي غِيابِيا [١٦ء] واما قوله ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أَوَ آبَآؤُنَا الأَوَّلُون﴾ فان هذه الواو واو عطف كأنهم قالوا: ﴿أإِنا لَمَبْعُوثُون﴾ فقيل لَهُم: "نَعم وآباؤكم الأوَّلُون" فقالوا ﴿أَوَ آبَآؤُنَا﴾ , وقوله ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وأشباه هذا في القرآن كثير. فالواو مثل الفاء في قوله ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وقوله ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ﴾

стр. 35

وان شئت جعلت هذه الفاءات زائدة. وان شئت جعلتها جواباً لشيء كنحو ما يقولون "قد جاءني فلان" فيقول "أَفَلَمْ أقض حاجته" فجعل هذه الفاء معلقة بما قبلها. ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ أما قوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ فان الختم ليس يقع على الابصار. انما قال ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ ثم قال ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ مستأنفا. وقوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ لأن ذلك كان لعصيانهم الله فجاز ذلك اللفظ, كما تقول: "أَهَلَكتْهُ فُلانَةُ" إذا أُعْجِب بها. وهي لا تفعل به شيئا لانه هلك في اتباعها. او يكون "خَتَم" حكم بها انها مختوم عليها. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ ثم قال ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فجعل اللفظ واحدا، ثم قال ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ فجعل [١٦ب] اللفظ. جميعا، وذلك ان ﴿مَنْ﴾ اللفظ بها لفظ واحد، ويكون جميعا في المعنى، ويكون اثنين. فان لفظت بفعله على معناه فهو صحيح. وان جعلت فعله على لفظه واحدا فهو صحيح [و] مما جاء من ذلك قوله ﴿بَلَى مَنْ

стр. 36

أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وقال ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ وقال ﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾ وقال ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فقال ﴿يَقْنُتْ﴾ فجعله على اللفظ، لان اللفظ في ﴿مَن﴾ مذكر وجعل ﴿تَعْمَلْ﴾ و ﴿نُؤْتِهَآ﴾ على المعنى. وقد قال بعضهم ﴿ويَعْمَلْ﴾ فجعله على اللفظ لان لفظ ﴿مَنْ﴾ مذكر. وقد قال بعضهم ﴿وَمَنْ تَقْنُتْ﴾ فجعله على المعنى لانه يعني امرأة. وهي حجة على من قال: "لا يكون اللفظ في مَن على المعنى الا ان تكون ﴿مَنْ﴾ في معنى ﴿الذي﴾ ، فاما [في] المجازاة والاستفهام فلا يكون اللفظ في ﴿مَنْ﴾ على المعنى. وقولهم* هذا خطأ لان هذا الموضع الذي فيه ﴿وَمَنْ تَقْنُتْ﴾ مجازاة. وقد قالت العرب "ما جاءَتْ حاجَتُكَ" فأَنَّثُوا "جاءتْ" لانها لـ"ما"، وانما انثوا لان معنى "ما" هو الحاجة. وقد قالت العرب او بعضُهُم "من كانت أمّكَ" فنصب وقال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد التاسع عشر] : [١٧ء] تَعَشّ فإِنْ عاهدَتنِي لا تخونُني * نَكُنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يَصطَحِبانِ

стр. 37

ويروى ﴿تَعالَ فإن﴾ . وقد جعل ﴿مَنْ﴾ بمنزلة رجل. قال الشاعر [من الرمل وهو الشاهد العشرون] : رُبَّ مَنْ انضجتُ غيظاً صَدْرَهُ * قد تَمَنَّى لِيَ شَرّاً لم يُطَعْ فلولا انها نكرة بمنزلة "رجل" لم تقع عليها "ربّ". وكذلك (ما) نكرة الا انها بمنزلة "شيء". ويقال: ان قوله: ﴿هذامَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ على هذا. جعل (ما) بمنزلة "شيء" ولم يجعلها بمنزلة "الذي" فقال: "ذا شَيْءٌ لَدَيَّ عَتيد". وقال الشاعر [من الخفيف وهو الشاهد الحادي والعشرون] : رُبَّ ما تَكْرَهُ النفوسُ من الأمْرِ * له فَرْجَةٌ كَحَل العِقالِ فلولا انها نكرة بمنزلة "مَنْ" لم تقع عليها "رُبَّ". وقد يكون ﴿هذا مالَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ على وجه آخر، أخبر عنهما خبرا واحدا كما تقول: "هذا أحمرُ أخضرُ". وذلك ان قوما من العرب يقولون: "هذا عبدُ اللَّهِ مقبلٌ". وفي قراءة ابن مسعود ﴿وهذا بَعلي شَيْخٌ﴾ كأنه أخبر عنهما خبرا واحدا او يكون كأنه رفعه على التفسير كأنه اذا قال ﴿هذا

