← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22396

تيسير علم أصول الفقه

عبد الله الجديع

Полный текст (387 стр.). Показаны 351–387 · переход к 356.

стр. 351

٤ـ أن يكونَا ثابتينِ بالنَّصِّ. ٥ـ أن يكونَا مُتناقضينِ في المعنى. ٦ـ أن يكونَا منفصلينِ. ٧ـ أن يكونَ النَّاسخُ مُتأخِّرًا عن المنسوخِ في تشريعِهِ. فإذا اجتمَعتْ هذهِ الشُّروطُ في حُكمينِ صحَّ القولُ بالنَّسخِ. وفي هذه الشُّروطِ منعُ وقوعِ النَّسخِ في أشياءَ، هيَ: ١ـ التَّوحيدُ والصِّفاتُ وسائرُ العقائدِ لامتناعِ التَّناقُضِ فيهَا، وليسَتْ أحكامًا عمليَّةً. ٢ـ الأخبارُ الَّتي لم يُقصدُ بها الطَّلبُ، كالإخبارِ عن الأُممِ الماضيَةِ، والإخبارَ عمَّا سيكونُ كأشراطِ السَّاعَةِ، لأنَّ خبرَ الصَّادق يستحيلُ الرُّجوعُ عنهُ لما يقتضيهِ الرُّجوعُ من الإخبارِ على خلافِ الواقعِ في أحدِ الخبرينِ، فإنَّ من قالَ: (جاءَ زيدٌ) ثمَّ قال بعدَهُ: (لمْ يأتِ) فأحدُ خبريةِ على خلافِ الواقعِ جزمًا، بكذبٍ أو وهمٍ، وخبرُ الله ورسولِه مُنزَّهُ عن ذلكَ. ولا ينقضي العجبُ من قولِ بعضِ منْ يُنسبُ إلى السُّنَّة في مسألة (امتناعِ النَّسخِ في الأخبار) : أنَّ النَّسخ ممتنعٌ في الأخبارِ إلاَّ أخبارَ الوعيدِ، فإنَّه يجوزُ فيها النَّسخُ.

стр. 352

وهذا القولُ فلْتَةٌ ممَّن قالهُ، فإنَّ خبر الله تعالى ورسوله ﷺ في وعدٍ أو وعيدٍ حقٌّ كما أُخبرنا بهِ، وهوَ واقعٌ كما جاءَ به الخبرُ، ولا يُستشكلُ أنَّ الله تعالى قدْ لا ُينفِذُ الوعيدَ، لأنَّه أخبرنَا أنَّ وعيدَه بمشيئتِهِ، فإنْ شاء عذَّب وإن شاءَ رحمَ كما هوَ الشَّأنُ في عُصاةِ الموحِّدينَ، وأخبرنَا أنَّ فريقًا ممَّن وجب عليهمُ الوعيدُ لاانفِكاكَ لهُم عنهُ بحالٍ كالكُفَّارِ في نارِ جهنَّم، فأيُّ نسخٍ سيقعُ في الوعيدِ، وهوَ إمَّا مُنجَّزٌ وإمَّا مُعلَّقٌ بنفسِ دلالةِ الخبرِ؟ ٣ـ نصوصُ الأخلاقِ والفضائلِ، فإنَّها لا يُتصوَّرُ في مثلهَا التَّبديلُ، فالفضيلةُ لا يُقابلُها إلاَّ الرَّذيلةَ، والصِّلةُ تُقابلُها القطيعَةُ، والإحسانُ تُقابلُه الإساءَة، والكرَمُ يُقابلُه البُخلُ، وهكذَا، ومن شرْطِ النَّاسخِ التَّقابلُ بين النَّاسخِ والمنسُوخِ، فإمَّا هذا أو ذاكَ، لا يجتمعانِ في التَّكليفِ. ٤ـ القواعدُ الكُلِّيَّةُ ومقاصدُ التَّشريعِ، لأنَّها كُلِّيات، ولم يقعْ في جميعِ ما يُذكرُ مِمَّا وقع فيه النَّسخُ من نصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ نسخٌ لقاعِدَةٍ كلِّيَّةٍ، إنَّما جميُعُها واردٌ في جُزئيَّاتِ الأحكامِ رِعايَةً للمقاصِدِ الكُلِّيَّة كما سبقَ الإشارَةُ إليهِ في (حِكمةِ النَّسخِ) . ٥ـ أحكامٌ جُزئيَّةٌ اقترَنَ تشريعُها بما دلَّ على تأبيدِهَا، كقوله تعالى في حديثِ فرْضِ الصَّلواتِ ليلةَ المِعراجِ: ((هيَ خمسٌ وهيَ خمسُونَ، لا

стр. 353

يُبدَّلُ القولُ لديَّ)) [متفقٌ عليه] ، وقولهِ ﷺ : ((لا تنْقطِعُ الهِجرَةُ حتَّى تنقطِع التَّوبةُ، ولا تنقطِعُ التَّوبَةُ حتَّى تطلُع الشَّمسُ من مغربِها)) [حديثٌ حسنٌ أخرجه أبوداود وغيرُه عن مُعاوية] . كما دلَّت الشُّروطُ المذكورةُ على منعِ وقوع النَّسخِ بأشياءٍ، هيَ: ١ـ قولُ الصَّحابيِّ: (هذا النَّصُّ منسوخٌ) حتَّى يُذكرَ النَّاسخَ ويُفسِّرُ ذلك بما ينطبِقُ ومعنى النَّسخِ، وذلكَ لجوازِ أن يعني بالنَّسخِ التَّخصيصِ، أو ظنَّه كذلكَ باجتِهادِه، فيكونُ من قبيلِ مذاهبِ الصَّحابةِ، وهيَ وارِدَةٌ بعدَ النَّصِّ. والقولُ بعدَمِ قبولِ النَّسخِ بهذا الطَّريقِ عليهِ جمهُورُ العلماءِ. ٢ـ الإجماعُ المُدَّعى في كثيرٍ من المسائلِ والَّذي سبقَ بيانُه في (دليل الإجماع) بأنَّه القولُ الَّذي لا يُعرفُ لهُ مخالفٌ، فإنَّ هذا الإجماعَ ليسَ بحُجَّةٍ بنفسِهِ، ثمَّ إنه جاءَ بعد النَّصِّ، ومن لازِمٍ ثُبوتِ النَّاسخِ والمنسوخِ بالنَّصِّ أن يكونَ القولُ بالنَّسخِ قدِ انقطَعَ بموتِ النَّبيِّ ﷺ لانقطاعِ النُّصوصِ. وفي هذا إبطالٌ لمذهبِ من قالَ بنسخِ بعضِ النُّصوصِ بالإجماعِ، كنسخِ قتلِ شاربِ الخمرِ في الرَّابعةِ. وزعمَ البعضُ: أنَّ الإجماعَ على تركِ العملِ بالنَّصِّ يدلُّ على وُجودِ النَّاسخِ لكنَّه لم يصِلنَا.

стр. 354

وهذا خطأٌ جسيمٌ بُني على ظنٍّ ووهمٍ، ذلكَ أنَّهُ تضمَّن الاعتقادَ بضياعِ شيءٍ من الدِّينِ وحفظِ ما يُعارضُهُ، وهذا ضلالٌ وجهلٌ م قائلِه، فإنَّ الله الَّذي أكملَ لنا الدِّينَ تعهَّدَ بحفظِه، وإن كانَ يخفَى بعضُه على الأفرادِ فلا يجوزُ أن يخفَى جميعُه على جميعِ الأمَّةِ، فإنَّ اتِّفاقها على تضييعِ نصٍّ من نصوصِ الشَّرعِ اتِّفاقٌ منها على الضَّلالِ، فكيفَ يصحُّ هذا وهيَ معصُومَةٌ منهُ، وما هذا القولُ في الحقيقةِ إلاَّ دليلٌ على فسادِ هذهِ الدَّعاوى في الإجماعِ الموهومِ. ٣ـ القياسُ، لأنَّ من شرطِ صحَّتِهِ البناءَ على النَّصِّ، فإذا ناقضَ نصًّا آخرَ فاحتِمالُ النَّسخِ وارِدٌ بين النَّصِّ الَّذي استُفيدَ منهُ حكمُ القِياسِ، والنَّصِّ المعارضِ لهُ، لا بينَ نصٍّ وقياسٍ، على أنَّ القياسَ لا يصحُّ وُرودُه بخلافِ النَّصِّ. كما دلَّ التَّعريفُ المتقدِّمُ علَى: أنَّ ما ثبتَ بدليلِ (استِصحابِ الإباحَةِ الأصليَّةِ) ، ثمَّ جاءَ نَصٌّ نقلَ عن تلكَ الإباحَة، فليسَ هذا من قبيلِ النَّسخِ، لأنَّ الإباحَةَ لم تُبنَ على دليلِ بخصوصِ تلكَ الجُزئيَّةِ، إنَّما أُلحقَتْ بدليلٍ عامٍّ وقاعِدَةٍ كليَّة ترجعُ إلى عدَمِ النَّصِّ، فليسَتْ (حُكمًا شرعيًّا فرعيًّا ثبتَ بالنَّصِّ) . * أنواع ما يقع به النَّسخ: لمَّا كانَ أمرُ (النَّسخِ) قدْ فُرغَ منهُ لارتِباطٍه بِنُزولِ الوحيِ، ثبَتَ

