Полный текст (387 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الدليل الأول
القرآن
* تعريفه:
القُرآنُ اسمٌ للكتابِ العربيِّ المُنزَّلِ على رسول الله محمَّد ﷺ ، المُبتدأ بالبَسمَلةِ فسُورةِ الفاتحة، والمُختتمِ بسورةِ النَّاسِ.
* خصائصه:
١ـ كلامُ الله المنزَلُ على رسولهِ محمَّدٍ ﷺ .
فتخرُجُ الكتُبُ الَّتي أنزلتْ على غيرِ محمَّدٍ ﷺ كالتَّوراةِ والإنجيلِ وزبُورِ داود ﵇ فليستْ قُرآنًا.
أمَّا الحديثُ الَّذي رواهُ البُخاريُّ وغيرُهُ عن أبي هريرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: ((خُفِّفَ على داوُدَ ﵇ القُرآنُ، فكان يأمُرُ بدوابِّهِ فتُسرجُ، فيقرأُ القرآن قبلَ بأن تُسرجَ دوابُّهُ)) فـ (القُرآنُ) هُنا ليس اسمَ الكتابِ، إنَّما هو مصدرٌ كـ (القراءة) ، وقد روى البخاريُّ هذا الحديثَ في موضعٍ آخرَ من ((الصَّحيحِ)) بلفظِ: ((خُفِّفَ على دَاوُدَ القراءَةُ)) .
٢ـ لفظُه ومعناهُ من الله تعالى.
стр. 107
فخرجتْ الأحاديثُ النَّبويَّة فلا تُسمَّى (قرآنًا) ، وخرجَ تفسيرُ القرآنِ فهوَ كلامُ من قالهُ.
٣ـ كلُّه عربِيٌّ.
كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣] ، وقال: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .
فخرجت ترجمةُ معانيهِ إلى غيرِ لُغةِ العربِ، فلا تُسمَّى (قُرآنًا) .
٤ـ قطعيُّ الوُرودِ إلينا، لتواتُرِ نقلِهِ.
قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] دلَّ هذا أنَّهُ سيبلُغُ أُناسًا غير الّذينَ سمعوهُ أو أخذُوهُ عن رسول الله ﷺ مُباشرَةً ولهُ من الحُجَّةِ على أولئكَ النَّاسِ بنفسِ مِقدارِ حُجَّتهِ على الَّذين خُوطبُوا بهِ مُشافهَةً من رسول الله ﷺ ، وفيه دليلٌ على بلوغِه لمن سيبلُغُهُ بطريقِ القطعِ لا الظَّنِّ، وواقِعُ نقلِ القُرآنِ مؤكِّدٌ لهذه الحقيقةِ، فقدْ تواترَ نقلُهُ بطريقَي الحِفظِ والكتابَةِ، فأمَّا الحفظُ فلم يزل نقلَةُ القرآنِ جيلاً بعد جيلٍ منذُ زمَنِ الصَّحابةِ الَّذينَ تلقَّوهُ عن رسول الله ﷺ يحملُونَ القُرآن لا يختلفُون فيهِ، أمَّا الكتابَةُ فهي البُرهانُ الأعظمُ على حفظِ هذا الكتابِ، والله تعالى قال فيه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] ، ولم يكُنْ ساعتهَا صارَ كتابًا مجموعًا؛ إشارةً إلى
стр. 108
أنَّه سيكونُ الطَّريقَ إلى وقايَتِهِ وبقائِهِ كما أنزلَهُ الله عزَّوجلَّ، فكُتِبَ بأمرِ رسول الله ﷺ واستُنسِخَ بإجماعِ الصَّحابةِ، وبلغتْ نُسخَهُ الآفاقَ ولم تزلْ لا تختلفُ في شيءٍ، وستبقَى لا تختَلِفُ في شيءٍ.
إذًا فلا يُحتاجُ إلى النَّظَرِ في الدَّليلِ من القُرآنِ من جِهَةِ الوُرُودِ، فهوَ أمرٌ قد فُرِغَ منهُ.
وخرجَ بتواتُرِ القُرآن: القراءاتُ غير المتواترةِ، فلا تسَمَّى (قرآنًا) ، إنَّما تكونُ من قبيلِ أحاديثِ الآحادِ إذا ثبتَ إسنادُها إلى النَّبيِّ ﷺ ، أو من قبيلِ تفسيرِ الصَّحابيِّ فيكونُ لهُ حُكمُ مذهبِ الصَّحابيِّ ورأيِهِ، وسيأتِي تحقيقُ القولِ فيهِ.
