Полный текст (387 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
* شُروط صحته:
١ـ أن يسلمَ الحُكمُ من المُعارضِ.
فمفهومُ قوله ﷺ : ((وفي صَدَقةِ الغنمِ في سائمتِهَا إذا كانتْ أربعينَ إلى عِشرينَ ومئَةٍ شاةٌ)) [أخرجه البُخاريُّ] ، أن لا زكاةَ في المعلوفَةٍ، بشرطِ أن لا يكونَ الدَّليلُ ثبتَ بوجوبِ الزَّكاةِ فيهاَ.
فاستِدلالُ بعضِ المالكيَّةِ بمفهومِ قوله ﷺ : ((الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسِهَا من وليِّهَا)) أنَّ البِكرَ تُجبرُ، استِدلالٌ بالمفهومِ مع قيامِ المُعارضِ، كما أشعرَ به سِياقُ الحديثِ بتمامِهِ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: ((الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها، والبِكرُ تُستأمَرُ وإذْنُها سُكوتهَا)) [أخرجه مسلمٌ من حديث ابن عبَّاسٍ] ، بل هو كذلكَ عندَ مالكٍ في ((موطَّئهِ)) بلفظ: ((الأيِّمُ أحقُّ بنفسهَا من وليِّهَا، والبِكرُ تُستأذَنُ في نفسِهَا، وإذنُهَا صُماتُها)) ، فلو صحَّ إجبارُهَا لم يكُن لاستِئذانِها معنَى، وثبتَ من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ وغيرهِ أنَّ جاريَةً بِكرًا أتَتِ النَّبيَّ ﷺ ، فذكرتْ أنَّ أباهَا زوَّجَها وهي كارِهةٌ، فخيَّرها النَّبيُّ ﷺ [أخرجه أبوداود وغيرهُ، وهو صحيحٌ] .
وممَّا سقطَ فيه اعتبارُ المفهومِ المُعارضِ فصَّةُ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ المتقدِّمَةُ في قصرِ الصَّلاةِ.
ومن ذلكَ قولُه ﷺ : ((إنَّما الرِّبا في النَّسيئة)) [متفقٌ عليه من حديثِ أُسامَةَ بن زيدٍ، واللَّفظُ لمُسلمٍ] ، فكانَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ يحتجُّ
стр. 317
بمفهومِ هذا الحديثِ بنفيِ الرِّبا في غيرِ النَّسيئةِ وحصْرِه في النَّسيئةِ، وإنَّما خالفهُ غيرُهُ من الصَّحابةِ كأبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ وغيرِه لا في صحَّةِ إفادَةِ الحصرِ بهذهِ الصِّيغةِ، وإنَّما لثُبوتِ المُعارضِ عندَهُم عن رسول الله ﷺ ، وهو ثبوتُ تحريمٍ ربا الفضلِ.
٢ـ أن لا يكونَ خرَجَ مخرجَ الغالبِ.
فمثالُ ما سقطتْ فيه دلالةُ المفهومِ لمجيئِهِ على هذا المعنَى: قولهُ تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ، فهذا شرطٌ لا مفهومَ لهُ؛ لأنَّ الإكراهَ لا يقعُ عادةً مع الرَّعبةِ في البِغاءِ؛ إنَّما يقعُ وهُنَّ يُردْنَ العِفَّةَ، فالمَعنَى: لا يحلُّ إكراهُهُنَّ على البِغاءِ أرَدْنَ تحصُّنًا أو لم يُرِدْنَ.
وتقدَّم في (المُطلقُ والمقيَّدِ) قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نسائكم اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] ، فقولهُ: وصفٌ لكنَّهُ لا أثرَ لهُ وإنَّما خرجَ مخرَجَ الغالبِ، لأنَّ بنتَ الزَّوجةِ تكُونُ غالبًا مع أُمِّهَا.
ومن ذلكَ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] ، فلا مفهومَ لهُ في جوازِ أكلِ القليلِ من الرِّبا، وإنَّما خرجَ هذا مخرجَ الغالبِ، فإنَّ أحدَهُم كانَ يقولُ لمن لهُ عليهِ الدَّينُ: إمَّا أن تقضي وإمَّا أن تُربيَ، فإن قضَى وإلاَّ زادَهُ، حتَّى يصيرَ
стр. 318
ذلكَ أضعافًا مُضاعفَةً.
٣ـ أن لا يقصَدَ به تهويلُ الحُكمِ وتفخيمُهُ.
أن لا يقصد به تهويلُ الحكمِ وتفخيمهُ.
كقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] ، وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] ، فلا يُقالُ: لا تجبُ مُتعة الطَّلاقِ على غيرِ مُحسنٍ ولا متَّقٍ، لأنَّ الحكم في الأصلِ يتناولُ كُلَّ مكلَّفٍ، إلاَّ أنَّ مخاطبةَ المكلَّفِ بوصفِ الإحسانِ والتَّقوى تذكيرٌ له بما يجبُ عليه بمقتضَى هذينِ الوصفينِ، وفي ذلكَ تعظيمُ جانبِ الأمرِ والنَّهي وتقويةٌ للباعثِ على الامتِثالِ، ولو قيلَ لمسلمٍ: (إن كنتَ تتَّقي الله فافْعلْ كذا) ، فإنَّه لا يخفى أثرُ هذا الخطابِ في الإشارَةِ إلى عظمةِ ذلك الشَّيء المأمورِ به ورفعَةِ قدْرِه ومنزلتِه، مع ما يقترنُ به من زجرِ القُلوبِ الغافلةِ، ولا يقولُ المخاطبُ حينئذٍ: (لا يشملُني الخِطابُ، لأنِّي لستُ من المتَّقينَ بمفهُومِ اللَّفظِ؛ وإنَّما هذا خِطابٌ للمتَّقينَ خاصَّةً) .
٤ـ أن لا يكونَ مخرَجَ الجوابٍِِ على سُؤالٍ معيَّنٍ.
مثلُ قوله ﷺ : ((صلاَةُ اللَّيلِ مثنَى مثنَى)) [متفقٌ عليه] ، فهذا النَّصُّ لا مفهومَ لهُ، فلا يُقالُ: (صلاَةُ غيرِ اللَّيلِ ليسَتْ مثنَى مثْنَى) بسببِ أنَّ الحديثَ جاءَ جوابًا عن صلاَةِ اللَّيلِ خاصَّةً فلا يتعدَّاهَا
стр. 319
لإفادَةِ حكمِ غيرهَا، فعنْ عبدِالله بنِ عُمرَ ﵄: أنَّ رجلا ً سأل النَّبيَّ ﷺ وأنا بينهُ وبينَ السَّائلِ، فقالَ: يا رسول الله، كيفَ صلاةُ اللَّيلِ؟ قالَ: ((مثنَى مثنَى، فإذا خشيتَ الصُّبحَ فصلِّ ركعَةً، واجْعلْ أخرِ صلاتِكَ وِترًا)) [متفقٌ عليه] .
٥ـ أن لا يكونَ أُريدَ بهِ المُبالغَةُ.
كقوله تعالى لنبيِّه ﷺ في شأنِ المُنافقينَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ، فالعدَدُ هُنَا لا مفهومَ لهُ، إنَّمَا خرَجَ على سبيلِ المُبالغَةِ، والمعنَى: مهمَا استَغْفرتَ لهُم، وهذا مُؤيِّدٌ بحديثِ عُمرَ ﵁ قالَ: لمَّا ماتَ عبدُالله بنُ أُبيٍّ ابنُ سلُولَ دُعيَ رسول الله ﷺ ليُصلِّي عليهِ، فلمَّا قامَ رسول الله ﷺ وثَبْتُ إليهِ، فقلتُ: يا رسول الله، أتُصلِّي على ابنِ أُبيٍّ وقد قالَ يومَ كذَا: كذا وكَذا؟ قالَ: أُعَدِّدُ عليهِ قولهُ، فتبسَّم رسول الله ﷺ وقالَ: ((أخِّرْ عنِّي يا عُمرُ)) فلمَّا أكثرتُ عليه قالَ: ((إنِّي خُيِّرتُ فاختَرْتُ، لو أعلمُ أنِّي إنْ زِدْتُ على السَّبعينَ يُغفرُ لهُ لزِدتُ عليهَا)) ، قالَ: فصلَّى عليه رسول الله ﷺ ثمَّ انصرَفَ، فلم يمكُثْ إلاَّ يسيرًا حتَّى نزلتِ الآيتانِ من برَاءَةِ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى قولهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] ، قالَ: فعجِبتُ بعدُ من جُرأتِي على رسول الله ﷺ ، والله ورسُولهُ أعلمُ [أخرجهُ البخاريُّ] ، ففيهِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ ظنَّ أنَّ العَدَدَ للمُبالغَة، كما رجا
стр. 320
أن ينفعَ الاستِغفارُ لو زادَهُ على السَّبعينَ رغبةً منهُ في رحمةِ أُمَّتِه ﷺ ، كمَا يدلُّ عليهِ صرَاحَةً روايةُ عبدِالله بنِ عُمرَ ﵄ لهذه القصَّةِ، حيثُ قال فيها ﷺ : ((وسأزيدُه على السَّبعينَ)) [متفقٌ عليه] ، فلمَّا نزلتِ الآيتَانِ بعدَ ذلكَ تأكَّد الظَّنُّ بأنَّ العدَدَ كانَ للمُبالغَةِ.
٦ـ أن لا يُقصدَ بالسِّياقِ التَّنبيهُ على معنَى يصلُحُ القياسِ عليهِ بطريقِ المُسَاواةِ أو الأولويَّة.
