← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22396

تيسير علم أصول الفقه

عبد الله الجديع

Полный текст (387 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

(الاصطيادُ) . * متى يلزم الفعلُ المكلف ؟ يكونُ الفِعلُ لازمًا للمكلَّفِ إذا اجتمعَ فيه وصفَانِ: ١ـ أن يكونَ معلومًا للمكلَّفِ. فالجهْلُ ينفي التَّكليفَ، فلوْ جَهِل إنسانٌ كونَ الوُضُوء شرطًا لصحَّةِ الصَّلاة وكان يُصلِّي زمانًا بغيرِ وُضوءٍ، ثمَّ علمَ هذا الحُكمَ، فإنَّهُ لا يُطالبُ بقضاءِ ما صلاَّهُ بغيرِ وُضوءٍ إلاَّ صلاةً لم يزَلْ في وقْتِهَا. ومن الدَّليل عليهِ الحديثُ المشهُورُ بحديثِ المُسيءِ صلاتَه. فعنْ أبي هريرَةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخل المسجِدَ، فَدخلَ رجلٌ فصلَّى، ثمَّ جاءَ فسلَّم على النَّبيِّ ﷺ ، فردَّ النَّبيُّ ﷺ ﵇، فقالَ: ((ارجِعْ فصلِّ فإنَّك لم تُصلِّ)) ثلاثًا، فقال: والَّذي بعثَكَ بالحقِّ فما أُحسنُ غيرَهُ فعلِّمني، قالَ: ((إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ ... )) فساقَ الحديثَ [متفقٌ عليه] . وموضعُ الشَّاهدِ منه أنَّ هذا الرَّجلَ كانَ يُصلِّي صلاةً غيرَ صحيحةٍ وهوَ لا يعلمُ حتَّى علَّمهُ النَّبيُّ ﷺ كيفَ يُصلِّي، ولم يأمُرهُ النَّبيُّ ﷺ أن يُعيدَ شيئًا من الصَّلواتِ الَّتي صلاَّها على تلكَ الصِّفةِ إلاَّ الصَّلاةَ الَّتِي رَآهُ يُصلِّيهَا

стр. 72

لكنْ هلْ يُعفى المكلَّف بالجهلِ مع إمكانِ العِلمِ أم يُؤاخَذُ؟ الجوابُ: أنَّهُ يأثَمُ بالتَّفريطِ في طلبِ العِلمِ معَ القُدرَةِ عليهِ وذلكَ من حيثُ الجُملَةُ لا بخصُوصِ جَهلِهِ بِحُكمٍ معيَّنٍ، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . ومن الأصوليِّينَ من فرَّق بين الجهلِ بالأحكامِ لمن يعيشُ في بلادٍ إسلاميَّةٍ، ومن يعيشُ في بلادٍ غير إسلاميَّة، وليس التَّفريقُ بظاهرٍ في الأدلَّةِ، فإنَّ الجهلَ واردٌ على أيِّ حالٍ، لكنَّ الَّذي يقعُ في دارِ الإسلامِ أنَّ المعلومَ من الدِّين بالضَّرورةِ لا يخفى والحُجَّةُ به قائمةٌ، فلوْ زَنَى رجلٌ من المسلمينَ وقدْ تربَّى في الإسلامِ وبينَ أهلِهِ وادَّعى أنَّهُ لا يعلمُ حُرمَةَ الزِّنا لما كان عُذرًا يحولُ بينهُ وبين العُقوبَةِ، لأنَّ الحُجَّةَ ظاهرةٌ في مثلِ ذلكَ، وقولهُ محمولٌ على الكذبِ، إلاَّ أن يكونَ في بيئةٍ ذَهَبَتْ عنها معالمُ الدِّينِ وليسَ فيها من الإسلامِ إلاَّ اسمُهُ، فهَذه دارٌ أشَهُ بدَارِ الكُفرِ وإن بقيَ لأهلِهَا اسمُ الإسلامِ. والأقربُ في هذا أن يعودَ الأمرُ إلى أن يُقدِّرَ كلُّ ظرفٍ بما يُناسبُهُ، والعُمدَةُ فيهِ على بُلوغِ الحجَّةِ، أمَّاا لجهلُ ذاتُهُ فهوَ مانعٌ من التَّكليفِ. ٢ـ أن يكونَ مقدورًا للمكلَّف. أيْ: يمكِنُ وقوعُ امتثالهِ لهُ، ليسَ خارِجًاعن طاقتِهِ وقُدرتِهِ، وهذا حاصلٌ في جميعِ تكاليفِ الإسلامِ، فليسَ فيها فعلٌ يستحيلُ امتثالُهُ.

стр. 73

ومن أحسنِ ما يدلُّ على هذا ما رواهُ مسلمٌ في [صحيحهِ] من حديثِ أبي هُريرةَ ﵁ قال: لمَّا نزلتْ على رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ، قال: فاشتدَّ ذلكَ على أصحابِ رسول الله ﷺ ، فأتَوْا رسول الله ﷺ ثمَّ بَرَكُوا على الرُّكَبِ، فقالوا: أيْ رسول الله، كُلِّفنا من الأعمالِ ما نُطيقُ: الصَّلاةَ والصِّيامَ والجهادَ والصَّدقَةَ، وقد أنزِلَتْ عليكَ هذِه الآيةُ ولا نُطيقُها، قال رسول الله ﷺ : ((أتُريدُونَ أن تقولوا كما قال أهلُ الكِتَابَينِ من قَبْلِكُم: سمعنَا وعصيْنَا، بلْ قُولوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ، قالوُا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فلما اقترأها القَومُ ذلَّت بها ألسنتُهُم، فأنزل الله في إثرِهَا: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ، فلمَّا فعلوا ...ذلكَ نسخَهَا الله تعالى، فأنزلَ الله عزَّوجلَّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال، نعمْ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال نعمْ، ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال نعمْ، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا

стр. 74

أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال نعمْ. وفي روايةٍ أُخرى لمسلمٍ: قالَ ((قَد فَعلتُ)) بدلَ: ((نَعَمْ)) . وممَّا يتخرَّجُ على وجودِ هذا الوصفِ في الفعلِ المكلَّفِ بهِ قاعدَتَانِ: ١ـ لا تكليفَ بِما لا يُطاقُ. ٢ـ المشقَّةُ تجلبُ التَّيسيرَ. أنواع الفعل المكلف به باعتبار من يُضاف إليه: الفعلُ من جهةِ اتِّصالهِ بحقِّ الله تعالى أو بحقِّ الخَلْقِ أربعَةُ أنواعٍ: ١ـ حقُّ الله عزَّوجلَّ: وهوَ حقٌّ عامٌّ، لا يملكُ أحدٌ إسقاطَهُ بوجهٍ من الوُجوهِ، وأحكَامُهُ واجبةُ التَّنفيذِ في ذمَّةِ كلِّ من تناولَهُ هذا الحقُّ. ويندرجُ تحتهُ أنواعٌ كثيرةٌ: [١] العبادَاتُ المحضَة، مثل: الإيمان، والصَّلاة، والزَّكاةِ، والصِّيامِ، والحجِّ، وهذه واجبةٌ على المكلَّفِ ابتداءً. [٢] العباداتُ الَّتي فيها معنى المؤونة، مثل: زكاة الفِطرِ، فهيَ عبادَةٌ من جهَّةِ أنَّها صدَقَةٌ، وهي مؤونَةٌ من جهةِ أنَّها وجبَتْ على المكلَّفِ بسببِ غيرهِ وهو الفقيرُ.

стр. 75

[٣] مؤونة فيها معنى العبادَة، مثتالُها: الضَّريبةُ على الأرضِ العُشريَّة، وهي حقٌّ يُؤخذُ ممَّا تُنبتُهُ الأرضُ من الزَّرعِ واجبٌ فيها، فهي لهذا مؤونة لأنَّها ثابتةٌ فيما تُنبِتُهُ الأرضُ، وأمَّا (فيها معنى العِبادة) فلأنَّها زكاةٌ تندرجُ تحتَ مصارِفِهَا. [٤] مؤونَةٌ خالصةٌ، مثالهَا: الخرَاجُ، وهوَ ضريبةٌ تُؤخذُ على الأرضِ الَّتي تُترَكُ بأيدي أهلهَا غيرِ المُسلمينَ بعدَ فَتْحِهَا تفرضُها عليهِمُ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ، ومصرِفُها المصالحُ العامَّةُ. [٥] عُقُوباتٌ كاملَةٌ ليس فيها معنى غير العُقوبَة، مثل: الحُدُود، كحدِّ الزِّنَا والسَّرِقةِ والحِرابَة. [٦] عقوبَاتٌ قاصرَةٌ، مثالُها: حِرمَانُ القاتلِ من الإرثِ، فإنَّهاعُقوبَةٌ لم ترِدْ عليهِ بأذَى في بَدَنِه أو حرِّيتِهِ، إنَّما غايتُها أنَّهُ حُرِمَ مِلكًا لولا القتلُ لاستَفَادَهُ. [٧] عُقوباتٌ فيها معنى العِبادَة، مثالُها: الكفَّارَات، ككفارَة اليَمين والظِّهَارِ والقتلِ، فمن جهَةِ أنَّها عبادة أنَّها تؤدَّى كذلك كالصَّومِ والإطعامِ وعِتقِ الرِّقابِ. [٨] حقٌّ قائمٌ بنفسهِ متعلِّقًا بذمَّةِ المكلَّفِ، مثالهُ: أداءُ الخُمُسِ من المغنمِ، فتلكَ قِسمةٌ حكمَ الله بها في المغَانِمِ لا رَأْيَ

