← Тафсир

Тафсир · id 22371

معانى القرآن للأخفش

الأخفش الأوسط

Полный текст (582 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وقال ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ وقال ﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾ وقال ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فقال ﴿يَقْنُتْ﴾ فجعله على اللفظ، لان اللفظ في ﴿مَن﴾ مذكر وجعل ﴿تَعْمَلْ﴾ و ﴿نُؤْتِهَآ﴾ على المعنى. وقد قال بعضهم ﴿ويَعْمَلْ﴾ فجعله على اللفظ لان لفظ ﴿مَنْ﴾ مذكر. وقد قال بعضهم ﴿وَمَنْ تَقْنُتْ﴾ فجعله على المعنى لانه يعني امرأة. وهي حجة على من قال: "لا يكون اللفظ في مَن على المعنى الا ان تكون ﴿مَنْ﴾ في معنى ﴿الذي﴾ ، فاما [في] المجازاة والاستفهام فلا يكون اللفظ في ﴿مَنْ﴾ على المعنى. وقولهم* هذا خطأ لان هذا الموضع الذي فيه ﴿وَمَنْ تَقْنُتْ﴾ مجازاة. وقد قالت العرب "ما جاءَتْ حاجَتُكَ" فأَنَّثُوا "جاءتْ" لانها لـ"ما"، وانما انثوا لان معنى "ما" هو الحاجة. وقد قالت العرب او بعضُهُم "من كانت أمّكَ" فنصب وقال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد التاسع عشر] : [١٧ء] تَعَشّ فإِنْ عاهدَتنِي لا تخونُني * نَكُنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يَصطَحِبانِ

стр. 37

ويروى ﴿تَعالَ فإن﴾ . وقد جعل ﴿مَنْ﴾ بمنزلة رجل. قال الشاعر [من الرمل وهو الشاهد العشرون] : رُبَّ مَنْ انضجتُ غيظاً صَدْرَهُ * قد تَمَنَّى لِيَ شَرّاً لم يُطَعْ فلولا انها نكرة بمنزلة "رجل" لم تقع عليها "ربّ". وكذلك (ما) نكرة الا انها بمنزلة "شيء". ويقال: ان قوله: ﴿هذامَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ على هذا. جعل (ما) بمنزلة "شيء" ولم يجعلها بمنزلة "الذي" فقال: "ذا شَيْءٌ لَدَيَّ عَتيد". وقال الشاعر [من الخفيف وهو الشاهد الحادي والعشرون] : رُبَّ ما تَكْرَهُ النفوسُ من الأمْرِ * له فَرْجَةٌ كَحَل العِقالِ فلولا انها نكرة بمنزلة "مَنْ" لم تقع عليها "رُبَّ". وقد يكون ﴿هذا مالَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ على وجه آخر، أخبر عنهما خبرا واحدا كما تقول: "هذا أحمرُ أخضرُ". وذلك ان قوما من العرب يقولون: "هذا عبدُ اللَّهِ مقبلٌ". وفي قراءة ابن مسعود ﴿وهذا بَعلي شَيْخٌ﴾ كأنه أخبر عنهما خبرا واحدا او يكون كأنه رفعه على التفسير كأنه اذا قال ﴿هذا

стр. 38

ما لَدَيَّ﴾ ، قيل: "ما هو"؟ أو علم انه يراد ذلك منه فقال ﴿عَتِيد﴾ اي ما عندي عتيد. وكذلك ﴿وهذا بَعْلِي شيخٌ﴾ *. وقال الراجز [وهو الشاهد الثاني والعشرون] : مَنْ يَكُ ذابَتٍّ فهذا بَتّى * مُقَيِّظٌ مُصَيِّف مُشَتِّى [١٧ب] وقال ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ فـ"ما" ها هنا اسم ليست له صلة لانك ان جعلت ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ صلة لـ (ما) صار كقولك: "إنّ اللهَ نِعْمَ الشيء" أو "نعم شيئا" فهذا ليس بكلام. ولكن تجعل (ما) اسما وحدها كما تقول: "غَسَلتُه غَسْلاً نِعِمّا" تريد به: "نِعْمَ غَسْلاً". فان قيلَ: "كيفَ تكونُ (ما) اسما وحدها وهي لا يتكلم بها وحدها" قلتُ: "هي بمنزلة "يا أيُّها الرجل" لان "ايا" ها هنا اسم ولا يتكلم به وحده حتى يوصف فصار (ما) مثل الموصوف ها هنا. لانك اذا قلت "غَسَلتُه غَسْلاً نِعِمّا" فانما تريد المبالغة والجودة، فاسنغني بهذا حتى تكلم به وحده. ومثل "ما أَحْسَنَ زيدا" (ما) ها هنا وحدها اسم وقوله "اني مما ان اصنع كذا وكذا" (ما) ها هنا وحدها اسم كأنه قال: "إنّي مِن الأمر" أو "منْ أَمْري صنيعي كذا وكذا" ومما جاء على المعنى قوله "كَمَثلِ الذي استوقدَ ناراً أَضاءَتْ ما حولَهُ ذهبَ الله بنورِهِم﴾ [١٧] لان "الذي" يكون للجميع، كما قال ﴿وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَائِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ .

стр. 39

المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة) ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أما قوله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولا تكون المفاعلة الا من شيئين فانه إنمّا يقول: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ عند أنفسهم يمنونها ان لا يعاقبوا وقد علموا خلاف ذلك في انفسهم" [١٨ء] ذلك لحجة الله الواقعة على خلقه بمعرفته. ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم﴾ وقال بعضهم ﴿يُخادِعُونَ﴾ يقول "يَخْدَعون انفسهم بالمخادعة لها "وبها نقرأ. وقد تكون المفاعلة من واحد في أشياء كثيرة تقول: "باعَدْتُه مُباعَدَةً" و "جاوزتُه مجاوزَةً" في أشياء كثيرة. وقد قال ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ فذا على الجواب. يقول الرجل لمن كان يخدعه اذا ظفر به "أَنَا الذي خدعتُكَ" ولم تكن منه خديعة ولكن قال ذلك اذ صار الامر اليه. وكذلك ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ و ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [١٥] على الجواب. والله لا يكون منه المكر والهزء. والمعنى ان المكر حاق بهم والهزء صار بهم. ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أما قوله ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ فمن فخم نصب الزاي فقال ﴿زَادَهم﴾ ومن امال كسر الزاي فقال ﴿زادهم﴾ لانها من "زِدت" اولها مكسور.