مثلُ قوله ﷺ : ((خمسٌ من الدَّوابِّ كلُّهنَّ فاسقٌ يُقتلْنَ في الحرمِ: الغُرابُ، والحِدَأة، والعقربُ، والفأرَةُ، والكلبُ العقُورُ)) [متفقٌ عليه من حديثِ عائشةَ] ، فالعددُ هُنا لا مفهومَ لهُ وإنَّما جاء ذِكرُ هؤلاءِ الخمسِ لأذيَّتِهنَّ، وقد يوجدُ هذا المعنَى في غيرهنَّ من دوابِّ الأرضِ أو الطَّيرِ بما يُساويهنَّ في الأذيَّةِ أو يزيدُ عليهنَّ ممَّا لا يكونُ صيدًا، فيكونُ لهُ حُكمهنَّ.
فمتَى تحقَّقتْ هذه الشُّروطُ كان الاحتِجَاجُ بالمفهومِ صحيحًا معتبرًا جاريًا على أسلوبِ أهلِ اللِّسانِ، وإنَّما تُذكرُ هذه الشُّروطُ لاحتِرازَاتِ شرعيَّةٍ لا من جهَةِ اللُّغة.
* * *
стр. 321
٢ـ معرفة مقاصد التشريع
* ما هي مقاصد التشريع؟
مقاصدُ الشَّريعةِ هي الأغراضُ الَّتي لأجلِهَا شرعَ اللهُ الشَّرائعَ، وليسَ يخلُو شيءٌ شرعَهُ الله من غرضٍ أُريدَ بهِ، وما منْ شيءٍ من تلكَ الأغراضِ إلاَّ وهو عائدٌ على المُكلَّفِ بالنَّفعِ والمصلحَةِ، وذلكَ مُتحققٌّ لهُ في الدُّنيَا أوفي الآخرَةِ، أو في الدَّارينِ جميعًا، وكلُّهُ من رحمةِ الله تعالى بهِ وإرادتِهِ الخيرَ لهُ، فالَّذي خلقهُ وصوَّرهُ وشقَّ سمعَهُ وبصرَهُ أعلمُ بما يُصلحُهُ وينفعهُ، بلْ هوَ أعلمُ به حتَّى من نفسِهِ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] .
ولا يخفَى أنَّ التكليفَ لا يخلُوا من مشقَّةٍ ورادةٍ على المكلَّف بامتثالهِ، لكنَّ تلك المشقَّة محتملةٌ مقدورٌ عليها كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، ولِذا فإنَّه حينَ يصلُ به الحالُ في بلُوغِ تلك المشقَّةِ ما لا يُحتملُ فإنَّ التَّكليفَ يسقُطُ، ثمَّ إنَّ المشقَّة المقدور عليها يحتملهَا المكلَّف رجاءَ المصلحةِ الَّتي تربُو في نفعِها لهُ على تلكَ المشقَّةِ، وهذا في الحقيقةِ احتمالٌ للضَّررِ المرجوحِ لتحصيلِ المنفعةِ الرَّاجحة.
وتأمَّل مثالَهُ في قوله عزَّوجلَّ في فرضِ الجهادِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ
стр. 322
الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] ، وقوله في ذلكَ أيضًا: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤] .
والمقصودُ أنَّ جميعَ شرائعِ الدِّينِ إنَّما أريدَ بها منفعَةُ المكلَّفينَ، وهذا ظاهرٌ مُدركٌ في حِكَمِ التَّشريعِ وعِلل الشَّرائعِ وموافقةِ جميعهَا للعُقولِ المستقيمَة الجاريَةِ على نسقِ العدْلِ.
ومن حاصلِ ذلكَ إدراكُ حقيقتينِ عظيمتينِ:
الأولى: أنَّ شرائعَ الله عزَّوجلَّ كلَّهَا حكمَةٌ وعدلٌ، ليسَ منها شيءٌ خارجٌ عن ذلكَ، خلافًا لمن يظنُّ من الخارجيْن عن الملَّةِ أنَّ في شريعَةِ الإسلامِ ما هوَ خارجٌ عنِ العدلِ والحكمَةِ، فإنَّ ذلك منهم لِضيقِ عُقولهِم عن فهمِ مُرادِالله تعالى مع ظُهورِهِ والكُفرُ أو النِّفاقُ حجابٌ عظيمٌ دونَ إدراكِ الحقِّ.
والثَّانيَةُ: أنَّ شرائعَ الدِّينِ كاملَةٌ لا تقبلُ الاستِدراكُ ولا الزِّيادَةَ، ولقدْ كانَ من آخرِ ما أنزل الله تعالى على نبيِّه ﷺ من الوحيِ قولُه: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
стр. 323
وهذا شاملٌ لما يتَّصلُ بالعبادَاتِ أو المُعاملاتِ وسائرِ التَّصرٌّفاتِ، فإنَّ الدِّين لفظٌ يعُمُّ جميع شرائع الإسلامِ.
وقد علمنَا ممَّا تقدَّم في (أدلَّة الأحكامِ) أنَّ جيمعَ الأدلَّة (ومنها الاجتهاديَّة) راجعةٌ إلى الوحيِ، إذْ طريقُ الاجتهادِ ليسَ هو بمحضِ العُقولِ الَّتي قد تصيرُ بأصحابهَا إلى اتِّباعِ الهوَى، وإنَّما هو بأُصولِ الشَّريعَةِ نفسِهَا، فليسَ من شيءٍ يصحُّ أن يُنسبَ إلى شريعَةِ الإسلامِ إلاَّ وعليهِ دلالةٌ من نفسِ أدلَّةِ الشَّريعةِ.
فإذا كانتِ الغَايَةُ في التَّشريعِ تحقيقَ مصالحِ العبادِ فيجبُ الاعتَقادُ بأنَّه مُستوعبٌ لأحكامِ جميعِ تلكَ المصالحِ: ما يوجِدُها ويُحصِّلُها، وما يحمِيهَا ويُديمُها.
* أنواع المصالح المقصودة بالتشريع:
من أعظمِ ما يجبُ على الفقيهِ معرفتُهُ إدراكُ ما ترجعُ إليهِ المصالحُ الَّتي جاءتْ جميعُ شرائعِ الإسلامِ لتحقيقهَا، وذلكَ لأمرينِ:
الأوَّل: معرفَةُ الوجوهِ الَّتي وردَ عليها التَّشريعُ من الحِكمِ والمعانِي، للإبانَةِ عنها وتبصيرِ الخلقِ بها، وذلك بإظهارِ محاسنِ هذه الشَِّريعَةِ العظيمَةِ ومزاياهَا وصلاحيَّةِ أحكامِها لجميعِ الأزمنَةِ والأمكنَةِ، وإقامةِ الحجَّة على أنَّها القانُونُ الَّذي يجبُ أن يسودَ، والميزانُ الَّذي يجبُ أن يُنصبَ، والعدلُ الَّذي يجبُ أن يُقامَ، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ
стр. 324
حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] .
الثَّاني: مراعاتُها عندَ الاستِنباطِ والنَّظرِ في المُستجِدَّاتِ والحوادِثِ فيما طريقُه الاجتِهاد، لأنَّ القصدَ إلى مُوافقَةِ الحقِّ لا يُمكنُ من غيرِ اعتبار نوعِ مُطابَقَةِ في ذلكَ الاجتِهادِ لحُكمِ الله عزَّوجلَّ، وتلكَ المُطابقَةُ ليسَتْ بمجرَّدِ الألفاظِ، بلْ بالمعاني الَّتي لم تُستعملِ الألفاظُ في الحقيقَةِ إلاَّ للإبانَةِ عنهَا، وتلكَ المعانِي هيَ حِكَمُ التَّشريعِ، وهيَ عِللُ الأحكامِ، وهيَ مصالحُ العِبادِ.
وجملَةُ ما ترجعُ إليهِ المصالحُ ثلاثةُ أنواعٍ لا رابعَ لهاَ تقدَّم ذكرُها موجزَةً في (دليلِ المصلحة المُرسلة) وهذا مقامُ بيانِهَا فهيَ:
١ـ الضَّروريَّات:
وهيَ كلُّ أمرٍ لا بدَّ منهُ القِيامِ مصالحَ الدِّينِ والدُّنيَا، بحيثُ إذا فُقِدَ لم تجرِ مصالحُ الدُّنيَا على استِقامَةٍ، بلْ على فسادٍ وهلاكٍ وفي الآخرَةِ على خِزيٍ ونَدامَةٍ وخُسرانٍ مُبينٍ.
وتلكَ الضَّروراتُ خمسٌ: الدِّينُ، والنَّفسُ، والعقلُ، والمالُ، والعِرضُ.
وجاءتِ الشَّريعَةُ لحِفظِهَا بأمريْنِ:
الأوَّلُ: ما يُقيمُ أركَانَهَا ويُثبِّتُ قواعِدَهَا.
والثَّاني: ما يدْرأُ عنها الاختلالَ الواقعَ أو المُتوقَّعَ.
стр. 325
وعليهِ فشرَعَتْ:
[١] لحفظِ الدِّينِ: فرضَ الإيمانِ والتَّوحيدِ، والصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والصِّيامِ، والحجِّ، وما أشبه ذلكَ، وفرضتِ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المُنكرِ والجِهادَ ليكونَ الدِّينُ للهِ، ويُقابلُ ذلك تحريمُ الكُفرِ، وتركِ الشَّرائعٍ المذكورَةِ، والزِّيادَة في الدِّينِ بالابتِداعِ فيه بما لا يرجعُ إلى أصلٍ في الشَّرعِ، وإيجابِ قتلِ المُرتدِّ والمُحاربِ.
بلْ أكَّدتِ الشَّريعَةُ حفظَ الدِّينِ بما يزيدُ في الثَّباتِ عليهِ من مُكمِّلاتِ الضَّرورَةِ، فضرُورَةُ الإيمانِ شرعَ لهَا ما يزيدُها تثبيتًا بكثرَةِ الذِكرِ كتسبِيحِ وتهليلٍ وتحميدٍ واستِغفارٍ، وضرُروةُ الصَّلاة شرعَ لهَا من مكمِّلاتِ حفظِها شعيرَةَ الأذانِ لإظْهارِهَا، وصلاةَ الجَمَاعةِ، وهكذَا.