стр. 76

للمكلَّفِ فيها. ٢ـ حقُّ العَبْد: هوَ مصالحُهُ، وهو حقٌّ خاصٌّ، والمكلَّفُ صاحبُ القرارِ فيه مُطالَبَةً وإسقاطًا، وذلك مثلُ: الدَّين، والدِّيَّة، وسائرِ الحقُوقِ الماليَّة للأفرادِ. ٣ـ ما اجتمعَ فيه الحقَّان وحقُّ الله فيه أغلَب: مثالُهُ: حدُّ القَذْفِ، فحقُّ الله فيه من جهةِ وقايةِ المجتمعِ من أن تشيعَ فيه الفاحشَةُ، وهذا ضررٌ عامٌّ، وحقُّ العبدِ من جهةِ ما فيه من إظهار عفَّتِهِ وبراءتهِ، والضَّرر العامُّ أغلبُ من الضَّررِ الخاصِّ، فإنَّهُ لو غُلِّب حقُّ العبد في ذلك فأسقَطهُ لكونِهِ حرَّ التَّصرُّفِ في حقِّه لما وقعَ الزَّجرُ للقَذَفِه بما يرْدَعَهُم عن إشاعَةِ الفاحشَة في الَّذين آمنُوا، فكأنَّ تلك الإشاعَةَ وإنْ وقَعَتْ لشخصٍ بعينِهِ فإنَّهَا متعدِّيَةٌ إلى غيرهِ من أفرادِ المجتمعِ لعُمومِ الفَسادِ بهَا، وهذا مرجِّحٌ للحقِّ العامِّ، فلهَذا لا يملكُ أن يُسقِطَ حَدَّ تالقذْفِ أحدٌ. ٤ـ ما اجتمع فيه الحقَّان وحقُّ العبدِ فيه أغلب: مثالهُ: القصاصُ من القاتلِ العمدِ، فيهِ حقٌّ لله من جهَةِ ما يقعُ به من إشاعَةِ الأمنِ وحفظِ حياةِ النَّاسِ من الاعتداء عليها، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

стр. 77

[البقرة: ١٧٩] ، وهذا حقٌّ عامٌّ فهو حقٌّ لله تعالى، وفيه حقٌّ لأولياءِ القتيل من شفاءِ صُدورِهم وإزالَةِ غلِّهم على القاتلِ، فغلَّبتِ الشَّريعةُ حقَّهُم في ذلك على الحقِّ العامِّ، فلما عادَ الأمرُ إلى العبدِ فهوَ حرُّ الاختيارِ في حقِّه، فكانَ لهُ أن يقتصَّ، أو يعفُوَ عن القصاصِ إلى أخذِ الدِّيَةِ، أو يعفُوَ عن القصاصِ والدِّيةِ جميعًا، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] . * * *

стр. 78

٥ـ المحكوم عليه "تعريفهُ: هو الشَّخصُ الَّذي تعلَّق به خِطابُ الشَّارعِ، وهوَ المكلَّفُ. "شرط صحة التكليف: لا يكونُ الإنسانُ صالحًا للتَّكليف إلاَّ باجتماعِ وصفَينِ فيهِ: ١ـ العقلُ. ٢ـ البُلوغُ. والدَّليلُ عليه قوله ﷺ : ((رُفع القلمُ عن ثلاثةٍ: عن المجنونِ المغلُوبِ على عقلِهِ حتَّى يبْرَأ، وعن النَّائمِ حتَّى يستيقظَ، وعن الصَّبيِّ حتَّى يحتلِمَ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أحمدُ وأصحابُ السُّنن وغيرُهم عن جماعةٍ من الصَّحابةِ] ، وصحَّ في حديثٍ آخر: ((المعتُوه)) بدلَ ((المجنون المغلوبِ على عقلِهِ)) . وقوله ﷺ : ((أربعةٌ يحْتجُّون يوم القِيامةِ: رجلٌ أصمُّ، ورجلٌ أحمقُ، ورجلٌ ماتَ في الفَترَةِ، فأمَّا الأصمُّ فيقولُ: يا ربِّ، لقد جاءَ الإسلامُ وما أسمعُ شيئًا، وأمَّا الأحمقُ فيقولُ: ربِّ قدْ جاءَ الإسلامُ والصِّبيانُ يَحذفُونَنِي بالبَعرِ، وأمَّا الهرِمُ فيقولُ: ربِّ لقدْ

стр. 79

جاء الإسلامُ وما أعقلُ، وأمَّا الَّذي مات في الفترةِ فيقولُ: ربِّ ما أتاني لكَ رسولٌ، فيأخذُ مواثيقَهُم لَيُطيعُنَّهُ، فيرسِلُ إليهمْ رسولاً أن ادْخُلوا النَّار، قالَ: فوالَّذي نفسي بيدهِ لو دخلوها كانتْ عليهِمْ بردًا وسلامًا)) [أخرجه أحمدُ وابنُ حبَّانَ وغيرهما بإسنادٍ صحيحٍ من حديثِ الأسودِ بن سريعٍ، ولهُ شواهدٌ قويَّةٌ عن جماعةٍ من الصَّحابةِ] . فهذا برهانٌ على أنَّ العاجزَ عن فهمِ التَّكاليفِ الشَّرعيَّة لِزَوالِ العقلِ أو نقصِهِ أو عدَمِ بُلوغِ الحُلمِ لا يصلُحُ أن يكونَ مكلَّفًا. * * *

стр. 80

٦ـ الأهلية تعريفها: لُغَةً: الصَّلاحيَّة، تقولُ: (فلانٌ أهلٌ لكَذا) أي صالحٌ ومستوجبٌ لهُ، وتقولُ: (أهلتُهُ لِكذا) إذا جعلتَهُ صالحًا لهُ. واصطلاحًا: نوعان: ١ـ أهليَّةُ وجوبٍ: وهي صلاحيةُ الإنسانِ لأنْ تثبتَ لهُ الحقُوقُ وتجبَ عليهِ الوَاجبَاتُ. ويُعبَّرُ عن هذه الأهليَّة بـ (الذِّمَة) ، فكلُّ إنسانٍ له ذِمَّةٌ تتعلَّقُ بها حقوقٌ ووَاجِباتٌ. وتثبتُ هذه الأهليَّة للإنسانِ بمجرَّدِ (الحياة) ، فكلُّ إنسانٍ حيٍّ له أهليَّةُ وجوبٍ. قيلَ: أصلُ هذه الأهليَّةُ مستفادٌ من العهدِ الأوَّلِ الَّذي أخذهُ الله تعالى على بني آدم، كما قال عزَّوجلَّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، ذلك أنَّ (الذِّمةَ) هي العهدُ،

стр. 81

والعهدُ الثَّابتُ للإنسانِ بمجرَّدِ إنسانيَّتهُ هو هذا العهْد. أمَّا تسميتهَا (ذمَّة) فقيلَ: لأنَّ نقضَ العهدِ يُوجبُ الذَّمَّ، فسمِّي العهدُ بما يؤولُ إليهِ نقضُهُ. ٢ـ أهليَّةُ أداءٍ: وهي صلاحيةُ الإنسانِ للمطالبَةِ بالأداءِ بأنْ تكونَ تصرُّفَاتُهُ معتدًّا بها. وهَذه الأهليَّةُ تثبتُ للإنسان ببلوغِهِ سِنَّ (التَّمييز) . * الأهليَّة كاملة وناقصة: أهليَّة الإنسان تختلفُ كمالاً ونقصًا بحسبِ كمالهِ أو نقصِهِ في الحياةِ والعقلِ، ويُمكنُ إدراكهَا من خلالِ أدوارِ الإنسانِ، وهي كالتَّالي: ١ـ الجنين: هُوَ موصوفٌ بـ (الحياةِ) وهوَ نفسٌ وإنْ لم يستقلَّ بعدُ عن أمِّهِ، يدلُّ عليهِ حديثُ أبي هرَيرَةَ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قضَى في امرأتينِ من هُذيلٍ اقتَتَلْنَا، فرمتْ إحداهُما الأخرلى بحجرٍ، فأصابَ بَطْنَهَا وهي حاملٌ، فقَتَلَتْ ولَدَهَا الَّذي في بَطنهَا، فاختصَمُوا إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقضى أنَّ ديَةَ ما في بَطنِهَا غُرَّةٌ: عبدٌ أو أمَةٌ، فقالَ وليُّ المرأةِ الَّتي غرِمَتْ: كيفَ أغَرَمُ يا رسول الله من لا شرِبَ ولاَ أكلَ، ولا نَطقَ ولاَ