стр. 355

باستِقراءِ صُورِ النَّسخِ أنَّه واقعٌ بأربعَةِ أشياءَ: الأوَّلُ: نسخُ قُرآنٍ، كنسخِ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] بآياتِ المواريثِ من سورةِ النِّساءِ، وصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ قولهُ: ((إنَّ الله قدْ أعطَى كلَّ ذِي حقٍّ حقَّهٌ، فلا وصيَّةَ لوارثٍ)) [أخرجه أصحابُ السُّنن وغيرُهم] ، وصحَّ القولُ بنسخِهَا عن جماهيرِ السَّلفِ، كابنِ عبَّاسٍ وغيرِه، وإنْ كانُوا قدِ اختلفُوا في النَّاسخِ: هلْ هوَ آياتُ المواريثِ أمِ الحديثُ؟ والثَّاني: نسخُ سنَّةٍ بسنَّةٍ، كصفَةِ التَّطبيقِ في الرُّكوعِ، فعنْ علقَمَةَ بنِ قيسٍ والأسودِ بنِ يزيدَ: أنَّهما دخلاَ على عبد الله (هُو ابنُ مسعودٍ) ، فقالَ: أصلَّى من خلفَكُم؟ قالاَ: نعَمْ، فقامَ بينهُمَا، وجعلَ أحدَهُما عن يمينهِ والآخرَ عن شمالِهِ، ثمَّ ركعنَا، فوضَعنَا أيدينَا على رُكبِنَا، فضرَبَ أيدينَا، ثمَّ طبَّق بين يديهِ، ثمَّ جعلهُما بينَ فخِذيهِ، فلمَّا صلَّى قالَ: هكذا فعلَ رسولُ الله ﷺ : [رواه مسلمٌ] ، نسخَهُ ما في حديث سعدِ بن أبي وقَّاصٍ ﵁، فعنِ ابنِهِ مُصعبٍ قالَ: صلَّيتُ إلى جنبِ أبي، فلمَّا ركعتُ شبَّكتُ أصابِعِي وجعلتُهُما بينَ رُكبتيَّ، فضرَبَ يديَّ، فلمَّا صلَّى قالَ: قدْ كُنَّا نفعلُ هذا، ثمَّ أُمرنَا أن نرفَع إلى الرُّكبِ [متفقٌ عليه] .

стр. 356

والثالثُ: نسخُ قُرآنٍ بسُنَّةٍ، وهو واقعٌ في مذهبِ طائفَةٍ كبيرةٍ من أهلِ العِلمِ خلافًا للشَّافعيِّ وأحمدَ، وممَّا يُذكرُونَهُ لهُ مثالاً: نسخُ قولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] بقولهِ ﷺ المتقدِّم ذِكرهُ قريبًا: ((لا وصيَّةَ لوارثٍ)) . ووُقوعُ النَّسخِ في المثالِ المذكورِ بهذهِ الصُّورِ أظهرُ، والله أعلمُ. وكونُ القرآنِ والسُّنَّةِ وحيًا لا يمنعُ وُقوعَ النَّسخِ بينَهُمَا، لأنَّهُمَا جميعًا من عندِاللهِ. والرَّابعُ: نسخُ سُنَّةٍ بقُرآنٍ، كنسخِ استِقبالِ بيتِ المقدِسِ باستِقبالِ الكعبَةِ، فالأوَّلُ ثابتٌ بالسُّنَّةِ، وهو الحالُ الَّتي كان عليهَا رسُولُ الله ﷺ والمؤمنونَ معهُ في مكَّةَ وبعدَ الهِجرَةِ زمانًا، ونسخُه بالكتابِ، فعنْ عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄ قالَ: كانَ رسول الله ﷺ يُصلِّي وهوَ بمكَّةَ نحوَ بيتِ المقدِسِ، والكعبَةُ بين يديهِ، وبعدمَا هاجرَ إلى المدينةِ ستَّةَ عشرَ شهرًا، ثمَّ صُرف إلى الكعبةِ [أخرجه أحمد بسندٍ صحيحٍ] ، وعنِ البرَاءِ بن عازبٍ ﵄ قالَ: كانَ رسول الله ﷺ صلَّى نحو بيتِ المقدِسِ ستَّةَ عشرَ أو سبعَةَ عشرَ شهرًا، وكَانَ رسولُ الله ﷺ يحبُّ أن يُوجَّه إلى الكعبةِ، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فتوجَّه نحوَ الكعبَةِ، وقالَ السُّفهاءُ

стр. 357

من النَّاسِ وهمُ اليهُودُ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] [متفقٌ عليه] . * الوجوه التي يقع عليها النسخ في القرآن: النَّسخُ في القرآن واقعٌ على وُجوهٍ، هيَ: ١ـ نسخُ الحُكمِ مع بقاءِ التِّلاوَةِ. مثالهُ: قولهُ تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نسائكم فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] ، نُسخَ بقولهِ تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] كما صحَّ ذلكَ عن ابن عبَّاسٍ ﵄ [أخرجه أبو داود] ، وعن عُبادَة بنِ الصَّامتِ ﵄ [أخرجه ابوداود] ، وعن عُبادَةَ بن الصَّامتِ ﵁ قالَ: قال رسول الله ﷺ : ((خُذوا عنِّي، خُذُوا عنِّي، قد جعلَ الله لهنَّ سبيلاً، البِكرُ بالبكرِ جلدُ مئةٍ ونفيُ سَنَةٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيبِ جلدُ مئةٍ والرَّجمُ)) [أخرجه مسلمٌ] . ٢ـ نسخُ التَّلاوَةِ مع بقاءِ الحُكمِ. مثالُهَا: آيةُ الرَّجمِ، فعنْ عُمرَ بن الخطَّابِ ﵁ قالَ: إنَّ الله قد بعثَ محمَّدًا ﷺ بالحقّ، وأنزلَ عليهِ الكتابَ، فكانَ ممَّا أُنزلَ

стр. 358

عليهِ آيةُ الرَّجمِ، قرأْنَاهَا ووعينَاهَا وعقلنَاهَا، فرجَمَ رسولُ الله ﷺ ورجمنَا بعدَهُ، فأخشَى إن طالَ بالنَّاسِ زمانٌ أن يقولَ قائلٌ: مَا نجدُ الرَّجمَ في كتابِ الله، فيضلُّوا بتركِ فريضةٍ أنزلَهَا الله، وإنَّ الرَّجمَ في كتابِ الله حقٌّ على من زنَى إذا أحصَنَ من الرِّجالِ والنَّساء، إذا قامَتِ البيِّنَةُ، أو كَانَ الحبلُ، أوِ الاعترافُ [متفقٌ عليه] ، وكذلكَ روَى بعضَ معنَى ذلك سعيدُ بن المسيَّب عن عُمرَ، فذَكرَ الآيةَ المنسوخَةَ: ((الشَّيخُ والشَّيخَةُ فارجمُوهُمَا البتَّةَ)) [أخرجه مالكٌ في ((الموطَّأ)) ] . ٣ـ نسخُ التَّلاوَةِ والحُكمِ. مثالهُ: ما أفادَهُ حديثُ عائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ فيما أُنزلَ من القرآنِ: عشرُ رضعاتٍ معلومَاتٍ يُحرِّمنَ، ثمَّ نُسِخنَ بخمسٍ معلوماتٍ [أخرجه مسلمٌ] . * طريقُ معرفة النسخ: يُعرفُ النَّسخُ بطريقينِ، هُمَا: ١ـ دلالةُ اللَّفظِ عليهِ صراحَةً، بلفظِ رسول الله، كقولهِ: ((نهيتُكمْ عن زيَارَةِ القُبورِ فزُورهَا، ونهيتُكم عن لُحومِ الأضاحي فوقَ ثلاثٍ فأمسَكُوا ما بدا لكُمْ، ونهيتُكمْ عنِ النَّبيذِ إلاَّ في سقَاءٍ، فاشربُوا في الأسقيةِ كُلِّهَا، ولا تشربُوا مُسكِرًا)) [أخرجه مسلمٌ من حديثِ بُريدةَ بن الحصيبِ] ، أو قولِ الصَّحابيِّ راوي الحديثِ،

стр. 359

كحديثِ عليٍّ ﵁ قالَ: كانَ رسول الله ﷺ أمرَنَا بالقيامِ في الجنَازَةِ، ثمَّ جلسَ بعدَ ذلكَ وأمرَنَا بالجُلوسِ [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أحمدُ وغيرُهُ، ومعناهُ عندَ مسلمٍ] ، وحديثِ جابرِ بن عبد الله ﵄ قالَ: كان آخرَ الأمرينِ من رسول الله ﷺ تركُ الوُضوءِ ممَّا مسَّتِ النَّارُ [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبوداودَ والنَّسائيُّ] . ٢ـ قرينَةٌ في سياقِ النَّصِّ، كقوله ﷺ في الحديثِ المتقدِّم قريبًا: ((خُذُوا عنِّي، خُذُوا عنِّي، قد جعلَ الله لهنَّ سبيلاً)) الحديثَ، فهذا يُشيرُ إلىالمنسوخِ، وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نسائكم فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] ، ومثلهُ قولهُ ﷺ في نسخِ آيةِ الوصيَّةِ: ((إنَّ الله قد أعطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فلا وصيَّةَ لوارثٍ)) ففيهِ قرينةٌ واضحَةٌ في إرادَةِ آياتِ المواريثِ المُحكَمَةَ. ٣ـ معرفَةُ تاريخ المُتقدِّ والمُتأخِّرِ، فيكونُ المتَأخِّرُ ناسخًا للمتقدِّمِ، كما هُو الشَّأنُ في نسخِ القِبلةِ من بيتِ المقدِسِ إلىالكعبَةَ، وقد سبقَ. ومِمَّا ينتدرجُ تحتَ هَذا: أنَّ الأحكامَ الواقعَةَ في حجَّةِ الوَداعِ أوْ بعدَهَا ممَّا يُعارضُ أحكامًا غيرَ معلومَةِ التَّاريخِ، فما ورَدَ في تلكَ الحجَّةِ أو بعدَهَا ناسخٌ لتلكَ الأحكام، لأنَّ في تلكَ الحجَّةِ كمالِ الدِّينِ،