ولا يخفَبى أنَّ حفظَ الدِّين هو حفظُ سببِ العزَّةِ في الدُّنيَا، والفلاَحِ في الآخرَةِ.
[٢] لحفظِ النَّفسِ: شرعَتِ الزَّواجَ لحفظِ هذا النَّوعِ وتكثيرِهِ بالتَّناسُلِ، وأباحَتِ الأطعِمَةَ والأشرِبَةَ والألبِسَةَ والمسَاكِنَ، وما بهِ قيامُ الحياةِ من الأسبابِ ودوامُها، وحرَّمتْ ما يفْتِكُ بالنَّفسِ، كتعاطي السُّموم القاتِلَةِ، ومن ذلكَ تحريمُ قتلِ النَّفسِ بالانتِحارِ، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، وما يُضْعِفُها كتعاطِي أو
стр. 326
تركِ ما يقعُ بتعاطيهِ أو تركِهِ الأمراضُ والأسقامُ، كما شرَعَتِ القِصاصَ من القاتلِ، وقد قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، وحرِّمتِ الاعتِداءَ على الغَيرِ في نفسِه أو بعضِ أعضائِهِ بغيرِ حقٍّ، كما شرَعتْ أحكامَ الدِّياتِ عُقوبَاتٍ للمخالفينَ في ذلكَ.
وشرعتْ تكميلاً لحفظِ هذه الضَِّروروةِ منع ما يحولُ دونَ تحقيقِ حفظهَا على أتمِّ وجهٍ، فلذَا أوجبتِ التَّماثُلَ في القتلَى، منعًا للتَّذرُّع في حالةِ عدمِ التَّماثُلِ بين القاتِلِ والمقتُولِ إلى تكرُّرِ الاعتِداءِ الَّذي من أجلِ إبطالِه وجبَ القِصاصُ.
والنَّفسُ سببُ الدَّوامِ والبقاءِ إلى أن يرثَ الله الأرضَ ومن عليهَا.
[٣] لحفظِ العقلِ: إباحَةَ الأسبابِ الَّتي يدومُ بها ويبقى ببقاءِ الإنسانِ مستعملاً له فيما يعودُ عليهِ بالنَّفعِ في الدُّنيَا والآخرَةِ، وتحريمَ ما كانَ سببًا في إزالتِهِ أو إضعَافِه ممَّا للمكلَّفِ فيهِ اختيارٌ، كإزالتِه بتعاطي المُسكرَاتِ، وأوجبَتِ العُقوبةَ فيهَا.
وكذلكَ منعَتْ شُربَ القليلِ من الخمرِ وإنْ لم يُسكِر تتْميمًا في حفظِ هذهِ الضَّرورَةِ، وذلكَ سَدًّا للذَّريعَةِ.
والعقلُ سببُ التَّكليفِ وأساسُه، كما أنَّه سببُ للعدْلِ في جميعِ التَّصرُّفاتِ.
стр. 327
[٤] لحفظِ المالِ: أباح أسبابَ إنمائِه على وُجوهٍ تُحقِّقُ فيه وحرَّم الاعتِداءَ عليهِ بالإتلافِ، أو أكلَهُ بالباطلِ، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] ، ومن ذلكَ أكلُه بالرِّبا، كما حرَّم سرِقتَهُ أو غضبَهُ، وأوجبَ قطعَ يدِ السَّارِقِ، وحرَّم تبذيرَهُ في غيرِ وُجوهِهِ.
والمالُ سببُ قيامِ الحياةِ، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] .
[٥] لحفظِ العِرضِ: دلَّت على أسبابِ وِقايتِه من معاطِب الزِّنا والفُجورِ مُبيِّنَةً خطورةَ تلكَ المعاطِب في تدميرِه وإفسادِه، ومن هذا جاء تحريمُ الزِّنا، وإيجابُ الحدِّ فيه وِقايةً للنَّسلِ، وإيجابُه بالقذفِ على القاذِفِ المُتطاولِ على الأعراضِ البريئَةِ.
والعرضُ سببٌ في تماسُكِ المُجتمعِ المُسلمِ وأُلفتِه وطهارَتِهِ.
٢ـ الحاجيَّات:
وهيَ كُلُّ أمرٍ يحتاجُ إليهِ النَّاسُ لرفعِ الحرَجِ عنهُم، وليسَ بفواتِه فواتُ ضرُوريٍّ لهُم، لكنْ يقعُ بفواتِهِ العُسرُ والضِّيقُ بما يشُقُّ على المُكلَّف احتمَالُه.
ومن مباديءِ هذه الشَّريعةِ أنَّها جاءتْ بالتَّيسيرِ ورفعِ الحرجِ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
стр. 328
وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] ، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] .
ومن أمثلَةِ ماشرعتْهُ لتحقيقِ هذا النَّوعِ من المصالحِ:
[١] في العباداتِ: شرعتِ الرُّخصَ المُخفَّفةَ، كالمسحِ على الخُفَّينِ، وتركِ القيامِ في الصَّلاةِ للمسافرِ، والجمعِ بين الصَّلاتينِ للحاجَةِ، وإسقاطِ الصَّلاةِ عن الحائضِ والنُّفساءِ، والفِطرِ للمسافرِ والمريضِ، ورميِ الجِمارِ عن النِّساءِ والضَّعفَةِ، وغير ذلك ممَّا شُرع للتَّخفيفِ في العبادَاتِ.
[٢] في العادَاتِ: شرعَتِ إباحَةَ التَّمتُّع بالطَّيِّباتِ من غيرِ إسرافٍ أو خُيلاءَ؛ في المطاعِم والمشارِبِ والملابِس والمراكِبِ والمساكِن وسائرِ المنافعِ، وأباحتِ الصَّيدَ والتَّنزُّه واللَّهوَ ترويحًا للنَّفسِ ودفعًا لمللِها وسآمتِها، بشرطِ أن لا يُعارضَ ضروريًّا.
[٣] في المُعاملاتِ: رخَّصت في أنواعِ من العُقودِ استِثناءً من القواعدِ العامَّةِ، كإباحةِ بيع السَّلمِ والاستِصناعِ، وهُما من قبيلِ بيعِ الإنسانِ ما ليسَ عندَهُ، وإنَّما رُخِّصَ فيهما بشرُوطٍ معيَّنَةٍ للحاجَةِ، كما أباحتِ الطَّلاقَ والخُلعَ لإنهاءِ عقدِ الزَّوجيّضةِ دفعًا للحرَجِ والضَّررِ في عِشرَةٍ غير مرغُوبةٍ.
стр. 329
[٤] في العقوباتِ: شرَعَتْ (درءَ الحُدودِ بالشُّبُهاتِ) ، وجعلَ الدِّيَّةِ على عاقِلِه القاتِل في قتلِ الخطإِ.
٣ـ التَّحسينيَّات:
وهيَ الأخذُ بمحاسنِ العادَاتِ والأخلاقِ، وتجنُّبُ مساوئِها.
وهذا بابٌ جاءتِ الشَّريعةُ فيه بأكملِ المعاني وأتمِّهَا، ولمَّا كانت العقُولُ الرَّاجِحةُ تُجبلُ على كثيرٍ من تلكَ الخِصالِ بطَبْعِها جاء قَانُونُ شريعةِ الإسلامِ فيها بإقرارِ ما كانَ عليها النَّاسُ منها قبلَ الإسلامِ، غيرَ أنَّه أجرَى عليها التَّعديلَ والتَّحسينَ والتَّهذيبَ بما جعلَتْها تندرجُ تحتَ موادِّ هذا القانونِ العظيمِ على أتمِّ ما يجبُ أن تكونَ عليهِ.
وفي هذا يقولُ النَّبيُّ ﷺ : ((إنَّما بُعثتُ لأُتمِّمَ صالحَ الأخلاقِ)) [حديثٌ صحيحٌ رواهُ أحمدُ وغيرُه] ، كما قال الله عزَّوجلَّ: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
ومن أمثلةِ ماجاءتْ بهِ الشَّريعَةُ لتَّحقيقِ هذا النَّوعِ من المصالحِ:
[١] في العبادَاتِ: شرَعَتْ إزَالَةَ النَّجاسَةِ عن الثَّوبِ والبَدنِ، وسترَ العورَةِ، وأخذ الزِّينةِ، والتَّطوُّعاتِ في الصَّلاة والصِّيامِ والصَّدقةِ، وسُننَ الطَّهاراتِ والصَّلواتِ وآدابِها، ونحوَ ذلكَ ممَّا يحسُنُ ويجمُلُ.
[٢] في العادَاتِ: شرَعتْ أدَبَ الأكلِ والشُّربِ والملبسِ، وتركَ
стр. 330
أكلِ النَّجاساتِ وشُربها، وتوقيرَ الكبيرِ، ومُلاطفَةَ الأطفالِ، وتركَ اختِلاطِ الرِّجالِ والنِّساءِ لغيرِ حاجةٍ، وتركَ الخَلوَةِ بالأجنبيَّاتِ، والتَّحيَّة وآدابها، وطلاقَةَ الوجهِ عندَ اللِّقاءِ، وإماطًَةِ الأذى عنِ الطَّريقِ.
[٣] في المُعاملاتِ: شَرعَتْ منعَ بيعِ الميتَةِ والخِنزيرِ، ونهَتِ المرأةَ أنْ تُزوِّج نفسَهَا، ومنعَتْ بيع َ الرَّجلِ على بيعِ أخيهِ، وخُطبتَهُ على خِطبَةِ أخيهِ، ومنعتِ الغِشَّ والخديعَةَ في البيعِ وسائرِ المُعاملاَتِ.
[٤] في العُقوباتِ: شرَعتْ منعَ قتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ في الجهادِ، كما حرَّمتِ المُثْلَةَ والغَْدْرَ.
* ترتيب المصالح:
أنواعُ المصالحِ الثَّلاثِ لا يخفَى تفاوُتُ درجاتِهَا بحسبِ أهميَّتِهَا وهي على ما سبقَ ترتيبُها عليهِ:
الضَّروريَّاتُ، فالحاجيَّاتُ، فالتَّحسيناتُ.