стр. 82

استهلَّ، فمثلُ ذلكَ بَطلَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : ((إنَّما هـَذَا من إخوَانِ الكُهَّانِ)) [متفقٌ عليه] . فهَذا الحديثُ فيه اعتبارُ حياةِ الجنينِ شرعًا، لكنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يجعلْ ديتَهُ ديةَ المولودِ، بلْ نقصتْ عن ذلك، وذلكَ لأجلِ عدمِ انفصَالِهِ واستقلالِعِ. لهذَا فأهليَّتُهُ (أهليَّةُ وجوبٍ ناقصةٌ) يجبُ لهُ لا عليهِ، ومن فُروعِ هذه الأهليَّةِ: استحقاقُه الميراثَ والوصيَّةَ. ٢ـ الطفلُ غيرُ المميِّز: وليسَ للتَّمييزِ سنٌّ محدَّدٌ في الشَّرعِ، إنَّما هو أمرٌ تقديريٌّ يعودُ إلى ما غلبَ عليهِ من التَّفريقِ بين المنافعِ والمضارِّ وإدراكِ الخطإ والصَّواب، ويمكنُ أن يُجعلَ له ضابطٌ بفهمِ الطِّفلِ للاستئذانِ قبل الدُّخولِ في السَّاعاتِ الثَّلاث الَّتي قال الله تعالى فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨] ، وكذلك بتمييز الطِّفلِ بين ما هوَ عورةٌ وما ليسَ بعورةٍ، فإنَّ الله تعالى ذكرَ فيمَنْ استثناهُم فيمَنْ تُبدي المرأةُ بحضرَتِهم زينتهَا الأطفالَ الَّذين لم يُميِّزُوا بقوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾

стр. 83

[النور: ٣١] . والأهليَّةُ الثَّابتُ للطِّفلِ الَّذي لم يُميِّز أهليَّةُ وجوبٍ كاملةٍ، تجبُ لهُ الحقوقُ وعليهِ، أمَّا وجوبُ الحقوقِ فإذا صحَّتْ للجنينَ فلهُ أولى، فتثبتُ حقوقُه في الميراثِ والوصيَّةِ وغير ذلك، وأمَّا الوجوبُ عليه فليسَ على معنى أنَّهُ مُطالبٌ بها، فإنَّه ليس عليهِ أهليَّةُ أداءٍ، وإنما تجبُ عليه حقُوقٌ يؤدِّيها عنه وليُّه، كوُجوبِ الزَّكاةِ في مالهِ، فإنَّ على وليِّه أن يُخرجَ من مالِهِ الزَّكاةَ، ولوْ أتْلفَ شيئًا وجبَ الضَّمانُ في مالهِ يؤدِّيه عنهُ وليُّه، لكنَّه لا يُؤاخذُ في نفسهِ ولا يوصفُ بالتَّقصيرِ لِفُقدانِهِ شرطَ التَّكليفِ. أخرجَ مسلمٌ عن عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄ قال: رفعَت امرأَةٌ صبيًّا لهَا فقالتْ: أَلِهَذا حجٌّ؟ قالَ: ((نَعَمْ، ولكِ أجرٌ)) . فهَذا فيه صحَّةُ حجِّ الصَّبيِّ، وجمهورُ العلماءِ على أنَّ ذلكَ في حقِّهِ تطوُّعٌ لا يسقُطُ بهِ فرضُهُ لعَدَمِ التَّكليفِ، ووجْهُ اعتبارِ حجِّهِ لِمَا يُعَانيهِ وليُّهُ من حملِهِ وأداءِ المناسِكِ بهِ. ٣ـ الطِّفلُ المميِّزُ الَّذي لم يبلُغْ: تثبتُ لهُ أهليَّةُ وجوبٍ كاملةٍ، فهوَ أولى بهذا الحُكمِ من غيرِ المميِّزِ، وتقدَّمَ أنَّهَا ثابتَةٌ لهُ. وكذلكَ تثبتُ لهُ أهليَّةُ أداءٍ ناقصةٍ بسببِ نُقصانِ عقلِهِ، يصحُّ منهُ

стр. 84

الإيمانُ وجميعُ العبَادَات ولا يجبُ عليه ذلك، فهو غيرُ مؤاخذٍ بالإخلالِ لكنَّه مأجورٌ على الامتثال، كما تقدَّم في حديث الحجِّ، وأمرُ الأولادِ بالصَّلاةِ ونحوها من العبادات من جهةِ الأولياء قبلَ أن يبلُغوا الحلم ليس لوجوبِ ذلك عليهم، إنَّما لتأديبهم وتمرينِهم، فقدْ تقدَّم الحديثُ الصَّحيحُ في رفعِ القلمِ عن الصَّبيِّ حتَّى يحتلمَ. وأمَّا تصرُّفاتُه الماليَّةُ فهي على ثلاثَةِ أنواعٍ: [١] ما فيه منفعةٌ خالصةٌ للطِّفل، كالهِبةِ والصَّدقة لهُ، فلو قبِلَهَا فقبُولهُ صحيحٌ معتبرٌ، بناءً على الأصلِ في مراعاةِ منفعَتِهِ. [٢] ما فيه ضررٌ خالصٌ لهُ، فتصرُّفه فيه غيرُ معتبرٍ، كأنْ يهبَ من مالهِ، فهو ليسَ أهلاً للتَّصرُّف في المالِ لقُصورِ العقلِ، وقد قال الله تعالى لوليِّ مالِ اليتِيمِ: ﴿فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] . [٣] ما تردَّد بين المنفعةِ والضَّررِ، كمزَاولَةِ البيعِ والشِّراءِ من قبلِ الطِّفلِ، فاحتمالُ الرِّبحِ والخسارَةِ واردٌ فيها، فهذا النَّوعُ من العقودِ صحيحٌ منه إذا أذِنَ الوليُّ، فإذنًه يجبُر النَّقصَ في أهليَّةِ الأداءِ عندَ الصَّبيِّ. ٤ـ البالغُ العاقلُ: هذا سنُّ الاكتمالِ الَّذي تثبتُ فيهِ الأهليَّتانِ: أهليَّةُ الوجوبِ،

стр. 85

وأهليَّةُ الأداءِ كاملتينِ، فهو صالحٌ لجميعِ التَّكاليفِ الشَّرعيَّةِ، ومسؤولٌ عن جميعِ تصرُّفاتِهِ. * عوارض الأهلية: الأهليَّةُ الكاملةُ قد يعتريهَا ما يُزيلُها أو يُنقصُهَا أو يؤَثِّرُ فيها بتغييرِ بعضِ الأحكامِ. وتُسمَّى تلكَ المؤثِّراتِ بـ (عوارضِ الأهليَّة) . وتنقسمُ قسمينِ: ١ـ عوارض كونية وهي المؤثِّراتُ في الأهليَّةِ الخارِجةُ عن إرادَةِ الإنسانِ وتصرُّفِهِ، ويندرجُ تحتَهَا: ١ـ الجنون: وهو اختلالُ العقلِ بِحيثُ يمنعُ من صُدُورِ الأفعالِ والأقوالِ على نَهْجِ العقلِ إلاَّ نادرًا. لا يمنعُ أهليَّةَ الوجوبِ، لأنَّهَا تثبتُ بمجرَّدِ الحياةِ، فلهُ أهليَّةُ وجوبٍ كاملةٍ، لكنْ ليسَ لهُ أهليَّة أداءٍ، فهيَ منعدِمةٌ في حقِّهِ لِزوَالِ

стр. 86

العقْلِ. وتقدَّم فيهِ قولُ النَّبيِّ ﷺ : ((رُفعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن المجنُونِ المغلوبِ على عقلِهِ حتَّى يبْرأَ)) الحديث. ٢ـ العتَه: هو اختلالٌ في العقلِ يصيرُ بهِ صاحبُهُ مختلِطًا، يُشبِهُ حالُهُ أحيانًا حَالَ العُقلاءِ وأحيَانًا حالَ المجانِين. فهذَا له حالانِ: الإلحاقُ بالمَجنُونِ حينَ تغلِبُ عليهِ أوصافُهُ، وبالعاقلِ حين تَغْلِبُ عليهِ أوصَافُه، لكنَّهُ لا يكُونُ لهُ منزلَةُ العاقِلِ البالِغِ من أجلِ ما يعترِيهِ من وصفِ المجَانِينِ، فلِذا: تثبتُ لهُ أهليَّة وجوبٍ كاملةٌ، وتنعدمُ في حقِّه أهليَّة الأداءِ عندَمَا يُلحقُ بالمجنونِ، وتثبتُ لهُ أهليَّةُ أداءٍ ناقصَةٌ حينَ يُلحقُ بالعُقلاءِ. وفيه قولُهُ ﷺ في بعضِ الأحاديثِ الصَّحيحَةِ الوَاردةِ في رفعِ القلَمِ: ((وعنِ المعتُوهِ حتَّى يَعْقِلَ)) . ٣ـ النسيان: لا يُنافِي الأهليَّتينِ: أهليةَ الوجوبِ وأهليَّة الأداءِ، لبقاءِ تمامِ العقلِ ولكنَّهُ عُذْرٌ في إسقاطِ الإثمِ والمُؤاخذَةِ الأخرويَّةِ لِمَا وقعَ بسبَبِه من الأفعالِ أو التَّصرُّفاتِ، أمَّا المطالبةُ بالأداءِ فثابتَةٌ عليهِ لا تسقُطُ بالنِّسيانِ إلاَّ فيما استثنَاهُ الشَّرعُ من ذلكَ.