стр. 40

فناس من العرب يميلون ما كان من هذا النحو وهم بعض اهل الحجاز ويقولون ايضاً ﴿وَلِمَنْ خِافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ و ﴿فَانكِحُواْ مَا طِابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ [و] ﴿وَقَدْ خِابَ﴾ ولايقولون ﴿قِال﴾ ولا (زِار) لانه يقول (قُلْتُ) و (زُرْتُ) فأوله مضموم. فانما يفعلون هذا في ما كان اوله من "فعلتُ" مكسوراً إلاَّ أنَّهم ينحون الكسرة كما [١٨ب] ينحون الياء في قوله ﴿وَسَقِاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ . و ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ . ويقرأ جميع ذلك بالتفخيم. وما كان من نحو هذا من بنات الواو وكان ثالثاً نحو ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾ ونحو ﴿وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ . فان كثيراً من العرب يفخمه ولا يميله لانها ليست بياء فتميل اليها لانها من "طَحَوْتُ" و "تَلَوْتُ". فاذا كانت رابعة فصاعداً أمالوا وكانت الامالة هي الوجه، لانها حينئذ قد انقلبت الى الياء. الا ترى انك تقول "غَزَوْتُ" و "أَغْزَيْتُ" ومثل ذلك

стр. 41

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ . و ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ و ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ أمالَها لأنَّها رابعة, و "تَجَلّى" فَعلْتُ منها بالواو لأنها من "جَلَوْت" و "زكا" من "زَكَوْتُ يزكو" و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ من "الغشاوة". وقد يميل ما كان منه بالواو نحو (تَلاِها) و (طَحِاها) ناسٌ كثير، لأنَّ الواو تنقلب الى الياء كثيرا مثل قولهم في (حُور) (حِير) وفي "مَشُوب" "مَشِيب" وقالوا "أَرْضٌ مَسْنِيّة" اذا كان يسنوها المطر. فأمالوها الى الياء لانها تنقلب اليها. وأمالوا كل ما كان نحو "فَعْلى" و "فُعْلى" نحو "بُشْرى" و "مَرْضى" و "سَكْرى"، لان هذا لَوْثُنِّيَ كان بالياء فمالوا اليها. واما قوله ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ فـ (يُكَذِّبُونَ) : يجحدون وهو الكفر. وقال بعضهم: (يَكْذِّبُونَ) خفيفة [١٩ء] وبها نقرأ. يعني "يكذِبونَ على الله وعلى الرسل".

стр. 42

جعل "ما" والفعل اسما للمصدر كما جعل "أنْ" والفعل اسما للمصدر في قوله "أُحبُّ أَنْ تأتِيني", واما المعنى فانما هو "بكذِبهِم" و "تَكْذيبِهِم". وأدخل "كان" ليخبر انه كان فيما مضى، كما تقول: "ما أحسنَ ما كانَ عبدُ الله" فأنت تَعَجَّبُ من" عبد الله لا من "كونه". وانما وقع التعجبُ في اللفظ على كونه. وقال ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ وليس هذا في معنى "فاصدع بالذي تؤمر به". لو كان هذا المعنى لم يكن كلاما حتى تجيء بـ"به" ولكن "إصدع بالأمر" جعل "ما تؤمر" اسما واحداً. وقال ﴿ولاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ﴾ يقول "بالإِتيان" يجعل "ما" و "أَتَوْا" اسما للمصدر. وإنْ شئتَ قلت: "أَتَوْا" ها هنا "جاءُوا" كأنه يقول: "بما جاءوا" يريد "جاءوه" كما تقول "يفرحون بما صنعوا" أي "بما صنعوه" ومثل هذا في القرآن كثير. وتقديره "بكونِهم يكذبون" فـ"يكذبون" مفعول لـ"كان" كما تقول: "سرني زيد بِكونه يعقل" اي: بكونه عاقلا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أما قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ فمنهم من يضم أوله لانه في معنى "فُعِلَ" فيريد ان يترك أوله مضموما

стр. 43

ليدل على معناه، ومنهم من يكسره لان الياء الساكنة لا تكون بعد حرف مضموم والكسر القياس. [١٩ب] ومنهم من يقول في الكلام: "قد قُولَه له" و "قد بُوع المتاع" اذا اراد "قَدْ بِيع" و "قِيل". جعلها واوا حين ضم ما قبلها، لان الياء الساكنة لا تكون بعد حرف مضموم. ومنهم من يروم الضم في "قُيل" مثل رومهم الكسر في "رِدَّ" لغةٌ لبعض العرب ان يقولوا "رِدَّ" فيكسرون الراء ويجعلون عليها حركة الدال التي في موضع العين. وبعضهم لا يكسر الراء ولكنه يشمها الكسر كما يروم في "قيل" الضم. وقال الفرزدق: [من الطويل وهو الشاهد الثالث والعشرون] : وما حِلَّ من جهل حُبا حُلَمائِنا * ولا قائل المعروفِ فينا يُعَنَّفُ سمعناه ممن ينشده من العرب هكذا. المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السُّفَهَآءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ أما قوله ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السُّفَهَآءُ أَلا إنهَّمْ هُمُ السُّفهآءُ﴾ فقد قرأهما قوم مهموزتين جميعا، وقالوا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ﴾

стр. 44

[و] ﴿وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ وقالوا (أإِذا) ﴿أَإِنّا﴾ كل هذا يهمزون فيه همزتين، وكل هذا ليس من كلام العرب الا شاذا. ولكن اذا اجتمعت همزتان شتى ليس بينهما شيء فان احداهما. تخفف في جميع كلام العرب الا في هذه اللغة الشاذة القليلة وذلك انه اذا اجتمعت همزتان في كلمة واحدة أبدلوا الآخرة منهما أبدا فجعلوها ان كان ما قبلها مفتوحاً الفا ساكنة نحو "آدم" و "آخر" [٢٠ء] و "آمن" وإن كان ما قبلها مضموما جعلت واوا نحو "أُوْزُزْ" اذا أمرته ان يَؤُز وان كان ما قبلها مكسورا جعلت ياء نحو "إِيْتِ" وكذلك إنْ كانت الآخرة متحركة بأي حركة كانت والأُولى مضمومة او مكسورة فالآخرة تتبع الأولى نحو "أن أفعل" من "أَأَب" [ف] تقول "أُووب". ونحو "جاءَ في الرفع والنصب والجر. فاما المفتوحة فلا تتبعها الآخرة اذا كانت متحركة لأنها لو تبعتها جعلت همزة مثلها. ولكن تكون على موضعها، فان كانت مكسورة جعلت ياء، وان كانت مضمومة جعلت واوا, وان كانت مفتوحة جعلت ايضاً واوا لان الفتحة تشبه الالف. وأنت إذا احتجت الى حركتها