ومُراعَاةُ هذا التَّرتيبِ في غايةِ الأهميَّةِ للفقيهِ، فإنَّ النَّظرَ في المسائلِ يجبُ أن يُقاسَ بما تتَّصلُ به من هذه المصالحِ، فما كانَ لهُ صِلَةٌ بالضَّروراتِ الخمسِ ينبني عليهِ تحصيلُهَا وحِمايتُهَا فلهُ المقامُ الأوَّلُ في الاعتبارِ، وإنْ تعلَّقتْ بأمرٍ حاجِّيٍّ كعُسرِ امتِثالِ على المُكلَّفِ صحَّ
стр. 331
اعتِبارُه إذا لم يبْطُل بهِ ضرورِيٌّ من الخمسِ، وإن تعلَّق بأدبٍ كانَ الشَّرطُ لاعتِبارِهِ أن لا يبطُلَ ضرُوريًّا ولا يورِدَ حرجًا وعُسرًا، ويُلاحظُ أنَّ الحاجيَّاتِ والتَّحسيناتِ كالمُتمِّماتِ للضَّروريَّاتِ.
والضَّروراتُ الخمسُ متَفاوِتَةٌ فيما بينهَا في قوَّةِ الضَّرورَةِ، فحفظُ الدِّين يُسترخصُ لأجلِهِ النَّفسُ والمالُ، وحفظُ النَّفسِ مُقدَّمٌ على حفظِ المالِ، فإنَّها تُفتَدَى بالمالِ، والمالُ يُمكنُ استِدراكُ ما يفوتُ منهُ بخلافِ النَّفسِ، وحفظُ العِرضِ بالعِفَّةِ من الزِّنا يُفتَدى بالمالِ، بلْ بالنَّفسِ، وحفظُ العقلِ يُغتفرُ فيهِ ما لا يُغْتفرُ في غيرِهِ من الضَّروريَّاتِ بالعُذرِ.
ودرجاتُ ذلكَ مُتفاوتَةٌ باعتباراتٍ تُدركُ من أحكامِ الإكراهِ، وحالِ الضَّرورَةِ.
والتَّحقيقُ أنَّ ترتيبَ الضَّروريَّاتِ ليسَ لهُ قانونٌ واضحٌ يُعوَّلُ عليهِ، وهيَ كما أشرْتُ تتفاوتُ باعتبارَاتِ، فلذَا لا يندرجُ ترتيبُها ضمنَ أُصولِ المقاصِدِ، وإنَّما التَّرتيبُ صحيحٌ في ترتيبِ المصالحِ من حيثُ الجُملَةُ.
* القواعد المبنيَّة على مراعاة مقاصد التشريع:
بمُراعاةِ مقاصدِ التَّشريعِ المتقدِّمَةِ اسْتفيدَتْ جُملَةٌ من القواعِدِ والضَّوابطِ العامَّةِ ممَّا يتحقَّقُ به نفُ المُكلَّفِ، وهي في الحقيقةِ قواعدُ
стр. 332
فقهيَّةٌ عامَّةٌ تُساعدُ الفقيهَ على الاستِدلالِ والتَّرجيحِ بينَ المَصالحِ، من أهمِّهَا:
١ـ (الضَّرَرُ يُزالُ) .
وهذهِ قاعِدَةٌ عامَّةٌ يندرجُ تحتَهَا فروعٌ كثيرةٌ، منهَا: استِحقاقُ التَّعويضِ للغيرِ عندَ إتلافِ مالهِ، وثبُوتُ حقِّ الشُّفعةِ للشَّريكِ أو الجارِ، ووُجوبُ الوِقايَةِ من الأمراضِ، ومُعاقبَةُ المُجرمينَ بالحُدودِ أو التَّعازيرِ.
٢ـ (يُدفعُ الضَّررُ العامُّ بتحمُّل الضَّررِ الخاصِّ) .
ويُمكنُ التَّعبيرُ عن هذه القاعِدَةِ بصيغَةٍ أُخرَى، هيَ: (اعتبارُ المصلحَةِ العامَّةِ مُقدَّمٌ على اعتبارِ المصلحَةِ الخاصَّةِ) .
ومن فُروعهَا: القصاصُ من القاتلِ لحفظِ حياةِ النَّاسِ من التَّهاوُنِ في الاعتِداءِ عليهَا، وقطعُ يدِ السَّارقِ لحفظِ أموالِ النَّاسِ من مدِّ الأيدِي إليهَا، وجلدُ القاذِفِ لقطعِ الألسِنَةِ دُونَ قذْفِ المُحصناتِ، وتدخلُ الدَّولةِ في تسعيرِ السِّلعِ عندَ الغلاءِ بفعلِ التُّجَّارِ ممَّا يضرُّ بالنَّاسِ، وإجبارُ التَّاجرِ المُحتكرِ على البيعِ لحاجَةِ النَّاسِ.
٣ـ (يُرتكبُ أخفُّ الضَّررَينِ لاتِّقاءِ أشدِّهِمَا) .
ومن فُروعِهَا: صلاَةُ فاقدِ الطَّهورينِ الماءِ والتُّرابِ أوا لعاجزِ عن استِعمالِهَا بغيرِ طهارَةٍ، والنِّكاحُ وإنجابُ الأطفالِ في بيئةٍ قدْ كثُر فيهَا
стр. 333
الحرامُ والشُّبُهاتُ في المكاسِب وقلَّ الحلالُ وندرَ فلا تُتركُ ضرُورَةُ حفظِ النَّفسِ بالنِّكاحِ والنَّسلِ لأجلِ وُرودِ تلكَ المفسَدَةِ، وكونُ الإنسانِ بينَ اختيَاريْنِ: طلبِ العِلمِ في موضعٍ يرَى فيها المُنكرَ ويسكُتُ، أو تركِ ذلكَ والبقاءِ على الجهلِ والأميَّةِ، فالأوَّل مقدَّمٌ في الاختيارِ، فإنَّ طلبَ العلمِ من ضرورَةِ حفظِ الدِّينِ، والسُّكوتَ عن إنكارِ المُنكرِ فيه رُخصَةٌ في أحوالٍِ، ومنها الوُقوعُ في الكذبِ لحمَايَةِ مسلمٍ من الأذَى، وكِتمانُ الإسلامِ أو تركُ إظهارِ التَّديُّن لوِقايَةِ النَّفسِ أوِ الأهلِ أو المالِ من الأذَى.
٤ـ (الضَّروراتُ تُبيحُ المحظُوراتِ) .
وفُروعُها لا تنتهي، وهيَ قاعدَةٌ عظيمَةٌ يُستباحُ بها الحرامُ لعُسرِ احتمالِ المُكلَّفِ عُسرًا يوردُ عليهِ من الضَّررِ ما لا يقدِرُ عليهِ، ومنْ فروعِ هذا: إباحَةُ الميتَةِ والخِنزيرِ والخمر وغيرِهَا لمن لا يجدُ بُدًّا من أخذِهَا.
وفهمُ هذه القاعِدَةِ يحتاجُ إلى تصوُّرِ قدْرِ الضَّررَينِ: الضَّررِ الوارِدِ، معَ ضررِ مُواقعَةِ الحرامِ، وهذهِ تحتاجُ إلى تأمُّلٍ شديدٍ من قِبلِ الفقيهِ، فأيُّ الجانبينِ كانَ أرجحَ فالحُكمُ لهُ.
ولنضْربْ له مثالاً: إنسانٌ وقعَتْ عليهِ غرامَةٌ ماليَّةٌ، وهوَ مُخيَّرٌ بين السَّدادِ وبينَ السَّجنِ، فنظرَ فلم يجِدْ سبيلاً للسَّدادِ إلاَّ قرضًا بالرِّبا،
стр. 334
فتقديرُ ضرورتِه أو حاجتِهِ يعودُ إلى ترجيحِ أخفِّ المفسدَتينِ، فنظرَ فوجَد في السِّجنِ بلاءً يخافُ منهُ على دينِه من خِلطَةِ السُّفهاء، أو على زوجةٍ أو ذُرِّيَةٍ يخافُ ضياعَهُم من بعدِهِ، أو نحوِ ذلكَ من الأسبابِ، ونظرَ فيما يُقابلُ ذلكَ، فوجَدَ المفسَدَةَ في قرضِ الرِّبا غايتَهَا أن يُعينَ آكل الرِّبا على معصيَةِ الله، وبِتركِهِ الافتِراضِ منهُ فإنَّه لا يزجُرُه عن تلكَ المعصيَّةِ، فجانبُ الفسادِ في أكلِ الرِّبا باقٍ في حالِ اقتراضِه أو عدَمِهِ، فيظهرُ لهُ من ذلكَ ترجيحُ ارتِكابِ أخفِّ المفسدَتينِ، أمَّا جانبُ المظلمَةِ الَّلاحقِ لهُ في أخذِ الرِّبا منهُ فالمكلَّفُ صاحبُ الحقِّ في التَّنازُلِ عن مظلمتِه، وإنَّما الاعتبارُ لحقِّ الشَّرعِ، وهوَ في نظرِهِ قد قابلَ ضررًا أبلغ.
فإنْ قيلَ: خوفُ المفسَدَةِ كيفَ يُساوي المفسَدَة؟ فالجوابُ: أنَّ خوفَ المفسَدَةِ يكونُ لهُ حُكمُها في هذا البابِ وبابِ الإكراهِ إذا كانَ خوفًا راجِحًا قد عُلمَ رُجحانُهُ بالقرائنِ.
٥ـ (الضَّروراتُ تُقدَّرُ بقَدرِهَا) .