стр. 87

وهذهِ ثلاثةُ أمثلةٍ: [١] رجلٌ نسيَ صلاةً، فلا يعذَرُ بِترْكِهَا بعدَ التَّذكُّرِ، فقَدْ صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَهُ قالَ: ((مَنْ نسيَ صلاَةً فليُصلِّ إذَا ذَكرَهَا لا كفَّارَةَ لهَا إلاَّ ذلكَ)) [متفقٌ عليه] . [٢] رجلٌ استُودِِعَ أمَأنَةً فتركَهَا في موضعٍ نسيانًا فذهبتْ عليهِ، وجب عليه الضَّمانُ، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ، وهذا من حقوقِ العبادِ، وحقُوقُ العبادِ لهُمْ وهمْ أصحابُ الحقِّ فيها مُطالبَةً وإسقاطًا. [٣] رجلٌ نسيَ فَأكلَ أوْ شرِبَ وهو صائِمٌ، فليتِمَّ صومَهُ فأكْلُهُ وشُربُهُ صَدَقَةٌ من ربِّهِ ﵎ عليهِ، وهَذا حقُّهُ سبحَانَهُ فأسقَطَ المُطالبَةَ بهِ عندَ النِّسيَانِ، كما قال النَّبيُّ ﷺ : ((إذا نسِيَ فَأكَلَ وشرِبَ فليُتِمَّ صوْمَهُ، فإنَّما أطْعَمَهُ الله وسقَاهُ)) [متفقٌ عليه من حديثِ أبي هُريرة] . أمَّا الأصلُ في إسقاطِ الإثمِ عن النَّاسِي فقولُهُ ﷺ : ((إنَّ الله وضَعَ عنْ أُمَّتي الخَطَاَ والنِّسيَانَ ومَا اسْتُكرِهُوا عليهِ)) [حديثٌ صحيحٌ رواه ابنُ ماجه وغيرُهُ] . كما استجابَ الله تعالى دُعاءَ المؤمنينَ حينَ قَالُوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، فقال الله عزَّوجلَّ ((قَدْ فَعلْتُ))

стр. 88

[رواه مسلمٌ وقد تقدَّم بطُولِهِ] . ٤ ـ النوم والإغماء: النَّائمُ والمُغمى عليه ساقطةٌ عنهمَا أهليَّةُ الأداءِ في حالِ النَّومِ والإغماءِ، ومطالبَانِ بها لما فاتهُمَا بسببِ تلكَ الحالِ بعدَ زَوالِ هذا العارضِ بالانتباهِ والاستيقاظِ، فالشَّريعَةُ رفعَتْ في الحقيقةِ الإثمَ واللَّومَ في التَّفويتِ أو الخَطأِ يقعَانِ في حالِ النَّومِ والإغماءِ. فعنْ أبي قتَادَةَ ﵁ قالَ: قال رسول الله ﷺ : ((ليسَ في النَّومِ تفريطٌ، إنَّما التَّفريطُ في اليقَظَةِ أنْ تُرخَّرَ صلاةٌ حتَّى يدْخُلَ وقْتُ الأخرَى)) [حديثٌ صحيحٌ رواهُ مسلمٌ وأبوداود وغيرُهمَا] . وتقدَّمَ في حديثِ رفعِ القَلمِ: ((وعنِ النَّائمِ حتَّى يستيقِظَ)) . أمَّا المُطالبَةُ بالفائتِ واحتِمالِ نتيجةِ الخَطإِ بعدَ زَوَالِ هَذَ العُذْرِ فهيَ ثابِتَةٌ. فعنْ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قال: قال نبيُّ الله ﷺ : ((مَنْ نسيَ صلاةً أو نامَ عنهَا فكفَّارتُهَا أن يُصلِّيهَا إذا ذكرهَا)) [متفقٌ عليه] . وفي روايةٍ لمسلمٍ: ((إذا رقدَ أحدُكُم عن الصَّلاةِ أو غفَلَ عنهَا فليُصلِّهَا إذا ذَكرَهَا، فإنَّ الله يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] )) . ولو فعلَ النَّائمُ أو المُغمى عليهِ خطَأَ فيما هو من حقُوقِ العبادِ، كَأنِ انقلبَ على إنسانٍ فَقَتَلهُ فإنَّه يحتَمِلُ نتيجةَ الخَطإِ لا نتيجةَ العمْدِ، لعدَمِ

стр. 89

القصدِ يقينًا. ومنَ الفُقهَاءِ من شبَّهَ (المُغمَى عليه) بالمَجْنُونِ، وهذا خطَأٌ في التَّحقيقِ لبَسْطِهِ موضعٌ آخرُ. ٥ـ المرض: المريضُ ثابتَةٌ في حقِّهِ الأهليَّتانِ: أهليَّةُ الوُجوبِ، وأهليَّةُ الأدَاءِ، لكنْ للمريضِ تأثيرٌ في بعضِ الأحكامِ يُسبِّبُها هَذا العارضُ، فَلِذا تسقُطُ عنهُ المُطالبَةُ بما يعْجِزُ عنهُ من حقُوقِ الله تعالى، كَعَجزِهِ عنِ القيامِ في الصَّلاةِ، وجوازِ الفِطْرِ من رَمضَانَ، وغير ذلكَ. أمَّا عُقودِهِ وتصرُّفاتِه، فإنَّها صحيحةٌ جميعًا فإنَّ لهُ تمامَ العقلِ وكمالَ الأهليَّةِ، فبيعُهُ ونِكَاحُهُ وطلاقُهُ وغيرُ ذلكَ من عُقُودِهِ صحيحٌ نافذٌ. لكن اختلَفَ الفُقَهاءُ في نِكاحِهِ وطلاقِهِ في مرضِ الموتِ، فأمَّا النِّكاحُ فأبْطلَهُ بعضُهُم وصحَّحَهُ الجُمهورُ، وعلَّةُ من أبطلَهُ أنَّهُ قصَدَ بهِ الإضرارُ بالورَثََةِ بإدْخَالِ وارثٍ جديدٍ عليهِمْ، وقولُ الجمهُورِ هُوَ المُوافِقُ للأصلِ، وأمَّا طلاقُه إذا كانَ بائنًا فصحيحٌ ماضٍ عندَهُم لكنَّهُم اختلفُوا في توريثِ المطلَّقَةِ منهُ، فجمهورُهُمْ على أنَّهَا ترثُ منهُ، وطائفَةٌ منهمُ الشَّافعِيُّ أنَّهَا لا تَرثُ منهُ. وصحَّ أنَّ عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ طلَّقَ امْرَأتَهُ البتَّةَ وهوَ مريضٌ،