стр. 360

وجميعُ الأحكامِ المُستخلِصةِ منها مُحكمَةٌ، وما وقعَ بعدَ الحجَّةِ أيضًا ممَّا عارضَ ما قبلَهَا قرينَةٌ على إبطالِ الحُكمِ السَّابقِ، وذلكَ نسخٌ. ويُمكنُ أن يُكرَ لكُلِّ من هاتينِ الصُّورتينِ مثالٌ: [١] صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ النَّهيُ عن الشُّربِ قائمًا من وُجوهٍِ، منهَا: حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ وأنسِ بن مالكٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ زَجرَ عن الشُّربِ قائمًا [أخرجه مسلمٌ] ، فهذا جاء الفعلُ النَّبويُّ علىخلافِه في حجَّةِ الوداعِ، فعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: سقيتُ رسول الله ﷺ من زمْزَمَ، فشربَ وهوَ قائمٌ [متفقٌ عليه] . [٢] وعن أنسِ بن مالكٍ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ سقطَ عن فرسِه فجُحِشَتْ ساقُهُ أو كتِفهُ، وآلى من نسائِه شهرًا، فجلسَ في مشرُبةٍ لهُ درجتُها من جُذُوعٍِ، فأتاهُ أصحابُه يعودُونهُ، فصلَّى بهِمْ جالسًا وهُم قيامٌ، فلمَّا سلَّ قال: ((إنَّما جُعلَ الإمامُ ليُؤتَمَّ بهِ، فإذا كبَّرَ فكبِّرُوا، وإذا ركعَ فاركعُوا، وإذا سَجَدَ فاسْجُدُوا، وإن صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا)) الحديث [متفقٌ عليه] ، قالَ الحُميدِيُّ فيما نقلهُ عنهُ تلميذُهُ البُخاريُّ في ((صحيحهِ)) في هذا الحديثِ: ((هُوَ في مرضِهِ القديمِ، ثمَّ صلَّى بعدَ ذلكَ النَّبيُّ ﷺ جالسًا والنَّاسُ خلفَهُ قيامًا لم يأمُرُهُم بالقُعودِ، وإنَّما يُؤخَذُ بالآخرِ فالآخرِ من فعلِ النَّبيِّ ﷺ )) . عنَى صلاتَهُ ﷺ بالنَّاسِ في مرضِه الَّذي مات فيهِ، والقصَّةُ في

стр. 361

((الصَّحيحينِ)) حيثُ صلَّى قاعدًا، وأبوبكرٍ ﵁ يأتّمُّ بهِ قائمًا، والنّاسُ يأتمُّونَ بأبي بكرٍ. أمَّا النَّسخُ بتأخُّرِ إسلامِ الرَّاوي لحديثِ من تقدَّمهُ في الإسلامِ فغيرُ صحيحٍ. * مسائل في النسخ: ١ـ النَّسخُ غيرُ (التَّخصيصِ) في الاصطِلاحِ، وقدْ جرَى الخلفْطُ بينهمَا في طريقةِ المُتقدِّمينَ، ووقعَ ذلكَ في كلامِ بعضِ الصَّحابَةِ في التَّفسيرِ يُطلقُونَ (النَّسخَ) وقدْ يريدُونَ بهِ التَّصيصَ، فليُلاحَظْ هذا من طريقَتِهِم، ولا يُستعملُ إطلاقُهُم النَّسخَ إلاَّ بعدَ تفسيرِهِم للمُرادِ بهِ. مثالهُ: قولُ عبدلله بن عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١] ، فنسخَ واسْتثنَى من ذلكَ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٦٠] [أخرجه أبوداودَ بسندٍ جيِّدٍ] . فسمَّى التَّخصيصَ نسخًا، ولا حرَجَ في الألفاظِ في هذا إذا تبيَّنتْ معانيهَا، لكنْ عليكَ أن تعلمَ ذلكَ، وإذا كانَ الاصطِلاحُ جرَى على معنَى مُعيَّنٍ فلا يصحُّ أن يُقحَمَ فيه ما ليسَ منهُ، خاصَّةً في أحكامِ الشَّريعَةِ، وهذا من أعظمِهَا.

стр. 362

وقد تقدَّم معنَى التَّخصيصِ والنَّسخِ جميعًا على ماجرَى عليهِ الاصطلاحُ، وفي الجُملَةِ فإنَّ التَّخصيصَ من بابِ البيانِ للمُرادِ باللَّفظِ، أمَّا النَّسخُ فهوَ إظهارٌ لِما يُنافي استِمرارَ الحُكمِ الأوَّلِ كليَّةً. ٢ـ لا مانعَ من وُقوعِ نسخِ الحُكمِ مرَّتينِ، كتحريمٍ فإباحَةٍ فتحريمٍ، كما ذهبتْ طائفَةٌ من أهلِ العِلمِ إلى وقُوعِهِ في نكاحِ المِتعَةِ، فقدْ حُرِّمَتْ في غزْوَةِ خيبرَ، ثُمَّ أُبيحتْ بعدَهَا، ثمَّ حُرِّمَتْ إلى الأبدِ في عامِ الفتحِ، وفي ذلك نصُوصٌ في ((الصَّحيحينِ)) وغيرِهمَا تُستفادُ من مظانِّها. ٣ـ مع ضرُورَةِ معرفَةِ النَّاسخِ والمنسوخِ للفقيهِ، إلاَّ أنَّهُ لا يُظنُّ كثرةُ وجودِ ذلكَ في أدلَّةِ التَّشريِ، وقد أُلِّفتْ فيه مُصنَّفاتٌ خاصَّةٌ مُفيدَةٌ، وفي كثيرٍ ممَّا ادُّعيَ فيه النَّسخُ ممَّا يُذكرُ في تلكَ المُصنَّفاتِ أو غيرهَا تحقيقٍ، ولاحِظِ انطِباقَ شُروطِ النَّسخِ قبلَ القولِ بهِ، كمَا عليكَ مُلاحَظةَ صحَّةِ النَّقلِ لمَا يعتمِدُ على الرِّوايةِ ممَّا قيلَ فيه ناسخٌ أو منسُوخٌ، فإنَّ القولَ بالنَّسخِ شديدٌ لما فيهِ من إبطالِ العملِ بنصٍّ من نُصوصِ الشَّرعِ. * * *

стр. 363

٣ـ الترجيح * تعريفه: هوإثباتُ مرتبَةٍ في أحدِ الدَّليلينِ على الآخرِ. وهوَ إنَّما يصحُّ بين الدَّليلينِ الثَّابتينِ من جهَةِ النَّقلِ في نظرِ الفقيهِ، يكونَانِ مُتضادَّينِ لا سبيلَ لإعمالِهما جميعًا، ولا سبيلَ للقولِ بالنَّسخِ، فالفقيهُ مُضطرٌّ لاختيارِ القولِ بأحدِهِمَا وتركِ الآخرِ. * بين النظرية والواقع: التَّرجيحُ طريقٌ اجتهادِيٌّ، والمُرجَّحاتُ قرائنُ يستعملُهَا الفقيهِ، لوزْنِ الدَّليلَينِ، فأيُّهما رَجَحَتْ كِفَّتهُ بالقرينَةِ فالحُكمُ لهُ ويسقُطُ الآخرُ. لكنْ أينَ موضِعُ هذه الصُّورَةِ من الواقعِ؟ إنَّ حقيقَةَ الاضطِرارِ إلى التَّرجيحِ بينَ دليلينِ تعذَّر الجمعُ بينهُمَا؛ وتعذَّر العلمُ بالنَّسخِ فيهمَا؛ أمرٌ نادرٌ الوُرودِ والوُجودِ، وإذا وقع فلاَ يعدَمُ المُجتهدُ سبيلاً للتَّرجيحِ، وذلكَ بما حقيقتُهُ التَّضعيفُ لأحدِ الدَّليلينِ: ١ـ إمَّا من جهَةِ نقلِ الرِّوايتينِ، فتكونُ إحداهُمَا أقوَى من الأخرَى في حفظِ رُواتِهَا وإتقانِهمْ، أو بكثرتِهِم مع الإتقانِ، فيُحكمُ للدَّليلِ