فالقِرَاءةُ المرويَّةُ عنِ ابنِ مسعودٍ وغيرِهِ في كفَّارةِ اليمينِ: (فصيَامُ ثلاثةِ أيَّامٍ مُتَتَابعاتٍ) لمْ يُنقلُ أنَّهُ سمعَهَا من رسول الله ﷺ ليكونَ لهَا حُكمُ الحديثِ وتُعطى منزلَةَ التَّفسيرِ النَّبويِّ للآيةِ، إنما يقولُ الرُّواةُ: (في قراءةِ عبد الله كذا) ، وهذا يبقى لهُ حُكمُ التَّفسيرِ والرَّأي لا حُكمُ الحديثِ المرفُوعِ، فضلاً عن أن يسَمَّى قُرآنًا.
وهذا مذهبُ الشَّافعيَّةِ، خلافًا للحنفيَّةِ وبعضِ الحنابلَةِ.
٥ـ محفوظٌ من تطرُّقِ الزِّيادَةِ والنَّقصِ إليه ومعصومٌ من طُروءِ التَّغييرِ والتَّبديلِ عليهِ.
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
стр. 109
وقال سُبحانَهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ـ ٤٢] ، وقال عزَّوجلَّ: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٣] ، وقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى﴾ [يونس: ١٥] ، وعن نافعِ مولى عبد الله بنِ عُمرَ قال: خطبَ الحجَّاجُ فقال: إنَّ ابنَ الزُّبيرِ يُبدِّلُ كلامَ الله تعالى، قال: فقالَ ابنُ عُمرَ ﵄: ((كذَبَ الحجَّاجُ، إنَّ ابنَ الزُّبيرِ لا يُبدِّلُ كلاَمَ اللهِ تعالى، ولا يستطيعُ ذلكَ)) [رواهُ البيهقيُّ في ((الأسماء والصِّفات)) ، ص٢٤٤ بسندٍ صحيحٍ] .
٦ـ أنَّهُ مُعجزٌ.
وهذا اختصاصٌ للقرآنِ ليسَ يُساوِيهِ فيه كلامٌ، فلا قُدرةَ لأحدٍ أن يأتي بشيءٍ مثلِهِ لا سورةٍ ولا أقلَّ ولا أكثرَ، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ، فلا يقدِرُ أحدٌ أن يأتيَ بمثلٍ كمثلِهِ، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] ، ولا يأتي بلفظٍ كلفظِهِ، كما قالَ تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) ﴾ [الزمر:
стр. 110
٣٢] ، ولا أنْ يَأْتي بِحُكمٍ كحُكمِهِ، كما قال تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] .
أمَّا وُجُوه ذلك الإعجازِ فمردُّها إلى كُتُبِ عُلومِ القُرآنِ، أو مُصنَّفاتٍ أُفردَتْ لهَا.
هذهِ الخصائصُ جعلتِ القُرآنَ القاعدَةَ العُظمَى لجميعِ أحكامِ شريعَةِ الإسلامِ في كلِّ عصرٍ وبيئةٍ، وهوَ حُجَّةُ الله على خلقِهِ ما بقيتِ الدُّنيا.
"أحكامه:
الأحكامُ الَّتي دلَّ عليها القُرآنُ ترجعُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ:
١ـ أحكامٌ اعتقاديَّةٌ:
وهي المتعلقَّةُ بجانبِ العقيدةِ، كقضايا الإيمانِ بالله وملائكتهِ وكُتبِهِ ورسُلُهِ واليومِ الآخرِ.
٢ـ أحكامٌ أخلاقيةٌ سُلوكيَّة:
وهي ما تناولَهُ القرآنُ في جانبِ تهذيبِ النَّفسِ وتزكيَتِهَا، كأعمالِ القُلوبِ الَّتي يرتَكزُ عليها تحقيقُ هذا الجانبِ، كمعاني: الخوفِ والرَّجاءِ والرَّغبةِ والرَّهبةِ والتَّوكلِ والحُبّ والرِّضا والبُغضِ والفَرحِ والحُزنِ، وغير ذلكَ.