стр. 90

فورَّثها عُثمانُ ﵁ بعدَ انقضاءِ عِدَّتِهَا [رواهُ الشَّافعِيُّ وغيرُهُ] . وليسَ في إبطالِ الحُقوقِ بهذهِ التَّصرُّفاتِ شيءٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ، وما دَامَ المريضُ كاملَ الأهليَّةِ فتصرُّفُهُ صحيحٌ مُعتبرٌ، وتصحيحُهُ يعني تصحيحَ ما يترتَّبُ عليهِ. ٦ـ الحيض والنفاس: هُما من العوارِضِ الكونيَّة المختصَّةِ بالنِّساءِ، وهمَا لا يُنافيَانِ أهليَّةَ الوُجوبِ ولا أهليَّةَ الأدَاءِ، لكن يحولانِ بين المرأةِ وبينَ الصَّلاةِ والصَّومِ والطَّوافِ بالبيتِ في وقتِ وُقوعِهِمَا من المرْأَةِ، وتبقى المُطالبَةُ بقضاءِ الصَّومِ والإتيانُ بطوافِ الإفاضَةِ دُونَ طوافِ الوداعِ، على تفصيلٍ يُعرفُ من كُتُبِ الفِقهِ، أمَّا سائرُ العبادَاتِ فلا يحُولُ بين المرأةِ وبينهَا عارضُ الحيضِ أو النِّفاسِ على التَّحقيقِ. عنْ مُعاذَةَ العدَويَّةَ قالتْ: سألتُ عائشَةَ فقُلتُ: ما بالُ الحائضِ تقضِي الصَّومَ ولا تقضي الصَّلاةَ؟ فقالتْ: أَحَرُوريَّةٌ أنتِ؟ قُلتُ: لستُ بِحرُوريَّةٍ، ولكنِّي أسْألُ، قالتْ: كانَ يُصيبُنا ذلكَ فنُؤمَرُ بقضاءِ الصَّومِ ولا نُؤمَرُ بقضاءِ الصَّلاةِ [متفقٌ عليه] . وعن عائشَةَ ﵂ قالتْ: خرجْنَا مع النَّبي ﷺ لا نَذْكُرُ إلاَّ الحجَّ، فلمَّا جِئنَا سرِفَ طَمِثتُ، فدَخلَ عليَّ النَّبيُّ ﷺ وأنَا أبكِي،

стр. 91

فقال: ((مَا يُبكِيكِ؟)) قلتُ: لَوَدِدْتُ والله أنِّي لمْ أَحُجَّ العامَ، قالَ: ((لَعَلَّكِ نُفِستِ)) قلتُ: نَعمْ، قالَ: ((فإنَّ ذلكَ شيءٌ كَتَبَهُ اللهُ على بناتِ آدَمَ، فَافْعلِي ما يفعلُ الحَاجُّ، غيرَ أن لا تَطُوفي بالبيتِ حتَّى تَطْهُرِي)) [متفقٌ عليه] . وعن عائشَةَ أيضًا قالتْ: قال لي رسولُ الله ﷺ : ((ناوِليني الخُمرَةَ من المسجِ؟)) قالتْ: فقلتُ: إنِّي حائضٌ، فقال: ((إنَّ حيضَتَكِ ليستْ في ِيَدِكِ)) [أخرجه مسلمٌ] . وليس يُعارضُ هَذا شيءٌ يثبُتُ. ٧ـ الموت: الموتُ تَنعدِمُ فيهِ الأهليَّتانِ: أهليَّةُ الوجوبِ، وأهليَّةُ الأداءِ. لكِنْ هلْ يبقى شيءٌ يُطالبُ بهِ المَيِّتُ يمكِنُ أداؤُهُ عنهُ؟ نَعَمْ، دلَّ الكتابُ والسُّنَّةُ على بقاءِ الدَّينِ حقًّا يُطالبُ به الميِّتُ لا يبْرأُ منهُ إلاَّ بأدَائِهِ عنهُ، ولِذا لا يُقسَمُ ميراثُهُ ويصيرُ إلى ورثتِهِ إلاَّ بعْدَ استيفاءِ ديونِهِ منهُ، كما قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ، وكذا يصحُّ تحمُّلُهُ عنهُ من قِبلِ غيرِهِ فتسقُطُ عنهُ بهِ المُؤاخَذَةُ، كما ثبتَ في السُّنَّةِ عن سلَمَةَ بنِ الأكوَعِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتيَ بجنَازَةٍ ليُصلِّيَ عليها، فقالَ: ((هلْ عليهِ مِنْ دَينٍ؟)) قالوا: لا، فصلَّى عليه، ثمَّ أُتي بِجنَازَةٍ أخرَى فقالَ: ((هلْ عليهِ منْ دينٍ؟))

стр. 92

قالوا: نعَمْ، قالَ: ((صلُّوا على صاحبِكُمْ)) قال أبوقتادَةَ: عليَّ دَينُهُ يا رسولَ الله، فصلَّى عليهِ [رواهُ البخاريُّ وغيرُهُ] . واختَلَفَ الفُقهاءُ في زكاةِ مالِهِ لوْ وَجبَتْ عليهِ قبلَ موتِهِ ولم يُردِّهَا فهل يلزَمُ الوَرَثَةَ إخرَاجُها أمْ لاَ، فذهبَ الحنفيَّةُ إلى عَدَمِ إخراجِهَا حيثُ كانَ هُوَ المكلَّفُ بها، ومالُهُ من بعدِهِ بعدَ استيفاءِ حقوقِ الخَلقِ الَّتي كانتْ عليهِ يعودُ لوَرَثَتِهِ، وذهبَ الشَّافعيَّةُ إلى وُجوبِ إخرَاجهَا عنهُ من مالهِ، لأنَّ وجوبَهَا عندَهُم في نفسِ المالِ، ومذهبُ الحنفيَّةِ أصحُّ في هذَا، فإنَّهُ كان المُكلَّفَ بها، وهو إمَّا أن يكونَ قصَدَ عدَمَ الإخراجِ أو التَّأخيرَ فتلكَ خطيئَةٌ لا يحتملُ أثرَهَا عنهُ غيرُهُ، وإمَّا أن يكونَ عجَزَ عنهَا أو لمْ يزَلْ وقتُهَا حينَ ماتَ موسَّعًا فليسَ عليه فيها مُؤاخَذَةٌ، لكنْ لوْ أخرَجَهَا الورثَةُ كانتْ صَدَقَةً نافعَةً، فقد صحَّ عن عائشةَ ﵂: أنَّ رجلاً قالَ للنَّبيِّ ﷺ : ((إنَّ أُمِّي افْتُتِلتْ نفسُهَا، وأظُنُّها لوْ تكلَّمتْ تصدَّقتْ، فهلْ لهَا أجرٌ إنْ تصدَّقتُ عنهَا؟ قال: ((نَعَمْ)) [متفقٌ عليه] . * * *

стр. 93

٢ـ عوارض مكتسبة وهيَ المُؤثِّراتُ في الأهليَّةِ الَّتي للإنسانِ فيها كسبٌ واختيارٌ، ويندرجُ تحتَهَا: ١ـ الجهل: الجَاهلُ ثابتَةٌ لها الأهليَتَانِ: أهليَّةُ الوجوبِ وأهليَّةُ الأداءِ، والجهلُ عارضٌ مطلوبٌ منهُ إزَالَتُهُ، وهلْ يُعذَرُ بِبَقَائِهِ؟ تقدَّمَ جوابُ ذلكَ في بيانِ وصفِ الفِعلِ الَّذي يكونُ لازِمًا للمكلَّفِ أنَّهُ لا بدَّ أن يكونَ معلومًا لهُ، فأغنى عن الإعادَةِ. ٢ـ الخطأ: وهو ما قابلَ التَّعمُّدَ، وهو عارضٌ لا يُنافِي الأهليَّتينِ: أهليَّةَ الوُجوبِ وأهليَّةَ الأداءِ، لكنَّهُ عُذْرٌ في إسقاطِ الإثمِ واللَّومِ كما تقدَّمَ في (النِّسيانِ) . والأصلُ فيه قولهُ ﷺ المُتقدِّمُ: ((إنَّ الله وضعَ عن أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسيانَ وما اسْتُكْرِهُوا عليه)) ، وقال الله عزَّوجلَّ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥] . فما يقعُ من الخَطإ في حقِّ الله تعالَى فهوَ معفوٌّ عنه مغفورٌ لِصاحِبِهِ، ومن ذلكَ خطأُ المفتي في فَتواهُ باجتِهَادِهِ، وخطأُ المجتهدِ في القِبلَةِ.

стр. 94

أمَّا في حقوقِ العبادِ فإنْ وقعَ التَّعدِّي خطأً، كما في القتلِ الخطإِ مثلاً فإنَّهُ مع سُقوطِ الإثمِ عنه لكنَّهُ لا تسقُطُ المُطالبَةُ جملَةً، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أهله﴾ [النساء: ٩٢] . أمَّا إن أجرَى شيئًا من العُقودِ كالبيعِ والنِّكاحِ والطَّلاقِ، فالجُمهورُ على إبطالِ تلكَ التَّصرُّفاتِ لانتفاءِ القصدِ، وخالفَهُمْ الحنفيَّةُ فصحَّحوهَا، والأصلُ معَ مذهبِ الجمهُورِ. ٣ـ الهزل: هوَ: أن لا يُرادَ باللَّفظِ معناهُ، وهوَ ضِدُّ الجِدِّ. و (الهازل) من يتكلَّمُ بالشَّيء وهوَ يُدرِكُ معناهُ لكنَّهُ لا يُريدُ ذلك المعنى ولا يختَارُهُ ولاَ يرضَاهُ. إذًا فـ (الهزل) لا يُنافي الأهليتَينِ: أهليَّة الوجوبِ وأهليَّةَ الأداءِ، لكنْ هلْ يترتَّبُ عليهِ أثرٌ؟ التَّصرُّفاتُ القوليَّةُ الَّتي تقترنُ بالهَزْلِ ثلاثَةُ أنواعٍ: [١] الإخبارات: وهي (الإقرارات) كأنْ يقولَ: (لِفُلانٍ عليَّ كذا) ، أو (هذا المالُ لي) ، أو (أنا قتَلْتُ فُلانًا)) ، فهذهِ إقراراتٌ فاسدَةٌ لا يترتَّبُ عليها شيءٌ لأنَّها كذبٌ.