стр. 364

المُخالفِ بالشُّذُوذِ. ٢ـ وإمَّا من جهَةِ ظُهورِ الدَّلالةِ فتكونُ في أحدِهِمَا أظهرَ منهَا في الآخرِ، فيُحكمُ للمُخالفِ بضعفِ وجهِهِ في الاستنباطِ. والتَّرجيحُ بالقوَةِ تضعيفٌ وردٌّ لدَّليل المخالفِ، وحينئذٍ لا تصلُحُ تسمِيَتُهُ دليلاً. أمَّا أن يوجدَ ذلكَ في متْنينِ تكافآ قوَّةً من كلِّ وجهٍ نقلاً ودلالةً ووقَ التَّضادُّ بينهُمَا على وجهٍ يستحيلُ الخُروجُ منهُ إلاَّ بإسقاطِ أحدِهِمَا فهذا مُجرَّدُ دَعوى لا يوجدُ لهَا مثالٌ صحيحٌ، والتَّأصيلُ مع استِحالَةِ التَّفريعِ عبثٌ، وهوَ يمنزلَةِ من يزْرعُ بذْرَةً ميتَةً، ونصُوصُ الدِّينِ المُعظَّمةُ مُنزَّهَةٌ عن ذلكَ. وليسَ من بابِ (التَّرجيحِ) الرِّيبَةُ تقعُ في الأمرِ المُشتبَهِ في حلِّهِ وحُرمتِه، فإنَّ هذا ليسَ من بابِ الأحكامِ، كما تقدَّمتِ الإشارَةُ إليهِ. * * *

стр. 365

الاجتهاد والتقليد

стр. 366

١ـ الاجتهاد "تعريفه: لغةً: استفراغُ الوُسعِ في أيِّ فعلٍ كانَ. واصطلاحًا: استِفراغُ الفقيهِ وُسعهُ في طلبِ العِلمِ بالأحكامِ الشَّرعيَّةِ بطريقِ الاستِنباطِ من أدلَّةِ الشَّرعِ. ومن التَّعريفِ تتبيَّنُ صفةُ الاجتهادِ، وفيه القيُودُ التَّاليَّةُ: ١ـ وُجوبُ بذْلِ الجُهدِ إلى مُنتهَى الطَّاقةِ. ٢ـ وجوبُ أن يكونَ الباذِلُ جُهدَهُ فقيهًا تحقَّقتْ قُدرتُهُ على استفادَةِ الحُكمِ. ٣ـ أن يكونَ المطلوبُ التَّوصُّل إلى الأحكامِ الشَّرعيَّةِ العمليَّةِ. ٤ـ أن يكونَ التَّوصُّل بطريقِ البَحثِ والنَّظرِ، ممَّا يصلُ بهِ المُجتهِدُ إلى نتيجَةِ مُستقلَّةٍ بهِ. ٥ـ أن يكونَ ذلك النَّظرُ في أدلَّةِ الشَّرعِ. وهذا فيه: إخراجُ من يحفظُ المسائلَ بحفظِ المُتُونِ الفقهيَّةِ، أو منْ يأخُذُ تلكَ المسائلِ من المُفتي أو ينقُلُها من الكُتبِ، فهذا ليسَ بمُجتهِدٍ.

стр. 367

* حكمه: تقدَّمتِ الإشارَةُ غيرَ مرَّةٍ إلى أنَّ حاجاتِ النَّاسِ لا تتناهَى، والمُستجِدَّاتِ لا تنقطِعُ، من أجلِ ذلكَ جاءَتْ أحكامُ شريعَةِ الإسلامِ فيما يتعلَّقُ بالحوادِثِ مُقنَّنَةً على صفَةِ تُناسبُ أن تُستفادَ منها الحُلولُ لأيِّ أمرٍ طاريءٍ يتَّصلُ بمصالحِ المُكلَّفينَ، وتلكَ القوانِينُ مُتمَثِّلَةٌ بأدلَّة الشَّريعَةِ المُستوعِبَةِ الشَّاملةِ، وهي بينَ نُصوصٍ عامَّةٍ لا تختصُّ بواقِعَةٍ، أو قواعدَ عامَّةٍ، يُمكنُ أن يستَعملهَا الفقيهُ لجميعِ العوارِضِ، فيجِدَ لها الأحكامَ المُناسبَةَ. فلِعلَّةِ بقاءِ الحوادِثِ وحاجَةِ المُكلَّفينَ إلى معرفَةِ أحكامِ دينهِم فيها فإنَّه يجبُ أن يكونَ فيهمْ من يُحقِّقُ الكِفايَةَ لهُم في ذلكَ، وهذا هوَ قولُه عزَّوجلَّ: [التوبة: ١٢٢] . والأمَّةُ ونبيُّها ﷺ بينَ أظهُرِهَا كانَ إليه مرجِعُهَا، فكانَ الحُكمُ ينزلُ من السَّماءِ، أو يقعُ باجتهَادِ رَسول الله ﷺ فيُسدِّدَهُ الله تعالى فيهِ، فلمَّا ماتَ النَّبيُّ ﷺ صارَ مرجِع النَّاسِ بعدهُ إلى عُلمائِهمْ والفُقهاءِ فيهم يُبيِّنُونَ لهُم ما أشكلَ، ويُجيبُونَهُم عمَّا أعْضلَ، ولم يزلْ تاريخُ الأمَّةِ شاهدًا على استِمرارِ وُجودِ أهلِ الاجتهادِ فيهَا، وإن كانَ يقصُرُ ذلكَ في أحيانٍ لكنَّهُ لم يُعدَم، فالاجتهادُ باقٍ ما بقيتِ الحاجَةُ إليهِ، وإيجادُ

стр. 368

المُجتهدينَ فرضٌ على الأمَّةِ المُسلمَةِ حتَّى تتحقَّقَ كِفايتُها، لا يملِكُ أحدٌ من الخلقِ أن يُلغي ذلكَ. ولقد كانَ من أبطلِ النَّاسِ قولاً من زَعَم أنَّ الاجتهادَ قدْ أُغلِقَ بابَهُ، بلْ هذا القولُ من الضَّلالِ البيِّنِ مهمَا أُلصِق بهِ من المُبرِّراتِ. * الخطأ في الاجتهاد: لمَّا كانَ الاجتهادُ تنزيلاً للقواعِدِ والعُمومَاتِ الشَّرعيَّةِ على المسائلِ المُعيَّنةِ بنظرِ المُجتهِدِ، فإنَّهُ مهمَا قويَتْ ملكَتُه وقُدرتُه فقولهُ غيرُ معصومٍ، فيجوزُ عليه الخطأُ، ومن أجلِ هذا وقعَ الاختلافُ بينَ الفُقهاءِ، إلاَّ أنَّهُ لما كانَ قصدُ المجتهدِ إصابَةَ الحقِّ من الدِّينِ، كانَ خطؤهُ مغفورًا، بلْ لجلالةِ قدْرِ الاجتهادِ فإنَّهُ لم يُجازَ بمُجرَّدِ العُذرِ في الخطإ، إنَّما أثيبَ على ما بذلَ من الجُهدِ في الاجتهادِ، كما قال النَّبيُّ ﷺ : ((إذا حكَمَ الحاكِمُ فاجتَهَدَ ثمَّ أصابَ فلهُ أجرانِ، وإذا حَكَم فاجتهَدَ ثمَّ أخطأَ فلهُ أجرٌ)) [متفقٌ عليه عن عمرِو بن العاصِ وأبي هريرَةَ] . ومن لازِمٍ هذا: ضرُورَةُ استِمرارِ طلبِ الحقِّ في المسائِل المُختلفِ فيها حرصًا على إصابَةِ وجهِهِ، فإنَّ الحقَّ واحدٌ لا يتعدَّدُ، ولا يُمكنُ أن يُرادَ في حكمِ الله ورسولهِ ﷺ القولاَنِ المُختلفَانِ. ومن لازِمِه أيضًا: بُطلانَ العصبيَّةِ للمذاهبِ الفقهيَّةِ، وامتناعُ ظنِّ العِصمَةِ لأحدٍ من الفُقهاءِ.