стр. 111
هذانِ النَّوعانِ من (أحكامِ القُرآنِ) لا ينْدَرِجَانِ تحتَ الأحكامِ الَّتي قُصدتْ بعلمَي (الفقه وأصوله) من جهةِ ارتباطِهِمَا بالبَاطِنِ، وإنْ كانَ يشملُهُمَا ما يتَّصِلُ بصيغَةِ الخِطابِ في (علمِ أصولِ الفقه) ، فصيغةُ الأمرِ بالإيمانِ لاتخرُجُ عن مدلولهَا في (علمِ الأصولِ) وهوَ وجوبُ الإيمانِ، والنَّهيُ عن النِّفاقِ لا يخرُجُ عن دلالتِهِ على تحريمِهِ على ما عليه القاعِدَةُ ي (علمِ الأصولِ) .
٣ـ أحكامٌ عمليَّةٌ.
وهي المتعلِّقةُ بأفعالِ المُكلَّفينَ، وهي المقصودَةُ بهذا العِلمِ.
وترجعُ في جُملتِهَا إلى نوعينِ:
[١] العبادات: وهي ما يتَّصلُ من الأحكامِ بالعلاقَةِ بينَ العبدِ وبينَ ربِّهِ تعالى، كأحكامِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والزَّكاةِ والحجِّ.
[٢] المعاملات: وهو اسمٌ يُطلقُ على ما سوَى العبادَاتِ، لا على معنَى خُلوِّها من معنى العبادَةِ، فقدْ يُوجَدُ فيها معنى العِبادَة، ولكَنَّه اسمٌ اصطلاَحِيٌّ قُصِدَ به الأحكامِ الَّتِي تتعلَّقُ بتنظيمِ العلاقاتِ بينَ الأفرَادِ والجماعَاتِ، كأحكامِ النِّكاحِ والطَّلاقِ والبُيُوعِ والأيمانِ والقصاصِ والحُدُودِ والسِّياسَةِ الشَّرعيَّة.
ويُطلقُ علىمُصطلحِ (المعاملاَتِ) في التَّسميَّةِ المعاصِرةِ مصطلحَ (القانون) .
стр. 112
"بيانه للأحكام:
بيانُ القُرآنِ للأحكامِ هوَ من جِهَةِ استيعَابِهَا وحصْرِهَا، كما قالَ تعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ، فقدْ احتَوَى القُرآنُ جميعَ الأحكامِ فلا يخرُجُ عنهُ منهَا شَيءٌ، وهي واردَةٌ فيه على صُورتينِ:
١ـ البيانُ بإقامَةِ القاعِدَةِ الشَّرعيَّةِ العَامَّةِ الَّتي تندرجُ تحتَهَا كثيرٌ من جُزئيَّاتِ الأحكامِ، وهذا في الحقيقةِ جانبٌ عظيمٌ من جوانبِ إعجازِ القُرآنِ، أو بتقريرِ المبدإ العامِّ ليأتي من بعدُ دَوْرُ السُّنَّةِ في تفصيلِ ذلك المبدإِ.
ومن أمثلةِ القواعدِ:
[١] الأمرُ بالعدْلِ والإحسانِ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النَّحل: ٩٠] .
[٢] العُقُوبةُ بقدْرِ الإساءَةِ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحل: ١٢٦] .
[٣] الوفاءُ بالالتزاماتِ، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
[٤] المشقَّةُ تجلبُ التَّيسيرَ، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
стр. 113
وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
ومن أمثلة المباديءِ:
[١] فرضُ الصَّلاةِ والاعتناءُ بشأنهَا في آياتٍ كثيرةٍ في الكتابِ وتُركَتْ صفةُ أدائها للبيانِ النَّبويِّ بفعلِ رسول الله ﷺ .
[٢] وجوبُ القصاصِ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] ، من غيرِ تفصيلِ شروطِ ذلك مِمَّا عُرفَ بالسُّنَّةِ.
[٣] إباحةُ البيعِ وحُرمةُ الرِّبا، كما قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، ولذلك شُروطٌ وأحكامٌ تفصيليَّة جاءتْ بها السُّنَّة.
فهذه الأحكامُ وشِبهُها كثيرٌ في القرآن لم تأتِ مفصَّلةً بجزئيَّاتهَا فيه ليبقى القرآنُ القاعدة الكُليَّة والبُرهانَ العامَّ في دلالاته ومعانيه، فهوَ بيَّن هذه الأحكامَ من حيثُ الدَّلالة عليها والأمرُ بها، وهوَ مفصَّلٌ من حيثُ استيعابُهُ لتلكَ الأحكامِ.