стр. 45

جعلتها واوا ما لم يكن لها اصل في الياء معروف فهذه الفتحة ليس لها اصل في الياء فجعلت الغالب عليها الواو نحو "آدم" و "أوادم". فلذلك جعلت الهمزتان اذا التقتا وكانتا من كلمتين شتى مخففة احداهما، ولم يبلغ من استثقالهما ان تجعلا مثل المجتمعتين في كلمة واحدة. ولان اللتين في كلمة واحدة لا تفارق احداهما صاحبتها, وهاتان تتغيران عن حالهما وتصير كل واحدة منها على حيالها أثقل منهما في كلمتين [٢٠ب] لأَنَّ ما في الكلمتين كلُّ واحدة على حيالها فتخفيف الآخرة أقيس، كما أبدلوا الآخرة حين اجتمعتا في كلمة واحدة، وقد تخفف الأولى. فمن خفف الآخرة في قوله ﴿كَمَآ آمَنَ السُّفَهَآءُ ألا﴾ قال ﴿السفهاءُ ولا﴾ فجعل الالف في (ألا) واوا. ومن خفف الأولى جعل الالف التي في (السفهاء) كالواو وهمز الف (ألاّ) . واما ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ فإنَّ الأولى لا تخفف لأنها اول الكلام. والهمزة اذا كانت اول الكلام لم تخفف لأن المخففة ضعفت حتى صارت كالساكن فلا يبتدأ بها. وقد قال بعض العرب (آإذا) و (آأنذرتهم) و "آأنا قلت لك كذا وكذا" فجعل ألف الاستفهام اذا ضمت الى همزة يفصل بينها وبينها بألف لئلا تجتمع الهمزتان. كل ذا قد قيل وكل ذا قد قرأه الناس.

стр. 46

واذا كانت الهمزة ساكنة فهي في لغة هؤلاء الذين يخففون ان كان ما قبلها مكسورا ياء نحو ﴿أنبِيهم بأسمايهم﴾ ونحو (نَبِّينا) *. وإن كان مضموما جعلوها واوا نحو "جونَه"، وان كان ما قبلها مفتوحا جعلوه الفا نحو "راس" و "فاس". وان كانت همزة متحركة بعد حرف ساكن حرّكوا الساكن بحركة ما بعده واذهبوا الهمزة [٢١ء] يقولون [في] "في الارض": (فِلَرْض) [وفي] ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ اله﴾ : (مِنِلاهٍ) يحركون الساكن بالحركة التي كانت في الهمزة اي حركة كانت ويحذفون الهمزة. واذا اجتمعت همزتان من كلمتين شتى والأولى* مكسورة والآخرة

стр. 47

مكسورة فاردت ان تخفف الآخرة جعلتها بين الياء الساكنة وبين الهمزة، لان الياء الساكنة تكون بعد المكسورة نحو "هؤلاء يماء الله"، تجعل الآخرة بين بين والأولى محققة. وان كانت الآخرة مفتوحة نحو "هؤلاء أخواتك", أو مضمومة نحو "هؤلاء أُمَّهاتُك" لم تجعل بين بين، وجعلت ياء خالصة لانكسار ما قبلها لانك انما تجعل المفتوح بين الالف الساكنة وبين الهمزة، والمضموم بين الواو الساكنة وبين الهمزة اذا اردت بين بين، وهذا لا يثبت بعد المكسور. وان كان الأول مهموزا او غير مهموز فهو سواء اذا اردت تخفيف الاخرة ومن ذلك قولهم "مِئين" و "مَئير" في قول من خفف. وان كان الحرف مفتوحاً بعده همزة مفتوحة او مكسورة او مضمومة جعلت بين بين، لان المفتوح تكون بعده الالف الساكنة والياء الساكنة, نحو "البَيْع" والواو الساكنة نحو "القَوْل" وهذا مثل ﴿يَتَفَيَّؤُا [٢١ب] ظِلاَلُهُ﴾ و ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ﴾ و ﴿آاذا﴾ و ﴿آانا﴾ اذا خففت الآخرة في كل هذا جعلتها بين بين.

стр. 48

والذي نختار تخفيف الآخرة اذا اجتمعت همزتان، الا انا نحققهما في التعليم كلتيهما نريد بذلك الاستقصاء وتخفيف الآخرة قراءة اهل المدينة، وتحقيقهما جميعا قراءة أهل الكوفة وبعض أهل البصرة. ومن زعم ان الهمزة لا تتبع الكسرة اذا خففت وهي متحركة، وانما تجعل في موضعها دخل عليه ان يقول "هذا قارِوٌ" و "هؤلاء قارِوُونَ" و (يستهزِوون) ، وليس هذا كلام من خفف من العرب انما يقولون ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ و ﴿قارِئون﴾ . واذا كان ما قبل الهمزة مضموما وهي جعلتها بين بين. وان كانت مكسورة او مفتوحة لم تكن بين بين وما قبلها مضموم، لان المفتوحة بين الالف الساكنة والهمزة والمكسورة بين الياء الساكنة والهمزة. وهذا لا يكون بعد المضموم, ولكن تجعلها واوا بعد المضموم اذا كانت مكسورة او مفتوحة فتجعلها واوا خالصة لانهما يتبعان ما قبلهما نحو "مررت بأكمُوٍ" و "رأيت أكمُواً" و "هذا غلامُوَبيكَ" تجعلها واوا اذا اردت التخفيف الا ان تكون المكسورة [٢٢ء] مفصولة فتكون على موضعها لانها قد بعدت. والواو قد تقلب الى الياء مع هذا وذلك نحو "هذا غلاميخوانك"

стр. 49

و (وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ يلا) . واذا كانتا في معنى "فُعِلَ" والهمزة في موضع العين جعلت بين بين لان الياء الساكنة تكون بعد الضمة ففي "قُيْلَ" يقولون "قِيلَ"، ومثل ذلك "سُيِل" و "رُيِس" فيجعلها * بين بين اذا خففت، ويترك ما قبلها مضموما. وأما "رُوِس" فليست "فُعِلَ" وانما هي "فُعْلَ" فصارت واوا لانها بعد ضمة معها في كلمة واحدة. ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ قوله ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوا آمَنَّا﴾ فأذهب الواو لانه كان حرفا "ساكنا لقي اللام وهي ساكنة فذهبت لسكونه ولم تحتج الى حركته لان فيما بقي دليلا على الجمع. وكذلك كل واو ما قبلها مضموما من هذا النحو. فاذا كان ما قبلها مفتوحا لم يكن بد من حركة الواو لانك لو القيتها لم تستدل على المعنى نحو ﴿اشْتَرُواْ الضَّلاَلَةَ﴾ وحركت الواو بالضم لانك لو قلت "اشتر الضلالة" فألقيت