هذه القاعِدَةُ كالقيدِ للَّتي قبلَهَا، والمقصودُ بهَا: أن يُكتفى في استباحَةِ المُحرَّمِ للضَّرورةِ بالقدرِ الَّذي دفعَتْ إليهِ الضَّرورةُ من غيرِ مُجاوزَةٍ، لقولهِ تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
стр. 335
ففي المثال المتقدِّم لا يحلُّ لهُ أن يقترضَ إلاَّ بمقدارِ غرامَتِه الَّتي عجزَ عن جميعِهَا، فإذا قدرَ على بعضِهَا وعجزَ عن بعضٍ، فيقتصرُ من القرضِ على القَدْرِ الَّذي ينقصُ عمَّا عِندَهُ.
وكذلكَ تُفيدُ القاعِدَةُ أنَّ الإذنَ باقٍ ما بقيَ العُذرُ، زائلٌ بزوالِهِ.
٦ـ (المشقَّةُ تجلبُ التَّسيرَ) .
وهذه تعودُ إلى أصلِ رفعِ الحرجِ، وإليهِ ترجعُ مصالحُ (الحاجيَّات) ، ويندرجُ تحتهُ الرُّخصُ الَّتي شُرعتْ تخفيفًا على العبادِ.
وقد سبقَ في (أقسامِ الحُكمِ الوضعِيِّ) بيانُ أسبابِ الرُّخصِ وبعضِ أمثلتِهَا.
٧ـ (إذا ضاقَ الأمرُ اتَّسعَ) .
والمعنَى: إذا ظهرَتْ فيه المشقَّةُ الَّتي لاتُحتملُ إلاَّ بالضَّررِ الرَّاجحِ فإنَّه يُرخَّصُ فيه ويُوسَّعُ.
وهذه القاعدَةُ من بابِ الَّتي قبلَهَا.
٨ـ (إذا اختلفَ عليكَ أمرانِ فإنَّ أيسرَهُمَا أقربُ إلى الحقِّ) .
المقصودُ بذلك ما وقعَ فيه خفاءُ الحُكمِ شرعًا في الأمرينِ، والقاعدَةُ جاءتْ على اعتبارِ أنَّ الأصلَ في الشَّرائعِ السُّهولَةُ واليُسرُ ورفعُ الضِّيقِ والعنَتِ.
стр. 336
ولقدْ صحَّ عن عائشةَ ﵂ قالتْ: ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمريْنِ إلاَّ أخَذَ أيسرَهُمَا ما لم يكُن إثمًا، فإنْ كانَ إثمًا كانَ أبعدَ النَّاسِ منهُ [متفقٌ عليه] .
فإذا كانَ الأمرانِ ليسَ فيهمَا حكمٌ في الشَّرعِ وتردَّدَ فيهمَا نظرُ الفقيهِ ألحقَهُمَا بالأصلِ، وهوَ عدمُ الإثمِ، ثمَّ يُرجِّحُ الأخذَ بأيسرِهمَا بناءً على الأصلِ في قواعدِ الشَّرعِ، وهديِ النَّبيِّ ﷺ .
وليسَ هذا فيماَ يقوَى فيه جانبُ الشُّبهَةِ، فإنَّ ما كانَ كذلكَ فطريقُ الفقيهِ فيه الإمساكُ عن إبداءِ الرَّأي، إذْ لا يصحُّ أن يُفتى بمُقتضَى الشُّبهةِ لأنَّها ليستْ حكمًا، وأمَّا في نفسهِ فيترُكُ الشُّبهاتِ ورعًا ما وجَدَ إلى ذلكَ سبيلاً.
* منافاة البدعة لمقاصد التشريع:
استيعابُ الشَّريعةِ للأحكامِ، ومجيءُ جميعِ تلكَ الأحكامِ على العدلِ والحقِّ، معَ قصدِ التَّيسيرِ ورفعِ الحرَجِ، يُنافي الزِّيادَةَ عليهَا والاستِدراكَ.
وما يُستفادُ من الأحكامِ للمستجدَّاتِ بطريقِ القياسِ الصَّحيحِ أو المصالحِ المُرسلَةِ أوِ الاستِصحابِ راجعٌ إلى تلكَ الأحكامِ، وهوَ منها ليسَ بخارجٍ عنهَا، ومُتناسبٌ مع مقاصدِ هذه الشَّريعةِ لتحقيقِ
стр. 337
مصلحَةِ المُكلَّفِ ورفعِ الحرجِ عنهُ.
وهذا بخلافِ البِدعةِ، فإنَّها: إحداثُ اعتقادٍ أو حكمٍ ليسَ لهُ مثالٌ سابقٌ.
وإن قارنتَ هذا بأدلَّةِ الأحكامِ الاجتهاديَّة، وجدْتهَا تُفارقُه:
فالقياسُ: إنَّما هو قياسٌ على النَّصِّ، فهوَ على مثالٍ سابقٍ، ثمَّ إنَّه يمتنعُ تصوُّرهُ في العقائدِ والعبادَاتِ المحضَة، لعدَمِ إدراكِ عللهَا، وعُمدَةُ القياسِ على عللِ الأحكامِ.
والمصلحةُ المُرسلةُ: إنَّما هي اعتبارٌ لمقاصدِ الشَّرعِ في حفظِ الضَّروراتِ ورفعِ الحرجِ، فهي صورةٌ من القياسِ على مثالٍ سابقٍ، وهي غيرُ واردةٍ إلاَّ في أمرٍ فيه مجالٌ للنَّظرِ، ولايُمكنُ ذلكَ إلاَّ بإدراكِ المعاني والعِللِ والمُناسباتِ، وهذا ممتنعٌ في عقيدةٍ أو عبادَةٍ محضةٍ، فالعقيدَةُ خبرٌ الله تعالى أو رسولهِ ﷺ عنهُ فيما لا يحيطُ به العبادُ علمًا إلاَّ عن طريقِ الخبرِ، وأمَّا العبادَاتُ المحضةُ فشيءٌ قُصدَ به الابتلاءُ، والله عزَّوجلَّ راعى برحمتِه قُدُراتِ المُكلَّفينَ، وما جعلَ الصَّلاةَ من خمسينَ في العدَدِ في اليومِ واللَّيلَة إلى خمسٍ إلاَّ تيسيرًا على العبادِ وتخفيفًا لذلكَ الابتِلاءِ، وما جاءتْ الرُّخصُ في العبادَاتِ إلاَّ لهذا المعنى، والمصالحُ يقصدُ بها نفعُ المكلّفينَ بالتَّخفيفِ والتَّيسير ورفعِ الحرجِ، فكيفَ يصحُّ تصوُّرُ إثباتِ عبادَةٍ زائدَةٍ لم يأتِ بها التَّشريعُ أنَّها
стр. 338
تُحقِّقُ مقصدَ الشَّرعِ في نفعِ المُكلَّفينَ، مع أنَّ ألأصلَ في زيادَةِ التَّكليفِ الحرجُ؟
والاستصحابُ: استمرارُ العملِ بالدَّليلِ الثَّابتِ من الشَّرعِ لعدمِ وُرودِ ما يُغيِّرُه، فالحُكمُ فيه في الحقيقةِ حكمُ النَّصِّ.
وسائرُ أدلَّةِ إثباتِ الأحكامِ إنَّما هي النُّصوصُ من الكتابِ والسُّنَّةِ.
فأينَ موقعُ البِدعَةِ منها إذًا لإثباتِ عقيدَةٍ أو حُكمٍ؟
ولهذا حكمَ النَّبيُّ ﷺ بإبطالِ جميعِ البِدعِ، وينبغي أن لا يُفرَّق بعدَ ذلكَ بين بدْعةٍ وبدْعةٍ، فإنَّ صاحبَ الشَّريعةِ لم يستثنِ منها شيئًا.
وفي ذلكَ قوله ﷺ : ((من أحدثَ في أمرنَا هذا ما ليسَ منهُ فهوَ رّدٌّ)) [متفقٌ عليه من حديث عائشةَ] وفي روايةٍ: ((من عملَ عملاً ليس عليهِ أمرُنا فهو ردٌّ)) [أخرجه مسلمٌ] .
وقوله ﷺ في خُطبتِهِ: ((أمَّا بعدُ، فإنَّ خيرالحديثِ كتابُ الله، وخيرَالهديِ هديُ محمَّدٍ، وشرَّالأمورِ مُحدثاتها، وكلَّ بدعةٍ ضلالَةٍ)) [أخرجه مسلمٌ عن جابرِ بن عبد الله] .
وإنَّما يقعُ الغلطُ في تصوُّرِ البِدعِ ومعناهَا، وما يدخلُ فيها وما يخرجُ منها بِسببِ تعريفاتٍ ضعيفةٍ ليستْ مُوافقةً في الحقيقةِ لمُرادِ الشَّارعِ بها، فهذا يقولُ: البِدعُ أقسامٌ منها المقبولُ ومنها المردُودُ، ومنهَا الحسنُ ومنهَا القبيحُ، ومنهُم من قسَّمهَا خمسةَ أقسامٍ على الأحكامِ
стр. 339
التَّكليفيَّة الخمسة، فقالَ: البِدعُ: واجبٌ، ومندوبٌ، ومُحرَّمٌ، ومكروهٌ، ومباحٌ، ومنهم من قال: هي حقيقةٌ وإضافيَّةٌ، إلى غير ذلكَ.
وربَّما شوَّس في إدراكِ معنى البِدعةِ: التَّوسُّع في إلحاقِ صورٍ كثيرةٍ بالبِدعِ، وكثيرٌ منها من قبيلِ المصالحِ المُرسلَةِ كصلاةِ التَّراويحِ على إمامٍ واحدٍ بعد العشاءِ، والأذانِ العُثمانيِّ، وجمعِ المُصحفِ، وتقنينِ العُلومِ، أو ممَّا يلحقُ بدليلِ الاستصحابِ كقاعِدَة (الأصلِ في الأشياءِ الإباحَة) كصُورٍ كثيرةٍ من العُرفِ، مثلِ الزِّيادَةِ في التَّحيَّةِ على لفظِ السَّلامِ، والتَّهنيئةِ بالعيدِ، ومنهَا ما يوجدُ علىخلافٍ صُورَةٍ لم تكُن عليها العادَةُ النَّبويَّةُ، كالأذانِ بين يدَي الإمامِ، والزِّيادَةِ في المنبرِ على ثلاثِ درجاتٍ، ونحو ذلكَ.