٢ـ البيانُ مفصَّلاً بذكرِ تفريعاتِ الأحكامِ، وهذه لم يرِدْ في القرآن إلاَّ قليلاً، مثاله: مقاديرُ المواريثِ، والعُقُوباتِ في الحُدُودِ، وصفةُ اللِّعانِ بينَ الزَّوجينِ، والمحرَّماتُ من النِّساءِ.
стр. 114
* مسألة تأخير البيان:
يُرادُ بها أنَّ الله تعالى حينَ شرعَ الشَّرائع كأمرِهِ بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحجِّ وغيرها أمرًا مجملاً، كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] ، فهلْ يُتصوَّرُ أن يأمُرَ بذلكَ من غير بيانٍ لمُرادهِ بما أمرَ: صفَتِهِ وأحكامِهِ؟ ههنَا مسألتَانِ أُصوليَّتانِ تتَّصلانِ بالكتابِ والسُّنَّةِ جميعًا:
١ـ يمتنِعُ في الدِّينِ أن يُؤخِّرَ الشَّارعُ البيانَ عن وقتِ الحاجَةِ، لأنهُ تكليفٌ بمجهولٍ، وذلكَ غيرُ مقدُورٍ عليه، فلو لم ينْزِلْ غيرُ قولهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ لمَا أمكنَ المُكلَّفينَ أن يعرفُوا كيفَ الصَّلاة.
ويتفرَّغُ عن هذه المسألةِ: أنَّ الدَّليلَ إذا جاءَ بِبيانِ حكمٍ في قضيَّةٍ وسكتَ عن زيادَةِ التَّفصيلِ مع اقتضاءِ المقامِ بيانَ المسكوتِ عنهُ لوْ كانَ من جملةِ المطلُوبِ، فذلكَ دالٌّ على عدَمِ إرادَةِ الشَّارعِ لهُ، لأنَّهُ لو أرادَهُ لما صحَّ سُكُوتُهُ عنهُ في موضعٍ يحتاجُ فيه المكلَّفُ إلى معرفةِ الحُكمِ.
مثالهُ: قصَّةُ الرَّجلِ المُسيءِ صلاتَهُ، فعن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخلَ المسجدَ، فدخلَ رجلٌ فصلَّى، ثمَّ جاء فسلَّم على النَّبيِّ ﷺ ، فردَّ النَّبيُّ ﷺ ﵇، فقالَ: ((ارجِعْ فصلِّ، فإنَّك لم تُصلِّ)) ، ثم جاء فسلَّم على النَّبيِّ ﷺ فقال: ((ارجِعْ فصلِّ،
стр. 115
فإنَّك لم تُصلِّ)) ثلاثًا، فقال: والَّذي بعثكَ بالحقِّ، فما أُحسنُ غيرَهُ فعلِّمني، قالَ: ((إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فكبِّرْ، ثمَّ اقرَأْ ما تيسَّرَ معكَ من القُرآنِ، ثمَّ اركعْ حتَّى تطمئنَّ راكعًا، ثمَّ ارفعْ حتَّى تعتَدِلَ قائمًا، ثمَّ اسجُدْ حتَّى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفعْ حتَّى تطمئنَّ جالسًا، ثمَّ اسجُدْ حتَّى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ افعَلْ ذلك في صلاتِكَ كُلِّهَا)) [متفقٌ عليه] .
فهذا مقامُ تعليمٍ للصِّفةِ الَّتي تصحُّ بها الصَّلاةُ، فالواجبُ أن يستغرقَ كلَّ ما تنبني عليهِ صحَّتُها، وما يخرُجُ عن هذا البيانِ فليسَ مِمَّا تصحُّ به، ولهذا فجديرٌ بأن تُجمعَ رِوَاياتُ هذه القصَّةِ الصَّحيحًةُ لمعرفَةِ أنَّ جميعَ ما لم يُذكرْ فيها مِمَّا يفعلُهُ المُصلِّي ليسَ من شرْطِ صحَّةِ الصَّلاةِ.
٢ـ يجوزُ أن يؤخِّرَ البيانُ إلى وقتِ الحاجَةِ.
وهذا يدلُّ على صحَّتهِ واقعُ التَّشريعِ، وهو واردٌ على صُوَرٍ، منها:
[١] نُزُولُ الوحي على رسول الله ﷺ في مناسباتٍ عِدَّةٍ في وقتِ الحاجةِ إلى البيَانِ لا قبْلَهُ.