стр. 50

الواو لم تعرف انه جمع، وانما حركتها بالضم لان الحرف الذي ذهب من الكلمة مضموم، فصار يقوم مقامه. وقد قرأ قوم وهي لغة لبعض العرب ﴿اشْتَرَوِاْ الضَّلاَلَةَ﴾ [٢٢ب] لما وجدوا حرفاً ساكنا قد لقي ساكنا كسروا كما يكسرون في غير هذا الموضع، وهي لغة شاذة. وأما قوله ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ فانك تقول "خلوت الى فلان في حاجة" كما تقول: "خلوت بفلان" إلاَّ أنَ "خلوت بفلان" له معنيان احدهما هذا والآخر سخِرْتُ به. وتكون "إلى" في موضع "مَعَ" نحو ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ كما كانت "من" في معنى (علىَ) في قوله ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ * اي: على القوم، وكما كانت الباء في معنى "على" في قوله "مَرَرتُ بِهِ" و "مَرَرْتُ عليه". وفي كتاب الله ﴿مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ يقول "على دينار". وكما كانت "في" في معنى "على" نحو ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ يقول "على جُذوعِ النَخْل". وزعم يونس ان العرب تقول: "نزلت في أبيك" تريد "عليه" وتقول: "ظفِرتُ عليه" اي "بِهِ" و "رضيتُ عليه" أي: "عَنْه" قال الشاعر [من الوافر وهو الشاهد الرابع والعشرون] : اذا رضِيتْ عَلَيَّ بنو قُشَيْر * لَعَمْرُ اللهِ أعجبَنَي رِضاها

стр. 51

﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أما قوله ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فهو في معنى "ويَمُدُّ لَهُم" كما قالت العرب: "الغلام يلعب الكِعاب" تريد: "يلعب ** بالكِعاب" وذلك أَنهم يقولون "قد مَدَدْتُ له" و "أَمْدَدْتُه" في غير هذا المعنى وهو قوله جل ثناؤه ﴿وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ﴾ وقال ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ . وقال بعضهم [٢٣ء] (مِدادا) و (مَدّا) من "أَمْدَدْناهُم" وتقول "مَدّ النهرُ فهو مادّ" و "أَمَدّ الجُرُح فهو مُمِدّ". وقال يونس: "ما كان من الشَرّ فهو "مدَدْت" وما كان من الخير فهو "أَمْدَدْت". [فـ] تقول كما فسرت له فاذا اردت أنك تركته قلت: "مَدَدْتُ له" واذا أردت أنك اعطيته قلت: "أَمْدَدْتُه". المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة) ﴿أُوْلَائِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ قوله ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ فهذا على قول العرب: "خاب سعيُك" وانما هو الذي خاب، وانما يريد "فما رَبحوا في تجارتهم" ومثله ﴿بَلْ مَكْرُ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [و] ﴿ولكنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ انما هو "ولكنّ البرَّ برُّ من آمنَ بالله" وقال الشاعر: [من المتقارب وهو الشاهد الخامس والعشرون] : * وكيفَ تُواصِلُ من أصْبَحَتْ خَلاَلتُه كأبي مَرْحَبِ *

стр. 52

وقال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السادس والعشرون] : وَشَرُّ المنايا مَيِّتٌ وَسْطَ أَهْلِهِ * كهُلْكِ الفتاةِ أسلَمَ الحَيّ حاضره انما يريد "وشر المنايا منية ميّت وسط اهله، ومثله: "اكثرُ شربي الماءُ" و "أكثر أكلي الخبرُ" وليس أكلك بالخبز ولا شربك بالماء. ولكن تريد اكثر اكلي اكل الخبز وأكثر شربي شرب الماء. قال ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ يريد: "أهل القرية"، (والعِيرَ) أي: "واسأل اصحابَ العِير" [٢٣ب] . وقال ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ فانما هو - والله اعلم - "مثَلُكُم ومثلُ الذين كَفَروا كمثلِ الناعِقِ والمنعوقِ بهِ". فحذف هذا الكلام, ودل ما بقي على معناه. ومثل هذا في القرآن كثير. وقد قال بعضهم ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ يقول "مثلُهم في دعائِهم الآلهةَ كمثلِ الذي ينعِق بالغَنَم" لان - الهتهم لا تسمعُ ولا تعقل، كما لا تسمع الغنم ولا تعقل. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ قوله ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ فهو في معنى "أَوْقَد"، مثل قوله "فلم يستجبه" أي "فلم يُجِبْهُ" وقال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السابع والعشرون] : وداعٍ دعا يا من يُجيبُ الى النَدى * فلم يَستَجِبْهُ عندَ ذاك مُجيبُ أي: "فلم يُجِبْهُ".

стр. 53

وقال ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ فجعل (الذي) جميعا فقال (وتَرَكَهم) * لان "الذي" في معنى الجميع، كما يكون "الانسان" في معنى "الناس". وقال ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ [١٧] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ فرفع على قوله: "هُمْ صمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ" رفعه على الابتداء ولو كان على اول الكلام كان النصب فيه حسنا. وأما ﴿حَوْلَهُ﴾ فانتصب على الظرف، وذلك ان الظرف منصوب. والظرف هو ما يكون فيه الشيء, كما قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الثامن والعشرون] : [٢٤ء] هذا النهارُ بدا لَها من هَمِّها * ما بالُها بالليلِ زالَ زوالَها نصب "النهارَ" على الظرف وان شاء رفعه وأضمر فيه. وأما "زوالَها" فانه كأنه قال: "أزالَ اللَّهُ الليلَ زوالَها". ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أما ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ فمنهم من قرأ (يَخْطِفُ) من "خَطَفَ" وهي قليلة رديئة لا تكاد

стр. 54

تعرف. وقد رواها يونس (يَخِطِّفُ) بكسر الخاء لاجتماع الساكنين. ومنهم من قرأ (يَخْطَفُ) على "خَطِفَ يخطَفُ" وهي الجيدة، وهما لغتان. وقال بعضهم (يَخِطِّفُ) وهو قول يونس من "يَخْتَطِفُ" فأدغم التاء في الطاء لان مخرجها قريب من مخرج الطاء. وقال بعضهم (يَخَطِّفُ) فحول الفتحة على الذي كان قبلها، والذي كسر كسر لاجتماع الساكنين فقال ﴿يَخِطِّفُ﴾ ومنهم من قال ﴿يِخِطِّفُ﴾ كسر الخاء لاجتماع الساكنين ثم كسر الياء اتبع الكسرة الكسرة وهي قبلها كما اتبعها في كلام العرب كثيرا، يتبعون الكسرة في هذا الباب الكسرة يقولون "قِتِلوا" و "فِتِحوا" يريدون: ["اقتِلوا"و] * اِفْتحَوا". قال ابو النجم [من الرجز وهو الشاهد التاسع والعشرون] : * تَدافُعَ الشِيبِ ولم تِقِتِّل *

стр. 55

وسمعناه من العرب مكسورا كله، فهذا مثل "يِخِطِف" اذا كسرت [٢٤ب] ياؤها [لكسرة خائها] وهي بعدها فأتبع** الاخر الأول. وقوله ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ فمنهم من يدغم ويسكن الباء الأولى لانهما حرفان مثلان. ومنهم من يحرك فيقول ﴿لَذَهَبْ بِسَمْعِهِمْ﴾ وجعل "السَمْع" في لفظ واحد وهو جماعة لان "السَمْعَ" قد يكون جماعة و "قد] يكون واحداً و [مثله] قوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ ومثله قوله ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ وقوله ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً﴾ ومثله ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ . المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة) ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قوله ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ فقطع الالف لانه اسم تثبت الالف فيه في التصغير [فـ] اذا صغرت قلت: "أُنَيْداداً"*. وواحد "الأنْدادِ": نِدٌّ. و "النِدُّ": المِثْل. ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ قوله ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾

стр. 56

فـ"الوَقُودُ"**: الحطب. و "الوُقودُ": الاتقادُ وهو الفعل. يقرأ ﴿الوَقود﴾ و ﴿الوُقود﴾ ويكون ان يعني بها الحطب، ويكون ان يعني بها الفعل. ومثل ذلك "الوَضُوءُ" وهو: الماء, و "الوُضُوءُ" وهو الفعل، وزعموا أنهما لغتان في معنى واحد. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذاالَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ قوله ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ فجرّ "جناتٍ" وقد وقعت عليها "أَنَّ" لأنَّ كلَّ جماعة في آخرها تاء زائدة تذهب في الواحد وفي تصغيره فنصبها جرّ، [٢٥ء] الا ترى انك تقول: "جَنّه" فتذهب التاء. وقال ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ و "السماوات" جرّ، و "الأرضَ" نصب لان التاء زائدة. الا ترى انك تقول: "سماء"، و ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا﴾ لان هذه ليست تاء إنَّما هي هاء صارت تاءً بالاتصال, وانما تكون تلك في السكوت الا ترى انك تقول: "رأيتُ سادَه" فلا يكون فيها تاء. ومن قرأ ﴿أَطَعْنا

стр. 57

سَادَاتِنا﴾ جرّ لانك اذا قلت: "ساده" ذهبت التاء. وتكون في السكت فيها تاء، تقول: "رأيت ساداتٍ"، وانما جرّوا هذا في النصب ليجعل جرّه ونصبه واحداً، كما جعل تذكيره في الجر والنصب واحدا، تقول: "مسلمين و "صالحين" نصبه وجره بالياء. وقوله ﴿بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ و ﴿لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ﴾ فان التاء من اصل الكلمة تقول "صوت" و "صويت" فلا تذهب التاء، و "بيت" [و "بُوَيْت"] * فلا تذهب التاء. وتقول: "رأيت بُوَيْتاتِ العربِ" فتجرّ، لان التاء الآخرة زائدة لانك تقول: "بيوت" فتسقط التاء الآخرة. وتقول: "رأيت ذواتِ مال" لان التاء زائدة، وذلك لانك لو سكت على الواحدة لقلت: "ذاه" ولكنها وصلت بالمال فصارت تاء لا يتكلم بها الا مع المضاف [٢٥ب] اليه. وقوله ﴿هذاالَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ لانه في معنى "جيئوا به" وليس في معنى "أُعْطَوْهُ". فاما قوله: ﴿مُتَشَابِهاً﴾ فليس انه أشبه بعضه بعضا ولكنه متشابه في الفضل. أي كل واحد له من الفضل في نحوه مثل الذي للآخر في نحوه. المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة) ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهذامَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَنْ﴾ فـ"يستحي" لغة أهل الحجاز بياءين وبنو تميم يقولون "يَسْتَحى"

стр. 58

بياء واحدة، والأولى هي الاصل لان ما كان من موضع لامه معتلا لم يعلّوا عينه. الا ترى انهم قالوا: "حَيِيْتُ" و "جَوِيْتُ" فلم تُقَلَّ العين. ويقولون: "قُلْتُ" و "بِعْتُ" فيعُلُّونَ العين لما لم تعتلّ اللام، وانما حذفوا لكثرة استعمالهم هذه الكلمة كما قالوا "لَمْ يَكُ" و "لَمْ يَكُنْ" و "لا أَدْرِ" و "لا أَدْرِي". وقال ﴿مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾ لان "ما" زائدة في الكلام وانما هو إنَّ الله لا يستَحي أن يضرِبَ بعوضَةً مَثَلاً". وناس من بني تميم يقولون ﴿مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾ يجعلون (ما) بمنزلة "الذي" ويضمرون "هو" كأنهم قالوا: "لا يستحي أن يضرب مثلاً الذي هو بعوضةٌ" يقول: "لا يستحي أن يضرب الذي هو بعوضَةٌ مثلاً. وقوله ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ قال بعضهم: "أَعظمَ منها" وقال بعضهم: كما تقول: "فلان صَغِير" فيقول: "وفوقَ ذلك " [٢٦ء] يريد: "وأصغَرُ * من ذلك ". وقوله ﴿مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً﴾

стр. 59

فيكون "ذا" بمنزلة "الذي". ويكون "ماذا" اسما واحدا ان شئت بمنزلة "ما" كما قال ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً﴾ فلو كانت "ذا" بمنزلة "الذي" لقالوا "خيرٌ" ولكان الرفع وجه الكلام. وقد يجوز فيه النصب لانه لو قال "ما الذي قلت"؟ فقلت "خيراً" أي: "قلت خيراً" لجاز. ولو قلت: "ما قلت": "فقلت: "خيرٌ" أي: "الذي قلت خيرٌ" لجاز، غير انه ليس على اللفظ الأول كما يقول بعض العرب اذا قيل له: "كيف أصبحت"؟ قال: "صالحٌ" أي: "أنا صالحٌ". ويدلك على أن "ماذا" اسم واحد قول الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثلاثون] : دَعِي ماذا علمتُ سأَتَّقيهِ * ولكنْ بالمغيَّبِ نَبِّئِيني فلو كانت "ذا" ها هنا بمعنى (الذي) لم يكن كلاما. ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أما قوله ﴿عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ فـ"أَنْ يُوصل" بدل من الهاء في "به" كقولك "مررت بالقومِ بعضِهم".

стр. 60

وأما "ميثاقه" فصار مكان "التَوثُّق" كما قال ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً﴾ والاصل "إِنباتاً" وكما قال" العَطاء" في مكان "الإِعطاء". ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قوله ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فانما يقول كنتم ترابا ونُطَفا فذلك [٢٦ب] ميّت. وهو سائغ في كلام العرب، تقول للثوب: "قَدْ كان هذا قُطْنا" و "كان هذا الرُّطَبُ بُسْرا"*. ومثل ذلك قولك للرجل: "اعمل هذا الثوب" وانما معك غزل. المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة) ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هذا باب من المجاز أما قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ وهو انما ذكر سماء واحدة، فهذا لأن ذكر "السماء" قد دل عليهن كلّهنّ. وقد زعم بعض المفسرين ان "السماء" جميع مثل "اللبن". فما