стр. 95

[٢] الاعتقادات: وتقعُ على ما يتكلَّمُ به الهازلُ، ولا يُقالُ لم يُردْ حقيقَتَهَا، مثالُهَا: لوْ تكلَّم إنسانٌ بكلمةِ الكُفرِ هازلاً وقال: ما قصدْتُ ولا أرَدْتُ أُخذَ بهَا، وعُدَّتْ رِدَّةً عن الإسلامِ، لِمَا في هزْلِهِ من الاستِخفافِ بدينِ الإسلامِ. قال الله عزَّوجلَّ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ـ ٦٦] ، وقال النَّبيُّ ﷺ : ((مَنْ حلفَ فقالَ: إنِّي بريءٌ من الإسلامِ، فإنْ كانَ كاذِبًا فهوَ كما قال، وإنْ كانَ صادِقًا فلنْ يرْجِعَ إلَى الإسلامِ سالمًا)) [أخرجه أبوداود وغيرُهُ بسندٍ صحيحٍ] . [٣] الإنشاءات: وهي العُقودُ، وهي نوعانِ: (١) تنفذُ معَ الهزلِ وتقعُ صحيحةً، وهيَ الَّتي ورَدَتْ في قوله ﷺ : ((ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ، وهزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلاقُ، والنِّكاحُ، والرَّجعَةُ)) [حديثٌ حسنٌ رواهُ التِّرمذِيُّ وغيرهُ] ، ولعلَّ المعنى في إمضاءِ هذهِ العُقودِ حتِّى مع الهزْلِ أنَّها لا تخلو من حقِّ الله تعالى فيها، فيكونُ الهزلُ بها من اتِّخاذِ آياتِ الله هُزُوًا، وقد قال تعالى في صَدَدِ بيانِ أحكامِ الطَّلاقِ: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] .

стр. 96

(٢) لا تنفذُ مع الهزلِ ولا تقعُ، وهي سائرُ أنواعِ العُقودِ كالبيعِ والإجارَةِ وغير ذلكَ، فلو قال إنسانٌ لآخر: (بِعتُك كذا) هازلاً فلا يصحُّ البيعُ لانتفاءِ التَّراضي بانتفاءِ قصدِ الهازلِ، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . ٤ـ السفه: هو خفَّةٌ تعرضُ للإنسانِ تحمِلُهُ على التَّصرُّفِ بالمالِ بخلافِ مُقتضى العقلِ معَ وُجودِ العقلِ، فيُقالُ: (السَّفيهُ ليسَ أهلاً للتّصرُّفِ في المالِ)) . فهو لا يُنافي الأهليَّتينِ: أهليَّة الوُجوبِ وأهليَّة الأداءِ)) من جهةِ كونِ السَّفيهِ مخاطبًا بالتَّكاليفِ لوجودِ العقلِ، لكنَّهُ يُؤثِّرُ في تصرُّفِه في الأموالِ، فيُوجبُ الحجرَ عليهِ فلا يُمكَّن من التَّصرُّف فيها ما دامَ على هذا الوصفِ. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥] ، وقال حينَ أمرَ بِكتابَةِ الدَّينِ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .

стр. 97

وما لا يتَّصلُ بالأموالِ من العُقودِ كالنِّكاحِ والطَّلاقِ ونحوِهَا، فهيَ صحيحةٌ نافذَةٌ منهُ، فإنَّهُ لا يُتصوَّرُ في نفسِ العقدِ تبذيرٌ وإساءَةُ استعمالِ كالمالِ. ٥ـ السكر: وهُو زَوالُ العقلِ بسببِ تعاطي الخمرَةِ، بحيثُ لا يدري السَّكرانُ ماذا يصدُرُ منه من تصرُّفاتٍ حالَ سُكْرِهِ. فالأصلُ أنَّهُ بِزَوالِ العقلِ يُصبحُ غيرَ مُطالبٍ بالأداءِ في حالِ السُّكرِ، أي: تنعدمُ في حقِّهِ أهليَّةُ الأداءِ. لكنَّ الفُُقهاءَ اختلفُوا في نتائجِ تصرُّفاتِه إذا سَكرَ بطريقٍ محرَّمٍ لا خطأً، فشَدَّدَ الجمهورُ عليه نظرًا لارتكابِهِ الحرامَ بشُربِهِ الخمرَ، وذهبَ طائفةٌ من الفقهاءِ وهو قولٌ للحنابلة إلى عدمِ الاعتِدادِ بأيِّ تصرُّفٍ قوليٍّ له، فلا يصحُّ منه بيعٌ ولا نكاحٌ ولا طلاقٌ ولا إقرارٌ، ولا شيءٌ، نظرًا لفقدِهِ شرْطَ التَّكليفِ الَّذي هوَ العقلُ وانتِفاءِ الاختيارِ. وأمَّا الحقُوقُ المتعلِّقةُ بالبشرِ، فإنَّهُ لوْ أتلفَ شيئًا للغيرِ ضَمِنَ. ولكنْ؛ لو قتلَ فهلْ يُقتلُ؟ الجُمهورُ قالوا: نعَمْ، وذهبَتْ طائفةٌ إلى عدَمِ قتلِهِ منهم الظَّاهريَّة، لانتفاء وصفِ العمدِ، وإنَّما يجبُ القِصاصُ في العمدِ. وقولُ من قالَ: لا يُعتدُّ بتصرُّفاتِه هوَ المتَوافِقُ معَ الأدلَّةِ والأصولِ

стр. 98

الشَّرعيَّة، ولا يصحُّ أن يُعاقبَ بغيرِ حدِّ الخمْرَةِ، فإذا تعدَّى على غيرهِ بغيرِ القتلِ فإنَّهُ يحتمِلُ حقَّ الغيرِ كما يحتملُهُ المجنونُ في مالهِ، أمَّا القِصاصُ فقدْ تخلَّف رُكنٌ فيه وهو (العمْدُ) ، فلا يصحُّ. وعليهِ: فلا ينبغي التَّفريقُ بينَ الآثارِ المترتِّبة على تصرُّفِ السَّكرانِ بطريقٍ مباحٍ كمنْ شرِبَ الخمرَ وهوَ لا يعلمُ، أو بطريقٍ محرَّمٍ، ولا يحلُّ أن نزيدَ في عُقوبَتِهِ على ماجاءتْ به الشَّريعَةِ. ٦ـ الإكراه: هوَ: حملُ الغيرِ على أنْ يفعلَ أو يقولَ ما لا يرضَاهُ ولا يختارُ لوْ خُلِّي بينهُ وبينَهُ. و (الإكراهُ) لا يُنافي الأهليَّتينِ: أهليَّبة الوجوبِ والأداءِ، لكنَّهُ يؤثِّرُ في بعض الأحكامِ بسببِ ما يدْفعُ إليهِ الإكراهُ من التَّصرُّفِ على خلافِ مُقتضَى الشَّرعِ. والأصلُ فيه قولهُ ﷺ : ((إنَّ الله وضعَ عن أُمَّتِي الخَطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهُوا عليهِ)) ، وقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] ، فرفعَ الله الإثمَ واللَّومَ عمَّنْ أُكرهَ على قولٍ أو فعلٍ، إذا

стр. 99

كان ذلك الفعلُ أو القولُ مِمَّا يثبُتُ بمواقعتِهِ الإثمُ، لكنْ ما حُكمُ التَّصرُّفاتِ الواقعةِ من المكرَه؟ في ذلك خلافٌ بين الحنفيَّةِ وغيرِهِم يُستفادُ من كُتُبِ الفِقهِ، وما دلَّت عليهِ الأدلَّةُ في ذلك وهو مذهبُ الجمهورِ أنَّ الإكراهَ نوعانِ: [١] إكراه بحقٍّ كإكراهِ القاضي المدينَ على سَدَادِ الدَّينِ، فهذا إكراهٌ صحيحٌ تبرأُ به ذمَّةُ المكرَه. [٢] إكراهٌ بغيرِ حقٍّ. كالإكراهِ على قول كلمةِ الكفرِ، وقتلِ النَّفسِ، والسَّرقةِ، وشربِ الخمرِ، والنِّكاحِ أو الطَّلاقِ أو البيعِ. فهذا النَّوع من الإكراهِ لا يترتَّبُ عليه أثرهُ ولا يُتبَعُ بهِ المكرَهُ، فهوَ تصرُّفٌ باطلٌ. إلاَّالقتل فاختلفُوا فيه، فقيلَ: لا يُعفى فيه عن المكرَهِ، لاستواءِ نفسي المكرَه ومن يُرادُ قتلُهُ في الحُرمَةِ، فلو قيلَ لِشخصٍ: (اقتُل فلانًا وإلاَّ قتلناكَ) والمطلُوبُ قتلهُ مسلمٌ، فقد استويَا في عصمةِ الدَّمِ ولاَ مرجِّحَ، فانتفَى العُذْرُ بـ (الإكراه) ، لكنَّهُ لو قتلَ مُكرَهًا فهلْ يُقتصُّ منه أمْ يُقتصُّ من الَّذي حملهُ على القتلِ؟ مذهبُ الحنفيَّةِ في هذا أظهرُ من مذهبِ غيرِهِم، وهوَ: القصاصُ من الحاملِ على القتلِ، أمَّا المكرَهُ فإنَّهُ