стр. 369

* ما يمتنع فيه الاجتهاد ممَّا تقدَّم ذكرُه في توضيحِ معنى الاجتهادِ والمُجتهد دالٌّ على حصرِ الاجتهادِ فيما لم تبتَّ به نصوصُ الكتابِ والسُّنَّة، فيبقى فيه مجالٌ للنَّظرِ، أمَّا القضايا والأحكامُ الَّتي قطعتْ فيها النُّصوصُ فالأصلُ فيها التَّوقُّفُ عند النَّصِّ من غيرِ زيادةٍ ولا استدراكٍ ولا وجهٍ من التَّغيير، وعليه فيخرُج من الاجتهادِ أمورٌ، هيَ: ١ـ العقائدُ: فهي كلُّها توقيفيَّة، ولهذا امتنعَ اشتِقاقُ الأسماءِ الحسنى من صفاتِ الأفعالِ، فإنَّ الله تعالى هو الَّذي سمَّى نفسهُ في كتابهِ وعلى لسانِ رسولهِ ﷺ بما شاءَ من الأسماءِ، ولسنَا نُدركَ الحُسنَ فيها ليصحَّ لنا القياسُ، فلا يسمَّى الله تعالى: راضيًا ولا ساخطًا ولا غاضبًا، ولا ماكرًا ولا مُهلكًا، ولا غير ذلكَ من الأسماءِ اشتقاقًا من صفاتِ فعلِه: الرِّضى، والسَّخطِ، والغضبِ، والمكرِ، والإهلاكِ. كما يمتنعُ القياسُ لصفاتِه بصفاتِ خلقِهِ بأيِّ وجهٍ من الوُجوهِ، كقول من قالَ: (لله عينان) على التثنيَّة، استِلالاً بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ في المسيحِ الدَّجالِ: ((إنَّه أعورُ، وإنَّ ربَّكُم ليسَ بِأعورَ)) [متفقٌ عليه من حديث أنسٍ] ، والعورُ في اللُّغة: زوالُ حاسَّةِ البصرِ في إحدَى العينينِ، فيحثُ نفاهُ عن الله تعالى فقدْ دلَّ على أنَّه لهُ عينينِ صحِحتَينِ، فهذا القولُ زيادَةٌ على الأدلَّةِ بتفسيرٍ استُفيدَ من العُرفِ في المخلوقِ، وإنَّما

стр. 370

نفى الحديثُ عن الله تعالى العورَ، وإثباتُ لازمهِ يجبُ أن يكونَ بالنَّصِّ، والنَّصُّ إنَّما جاء بإثباتِ كمالِ البصرِ لله ربِّ العالمينَ، فيوقفُ عندهُ من غيرِ زيادَةٍ، وتُثْبَتُ لله العينُ كما أخبرَ عن نفسهِ تعالى، ولا يُقالُ (لهُ عينانِ) لعدمِ وُرودِ ذلكَ صريحًا في النُّصوصِ، إلاَّ في حديثٍ موضوعٍ. ٢ـ المقطوعُ بحُكمهِ ضرورةً، وهو ما انعقدَ إجماعُ الأمَّةِ عليهِ، كفرضِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحجِّ، وحرمَةِ الزِّنَا والسَّرقةِ وشربِ الخمرِ وقتلِ النَّفسِ بغير الحقِّ، فإنَّ هذهِ وشِبهُهَا شرائعُ أُحكمتْ على ما عُلمَ للكافَّةِ من أحكامِهَا، لا تُقبلُ الاستِنباطَ في هذا الجانبِ المعلومِ منهَا. ٣ـ المقطوعُ بصحَّةِ نقلهِ ودلالتِهِ، كألفاظِ الخاصِّ الَّتي هي نصوصٌ قطعيَّةٌ على ما وردتْ بهِ، مثلُ تحديدِ عددِ الجلدَاتِ في الزِّنَا والقذفِ، وفرائضِ الورثَةِ، ونحوِ ذلكَ. وهذه الأنواعُ هي الَّتي يقالُ فيها: (لا اجتهادَ في موضعِ النَّصِّ) ، المُرادُ به النَّصُّ القطعيُّ في ثُبوتِه ودلالتِهِ، لا مُطلقَ النَّصِّ. * ما يجوزُ فيه الاجتهاد: جميعُ ما لا يندَرجُ تحتَ صُورةٍ من الثَّلاثِ المُتقدِّمةِ فإنَّهُ يسوغُ فيهِ الاجتهادُ، وهوَ يعودُ في جُملتِه إلى صُورتينِ:

стр. 371

١ـ ما وردَ فيه النَّصُّ الظَّنيُّ. وحيثُ أنَّ الظَّنيَّة واردَةٌ على النَّقلِ والثُّبوتِ في نصُوصِ السُّنَّةِ خاصَّةً، وعلى الدَّلالةِ على الحُكمِ في نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ جميعًا، فمجالُ الاجتهادِ في الأمرِ الأوَّلِ أن يبذُلَ المجتهدُ وُسعهُ للوُصولِ إلى ثبوتِ نقلِ الخبرِ عن رسول الله ﷺ بما يُزيلُ الشُّبهَةَ في بناءِ الأحكامِ على الأحاديثِ الضَّعيفةِ، فلا يبنِي ويفرِّعُ على الحديثِ قبل العِلمِ بصحَّتِهِ. ومجالُ الاجتهادِ في الأمر الثَّاني وهوَ دلالَةُ النّصِّ على الحُكمِ، فذلكَ بالنَّظرِ إلى ما يدلُّ عليه ذلكَ النَّصُّ من الأحكامِ، وههُنَا يأتي دورُ (قواعدِ الاستِنباطِ) فيتبيَّنُ المجتهدُ ما أُريدَ بالعامِّ في هذا الموضعِ هل هُو باقٍ على شُمولِه جميعَ أفرادِهِ أم خُصِّصَ، والمُطلقُ؛ هل هُو باقٍ على إطلاقهِ أم قيِّدَ، والمُشتركُ؛ ما السَّبيلُ إلى ترجيحِ المعنى المُرادِ، والأمرُ والنَّهيُ؛ هل هُما في هذا النَّصِّ على الأصلِ في دلالتِهمَا أم مصرُوفانِ عنهَا، وهكذَا في سائرِ القواعِدِ. ٢ـ ما لا نصَّ فيه. وهذا يستعملُ فيه المُجتهِدُ قواعِدَ النَّظرِ، كالقِياسِ، والمصالحِ المُرسلَةِ، والاستِصحابِ، ومقاصِدِ التَّشريعِ، كُلاًّ بأُصولِه، ليصِلَ إلى استفادِةِب الحُكمِ في الواقعَةِ النَّازلَةِ.

стр. 372

* المجتهدُ وشروطه: ممَّا تقدَّم يظهرُ أنَّ المجتهدَ هو الفقيهُ، وهوَ: من كانتْ لهُ القُدْرَةُ على استِفادَةِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ العمليَّةِ من أدلَّتها التَّفصيليَّة. وهذا وصفٌ يُمكنُ أن يتَّصفَ به كُلُّ من حصلَ آلتَهُ، فلا يختصُّ به أحدٌ دونَ أحدٍ، إنَّما العبرَةُ بأن يكونَ أهلاً لهُ، ولا تتحقَّقُ تلكَ الأهليَّةُ إلاَّ بقُدرَةٍ ذاتيَّةٍ على الاستنباطِ والنَّظرِ متمثِّلًةً بفِطْنَةٍ وذكاءٍ، معَ توفُّر شُروطٍ ضروريَّةٍ، تلكَ الشُّروطُ ضوابطُ استُفيدَتْ من أدلَّةِ الشَّرعِ وقواعِدِه، لحفظِ الدِّينِ من أن يقولَ فيه من شاءَ ما شاءَ، وهيَ: ١ـ معرفَة اللُّغَةِ العربيَّةِ . وذلكَ على الوجهِ الَّذي يتمكَّنُ به من فهمِ الكلامِ وتركيبِهِ ودلالاتِهِ على المعاني، ويتطلَّبُ على التَّحديدِ معرفَةَ أصولِ العُلومِ اللُّغويَّة الَّتي لها اتِّصالٌ بكلامِ الله ورسولِهِ ﷺ ، وهيَ: [١] علمُ النَّحوِ، بما يُحسِنُ به الإعرابَ على الأصولِ المسلَّماتِ والرَّاجحاتِ، من غيرِ احتياجٍ للتَّعمُّقِ في خلافِ النُّحاةِ. [٢] عِلمُ الصَّرفِ، بما يُحسنُ به ما تعودُ إليه أصولُ الكلماتِ معَ ما يتغيَّر به ضبطُها بسببِ الاشتِقاقِ، لِما يقعُ لهُ من التَّأثيرِ كثيرًا على اختلافِ الدَّلالاتِ والمعاني.

стр. 373

[٣] علمُ البلاغَةِ، بالمقدارِ الَّذي يتمكَّنُ فيه من معرفَةِ وجوهِ المعاني، وما تتخرَّجُ عليه الأساليبُ العربيَّةُ من الاستعمالاتِ، كدلالاتِ الخبرِ والإنشاءِ، وتأثيرِ التَّقديمِ والتَّأخيرِ والحذْفِ والتَّعريفِ والتَّنكيرِ والإطلاقِ والتَّقييدِ والوصلِ والفصلِ والإيجازِ والإطنابِ والحقيقةِ والمجازِ والتَّشبيه والاستِعارَة، وغير ذلكَ. وهو علمٌ عظيمٌ لمعرفةِ أسرارِ القُرآنِ والسُّننِ. ولا يحتاجُ المجتهدُ إلى المعرفَةِ بعلمِ البديعِ منها، إنَّما حاجتُهُ إلى عِلمي (المعاني والبيانِ) . [٤] علمُ الحُروفِ. والمقصودُ به الحُروفُ الَّتي هي من أقسامِ الكلامِ كحروفِ الجرِّ والعطفِ، لا الحُروفُ الَّتي تتركَّبُ منها المُفرداتُ. وهذا علمٌ يجبُ على الفقيهِ أن يُدركَ منه ما تدلُّ عليه الحُروفُ من المعانِي ليُدركَ وجوهَهَا في نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، كمعرفَة معاني حروفِ العطفِ وماتقتضيهِ من المُغايرَةِ بين المعطُوفِ والمعطُوفِ عليهِ، أو الاشتراكِ أو التَّرتيبِ أو التَّراخي، أو غيرِ ذلكَ. وقدْ عُني بهذا الفنِّ طائفَةٌ من أئمَّةِ العربيَّةِ والأصولِ فضمَّنُوا الكلامَ في معانيِها كُتُبُهم، ومنهُم من أفردَهَا بالتَّصنيفِ، فالوُقوفُ عليها متيسِّرٌ.