стр. 61

كان لفظه لفظ الواحد ومعناه معنى الجماعة جازان يجمع فقال ﴿سَوّاهُنَّ﴾ فزعم بعضهم ان قوله ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ جمع مذكر كـ"اللّبن". ولم نسمع هذا من العرب والتفسير الأول جيد. وقال يونس: ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ ذكر كما يذكر بعض المؤنث كما قال الشاعر: [من المتقارب وهو الشاهد الحادي والثلاثون] : فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها * ولا أرضُ** أبقلَ إبقالَها وقوله: [من المتقارب وهو الشاهد الثاني والثلاثون] : فإمّا تَرَيْ لِمَّتى بُدِّلَتْ * فإنَّ الحوادِثَ أَوْدَى بِها وقد تكون "السماء" يريد به الجماعة كما تقول: "هَلَكَ الشاةُ والبعيرُ" يعني كل بعير وكل شاة. وكما قال ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: من الأرضين. وأما قوله ﴿اسْتَوى إلى السمآء﴾ فان ذلك لم يكن من الله ﵎ [٢٧ء] لتحول، ولكنه يعني فعله كما تقول: "كان الخَلِيفَة في أهْلِ العراق يوليهم ثم تحوّل إلى أَهلِ الشام" انما تريد تحول فعله. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا

стр. 62

وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أما قولُ الملائِكَة ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ فلم يكن ذلك انكارا منهم على ربهم، انما سألوا ليعلموا، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يُسَبِّحون ويُقَدِّسون. أو قالوا ذلك لانهم كرهوا أَنْ يُعْصى الله، لان الجن قد كانت أمرت قبل ذلك فعصت. وأما قَوْلُه ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ وقال ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ وقال ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ فذلك لان الذكر كله تسبيح وصلاة. تقول: "قَضَيْتُ سُبْحتي من الذكِر والصَلاة" فقال "سَبِّح بالحَمْد". أي: "لتَكُنْ سُبْحَتُكَ بالحَمْدِ لله". وقوله ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ جاء على وجه الاقرار كما قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثالث والثلاثون] : أَلَسْتُمْ خيرَ مَن رَكِبَ المطايا * وأنْدى العالَمِينَ بطونَ راحِ أي: أنتم كذلك. ﴿وَعَلَّمَءَادَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هؤلاء إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قوله ﴿الأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ فيريد عرض عليهم أصحاب الأسماء ويدلك على ذلك قوله ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هؤلاء﴾ فلم يكن ذلك لان الملائكة ادّعوا شيئا، انما أخبر عن جهلهم بعلم الغيب وعلمه بذلك وفعله فقال ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هؤلاء إِن كُنْتُمْ [٢٧ب] صَادِقِينَ﴾ كما يقول الرجل للرجل: "أَنْبِئْني بهذا إنْ كنتَ تَعْلَم" وهو يعلم انه

стр. 63

لا يعلم يريد انه جاهل. فأعظموه عند ذلك فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ﴾ [٣٢] بالغيب على ذلك. ونحن نعلم أنه لا علم لنا بالغيب" إخباراً عن أنفسهم بنحو ما خبر الله عنهم. وقوله ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ﴾ فنصب "سبحانَكَ" لانه أراد "نسبِّحكَ" جعله بدلا من اللفظ بالفعل كأنه قال: "نُسَبِّحُكَ بسُبْحانِكَ" ولكن "سُبْحان" مصدر لا ينصرفُ. و "سُبْحان" في التفسير: براءة وتنزيه قال الشاعر: [من السريع وهو الشاهد الرابع والثلاثون] : أقولُ لَمّا جاءني فَخْرُه * سُبحانَ من عَلْقَمةَ الفاخِرِ يقول: براءة منه. المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة) ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ هذا باب الاستثناء قوله ﴿فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ فانتصب لانك شغلت الفعل بهم عنه فأخرجته من الفعل من بينهم. كما تقول: "جاءَ القومُ إلاّ زيداً" لأنَّك لما جعلت لهم الفعل وشغلته بهم وجاء بعدهم غيرهم شبهته بالمفعول به بعد الفاعل وقد شغلت به الفعل. وقوله ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ﴾ ففتحت ﴿استكبرَ﴾ لأن كل "فَعَلَ" أو "فُعِلَ" فهو

стр. 64

يفتح نحو: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ﴾ ونحو ﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ونحو ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [٢٨ء] ونحو ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ لانّ هذا كله "فَعَلَ" و "فُعِلَ". ﴿وَقُلْنَا يَآءَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَاذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ﴾ باب الدعاء قوله ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ﴾ و ﴿يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ﴾ [٣٣] و ﴿يافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ﴾ فكل هذا انما ارتفع لانه اسم مفرد، والاسم المفرد مضموم في الدعاء وهو في موضع نصب، ولكنه جعل كالأسماء التي ليست بمتمكنة. فاذا كان مضافا انتصب لانه الاصل. وانما يريد "أعني فلانا" و "أدعو" وذلك مثل قوله ﴿يَاأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا﴾ و ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ انما يريد: "يا ربِّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا" وقوله "رَبَّنا تَقبِّلْ مِنّا". هذا باب الفاء قوله ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَاذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ﴾ فهذا الذي يسميه النحويون "جواب الفاء". وهو ما كان جوابا للامر والنهي والاستفهام والتمني والنفي والجحود. ونصب ذلك كله على ضمير "أنْ"،

стр. 65

وكذلك الواو. وان لم يكن معناها مثل معنى الفاء. وانما نصب هذا لان الفاء والواو من حروف العطف فنوى المتكلم ان يكون ما مضى من كلامه اسما حتى كأنه قال "لا يكُنْ منكما قربُ الشجرة" ثم أراد أن يعطف الفعل على الاسم [٢٨ب] فأضمر مع الفعل "أَنْ" لأنَّ "أَنْ" مع الفعل تكون اسما فيعطف اسما على اسم. وهذا تفسير جميع ما انتصب من الواو والفاء. ومثل ذلك قوله ﴿لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ هذا جواب النهي و ﴿لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾ جواب النفي. والتفسير ما ذكرت لك. وقد يجوز اذا حسن ان تجري الآخر على الأول ان تجعله مثله نحو قوله ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي: "وَدُّوا لَوْ يُدْهِنُونَ". ونحو قوله ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ﴾ جعل الأول فعلا ولم يَنْوِ به الاسم فعطف الفعل على الفعل وهو التمني كأنه قال "وَدُّوا لو تَغْفَلونَ وَلَوْ يَمِيلُونَ" وقال ﴿لاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ أي "لا يؤذَن لَهُمْ ولا يَعْتَذِرُونَ". وما كان بعد هذا جواب المجازاة بالفاء والواو فان شئت ايضاً نصبته على ضمير "أن" اذا نويت بالأول ان تجعله اسما كما قال ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ [بِمَا كَسَبُوا] * وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ ﴿وَيَعْلَمَ