وهذه الصُّورُ في الحقيقةِ إلحاقُها بالبِدعِ خطأٌ، لأنَّها جميعًا تعودُ إلى أصولٍ صحيحةٍ في الشَّرعِ، وليسَ منها ما هو من قبيلِ الاعتقادِ أو العبادَةِ المحضَةِ.
ولا يصحُّ التَّشويشُ بقولِ عُمرَ ﵁ في شأنِ صلاةِ التَّراويحِ: ((نِعمَ البِدعَةُ هذه)) ، فإنَّه لا يُستقبحُ لفظُ (البِدعةِ) لِذاتِه، وإنَّما العبرَةُ بمعناهُ، والَّذي وقعَ من عُمر ﵁ جميعُه لهُ أصلٌ في الشَّرعِ، فإنَّ من تأمَّل القصَّةَ الَّتي قال فيها عُمرُ ذلكَ وجدَهَا بيِّنَةً في أنه أرادَ تقديمَ صلاةِ التَّروايحِ بعد صلاَةِ العشاءِ، فهذا لم يفعلْهُ رسولُ
стр. 340
الله ﷺ بالنَّاسِ في عهدِه، إنَّما خرجَ فصلَّى بهِم بعضَ اللَّيالي من آخرِ اللَّيلِ، وهذا الَّذي أحدثهُ عُمرُ ﵁ له أصلٌ في الشَّرعِ وإنْ لم تكُن صُورتُه موجودَةً على عهدِ التَّشريعِ، وهوَ كونُ جميعِ اللَّيلِ وقتًا للصَّلاةِ فيهِ، من بعدِ العشاءِ إلى الفجرِ، فكانتِ المصلحَةُ المقتضيةُ نفعَ النَّاسِ أن يجعلهَا لهُم من أوقاتِ اللَّيلِ أفضلَ، ولهذا قال مُنبِّهًا على هذا المعنى:
((نِعم البِدعةُ هذهِ، والَّتي ينامونَ عنهَا أفضلُ من الَّتي يقومونَ)) يُريدُ آخرَ الَّليلِ، وكانَ النَّاسُ يقومونَ أوَّلهُ [أخرجه البُخاريُّ] .
فتسميَّةُ عُمر لهذا الفعلِ (بِدعة) محصورٌ بتقديمِ الصَّلاةِ أوَّل اللَّيلِ، وحيثُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يفعلهُ كذلكَ فهو مُحدثٌ من هذا الوجهِ، فهذا التَّقديمُ ليس لهُ مثالٌ سابقٌ على صفتهِ من الفعلِ النَّبويِّ، لكنْ لهُ مثالٌ سابقٌ من جهةِ صحَّتِه في هذا الوقتِ من حيثُ الجُملَةُ، وهذه الصُّورةُ لا يصلحُ أن تُلحقَ بالبِدعِ الشَّرعيَّةِ، كما تقدَّمَ في استثناءِ ما يُستفادُ من أحكامِ الحوادِثِ بالقياسِ أو المصالحِ المُرسلَةِ أوِ الاستِصحابِ؛ لأنَّها راجعةٌ إلى الدَّليلِ من الكتابِ والسُّنَّةِ، ولا تبقى عبرَةٌ مؤثِّرَةٌ في الألفاظِ إذا ظهرتْ دلالتُهَا.
والَّذي ينبغي مُطلقًا أن لا يُستعملُ لفظٌ يقعُ فيهِ الإيهامُ واللَّبسُ من غيرِ تحديدِ المُرادِ بهِ، وليسَ قومُنا كأصحابِ عُمرَ ﵁ في إدراكِ مُرادِهِ، فما حملُوا قولهُ على مُخالفَةِ العُمومِ لقولِه ﷺ : ((وكلَّ بِدعةٍ
стр. 341
ضلالَةٌ)) ، بلْ كانُوا يُدركُونَ أن لا مُشاحَةَ في الألفاظِ إذا احتملتِ المعاني الصَّحيحة، فأدركُوا أنَّ مرادَ عُمرَ بـ (البِدعة) غيرُ مرادِ النَّبيِّ ﷺ بها، وحيثُ اختلفَ المقصودُ فلا يُعترضُ على عُمومِ الحديثِ بالتَّخصيصِ، فيقالُ: جرَى ذلكَ مجرَى الغالبِ في البِدعِ، أو يُصادَمُ الحديثُ بالقولِ: البِدعةُ منها ما هوَ حسنٌ وما هوَ قبيحٌ، وإنَّما يُفهمُ كلامُ النَّبيِّ ﷺ على الوجهِ الَّلائقِ بهِ، وتعريفُه للأشياءِ هوَ المُقدَّمُ على تعريفِ من سِواهُ.
وحاصلُ القولِ:
أنَّ البِدعَ ما لاوجهَ لهُ في القياسِ، أو لا يندرجُ تحتَ أصلٍ عامٍّ من أصولِ التَّشريعِ، أو يقعُ به من زيادَةِ التَّكليفِ ما ليسَ مُرادًا للشَّرعِ لقصدِهِ التَّخفيفَ على المُكلَّفينَ، وليستْ تحتصُّ بكونِهَا ممَّا وردَ بهِ دليلُ الشَّرعِ.
وأمثلتُهَا في العقائدِ: الكلامُ في صفاتِ الله عزَّوجلَّ بالتَّأويلِ والتَّعطيلِ والتَّشبيهِ، وحملُ نصوصِ الوعدِ والوعيدِ واليومِ الآخرِ والجنَّةِ والنَّارِ على غيرِ الحقيقةِ، والقولُ في التَّوراةِ والإنجيلِ والقُرآنِ أنَّها ليستْ كلامَ الله، والطَّعنُ على أصحابِ النَّبي ﷺ بسبٍّ أو تفسيقٍ أو تكفيرٍ، واعتقادُ تخليدِ أصحابِ الكبائرِ من الموحدينَ في النَّارِ، ونفيُ علمِ الله السَّابقِ للموجودَاتِ، وغيرُ ذلكَ.
стр. 342
وأمثلتُهَا في العبادَاتِ: تخصيصُ ليلةٍ من اللَّيالي بالقيامِ أو يومٍ بالصِّيامِ على اعتقادِ فضيلةٍ خاصَّةٍ لتلكَ اللَّيلةِ أو ذلكَ اليومِ، والرَّهبَنةُ والانقِطاعُ للتَّعبُّدُ مع الإعراضِ عن الجهادِ والأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكرِ وكسبِ الرِّزقِ، والاجتِماعُ لذكرِالله مقرونًا بالرَّقصِ والمعازفِ كضربِ الدُّفوفِ، وعملُ المواسمِ بعدَ موتِ الميتِ، كأُسبُوعيَّةٍ، وأربعينيَّةٍ وسنويَّةٍ، وغيرُ ذلكَ.
* * *
стр. 343
٣ـ تعارض الأدلة
* يقته:
يُرادُ بالتَّعارضِ: التَّناقضُ والاختلافُ بين الدَّليلينِ الثَّابتينِ.
وهذا المعنى لا وُجودَ لهُ حقيقةً في الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ، لأنَّ الله تعالى نصبَهَا علاماتٍ يهتدي بها المُكلَّفُونَ في الطَّريقِ إليهِ، والتَّعارضُ مناقضٌ لهذه الحقيقةِ، وقد نفى الله عزَّوجلَّ ذلك عن كلامِهِ، فقالَ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] ، فسلمَ من الاختلافِ وعُصمَ من الباطلِ كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ـ ٤٢] ، وكلامُ نبيِّه ﷺ سالمٌ من التَّعارضِ كسلامَةِ القرآنِ، فكلُّه وحيُ الله تعالى وتشريعُه، كما قال سبحانهُ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ـ ٤] .
وإنَّما يوجدُ التَّعارضُ في نظرِ المُجتهدِ لانتفاءِ العصمةِ، ووُرودِ الخطإ والقُصورِ في الفهمِ، وخفاءِ الأدلَّةِ ووُجوهِهَا عليهِ، ممَّا هوَ طبعُ البشرِ إلاَّ المعصومَ ﷺ .
فلمَّا كانَ يمتنعُ التَّعارضُ حقيقةً في أدلَّةِ الشَّرعِ فعلى المُجتهدِ إذا
стр. 344
ظنَّ ذلك بينَ دليلينِ أن يسلكَ باذلاً وُسعهُ ما يوصلُهُ إلى الحقيقةِ المُرادَةٍِ للشَّرعِ، مع استِحضارِ أنَّ التَّعارضَ في ذِهنِهِ وظنِّهِ لا في الأدلَّةِ لقصُورِهِ وكمالِهَا.
* ترتيب مسالك النظر:
المنطقيَّةُ المُتناسقَةُ مع هذه المقدِّمَةِ تتمثَّلُ في التَّرتيبِ التَّالي:
١ـ إعمالُ الدَّليلينِ بأيِّ طريقٍ مُمكنٍ.
٢ـ فإنْ تعذَّر فالبحثُ في إمكانِ النَّسخِ.
٣ـ فإنْ تعذَّرَ فالتَّرجيحُ بالقرائنِ.
وإليكَ بيانَ تلكَ المسالكِ، معَ التَّفصيلِ لهَا بما يُناسبُهَا.
* * *
стр. 345
١- إعمال الدليلين
* المقصود به:
أن يبذُلَ المجتهدُ وُسعهُ للجمعِ والتَّوفيقِ بين الدَّليلينِ المُتعارضينِ، جريًا مع الأصلِ في نفي التَّعارضِ الطَّاريء وتحقيقِ مقصودِ الشَّارعِ بخِطابهِ.
وفي (قواعدِ الاستنباطِ) ما يُساعدُ المجتهدَ لتحقيقِ ذلكَ، وأهمُّ ذلكَ ثلاثُ قواعد:
الأولى: بناءُ العامِّ على الخاصِّ.