стр. 374

هذه العُلومُ من عُلومِ العربيَّةِ الَّتي يجبُ على المُجتهِدِ أن يُلمَّ بالقَدْرِ الّضذي يتَّصلُ بنصوصِ الشَّرعِ منها، أمَّا معرفَةُ الشِّعرِ والعروضِ فلا تلزمُ المُجتهِدَ. وكذلكَ معرفَةُ معاني المُفردَاتِ فإنَّه يكفيهِ أن يكونَ عندَهُ مرجعٌ في شرحِهَا مثلُ (لِسانِ العربِ) لابنِ منظُورٍ أو غيرِه، يعودُ إليهِ عندَ الحاجَةِ. ٢ـ معرفَةُ القرآنِ . والمقصودُ أن يَعرفَ كيفَ يستفيدُ الأحكامَ من نُصوصِهِ، وهوَ يتطلَّبُ معرفَةَ خمسَةِ علُومٍ من عُلومِهِ على التَّحديدِ: [١] أحكامُ القُرآن. وذلكَ بمعرفَةِ الآياتِ الَّتي دلَّت على الأحكامِ منهُ، وقيلَ: هيَ نحوُ خمسِ مِئَةِ آيةٍ، وليسَ هذا بحصرٍ فالمُجتهدُ قد يجدُ الحُكمَ في قصَّةٍ أومثلٍ من القرآنِ، لكن عليهِ أن يعرفَ ما لهُ علاقَةٌ ظاهرَةٌ بالأحكامِ منهُ، وممَّا يُساعِدُه في ذلكَ أنَّ طائفَةً من العُلماءِ اعتَنَوْا بآياتِ الأحكامِ خاصَّةً فأفرَدُوهَا بالتَّصنيفِ، ككِتابِ (أحكامِ القُرآنِ) للجصَّاصِ الحنفيِّ، ومثلهُ لأبي بكرِ ابنِ العربيِّ المالكيِّ، ومن الجوامِعِ فيهِ (الجامعُ لأحكامِ القرآنِ) لأبي عبد الله القُرطُبيِّ، وهذا الأخيرُ عظيمُ المنفعَةِ

стр. 375

غزيرُ العلمِ. [٢] علمُ نُزولِ القرآنِ. وأجلُّه معرفَةُ أسبابِ النُّزولِ، وفيه الوُقوفُ على حِكَمِ التَّشريعِ ومقاصِدِ الشَّريعَةِ، وإدراكِ الوجهِ الَّذي يكونُ عليهِ معنى الآيةِ، والجهلُ به مُورِدٌ لزللٍ في الفهمِ ووضعٍ للنَّصِّ في غيرِ محلِّهِ، وخُذْلَهُ مثالاً: فعنْ حُميدِ بن عبد الرَّحمنِ بنِ عوفٍ: أنَّ مرْوَانَ (وهوَ ابنُ الحَكَمِ) قالَ: اذهبْ يا رافعُ إلى ابنِ عبَّاسٍ فقلْ: لئنْ كَانَ كُلُّ امريءٍ منَّا فرحَ بما أتَى وأحبَّ أن يُحمدَ بما لم يَفْعلْ مُعذَّبًا لنُعَذَّبنَّ أجمعُونَ، فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: ما لكُم ولهذِهِ الآيةِ؟ إنَّما أُنزِلتْ هذهِ الآيةُ في أهلِ الكتابِ، ثمَّ تلا ابنُ عبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ هذه الآية [آل عمران: ١٨٧] ، وتلاَ ابنُ عبَّاسٍ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: سألهُم النَّبيُّ ﷺ عن شيءٍ فكتمُوهُ إيَّاهُ وأخبروهُ بغيرِهِ، فخرَجُوا قدْ أروْهُ أن قدْ أخبَرُوهُ بما سألَهُمْ عنهُ واستَحْمَدُوا بذلكَ إليهِ، وفرِحُوا بما أتَوْا من كِتْمانِهِم إيَّاهُ ما سألَهُمْ عنهُ [متفقٌ عليه] . ومنهُ معرفَةُ المكِّيِّ والمدنيِّ، ومن فوائدِهِ: معرفَةُ أحكامِ اختِلافِ

стр. 376

الدَّارينِ، ومُراعَاةُ الظُّروفِ والمُناسباتِ وأحوالِ المُكلَّفينَ. [٣] علمُ النَّاسخِ والمنسوخِ. وهو قليلٌ في القرآنِ، إلاَّ أنَّ معرفتَهُ لا بدَّ منها للمُجتهِدِ، لمَا يَنْبنِي عليه من إبطالِ العملِ بنصٍّ وبناءِ الحُكمِ على خلافِهِ. [٤] علمُ اختلافِ القراءاتِ. والَّذي يحتاجُه منهُ هوَ الوُقوفُ على وُجوهِ القراءاتِ الثَّابتَةِ لآياتِ الأحكامِ، فلهَا تأثيرٌ على استِفادَةِ الحُكمِ، تارَةً بالإبانَةِ عنهُ وإيضاحِهِ، وتارةً بإفاَدةِ حُكمٍ جديدٍ، وبِغيرِ ذلكَ. [٥] علمُ التَّفسيرِ. يعرفُ منهُ ما يتَّصلُ بقواعِدِهِ ويرجعُ كثيرٌ منها في الحقيقةِ إلى (عُلوم العربيَّة) و (أُصولِ الفقهِ) ، لكنْ منهُ جوانبُ خاصَّةٌ به كمعرفَةِ وُجوهِ التَّبايُّنِ في أقوالِ المُفسِّرينَ وما ترجعُ إليهِ، ومعرفَةِ أهلِهِ والعارفينَ بهِ، وتمييزِ الإسرائيليَّاتِ حَذر التَّأثُّرِ بهَا في استِنباطِ الأحكامِ. وممَّا تنبغي مُلاحظَتُهُ: أنَّ حفظَ القرآنِ حسنٌ للمُجتهِدِ لكنَّهُ ليسَ بشرْطٍ في الاجتهادِ، لأنَّ المطلوبَ هو أن يقفَ على الآيةِ الدَّالَّةِ على الحُكمِ، فإذَا أمكنهُ ذلكَ بأيِّ طريقٍ فقدْ تحصَّلَ المقصودُ.

стр. 377

٣ـ معرفة السُّنَّة . والواجبُ أن يعرفَ منها: [١] ما يُميِّزُ بهِ الصَّحيحَ من السَّقيمِ، وهذا يتطلَّبُ معرفَةً بعلومِ مُصطلحِ الحديثِ، والجرْحِ والتَّعديلِ، وعللِ الحديثِ. لكنْ لهُ أن يعتمِدَ على العارفينَ المُتخصِّصينَ فيهِ، ويكفيهِ ذلكَ عنِ النَّظرِ بنفسِهِ واجتِهادِهِ في تفاصيلِ هذا العلمِ، فيأخُذُ مثلاً تصحيحَ الشَّيخينِ البُخاريِّ ومسلمٍ للحديثِ المُعيَّنِ أو غيرِهمَا من أهلِ هذا الفنِّ إذا تبيَّن لهُ أنَّهمْ م المُثبتينَ فيهِ. غيرَ أنَّ اعتِمَادَهُ على أصحابِ التَّخصُّصِ لا يُعفيهِ من أن يكونَ لهُ من الفهمِ في قواعِدِ هذا العلمِ ما يُرجِّحُ بهِ عندَ الاختِلافِ. ومن ذلكَ أن يُميِّزَ المُتواترَ من الآحادِ. [٢] الأحاديثَ الَّتي تدُورُ عليها الأحكامُ، ويحسُنُ بهِ حفظُهَا أو ما تيسَّرَ منها ولا يجبُ. ولطائفَةٍ من العلماءِ اعتِناءٌ بأحاديثِ الأحكامِ، ومن الكُتبِ النَّافعَةِ فيها كتابُ (مُنتقى الأخبارِ) لمجْدِ الدِّينِ ابنِ تيميَّةَ، و (بُلوغِ المرَامِ) للحافظِ ابنِ حجرْ العسقلانِيِّ. ويجدُرُ به أن يعرفَ موارِدَ الأحاديثِ، فإنَّ لها من المنفعَةِ للمُجتهِدِ ما لأسبابِ نُزولِ القرآن، كما عليهِ أن يُلاحظَ زيادَاتِ الثِّقاتِ في