стр. 100

صارَ بمنزلَةِ الآلةِ، والقاتلُ حقيقةً من ألجأ إلى القَتْلِ. وما اتَّصلَ بحقُوقِ العبادِ غيرُ القتلِ، كإتلافِ أموالِهِم، فالضَّمانُ فيه على (المكرِهِ) الَّذي حملَ غيرُهُ على الفعلِ، لا على (المكرَه) المدفُوعِ إلى الفعلِ، وهيَ مظلمةٌ ثابتَةٌ في ذمَّتِهِ. ومن الأدلَّة الَّتي أبطِلَتْ بها آثارُ التَّصرُّفاتِ لعلَّةِ الإكراهِ، قولهُ ﷺ : ((لا طلاقَ ولاَ عتاقَ في إغلاقٍ)) [حديثٌ حسنٌ رواهُ أحمدُ وغيرُهُ] ، و (الإغلاقُ) الإكراهُ.

стр. 101

أدلة الأحكام

стр. 102

تمهيد الأدلة نوعان: ١ـ نقليَّة: وهي: الكِتابُ، والسُّنَّة، والإجماعُ، وشرعُ من قبلَنَا. وسمِّيتْ (نقليَّةً) لأنَّها راجعةٌ إلى النَّقلِ ليسَ للعقلِ شيءٌ في إثباتهَا. ٢ـ عقليَّة: وهي: القِياسُ، والمصلحَةُ المُرسلَة، والعُرفُ، والاستصحابُ. وسمِّيتْ (عقليَّةً) لأنَّ مردَّها إلى النَّظرِ والرَّأيِ وإنْ لم تستقلَّ بها العُقُولُ. والأدلَّةُ هي البيَانُ لشريعَةِ الإسلامِ. * مرجع جميع الأدلة إلى القرآن: تقدَّمَ أنَّ العقلَ لا يستقلُّ بإثباتِ الأحكامِ وأنَّ مرجعَ ذلكَ إلى الوَحي، والوحيُ ما أوحى الله تعالى به إلى نبيِّه ﷺ ، وهوَ: الكتابُ والسُّنَّةُ، وإنَّما علمنَا أنَّ السُّنَّةَ وحيٌ بدلالةِ القرآنِ، وأُمرنَا باتِّباعهَا بأمرِ القرآنِ، فعادَ أمرُهَا إلى القُرآنِ، وسائرُ الأدلَّةِ دُونها ما اتَّفق عليه النَّاسُ وما اختلفُوا فيه عائدٌ اعتبارُهُ إلى الكتَابِ والسُّنَّةِ، فالإجماعُ لا يُتصوَّرُ

стр. 103

كما سيأتي من غيرِ الاستدلالِ له من الكتاب ِوالسُّنَّة، والقياسُ لا يتمُّ إلاَّ بدليلٍ من الكتابِ والسُّنَّةِ، وسائرُ الأدلَّةِ ليسَ فيها مَا يُمكنُ تصحيحُ الاستدلالِ بهِ إلاَّ بالكتابِ والسُّنَّة، وحيثُ كانَ مرجعُ أمرِ السُّنَّةِ إلى القرآنِ، فقد صحَّ أنَّ مرجعَ جميعَ أدلَّةِ الأحكامِ إلى القُرآنِ. * ترتيبُ الأدلة: إذا كانَ مرجعُ جميعِ الأدلَّةِ إلى (القرآنِ) فوجبَ ضرورَةً أن يكونَ أوَّلها في الرُّجوعِ إليهِ لاستفادَةِ الأحكامِ، ولمَّا كانتِ (السُّنَّةُ) مبيِّنةً لهُ وهي الدَّليلُ الثَّاني المتَّفقُ على الاستدلالِ به لعودِهَا إلى مسمَّى (الوحي) فهي التَّاليةُ للقرآنِ في ترتيبِ الاستدلالِ، وجديرٌ أن تكُونَ سائرُ الأدلَّةِ في التَّرتيبِ تعودُ إلى قوَّةِ اتِّصالهَا بالوحييْنِ، فـ (الإجماعُ) لا يعودُ تقريرُهُ إلى نظرٍ، وعُمدتُهُ على النَّصِّ فهوَ ألصقُ من سائرِ الأدلَّةِ بالوحيِ، ثمَّ يأتي ترتيبُ الأدلَّةِ النَّظريَّة وعلى رأسهاَ (القياسُ) فهوَ أظهرُهَا من جهَّةِ اتِّصالهِ بالوحيِ. وقَدْ رُويَ في ترتيبِ الأدلَّةِ حديثٌ مشهورٌ لا يكادُ يخلو منهُ كتابٌ من كُتُبِ الأصولِ، وهو حديثُ معاذِ بنِ جبلٍ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ حينَ بعثَهُ إلى اليمَنِ فقال: ((كيفَ تصنعُ إنْ عرضَ لكَ قضاءٌ؟)) قالَ: أقضي بمَا في كِتابِ الله، قالَ: ((فإنْ لم يَكُنْ في كتابِ

стр. 104

الله؟)) قالَ: فبسُنَّةِ رسول اللهِ، قالَ: ((فإنْ لم يكُنْ في سنَّةِ رسول الله ﷺ ؟)) قال: أجتهدُ رأيي لا آلُوا، قالَ: فضربَ رسولُ الله ﷺ صدرِي ثمَّ قالَ: ((الحمدُلله الَّذي وفَّق رسُولُ الله ﷺ لما يُرضي رسولَ الله ﷺ )) [أخرجهُ أحمدُ وأبوداودَ والتِّرمذيُّ وغيرُهم] . وهذا الحديثُ لا يُثبتُهُ أئمَّةُ الحديثِ من السَّلفِ، ووافقهمْ على قولهِمْ في ردِّه مُحقِّقُو المُحدِّثينَ ممَّنْ جاءَ بعدَهُم، فمِمَّن ضعَّفهُ وردَّهُ: البُخارِيُّ، والتِّرمذِيُّ، والدَّارقُطنيُّ، وابن حزْمٍ، وابن طاهرٍ المقدسِيُّ، وابنُ الجوزِيُّ، والذَّهبيُّ، وأبوالفضلِ العِراقِيُّ، وابنُ حجرٍ العسقلانِيُّ، وغيرُهُم من أئمَّةِ المحدِّثينَ ونُقَّادِهم، وعلَّةُ الحديثِ تعودُ إلى الاختلافِ فيه وصلاً وإرسالاً، وجهالةِ بعضِ رُوَّاتهِ في موضعينِ، وواحدةٌ من تلك العِللِ تسقُطُ بحديثٍ في الفضائلِ، فكيفَ بحديثٍ في الأصولِ؟! ولكنَّ ضعْفَ هذا الحديثِ لا يُؤثِّرُ في ترتيبِ الأدلَّةِ المذكورَةِ، فإنَّ أصولَ الشَّريعةِ اقتضتْهُ ودلَّتْ عليهِ، وهوَ المنقولُ عن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، وذلكَ بتقديمِ الوحي أوَّلاً على الرَّأيِ، والوحيُ كتابٌ وسُنَّةٌ، والسُّنَّةُ تابعةٌ للقُرآنِ من حيثُ أنَّهَا مُبيِّنَةٌ له، ودرجَةُ التَّابعِ لا تصلُحُ أن تكونَ مُساوِيةً للمتبوعِ فضلاً عن أن تسبِقَهُ، كيفَ والقرآنُ كلامُ ربِّ العالمين ﵎؟ ويزيدُ هذا تأكيدًا ما سيأتي في التَّفريقِ بينَ طريقَي نقْلِ القُرآنِ ونقلِ السُّنَّة، مِمَّا فيه بلا ريب دلالَةٌ بيِّنَةٌ على تأكيدِ