فيُنظرُ إن كانَ أحدُ النَّصَّينِ عامًّا، وكان الآخرُ خاصًّا، فيُخرجُ ذلك الخاصُّ من العمومِ بهذه القاعِدَة.
والثَّانية: حملُ المُطلقُ على المقيَّدِ.
وذلكَ أيضًا بالنَّظرِ إلى ما بينَ الدَّليلينِ من الإطلاقِ والتَّقييدِ، فإنْ وُجِدَ حُملَ المُطلقُ على المقيَّدِ، وسبقَ من أمثلتِهَا والَّتي قبلهَا ما فيهِ
стр. 346
كفايَةٌ في مبحثي (المُطلقُ والمقيَّدُ، والعامِّ) .
والثَّالثة: تأويلُ أحدِ الدَّليلينِ على معنى مُناسبٍ من غيرِ تكلُّفٍ، كتعليقه بظرْفٍ أو صِفةٍ.
مثالهُ: ما وردَ في كتابِ الله تعالى من آياتِ الأمرِ الإعراضِ عن المشركينَ، وماجاءَ بعد ذلكَ من الأمرِ بقتالِهِم، فظاهرُ الصُّورَتينِ التَّعارضُ، ولذا صارتْ طائفةٌ إلى ادِّعاءِ النَّسخِ لآياتِ الإعراضِ بآيةِ القتالِ الَّتي اصطلحُوا عليها بـ (آية السَّيفِ) وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة:٥] ، فدعوى النَّسخِ بهذه الآيةِ دعوى ضعيفةٌ مردودةٌ، وإنَّما هذه مرحلَةٌ غيرُ الأولى، فإذا اقتضى الظَّرفُ حكمَ الإعراضِ فهو باقٍ مُحكمٌ، وإذا اقتضى السَّيفُ فهو باقٍ مُحكمٌ.
وحديثُ أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((خيرُ أُمتي القرنُ الَّذينَ بُعثتُ فيهم، ثمَّ الَّذينَ يلونَهُم)) والله أعلمُ أذكَر الثَّالث أم لا، قال: ((ثُمَّ يخلفُ قومٌ يُحبُّون السَّمانَةَ، يشهدُونَ قبل أن يُستشهدُوا)) [أخرجه مسلمٌ] ، مع حديثِ زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: ((ألا أُخبركُم بخيرِ الشُّهداءِ؟ الَّذي يأتي بشهَادَتِهِ قبلَ أن يُسألهَا)) [أخرجه مسلمٌ] ، فالأوَّلُ ذمَّ من يشهدُ قبلَ أن يُسألَ
стр. 347
الشَّهادَة بما ينفي عنهُ الخيريَّةَ، والثَّاني يُثبتُ لمن فعلَ ذلك الخيريَّةَ، وهذا تعارُضٌ ظاهرٌ، لكنَّ الفقيهَ لا يعدَمُ جوابًا يُعملُ به الخبرَينِ الصَّحيحينِ، فتأوَّل أهلُ العلمِ حديثَ زيدٍ على واحدٍ من معنيينِ: أن يكونَ من الشَّهادَةِ لصاحبِ حقٍّ لا يعلمُ أنَّكَ شاهدٌ ليأتيكَ فيسْألَكَ، فتشهدُ لهُ قبلَ أنْ تُسألَ الشَّهادَة لتنصُرَهُ في حقِّه، أو يكُونَ في حقوقِ الله تعالى الَّتي يُرجَى فيها الثَّوابُ عندَهُ، لا للآدميِّينَ.
وما كانَ من هذا النَّمطِ من الأدلَّة فإنَّ العملَ بكلا الدَّليلينِ حاصلٌ فيهِ، ولوْ مِن وجهٍ، وهذا واجبٌ ما وجَدَ إليهِ الفقيهُ سبيلاً.
* * *
стр. 348
٢ـ الناسخ والمنسوخ
* تعريف النسخ:
لغة: الرَّفعُ والإزالَةُ، ومنهُ يُقالُ: (نسَخَتِ الشَّمسُ الظِّلَّ) أزالتْهُ، و (نسخَ الكتَاب) رفعَ منهُ إلى غيرهِ.
واصطلاحًا: رفعُ حكمٍ شرعيٍّ عمليٍّ جُزئيٍّ ثبتَ بالنَّصِّ بحكمٍ شرعيٍّ عمليٍّ جزئيٍّ ثبتَ بالنَّصِّ وردَ على خلافِه مُتأخِّر عنهُ في وقتِ تشريعِه، ليسَ متَّصلاً بهِ.
فالرَّفعُ هو (النَّسخُ) ، والحُكمُ الشَّرعيُّ المرفوعُ هوَ (المنسوخُ) ، والحُكمُ الشَّرعيُّ المتأخِّرُ هو (النِّاسخُ) .
* ثبوت النسخ في الكتاب والسنة:
النسخُ واقعٌ في نصُوصِ الوحيِ بدلالةِ الكتابِ والسُّنَّةِ، فمن ذلكَ قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٦] ، وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠١ـ ١٠٢] ، وقولهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] ، وقوله: ﴿وَإِذَا
стр. 349
تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى﴾ [يونس: ١٥] .
والأمثلةُ الآتية قريبًا من الكتابِ والسُّنَةِ على النسخِ قاطعةٌ بصحَّةِ وقوعِ ذلكَ فيهمَا، وتواترَ عن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ذِكرُ النَّسخِ، وذهبَ إلى القولِ به عامَّةُ أئمَّةِ الإسلامِ من السَّلفِ والخلفِ، إلاَّ شِرذِمَةٌ عُرفتْ بالبِدعَةِ.
* حكمة النسخ:
النَّسخُ جارٍ على مقاصِدِ الشَّرعِ في تحقيقِ مصلحَةِ المُكلَّفِ، فقدْ ينزلُ الحُكمُ في أمرٍ شديدٍ يشقُّ على المؤمنينَ يُرادُ به اختبارُهم وامتِحانُ صِدقِ إيمانِهِم، كما في نُزُول قولهِ تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ، حتَّى إذا ظهرَ التَّسليمُ والانقِيادُ أنْزلَ الله عزَّوجلَّ تصديقَ ما في قُلوبِهِم: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ، ونزلتِ الآيةُ بعدَهَا بالتَّخفيفِ، وتارةً يُرادُ به التَّدرُّجُ في التَّشريعِ لحدَاثةِ النَّاسِ بالجاهليَّةِ، فيُراعي الشَّارعُ استِعدَادُهم لذلكَ، كالتَّدرُّجِ
стр. 350
في الصَّلاةِ في قلَّةِ الرَّكعاتِ والأوقاتِ، إلى خمسٍ في اليومِ واللَّيلَةِ بأوقاتهَا المعلومَةِ، والتَّدرُّجِ في الصِّيامِ بفرضِ صومِ يومٍ واحدٍ أوَّلاً هو يومُ عاشُوراءَ، ثمَّ نُسِخَ بصومِ شهرٍ كاملٍ هُوَ رمضَانَ، وهكذا.
وهذا كما قال عزَّوجلَّ: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] .
وحقيقةُ النَّسخِ تغييرٌ للأحكامِ بتغيُّرِ الأحوالِ والظُّروفِ، ممَّن يعلمُ مصالحَ خلقِهِ ﵎، ولمَّا امتنعَ أن يكونَ للعُلماءِ من الإحاطَةِ بالمصالحِ والمفاسدِ في أحوالِ البشرِ كإحاطَةِ علمِ الله تعالى، امتنعَ القولُ بالنَّسخِ بالاجتهادِ، لما يقعُ به من إبطالِ أحكامِ الشَّرعِ المُتيقَّنَةِ بالظَّنِّ، لكنْ للعلماءِ الاهتِداءُ بمبدإِ النَّسخِ في مُراعَاةِ الظُّروفِ والمناسباتِ فيما مجالُه الاجتهادُ من الأحكامِ، فيُفتي أحدُهُم في المسألةِ في ظرفٍ يكونُ على خلافِهِ في ظرْفٍ آخرَ.
* شروط النسخ:
أفادَ تعريفُ النَّسخِ المتقدِّمُ الشُّروطَ الَّتي لا بدَّ من توفُّرهَا للقولِ بهِ، وهيَ:
١ـ أن يكونَ الحُكمانِ شرعيَّينِ.
٢ـ أن يكونَا عمليَّينِ.
٣ـ أن يكونَا جُزْئيَّينِ.
стр. 351
٤ـ أن يكونَا ثابتينِ بالنَّصِّ.
٥ـ أن يكونَا مُتناقضينِ في المعنى.
٦ـ أن يكونَا منفصلينِ.
٧ـ أن يكونَ النَّاسخُ مُتأخِّرًا عن المنسوخِ في تشريعِهِ.
فإذا اجتمَعتْ هذهِ الشُّروطُ في حُكمينِ صحَّ القولُ بالنَّسخِ.
وفي هذه الشُّروطِ منعُ وقوعِ النَّسخِ في أشياءَ، هيَ:
١ـ التَّوحيدُ والصِّفاتُ وسائرُ العقائدِ لامتناعِ التَّناقُضِ فيهَا، وليسَتْ أحكامًا عمليَّةً.
٢ـ الأخبارُ الَّتي لم يُقصدُ بها الطَّلبُ، كالإخبارِ عن الأُممِ الماضيَةِ، والإخبارَ عمَّا سيكونُ كأشراطِ السَّاعَةِ، لأنَّ خبرَ الصَّادق يستحيلُ الرُّجوعُ عنهُ لما يقتضيهِ الرُّجوعُ من الإخبارِ على خلافِ الواقعِ في أحدِ الخبرينِ، فإنَّ من قالَ: (جاءَ زيدٌ) ثمَّ قال بعدَهُ: (لمْ يأتِ) فأحدُ خبريةِ على خلافِ الواقعِ جزمًا، بكذبٍ أو وهمٍ، وخبرُ الله ورسولِه مُنزَّهُ عن ذلكَ.