стр. 378

المُتونِ فيعْتنِي بتتبُّعِهَا وجمعِهَا وتحقيقِ ثُبوتِهَا، فلهَا من التَّأثير ِفي الفقهِ والاستِنباطِ ما يُسبِّبُ اختلافَ العُلماءِ كثيرًا. ٤ـ معرفةُ علمِ أُصولِ الفقه . هذا العِلمُ القَاعِدَةُ العُظمَى للمُجتهِدِ للتَّوصُّلِ إلى الأحكامِ. وتقدَّم في ثنايَا هذا الكِتابِ ما يُدرِكُ بهِ ذلكَ، فهو بجميعِ تفاصيلِ أنواعِهِ واجبُ التَّحصيلِ للمُجتهِدِ. ٥ـ معرفَةُ مواضعِ الإجمَاعِ . والمقصودُ به الإجماعُ الصَّحيحُ الَّذي تقدَّمَ شَرحُهُ في (أدلَّةِ الأحكامِ) ، وذلكَ لئلاَّ يقضِي بخلاَفِهِ. وما يبقَى بعدَ هذهِ الشُّروطِ فضلَةٌ وليسَ بلاَزِمٍ للمُجتهِدِ، فلهُ أن يضرِبَ بنصِيِهِ منهَا كما يشاءُ، خاصَّةً آراءَ المُجتهدِينَ من السَّلفِ في القُرونِ الفاضلَةِ لينظُرَ أساليبَهُم في النَّظرِ والاستِنباطِ، ويعرفَ الخلافُ وأدبَهُ، كما يحسُنُ به أن يعرفَ رأيَ من سبقهُ من العُلماءِ المُجتهدينَ في المسائلِ الَّتي يتعرَّضُ لها، ويتحرَّى أقوالَهُم قبلَ المصيرِ

стр. 379

إلى وفاقِهَا أو خلافِهَا، كما يحسُنُ به أن يكونَ لهُ نظرٌ في الشِّعرِ والأدبِ لترويضِ اللِّسانٍِ بلُغَةِ العربِ. كما يحسُنُ به أن يعرفَ مبادِيءَ في الحِسابِ تُساعِدُهُ في حسابِ المواريثِ، ويُمكنُ أن يعودَ فيها إلى من يُحسِنُهَا فيما يتعلَّقُ بالحسابِ المحضِ. أمَّا فُنونُ العلمِ الخارِجَةُ عنِ العُلومِ الشَّرعيَّةِ وما يلتَصِقُ بهَا، كالطِّبِّ والهندَسَةِ والزِّراعَةِ والصِّناعَةِ، فلا صلَةَ لها بالاجتهادِ، وإنْ عرضَ للمُجتهِدِ من الحوادثِ ما يحتاجُ إليهَا فيه فإنَّهُ يكفيهِ أن يرجِعَ إلى أهلِهَا يسألُهُم، ويعتمِدُ قولَهُمْ. * مسألتان: ١ـ هلْ الاجتهادُ يقبلُ التَّجَزُّر؟ المقصُودُ بذلكَ: القُدرةُ على الاجتهادِ في بعضِ المسائلِ دُونَ بعضٍ، أو بعضِ الأبوابِ دون بعضٍ، اختلفَ العلماءُ في جوازِ ذلكَ على قولينِ: [١] يقبلُ التَّجزُّؤ، فيُمكنُ أن يجتهدَ الإنسانُ بأحكامِ المناسِكِ لإحاطتِهِ وعنايَتِه بها، دون سائرِ الأحكامِ، ومنذُ عهدِ الصَّحابةِ كانَ هذا شائعًا في المجتهدينَ.

стр. 380

[٢] لا يقبلُ، لأنَّ الاجتهادَ ملكَةٌ تحصُلُ للمُجتهدِ بجمعِهِ لآلاتٍ معيَّنةٍ، وهذه الآلاتُ إذا اجتمعَتْ تمكَّن بها من النَّظرِ في أيِّ مسألةٍ. وأظهرُ القولينِ هو الثَّاني، فإنَّ من أمكنهُ الاجتهادُ في المناسِك لزِمهُ فيه شُروطُ الاجتهادِ، فإذا وُجدَتْ فيه كانَ لهُ الاجتهادُ في سواهَا، وليسَ المقصودُ بالمجتهدِ أن يكونَ قدِ اجتهدَ في كلِّ قضيَّةٍ، إنَّما المجتهدُ من أمكنَهُ أن يجتهدَ في كلِّ قضيَّةٍ لتملُّكهِ لآلَةِ الاجتهَادِ. هذا مع أنَّ المجتهِدَ قد يتوقفُ عن الجوابِ لعدَمِ ظُهورِ وجهِ الحُكمِ لهُ، لا لنقصٍ في الآلةِ أو قصُورٍ في الشَّرطِ، وقد حصل من هذا شيءٌ كثيرٌ لكثيرٍ من أئمَّةِ الأمَّةِ المقتدَى بهم في الدِّينِ. ٢ـ الاجتهادُ لا يُنقضُ بمثلِهِ: والمعنَى: أنَّ المجتهدَ إذا أدَّاهُ اجتِهادُه إلى حُكمِ في قضيَّةٍ باجتِهادِهِ، ثمَّ بدا لهُ الرُّجوعُ عن ذلكَ الاجتهادِ، فلاَ ينتقِضُ حكمُ الاجتهادِ الأوَّل بالاجتهادِ الثَّاني، إنَّما يمضي على ما وقعَ، ويكونُ الاجتهادُ الثَّاني هو المُعتمدَ فيما سيقعُ، لأنَّ كُلاًّ من الاجتهادَينِ وقعَ بالظَّمِّ الرَّاجحِ في نظرِ المجتهِدِ، وكانَ هُوَ المُتعيَّنَ في وقتِهِ. ومن هذا ما حدَّثَ به الحكمُ بنُ مسعودٍ الثَّقفيُّ قالَ: شهِدتُ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أشركَ بين الإخوَةِ من الأبِ والأمِّ مع الإخوةِ من الأمِّ في

стр. 381

الثُّلثِ، فقالَ لهُ رجلٌ: قضيتَ في هذا عامَ أوَّل بغيرِ هذا، قالَ: كيفَ قضيتُ؟ قالَ: جعلتَهُ للإخوَةِ من الأمِّ، ولم تجعلْ للإخوَةِ من الأبِ والأمِّ شيئًا، قالَ: تلكَ على ما قضينَا، وهذه على ما قضينَا [أخرجه يعقوبُ بن سُفيانَ في ((التاريخ)) بسندٍ صحيحٍ إلى الحكمِ] . وكما لا يُنقضُ الحُكمُ النَّافذُ بالاجتهادِ السَّابقِ باجتهادٍ مُتأخِّرٍ لنفسِ المجتهدِ، فكذلكَ لا يُنقضُ ذلك باجتهادٍ مُتأخِّرٍ لمُجتهِدٍ آخرَ، وإنَّما يمضي اجتهادُ المُجتهِدِ الأوَّلِ على ما مضَى عليهِ، ويُلتزَمُ اجتهادُ المُجتهدِ الثَّاني فيما يُرادُ إمضَاؤهُ. * * *

стр. 382

٢ـ التقليد * تعريفه: هُو اتِّباعُ الإنسانِ غيرَهُ ممَّنْ يعتقِدُ فيه الدِّينَ، والصَّلاحَ والعلمَ في قولٍ أو فعلٍ معتقِدًا للحقيقةِ فيهِ، من غيرِ علمٍ بدليلِ ذلكَ الغيرِ على قولهِ أو فعلهِ، وكأنَّ هذا المتَّبع جعلَ قولَ الغيرِ أو فعلهُ قلاَدَةً في عُنُقِهِ. هذا التَّعريفُ يخرجُ مُتابعَةَ النَّبي ﷺ ، لأنَّ قولهُ وفعلَهُ دليلٌ لذاتِه، وإنَّما يندرجُ تحتَهُ مُتابعَةَ من سواهُ ممَّن يفتقِرُ قولهُ أو فعلهُ إلى الدَّليلِ، فيُتابعهُ المُقلِّدُ من غيرِ علمِ بالحُجَّةِ الَّتي استَنَدَ إليهَا في ذلكَ القولِ أوِ الفعلِ. * حكمه: النَّاسُ في هذه المسألةِ على خُصومَةٍ شديدةٍ وآراءٍ عديدَةٍ، والأمرُ فيها سهلٌ قريبٌ، فإنَّ النِّقمَةَ 'لى (التَّقليدِ) لا تليقُ أن تكونَ بِسببِ اللَّفظِ، لما يُعلمَ بالاتِّفاقِ أنَّ المُصطلحاتِ بحسبِ ما قُصدَ بهَا. فإذاَ كانتْ حقيقَةُ (التَّقليدِ) مُتابعَةَ المُجتهِدينَ من علماءِ الأمَّةِ ومفتيهَا في اجتهادَاتِهم من غيرِ علمٍ بأدلَّتهمْ على تلكَ الاجتِهادَاتِ من الكتابِ والسُّنَةِ، فلنُحاكمْ هذا المعنَى بأدلَّةِ الشَّريعَةِ نفسِهَا، فإنْ صحَّحَهُ الدَّليلُ قبلنَاهُ وإلاَّ أنكرناهُ.