стр. 105

هذا التَّقديمِ، أمَّا مرتبةُ النَّظرِ والاستنباطِ فحيثُ لا يكونُ الوحيُ، فهيَ جديرةٌ بالتَّأخُّرِ بعدَهُ بهذا الاعتبارِ. وهذا التَّرتيبُ من جهَةِ البدْءِ في الاستدلالِ ومنزلَةِ الدَّليلِ، أمَّا مِنْ جهةِ كونِ الدَّليلِ حُجَّةً في إفادَةِ الأحكامِ فالوحيُ: كتابٌ وسُنَّةٌ درجَةٌ واحدَةٌ كما سيأتي بيانُهُ. * * *

стр. 106

الدليل الأول القرآن * تعريفه: القُرآنُ اسمٌ للكتابِ العربيِّ المُنزَّلِ على رسول الله محمَّد ﷺ ، المُبتدأ بالبَسمَلةِ فسُورةِ الفاتحة، والمُختتمِ بسورةِ النَّاسِ. * خصائصه: ١ـ كلامُ الله المنزَلُ على رسولهِ محمَّدٍ ﷺ . فتخرُجُ الكتُبُ الَّتي أنزلتْ على غيرِ محمَّدٍ ﷺ كالتَّوراةِ والإنجيلِ وزبُورِ داود ﵇ فليستْ قُرآنًا. أمَّا الحديثُ الَّذي رواهُ البُخاريُّ وغيرُهُ عن أبي هريرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: ((خُفِّفَ على داوُدَ ﵇ القُرآنُ، فكان يأمُرُ بدوابِّهِ فتُسرجُ، فيقرأُ القرآن قبلَ بأن تُسرجَ دوابُّهُ)) فـ (القُرآنُ) هُنا ليس اسمَ الكتابِ، إنَّما هو مصدرٌ كـ (القراءة) ، وقد روى البخاريُّ هذا الحديثَ في موضعٍ آخرَ من ((الصَّحيحِ)) بلفظِ: ((خُفِّفَ على دَاوُدَ القراءَةُ)) . ٢ـ لفظُه ومعناهُ من الله تعالى.

стр. 107

فخرجتْ الأحاديثُ النَّبويَّة فلا تُسمَّى (قرآنًا) ، وخرجَ تفسيرُ القرآنِ فهوَ كلامُ من قالهُ. ٣ـ كلُّه عربِيٌّ. كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣] ، وقال: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] . فخرجت ترجمةُ معانيهِ إلى غيرِ لُغةِ العربِ، فلا تُسمَّى (قُرآنًا) . ٤ـ قطعيُّ الوُرودِ إلينا، لتواتُرِ نقلِهِ. قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] دلَّ هذا أنَّهُ سيبلُغُ أُناسًا غير الّذينَ سمعوهُ أو أخذُوهُ عن رسول الله ﷺ مُباشرَةً ولهُ من الحُجَّةِ على أولئكَ النَّاسِ بنفسِ مِقدارِ حُجَّتهِ على الَّذين خُوطبُوا بهِ مُشافهَةً من رسول الله ﷺ ، وفيه دليلٌ على بلوغِه لمن سيبلُغُهُ بطريقِ القطعِ لا الظَّنِّ، وواقِعُ نقلِ القُرآنِ مؤكِّدٌ لهذه الحقيقةِ، فقدْ تواترَ نقلُهُ بطريقَي الحِفظِ والكتابَةِ، فأمَّا الحفظُ فلم يزل نقلَةُ القرآنِ جيلاً بعد جيلٍ منذُ زمَنِ الصَّحابةِ الَّذينَ تلقَّوهُ عن رسول الله ﷺ يحملُونَ القُرآن لا يختلفُون فيهِ، أمَّا الكتابَةُ فهي البُرهانُ الأعظمُ على حفظِ هذا الكتابِ، والله تعالى قال فيه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] ، ولم يكُنْ ساعتهَا صارَ كتابًا مجموعًا؛ إشارةً إلى

стр. 108

أنَّه سيكونُ الطَّريقَ إلى وقايَتِهِ وبقائِهِ كما أنزلَهُ الله عزَّوجلَّ، فكُتِبَ بأمرِ رسول الله ﷺ واستُنسِخَ بإجماعِ الصَّحابةِ، وبلغتْ نُسخَهُ الآفاقَ ولم تزلْ لا تختلفُ في شيءٍ، وستبقَى لا تختَلِفُ في شيءٍ. إذًا فلا يُحتاجُ إلى النَّظَرِ في الدَّليلِ من القُرآنِ من جِهَةِ الوُرُودِ، فهوَ أمرٌ قد فُرِغَ منهُ. وخرجَ بتواتُرِ القُرآن: القراءاتُ غير المتواترةِ، فلا تسَمَّى (قرآنًا) ، إنَّما تكونُ من قبيلِ أحاديثِ الآحادِ إذا ثبتَ إسنادُها إلى النَّبيِّ ﷺ ، أو من قبيلِ تفسيرِ الصَّحابيِّ فيكونُ لهُ حُكمُ مذهبِ الصَّحابيِّ ورأيِهِ، وسيأتِي تحقيقُ القولِ فيهِ. فالقِرَاءةُ المرويَّةُ عنِ ابنِ مسعودٍ وغيرِهِ في كفَّارةِ اليمينِ: (فصيَامُ ثلاثةِ أيَّامٍ مُتَتَابعاتٍ) لمْ يُنقلُ أنَّهُ سمعَهَا من رسول الله ﷺ ليكونَ لهَا حُكمُ الحديثِ وتُعطى منزلَةَ التَّفسيرِ النَّبويِّ للآيةِ، إنما يقولُ الرُّواةُ: (في قراءةِ عبد الله كذا) ، وهذا يبقى لهُ حُكمُ التَّفسيرِ والرَّأي لا حُكمُ الحديثِ المرفُوعِ، فضلاً عن أن يسَمَّى قُرآنًا. وهذا مذهبُ الشَّافعيَّةِ، خلافًا للحنفيَّةِ وبعضِ الحنابلَةِ. ٥ـ محفوظٌ من تطرُّقِ الزِّيادَةِ والنَّقصِ إليه ومعصومٌ من طُروءِ التَّغييرِ والتَّبديلِ عليهِ. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .

стр. 109

وقال سُبحانَهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ـ ٤٢] ، وقال عزَّوجلَّ: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٣] ، وقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى﴾ [يونس: ١٥] ، وعن نافعِ مولى عبد الله بنِ عُمرَ قال: خطبَ الحجَّاجُ فقال: إنَّ ابنَ الزُّبيرِ يُبدِّلُ كلامَ الله تعالى، قال: فقالَ ابنُ عُمرَ ﵄: ((كذَبَ الحجَّاجُ، إنَّ ابنَ الزُّبيرِ لا يُبدِّلُ كلاَمَ اللهِ تعالى، ولا يستطيعُ ذلكَ)) [رواهُ البيهقيُّ في ((الأسماء والصِّفات)) ، ص٢٤٤ بسندٍ صحيحٍ] . ٦ـ أنَّهُ مُعجزٌ. وهذا اختصاصٌ للقرآنِ ليسَ يُساوِيهِ فيه كلامٌ، فلا قُدرةَ لأحدٍ أن يأتي بشيءٍ مثلِهِ لا سورةٍ ولا أقلَّ ولا أكثرَ، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ، فلا يقدِرُ أحدٌ أن يأتيَ بمثلٍ كمثلِهِ، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] ، ولا يأتي بلفظٍ كلفظِهِ، كما قالَ تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) ﴾ [الزمر:

стр. 110

٣٢] ، ولا أنْ يَأْتي بِحُكمٍ كحُكمِهِ، كما قال تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] . أمَّا وُجُوه ذلك الإعجازِ فمردُّها إلى كُتُبِ عُلومِ القُرآنِ، أو مُصنَّفاتٍ أُفردَتْ لهَا. هذهِ الخصائصُ جعلتِ القُرآنَ القاعدَةَ العُظمَى لجميعِ أحكامِ شريعَةِ الإسلامِ في كلِّ عصرٍ وبيئةٍ، وهوَ حُجَّةُ الله على خلقِهِ ما بقيتِ الدُّنيا. "أحكامه: الأحكامُ الَّتي دلَّ عليها القُرآنُ ترجعُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ: ١ـ أحكامٌ اعتقاديَّةٌ: وهي المتعلقَّةُ بجانبِ العقيدةِ، كقضايا الإيمانِ بالله وملائكتهِ وكُتبِهِ ورسُلُهِ واليومِ الآخرِ. ٢ـ أحكامٌ أخلاقيةٌ سُلوكيَّة: وهي ما تناولَهُ القرآنُ في جانبِ تهذيبِ النَّفسِ وتزكيَتِهَا، كأعمالِ القُلوبِ الَّتي يرتَكزُ عليها تحقيقُ هذا الجانبِ، كمعاني: الخوفِ والرَّجاءِ والرَّغبةِ والرَّهبةِ والتَّوكلِ والحُبّ والرِّضا والبُغضِ والفَرحِ والحُزنِ، وغير ذلكَ.
следующие страницы →