ولا ينقضي العجبُ من قولِ بعضِ منْ يُنسبُ إلى السُّنَّة في مسألة (امتناعِ النَّسخِ في الأخبار) : أنَّ النَّسخ ممتنعٌ في الأخبارِ إلاَّ أخبارَ الوعيدِ، فإنَّه يجوزُ فيها النَّسخُ.
стр. 352
وهذا القولُ فلْتَةٌ ممَّن قالهُ، فإنَّ خبر الله تعالى ورسوله ﷺ في وعدٍ أو وعيدٍ حقٌّ كما أُخبرنا بهِ، وهوَ واقعٌ كما جاءَ به الخبرُ، ولا يُستشكلُ أنَّ الله تعالى قدْ لا ُينفِذُ الوعيدَ، لأنَّه أخبرنَا أنَّ وعيدَه بمشيئتِهِ، فإنْ شاء عذَّب وإن شاءَ رحمَ كما هوَ الشَّأنُ في عُصاةِ الموحِّدينَ، وأخبرنَا أنَّ فريقًا ممَّن وجب عليهمُ الوعيدُ لاانفِكاكَ لهُم عنهُ بحالٍ كالكُفَّارِ في نارِ جهنَّم، فأيُّ نسخٍ سيقعُ في الوعيدِ، وهوَ إمَّا مُنجَّزٌ وإمَّا مُعلَّقٌ بنفسِ دلالةِ الخبرِ؟
٣ـ نصوصُ الأخلاقِ والفضائلِ، فإنَّها لا يُتصوَّرُ في مثلهَا التَّبديلُ، فالفضيلةُ لا يُقابلُها إلاَّ الرَّذيلةَ، والصِّلةُ تُقابلُها القطيعَةُ، والإحسانُ تُقابلُه الإساءَة، والكرَمُ يُقابلُه البُخلُ، وهكذَا، ومن شرْطِ النَّاسخِ التَّقابلُ بين النَّاسخِ والمنسُوخِ، فإمَّا هذا أو ذاكَ، لا يجتمعانِ في التَّكليفِ.
٤ـ القواعدُ الكُلِّيَّةُ ومقاصدُ التَّشريعِ، لأنَّها كُلِّيات، ولم يقعْ في جميعِ ما يُذكرُ مِمَّا وقع فيه النَّسخُ من نصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ نسخٌ لقاعِدَةٍ كلِّيَّةٍ، إنَّما جميُعُها واردٌ في جُزئيَّاتِ الأحكامِ رِعايَةً للمقاصِدِ الكُلِّيَّة كما سبقَ الإشارَةُ إليهِ في (حِكمةِ النَّسخِ) .
٥ـ أحكامٌ جُزئيَّةٌ اقترَنَ تشريعُها بما دلَّ على تأبيدِهَا، كقوله تعالى في حديثِ فرْضِ الصَّلواتِ ليلةَ المِعراجِ: ((هيَ خمسٌ وهيَ خمسُونَ، لا
стр. 353
يُبدَّلُ القولُ لديَّ)) [متفقٌ عليه] ، وقولهِ ﷺ : ((لا تنْقطِعُ الهِجرَةُ حتَّى تنقطِع التَّوبةُ، ولا تنقطِعُ التَّوبَةُ حتَّى تطلُع الشَّمسُ من مغربِها)) [حديثٌ حسنٌ أخرجه أبوداود وغيرُه عن مُعاوية] .
كما دلَّت الشُّروطُ المذكورةُ على منعِ وقوع النَّسخِ بأشياءٍ، هيَ:
١ـ قولُ الصَّحابيِّ: (هذا النَّصُّ منسوخٌ) حتَّى يُذكرَ النَّاسخَ ويُفسِّرُ ذلك بما ينطبِقُ ومعنى النَّسخِ، وذلكَ لجوازِ أن يعني بالنَّسخِ التَّخصيصِ، أو ظنَّه كذلكَ باجتِهادِه، فيكونُ من قبيلِ مذاهبِ الصَّحابةِ، وهيَ وارِدَةٌ بعدَ النَّصِّ.
والقولُ بعدَمِ قبولِ النَّسخِ بهذا الطَّريقِ عليهِ جمهُورُ العلماءِ.
٢ـ الإجماعُ المُدَّعى في كثيرٍ من المسائلِ والَّذي سبقَ بيانُه في (دليل الإجماع) بأنَّه القولُ الَّذي لا يُعرفُ لهُ مخالفٌ، فإنَّ هذا الإجماعَ ليسَ بحُجَّةٍ بنفسِهِ، ثمَّ إنه جاءَ بعد النَّصِّ، ومن لازِمٍ ثُبوتِ النَّاسخِ والمنسوخِ بالنَّصِّ أن يكونَ القولُ بالنَّسخِ قدِ انقطَعَ بموتِ النَّبيِّ ﷺ لانقطاعِ النُّصوصِ.
وفي هذا إبطالٌ لمذهبِ من قالَ بنسخِ بعضِ النُّصوصِ بالإجماعِ، كنسخِ قتلِ شاربِ الخمرِ في الرَّابعةِ.
وزعمَ البعضُ: أنَّ الإجماعَ على تركِ العملِ بالنَّصِّ يدلُّ على وُجودِ النَّاسخِ لكنَّه لم يصِلنَا.
стр. 354
وهذا خطأٌ جسيمٌ بُني على ظنٍّ ووهمٍ، ذلكَ أنَّهُ تضمَّن الاعتقادَ بضياعِ شيءٍ من الدِّينِ وحفظِ ما يُعارضُهُ، وهذا ضلالٌ وجهلٌ م قائلِه، فإنَّ الله الَّذي أكملَ لنا الدِّينَ تعهَّدَ بحفظِه، وإن كانَ يخفَى بعضُه على الأفرادِ فلا يجوزُ أن يخفَى جميعُه على جميعِ الأمَّةِ، فإنَّ اتِّفاقها على تضييعِ نصٍّ من نصوصِ الشَّرعِ اتِّفاقٌ منها على الضَّلالِ، فكيفَ يصحُّ هذا وهيَ معصُومَةٌ منهُ، وما هذا القولُ في الحقيقةِ إلاَّ دليلٌ على فسادِ هذهِ الدَّعاوى في الإجماعِ الموهومِ.
٣ـ القياسُ، لأنَّ من شرطِ صحَّتِهِ البناءَ على النَّصِّ، فإذا ناقضَ نصًّا آخرَ فاحتِمالُ النَّسخِ وارِدٌ بين النَّصِّ الَّذي استُفيدَ منهُ حكمُ القِياسِ، والنَّصِّ المعارضِ لهُ، لا بينَ نصٍّ وقياسٍ، على أنَّ القياسَ لا يصحُّ وُرودُه بخلافِ النَّصِّ.
كما دلَّ التَّعريفُ المتقدِّمُ علَى:
أنَّ ما ثبتَ بدليلِ (استِصحابِ الإباحَةِ الأصليَّةِ) ، ثمَّ جاءَ نَصٌّ نقلَ عن تلكَ الإباحَة، فليسَ هذا من قبيلِ النَّسخِ، لأنَّ الإباحَةَ لم تُبنَ على دليلِ بخصوصِ تلكَ الجُزئيَّةِ، إنَّما أُلحقَتْ بدليلٍ عامٍّ وقاعِدَةٍ كليَّة ترجعُ إلى عدَمِ النَّصِّ، فليسَتْ (حُكمًا شرعيًّا فرعيًّا ثبتَ بالنَّصِّ) .
* أنواع ما يقع به النَّسخ:
لمَّا كانَ أمرُ (النَّسخِ) قدْ فُرغَ منهُ لارتِباطٍه بِنُزولِ الوحيِ، ثبَتَ
стр. 355
باستِقراءِ صُورِ النَّسخِ أنَّه واقعٌ بأربعَةِ أشياءَ:
الأوَّلُ: نسخُ قُرآنٍ، كنسخِ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] بآياتِ المواريثِ من سورةِ النِّساءِ، وصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ قولهُ: ((إنَّ الله قدْ أعطَى كلَّ ذِي حقٍّ حقَّهٌ، فلا وصيَّةَ لوارثٍ)) [أخرجه أصحابُ السُّنن وغيرُهم] ، وصحَّ القولُ بنسخِهَا عن جماهيرِ السَّلفِ، كابنِ عبَّاسٍ وغيرِه، وإنْ كانُوا قدِ اختلفُوا في النَّاسخِ: هلْ هوَ آياتُ المواريثِ أمِ الحديثُ؟
والثَّاني: نسخُ سنَّةٍ بسنَّةٍ، كصفَةِ التَّطبيقِ في الرُّكوعِ، فعنْ علقَمَةَ بنِ قيسٍ والأسودِ بنِ يزيدَ: أنَّهما دخلاَ على عبد الله (هُو ابنُ مسعودٍ) ، فقالَ: أصلَّى من خلفَكُم؟ قالاَ: نعَمْ، فقامَ بينهُمَا، وجعلَ أحدَهُما عن يمينهِ والآخرَ عن شمالِهِ، ثمَّ ركعنَا، فوضَعنَا أيدينَا على رُكبِنَا، فضرَبَ أيدينَا، ثمَّ طبَّق بين يديهِ، ثمَّ جعلهُما بينَ فخِذيهِ، فلمَّا صلَّى قالَ: هكذا فعلَ رسولُ الله ﷺ : [رواه مسلمٌ] ، نسخَهُ ما في حديث سعدِ بن أبي وقَّاصٍ ﵁، فعنِ ابنِهِ مُصعبٍ قالَ: صلَّيتُ إلى جنبِ أبي، فلمَّا ركعتُ شبَّكتُ أصابِعِي وجعلتُهُما بينَ رُكبتيَّ، فضرَبَ يديَّ، فلمَّا صلَّى قالَ: قدْ كُنَّا نفعلُ هذا، ثمَّ أُمرنَا أن نرفَع إلى الرُّكبِ [متفقٌ عليه] .
следующие страницы →