стр. 383

وللجوابِ عن ذلكَ أُذكِّرُ بمقدِّماتٍ سبقتْ تُساعدُ على معرفَةِ حكمِ هذه القضيَّةِ، منهَا: تعريفُ الفقهِ بأنَّه فهمُ الدَّليلِ، وأنَّ الله تعالى لم يُكلِّفِ النَّاسَ جميعًا أن يكونُوا فُقهاءَ مُنقطعينَ لذلكَ، وإنَّما أوجبَ تحصيلَ الكِفايَةِ من الفقهَاءِ لحاجَةِ العامَّةِ، وأنَّ طُرقَ النَّظرِ في الأدلَّةِ ليستْ ممْكنَةً لكلِّ أحدٍ؛ إلاَّ ما علمهُ النَّاسُ بالضَّرورَةِ من دينِهم وهو خارجٌ عن موضوعِ الاجتهادِ والتَّقليدِ، وأنَّ للاجتهادِ شُروطًا لا يُتصوَّرُ أن تُكلِّفَ بها الشَّريعَةُ الرَّحيمَةُ كلَّ أحدٍ وهي الَّتي من أعظمِ مبادئهَا رفعُ الحرجِ عن عُمومِ المكلَّفينَ. إلى غيرذلكَ من المقدِّمات المسلَّماتِ السَّالفة في علمِ الأصولِ، والَّتي تجعلُ المسمينَ صنفينِ بالضَّرورةِ، همَا: قادرٌ على فهمِ الدَّليلِ والتَّفقُّع فيع بجمعِه لأسبابِ الفقهِ وآلتِهِ، أو عاجزٌ عن ذلك، فالأوَّلُ لا عُذْرَ لهُ اتِّفاقًا في تركِ الاجتهادِ فيما أمكنَهُ فهمُهُ بآلتِهِ، فإن عجزَ في شيءٍ انتقلَ ليكونَ في الصِّنفِ الثَّاني، وهو العاجزُ، وهذا الثَّاني مُحالٌّ بأمر الله تعالى لهُ على الفُقهاءِ المجتهدينَ القادرينَ على استِنباطِ الشَّرائع كما قال عزَّوجلَّ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ، فهلْ للتَّقليدِ صورةٌ في الحقيقةِ إلاَّ هذه؟ فإذا ظهر هذا فقدْ دلَّ على أنَّ التَّقليدَ للعاجزِ عن الاجتهادِ مأمورٌ

стр. 384

به في الشَّرعِ. وأمَّا ما يُذكرُ من نهيِ الأئمَّةِ عن تقليدهم فكانَ منهُم خطابًا لمن يظنُّونه أهلاً للاجتهادِ، وإلاَّ فالأخبارُ لا حصرَ لهَا في مسائلِ العامَّةِ لفقهاءِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ وأتباعهم من طبقةِ الفقهاءِ الأربعةِ، وهُم يفتونَهُم في معظمِ المسائلِ الاجتهاديَّةِ لا يذكرونَ لهمْ كيفَ استفادُوهَا. هذا؛ والواقعُ أنَّ التَّقليدَ ضرورةٌ حاصلةٌ، وكلُّ النَّاسِ يحتاجُونَ إليهِ في بعضِ أحيانهِم، والعلَّةُ في ذلكَ أنَّ الله عزَّوجلَّ جعلَ علمَ الإنساِ محدُودًا، فيخفى عليه من الأمورِ ما لا يجدُ منهُ مخرجًا إلاَّ بتقليدِ من يقدِّمهُ في العلمِ والدِّين، حتَّى من المجتهدِينَ الكبارِ أنفسُهم، فإنَّهم موصوفونَ بالاجتهادِ المُطلقِ بحقٍّ، ومع ذلكَ فربَّمَا اضطرَّ أحدُهُم للتَّقليدِ في المسألةِ والمسائلِ لخفاءِ العلمِ فيها عليهِ فكيفَ يكونُ حالُ العامِّيِّ؟! * تقليد الفقهاء الأربعة: الأئمَّةُ الأربعةُ: أبوحنيفةَ، ومالكُ بن أنسٍ، والشَّافعيُّ، وأحمدُ بن حنبلٍ، ﵏، من سادَة الأمَّةِ وأعلامِ الأئمَّةِ، كتبَ الله تعالى لهُم القبولَ في نفوسِ أهل الإسلامِ، وجعلهُم قدْوَةً للأنامِ على مرِّ العصُورِ

стр. 385

في فروعِ الشَّريعَةِ، كما جعلهُم مع إخوانِهم من أمثالِهم من الأئمَّةِ كالثَّوريِّ والأزواعيِّ وابنِ عُيينَةَ والحُميدِيِّ وإسحاقَ بنِ راهويه وغيرهم أئمَّةَ النَّاس في أصولِ الشَّريعةِ. ولم يكُنِ الاجتهادُ مقصورًا على هؤلاءِ الأربعةِ، ولكنَّ الله تعالى قيَّضَ لهُم من الأصحابِ من قامُوا بفقهِهم ومسائلهِم، كما أنَّ التَّأليف من بعضِهم في الفقهِ كمالكٍ والشَّافعيِّ كان من أسباِ حفظِ مذاهبِهم. وما قصد واحدٌ من هؤلاءِ السَّادَةِ أن يكونَ مذهُهُ بمثابَةِ الشَّريعَةِ المعصومَةِ، ولا قصدَ واحدٌ منهم أن يحملَ النَّاسَ على رأيهِ واجتهادِهِ، بل أرادُوا النَّصيحة لأهلِ الإسلامِ بما آتاهمُ الله من آلةِ الفقهِ والنَّظرِ، وبقيتْ مذاهبُهم وآراؤهم في اعتبارِهِم صوابًا يحتملُ الخطأ. لكن لمَّا وجَدَ من جاءَ بعدَهُم من علماءِ الأمَّةِ تدوينُ المسائلِ وتوضيح الدَّلائل بنَوا على ذلكَ، فوقعَ من العنايةِ بمسائلهِم تفصيلاً وتأصيلاً ما لا ينقضي من سعَتِه العجبُ. وكانَ الأمرُ حتَّى في حقِّ من بلغَ رُتبةَ الاجتهادِ من أتباعِهم أن تخرَّجُوا من مدارِسِهم ونهلُوا من علومِهم، وصارَ من أرادَ تلقِّي علُومِ الفقهِ لا يستَغني عن سُلوكِ سبيلِهم والانتِفاعِ بهِم، وإنْ فاتَتْهُ علومُهمْ فقد فاتهُ خيرٌ كثيرٌ.

стр. 386

وليسَ في هذا الَّذي علمتَ شيءٌ يذَمُّ لكنَّ لا يرتضيهِ الأئمَّةُ أنفسُهُم أن تُجعلَ آراؤُهم بمنزلَةِ النُّصوصِ، بلْ إنَّ النَّصَّ بضدِّهَا يقبلُ النَّسخَ والتَّأويلَ كما صرَّح بذلكَ بعضُ المتعصِّبينَ، أو أن يوجبَ الالتِزَامُ بها دون غيرهَا وُحرَّم النَّظرُ في أدلَّةِ الكتابِ والسُّنَّةِ، أو أنها تكونُ سببًا في تفريقِ المسلمينَ فيُجعلُ في المسجدِ الحرامِ في فترَةٍ من الزَّمنِ أربعةُ محاريبَ، أو أن يُجعلَ من فُروعِ المذهبِ بُطلانُ الصَّلاةِ للحنفيِّ خلفَ الشَّافعيِّ، وأمُورٌ سِوَى ذلكَ من الزَّيغِ والضَّلالِ للحنفيِّ خلفَ الشَّافعيِّ، وأُمورٌ سوى ذلكَ من الزَّيغِ والضَّلالِ والخُروجِ عن الهُدَى والصِّراطِ المستقيمِ، ممَّا جعلَ كثيرًا من العلماءِ يُشنِّعونَ على التَّقليدِ والمذهبيَّةِ غايَةَ التَّشنيعِ، فجرَّأ هؤلاءِ بدروهِم كثيرًا من الجهَّالِ على الكلامِ في أحكامِ الدِّينِ بغيرِ علمٍ، وهكذَا الشَّأنُ في كلِّ مسلكٍ يُجاوزُ الاعتِدالَ. فحاصلُ القولِ: أنَّ النَّاسَ كما تقدَّم صنفَانِ، عالمٌ مجتهدٌ، وَعَامِيٌّ مقلِّدٌ، فأمَّا المجتهدُ فقدْ امتنعَ عليهِ التَّقليدُ ما دامَ قادرًا على الاجتهادِ، وأمَّا المقلَّدُ فإنَّه مأمورٌ بسؤالِ من يقدرُ على سُؤالهِ من أهلِ العلمِ، ولا يتقيَّدُ بمذهبٍ من المذاهبِ الأربعَةِ، وإنَّما هو كما يقولُ بعضُ العلماءِ: (مذهبُهُ مَذهبُ من يسْتَفتِيهِ) ، وعلَى هذا أكثرُ أهلِ العلمِ. لكنَّ التَّتلمُذَ لمن يقصِدُ تحصيلَ آلَةِ الاجتهادِ على مذهبِ من هذهِ المذاهبِ لأجلِ ما وقعَ من العِنايَةِ بها مشروعٌ صحيحٌ؛ نظرًا لما يُحقِّقُ من المصالحِ العظيمَةِ في مراتِبِ العلمِ، ولا ضرُورَةَ لتسميَّتِهِ تقليدًا،

стр. 387

فإنْ كانَ في مراحِل العلمِ فلهُ بعضُ الحالِ يشبَهُ العامِّيَّ فيأخُذُ حُكمَهُ المذكُورَ آنفًا، ولهُ حالٌ يشبهُ المُجتهِدَ فيأخُذُ حُكمَهُ كذلكَ. أمَّا الانتِسابُ بسببِ التَّلقِّي إلى واحدٍ من هذهِ المذاهبِ، فشرْطُ جوازِهِ أنْ لا يقترِنَ بعصبيَّةٍ. والله تعالَى أعلمُ.