стр. 66

الَّذِينَ﴾ فنصب، ولو جزمه على العطف كان جائزا، ولو رفعه على الابتداء جاز ايضاً. وقال ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ فتجزم ﴿فَيَغفِر﴾ اذا أردت [٢٩ء] العطف، وتنصب اذا أضمرت "إنْ" ونويت أن يكون الأول اسما، وترفع على الابتداء وكل ذلك من كلام العرب. وقال ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ثم قال ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ فرفع ﴿وَيَتُوبُ﴾ لأنَه كلام مستأنف ليس على معنى الأول. ولا يريد "قاتلوهم: "يتبْ الله عليهم" ولو كان هذا لجاز فيه الجزم لما ذكرت. وقال الشاعر [من الوافر وهو الشاهد الخامس والثلاثون] : فإِنْ يهلِكْ أبو قابوس يهلِكْ * ربيعُ الناسِ والشَهْرُ الحرامُ ونُمْسِكَ بعدَه بذِنابِ عيشٍ * أجبِّ الظهرِ ليس له سنامُ فنصب "ونمسكَ" على ضمير "أَنْ" ونرى أَنْ يجعل الأول اسما ويكون فيه الجزْم ايضاً على العطفِ والرفعُ على الابتداء. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السادس والثلاثون] : ومَنْ يَغتربْ عن قومِهِ لا يَزَلْ يرى * مصارعَ مظلومٍ مجرّا ومَسْحُبا

стр. 67

ومَنْ يغتربْ عن قومِهِ لا يَجِدْ لهُ * على مَنْ لهُ رَهْطٌ حواليهِ مغْضبا وتُدْفنُ منه المحسَنات وان يُسِىءْ * يَكُنْ ما أساءَ النار في رأسِ كَبْكَبا فـ"تُدفنُ" يجوز فيه الوجوه كلها. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السابع والثلاثون] : فإن يَرْجعِ النعمان نَفْرَحْ ونَبْتَهِجْ * ويأتِ مَعَدّاً مُلْكُها وربيعُها وإِنْ يَهْلِكِ النعمانُ تُعْرَ مَطِيَّةٌ * وتُخْبَأُ في جوفِ العياب قُطُوعها [٢٩ب] وقال ﵎ ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ فهذا لا يكون الا رفعا لانه الجواب الذي لا يستغنى عنه. والفاء اذا كانت جواب المجازاة كان ما بعدها أبدا مبتدأ وتلك فاء الابتداء لا فاء العطف. الا ترى أنك تقول "ان تأتِني فأمُركَ عندي على ما تحبُّ". فلو كانت هذه فاء العطف لم يجز السكوت حتى تجيء لما بعد "إنْ" بجواب. ومثلها ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ وقال بعضهم ﴿فَأُمَتِّعُهُ ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ فـ ﴿أَضْطَرُّهُ﴾ اذا

стр. 68

وصل الالفَ جعله أَمْرا. وهذا الوجه اذا أراد به الامر يجوز فيه الضم والفتح. غير ان الالف ألف وصل وانما قطعتها "ثُمَّ" في الوجه الآخر، لانه كل ما يكون معناه "أَفْعَلُ" فانه مقطوع، من الوصل كان أو من القطع. قال ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ﴾ وهو من "أتى" "يأتي" وقال ﴿أَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ فترك الالف التي بعد ألف الاستفهام لانها الف "أفعل" وقال الله تبارك* وتعالى فيما يحكى عن الكفار ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ فقوله ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ جواب للاستفهام، لأنَّ ﴿لَوْلا﴾ ها هنا بمنزلة "هلا" وعطف ﴿وَأَكُن﴾ على موضع ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ لأنَّ جواب الاستفهام اذا لم يكن فيه فاء جزم. وقد قرأ بعضهم ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُونَ﴾ [٣٠ء] عطفها على ما بعد الفاء وذلك خلاف الكتاب. وقد قرىء ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ جزم. فجزم ﴿يَذَرْهُم﴾ على انه عطف على موضع الفاء لان موضعها يجزم اذا كانت جواب المجازاة، ومن رفعها على أَنْ يعطفها على ما بعد الفاء فهو أجود وهي قراءة. وقال ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم﴾

стр. 69

جزم ورفع على ما فسرت. وقد يجوز في هذا وفي الحرف الذي قبله النصب لأنه قد جاء بعد جواب المجازاة مثل ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [و] ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ فانتصب الآخر لأنَ الأوّلَ نوى ان يكون بمنزلة الاسم وفي الثاني الواو. وان شئت جزمت على العطف كأنك قلت "ولمّا يعلمِ الصابرين". فان قال قائل: "ولما يَعْلمِ الله الصابرين" ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ﴾ فهو لم يعلمهم؟ قلت بل قد علِم، ولكنّ هذا فيما يذكر أهل التأويل ليبين للناس، كأنه قال "ليَعْلَمَه الناسُ" كما قال ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً﴾ وهو قد علم ولكن ليبين ذلك. وقد قرأ أقوام أشباه هذا في القرآن ﴿لِيُعْلَم أَيُّ الحزبين﴾ ولا أراهم قرأوه إلاَّ لجهلهم بالوجه الآخر.

стр. 70

ومما جاء بالواو* ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ [٣٠ب] الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ﴾ إنْ شئتَ جعلت ﴿وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ﴾ نصباً اذ نويت ان تجعل الأول اسما فتضمر مع ﴿تَكْتُمُوا﴾ "أَنْ" حتى تكون اسما. وان شئت عطفتها فجعلتها جزما على الفعل الذي قبلها. قال ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ﴾ فعطف القول على الفعل المجزوم فجزمه. وزعموا انه في قراءة ابن مسعود ﴿وَأَقُولُ لَّكُمآ﴾ على ضمير "أَن" ونوى أَنْ يجعل الأوَّلَ اسما, وقال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الثامن والثلاثون] : لقد كان في حَوْلٍ ثَواءٍ ثويته * تَقَضِّي لُباناتٍ وَيَسْأمَ سائِمُ - ثواءٌ وثواءً او ثواءٍ رفع ونصب وخفض - فنصب على ضمير "أَنْ" لأن التقضي اسم، ومن قال "فَتُقْضى" رفع: "ويسأمُ" لأنه قد عطف على فعل وهذا واجبٌ، وقال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد التاسع والثلاثون] : فإِنْ لم أصدِّقْ ظَنَّكُمْ بتَيقُّنٍ * فَلا سَقَتِ الأوْصالَ مِنّي الرّواعِدُ ويَعلمَ أكفائي من الناسِ أَنَّني * أَنَا الفارسُ الحامي الذمارِ المذاودُ وقال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الأربعون] : فإن يقدِرْ عليكَ أبو قُبَيْسٍ * نَمُطَّ بِكَ المَنِيَّة في هَوانِ