стр. 38

ما لَدَيَّ﴾ ، قيل: "ما هو"؟ أو علم انه يراد ذلك منه فقال ﴿عَتِيد﴾ اي ما عندي عتيد. وكذلك ﴿وهذا بَعْلِي شيخٌ﴾ *. وقال الراجز [وهو الشاهد الثاني والعشرون] : مَنْ يَكُ ذابَتٍّ فهذا بَتّى * مُقَيِّظٌ مُصَيِّف مُشَتِّى [١٧ب] وقال ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ فـ"ما" ها هنا اسم ليست له صلة لانك ان جعلت ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ صلة لـ (ما) صار كقولك: "إنّ اللهَ نِعْمَ الشيء" أو "نعم شيئا" فهذا ليس بكلام. ولكن تجعل (ما) اسما وحدها كما تقول: "غَسَلتُه غَسْلاً نِعِمّا" تريد به: "نِعْمَ غَسْلاً". فان قيلَ: "كيفَ تكونُ (ما) اسما وحدها وهي لا يتكلم بها وحدها" قلتُ: "هي بمنزلة "يا أيُّها الرجل" لان "ايا" ها هنا اسم ولا يتكلم به وحده حتى يوصف فصار (ما) مثل الموصوف ها هنا. لانك اذا قلت "غَسَلتُه غَسْلاً نِعِمّا" فانما تريد المبالغة والجودة، فاسنغني بهذا حتى تكلم به وحده. ومثل "ما أَحْسَنَ زيدا" (ما) ها هنا وحدها اسم وقوله "اني مما ان اصنع كذا وكذا" (ما) ها هنا وحدها اسم كأنه قال: "إنّي مِن الأمر" أو "منْ أَمْري صنيعي كذا وكذا" ومما جاء على المعنى قوله "كَمَثلِ الذي استوقدَ ناراً أَضاءَتْ ما حولَهُ ذهبَ الله بنورِهِم﴾ [١٧] لان "الذي" يكون للجميع، كما قال ﴿وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَائِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ .

стр. 39

المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة) ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أما قوله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولا تكون المفاعلة الا من شيئين فانه إنمّا يقول: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ عند أنفسهم يمنونها ان لا يعاقبوا وقد علموا خلاف ذلك في انفسهم" [١٨ء] ذلك لحجة الله الواقعة على خلقه بمعرفته. ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم﴾ وقال بعضهم ﴿يُخادِعُونَ﴾ يقول "يَخْدَعون انفسهم بالمخادعة لها "وبها نقرأ. وقد تكون المفاعلة من واحد في أشياء كثيرة تقول: "باعَدْتُه مُباعَدَةً" و "جاوزتُه مجاوزَةً" في أشياء كثيرة. وقد قال ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ فذا على الجواب. يقول الرجل لمن كان يخدعه اذا ظفر به "أَنَا الذي خدعتُكَ" ولم تكن منه خديعة ولكن قال ذلك اذ صار الامر اليه. وكذلك ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ و ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [١٥] على الجواب. والله لا يكون منه المكر والهزء. والمعنى ان المكر حاق بهم والهزء صار بهم. ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أما قوله ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ فمن فخم نصب الزاي فقال ﴿زَادَهم﴾ ومن امال كسر الزاي فقال ﴿زادهم﴾ لانها من "زِدت" اولها مكسور.

стр. 40

فناس من العرب يميلون ما كان من هذا النحو وهم بعض اهل الحجاز ويقولون ايضاً ﴿وَلِمَنْ خِافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ و ﴿فَانكِحُواْ مَا طِابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ [و] ﴿وَقَدْ خِابَ﴾ ولايقولون ﴿قِال﴾ ولا (زِار) لانه يقول (قُلْتُ) و (زُرْتُ) فأوله مضموم. فانما يفعلون هذا في ما كان اوله من "فعلتُ" مكسوراً إلاَّ أنَّهم ينحون الكسرة كما [١٨ب] ينحون الياء في قوله ﴿وَسَقِاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ . و ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ . ويقرأ جميع ذلك بالتفخيم. وما كان من نحو هذا من بنات الواو وكان ثالثاً نحو ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾ ونحو ﴿وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ . فان كثيراً من العرب يفخمه ولا يميله لانها ليست بياء فتميل اليها لانها من "طَحَوْتُ" و "تَلَوْتُ". فاذا كانت رابعة فصاعداً أمالوا وكانت الامالة هي الوجه، لانها حينئذ قد انقلبت الى الياء. الا ترى انك تقول "غَزَوْتُ" و "أَغْزَيْتُ" ومثل ذلك
следующие страницы →