стр. 71

وَتُخْضَبَ لِحيَةٌ غَدَرَتْ وخانتْ * بِأَحْمَرَ من نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ [٣١ء] فنصب هذا كله لأنه نوى أن يكون الأوّل اسما فأضمر بعد الواو "أنْ" حتى يكون اسما مثل الأول فتعطفه عليه. وأما قوله ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ و ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهذا على جواب التمني، لأنَّ معناه "لَيْتَ لَنّا كَرَّةً". وقال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الحادي والأربعون] : فلستُ بمدركٍ ما فاتَ مني * بـ"لهفَ" ولا بـ"ليتَ" ولا "لواني" فأنزل "لوَاني" بمنزلة "ليْتَ" لان الرجل اذا قال: "لَو أنّي كنتُ فعلتُ كذا وكذا "فانما تريد "ودِدتُ لو كنتُ فَعلْتُ". وإنَّما جازَ ضمير "أَنْ" في غير الواجب لأن غير الواجب يجيء ما بعده على خلاف ما قبله ناقضا له. فلما حدث فيه خلاف لأوله جاز هذا الضمير. والواجب يكون آخره على أوله نحو قول الله ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فالمعنى: "إسمعوا أنزلَ اللهُ من السماءِ ماءً" فهذا خبر واجب و ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنبيه. وقد تنصب الواجب في الشعر. قال الشاعر:

стр. 72

[من الوافر وهو الشاهد الثاني والأربعون] : سأترُكُ منزلي لِبني تَميمٍ * وأَلْحَقُ بالحجاز فأستريحا وهذا لا يكاد يعرف. وهو في الشعر جائز. وقال طرفة [من الطويل وهو الشاهد الثالث والأربعون] : [٣١ب] لها هَضْبَةٌ لا يَدْخُلُ الذُلُّ وَسْطَها * ويأوى اليها المستجيرُ فيُعْصَما واعلم ان اظهار ضمير "أن" في كل موضع أضمر فيه من الفاء لا يجوز الا ترى انك اذا قلت: "لا تأتِه فيضرِبَك" لم يجز أن تقول: "لا تأْتِه فأنْ يضرِبَكَ" وانما نصبته على "أنْ" فلا يسحن اظهاره كما لا يجوز في قولك "عسى أنْ تفعلَ": "عسى الفعل" ولا في قولك: "ما كان ليفعل": "ما كان لان يفعل" ولا إظهار الاسم الذي في قولك "نعم رجلاً" فرب ضمير لا يظهر لأن الكلام إنما وضع على أن يضمر فاذا ظهر كان ذلك على غير ما وضع في اللفظ فيدخله اللبس. ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أما قوله ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ فانما يعني "الزَلَلَ" تقول: "زَلَّ فلانُ" و "أَزْلَلْتُه" و: "زالَ فلانُ" و "أَزالَهُ فُلانُ" والتضعيف القراءة الجيدة وبها نقرأ. وقال بعضهم: ﴿فأزالَهُما﴾ أخذها من "زَالَ، يزولُ". تقول: "زالَ الرجلُ" و "أزالَهُ فلان".

стр. 73

وقال ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فانما قال ﴿اهْبِطُواْ﴾ والله اعلم لأنّ إبليسَ كان ثالثهم فلذلك جمع. المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة) ﴿فَتَلَقَّىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ قوله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ فجعل آدم المتلقى. وقد قرأ بعضهم ﴿آدمَ﴾ نصبا ورفع الكلمات جعلهن المتلّقِيات. ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قال ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ [٣٢ء] وذلك أن "إمّا" في موضع المجازاة وهي "إما" لا تكون "أَمَا" وهي "إنْ" زيدت معها "ما" وصار الفعل الذي بعدها بالنونِ الخفيفةِ أو الثقيلة وقد يكون بغير نون. وإنَّما حسنت فيه النون لما دخلته "ما" لأنَّ "ما" نفي وهو ما ليس بواجب وهي من الحروف التي تنفي الواجب فحسنت فيه النون نحو قولهم "بِعينٍ مّا أَرَيَنَّك" حين أدخلت فيها "ما" حسنت النون.

стр. 74

ومثل "إمّا" ها هنا قوله ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً﴾ وقوله ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ [٩٣] رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فالجواب في قوله ﴿فَلاَ تَجْعَلْنِي﴾ . وأشباه هذا في القرآن والكلام كثير. واما "إمّا" في غير هذا الموضع الذي يكون للمجازاة فلا تستغني حتى ترد "إمّا" مرتَيْن نحو قوله ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ ونحو قوله ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ وانما نصب لأنّ "إمّا" هي بمنزلة "أوْ" ولا تعمل شيئاً كأنه قال "هَدَيْناهُ السبيلَ شاكراً أوْ كَفُورا" فنصبه على الحال و "حتى رَأَوْا ما يُوعَدُون العذابَ أَوْ الساعة" فنصبه على البدل. وقد يجوز الرفع بعد "إمّا" في كل شيء يجوز فيه الابتداء [و] * لو قلت: "مررت برجل إمّا قاعدٍ وإمّا قائمٍ" جاز. وهذا الذي في القرآن جائز ايضاً، ويكون رفعا الا انه لم يقرأ. وأما التي تستغني عن التثنية فتلك تكون مفتوحة الالف [٣٢ب] أبدا نحو قولك "أَمّا عبد الله فمنطلق" وقوله ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ [٩] وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ و ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ . فكلُّ ما لم يحتج فيه الى تثنيةِ "أَمّا" فألفها مفتوحة الا تلك التي في المجازاة. و"أَمّا" ايضاً لا تعمل شيئا الا ترى انك تقول ﴿وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ فتنصبه بـ"تنهر" ولم تغيّر "أمّا" شيئا منه.

стр. 75

باب الاضافة. اما قوله ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فانفتحت هذه الياء على كل حال لان الحرف الذي قبلها ساكن. وهي الالف التي في "هُدَى". فلما احتجت الى حركة الياء حركتها بالفتحة لانها لا تحرك الا بالفتح. ومثل ذلك قوله ﴿عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ ولغة للعرب يقولون "عصَيَّ يا فَتى" و ﴿هُدَيَّ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ لما كان قبلها حرف ساكن وكان الفا، قلبته الى الياء حتى تدغمه في الحرف الذي بعده فيجرونها مجرى واحدا وهو أخف عليهم. واما قوله ﴿هذامَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ و ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [و] ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ . فانما حركت بالاضافة لسكون ما قبلها وجعل الحرف الذي قبلها ياء ولم يقل "عَلايَ" ولا "لَدايَ" كما تقول "على زيد" و "لدى زيد" ليفرقوا بينه وبين الأسماء، لان هذه ليست بأسماء. و "عَصايَ" و "هُدايَ" [٣٣ء] و "قَفايَ" اسماء. وكذلك ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ و ﴿يابُشْرَايا هذاغُلاَمٌ﴾ لأنَّ آخر "بُشْرى" ساكن. وقال بعضهم ﴿يا بُشْراي هذا غلام﴾ لا يريد الاضافة، كما تقول "يا بشارة". فاذا لم يكن الحرف ساكنا كنت في الياء بالخيار, ان شئت أسكنتها وان شئت
следующие страницы →