كما في حديثِ عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: بيْنَا أنا معَ النَّبيِّ ﷺ في حرثٍ وهوَ مُتَّكيءٌ على عسيبٍ، إذْ مرَّ اليهودُ، فقالَ بعضُهمْ لبعضٍ: سلُوهُ عن الرُّوحِ؟ فقالَ: ما رابَكُمْ إليهِ؟ وقالَ بعضُهمْ: لا يستقْبِلَكُمْ بشيءٍ تكرَهُونَهُ، فقالوأ: سلُوهُ، فسألوهُ عنِ الرُّوحِ؟ فأمسَكَ النَّبيُّ ﷺ فلمْ يَرُدَّ عليهِم شيئًا، فعلمتُ أنَّهُ يُوحى
стр. 116
إليهِ، فقمتُ مقامِي، فلمَّا نزل الوحيُ قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ، [متفقٌ عليه] .
وفي حديثِ يعلَى بنِ أُميَّةَ أنَّهُ قال لعمر ﵁: أَرِني النَّبيَّ ﷺ حينَ يُوحى إليهِ، قالَ: فبينمَا النَّبيُّ ﷺ بالجِعرَانَةِ ومعهُ نفرٌ من أصحابِهِ، جاءَهُ رجلٌ فقال: يا رسول اللهِ، كيفَ ترَى في رجلٍ أحْرَمَ بعُمرَةٍ وهو مُتَضَمِّخُ بِطيبٍ؟ فسَكَتَ النَّبيُّ ﷺ ساعةً، فجاءَهُ الوحيُ، فأشارَ عُمرُ ﵁ إلى يعلَى، فجاءَ يَعلَى وعلى رسول الله ﷺ ثوبٌ قدْ أُظلَّ بهِ، فأدْخلَ رأْسهُ، فإذا رسُولُ الله ﷺ مُحْمَرُّ الوجهِ وهوَ يعظُّ، ثمَّ سُرِّيَ عنهُ، فقالَ: ((أينَ الَّذي سألَ عنِ العُمْرَةِ)) فأُتيَ بِرَجُلٍ، فقال: ((اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذي بكَ ثلاثَ مرَّاتٍ، وانْزِعْ عنكَ الجُبَّةَ، واصْنَعْ في عُمرَتِكَ كما تصنَعُ في حجَّتِكَ)) [متفقٌ عليه] .
[٢] تأخيرُ البيانِ لبعضِ الأوامِرِ المُجْملَةِ لِعَدَمِ مجيءِ وقتِ التَّنفيذِ بعْدُ.
كما هو الشَّأنُ في الأمرِ بالحجِّ مثلاً، فإنَّه سبقَ أحكامَ بيانِ المَنَاسِكِ، وإن كانتْ بعضُ المناسِكِ دلَّتْ عليهَا بعضُ النُّصوصِ قبلَ حجَّةِ النَّبيِّ ﷺ ، إلاَّ أنَّ صفَةَ الحجِّ الشَّرعيَّةِ إنَّمَا علمَهَا النَّاسُ بفعلِ رسولِ الله ﷺ حينَ حجَّ بالنَّاسِ حجَّةَ الإسلامِ الَّتي هي حجَّةُ الودَاعِ.
стр. 117
[٣] تأخيرُ البيانِ إلى وقتِ استِعْدَادِ المُكلَّفِ.
فمنْ هَذا: التَّدرُّجُ في التَّشريعِ، وعليهِ عامَّةُ شرائعِ الدِّينِ.
فعنْ عائشةَ ﵂ وهي تذْكُرُ نُزُول القُرآن قالتْ: إنَّما نزلَ أوَّل ما نزلَ منهُ سٌورةٌ من المفصَّلِ فيها ذِكرُ الجنَّةِ والنَّارِ، حتَّى إذا ثابَ النَّاسُ إلى الإسلامِ نزلَ الحلالُ والحرامُ، ولو نزَلَ أوَّل شيءٍ: لا تشْربُوا الخمرَ لقالُوا: لا نَدَعُ الخمرَ أبدًا، ولوْ نزلَ: ولا تزْنُوا لقالوا: لا ندَعُ الزِّنا أبدًا [أخرجه البخاريُّ] .
ومنهُ: التَّدرُّجُ في التَّبيلغِ، كما في قصَّةِ معاذِ بنِ جبلٍ ﵁ حينَ بعثهُ النَّبيُّ ﷺ إلى اليمنِ، قالَ لهُ: ((إنَّك تقدُمُ على قومٍ أهْلِ كتابٍ، فليَكُنْ أوَّلَ ما تدْعُوهُم إليه عبادَةُ الله عزَّوجلَّ، فإذا عرفُوا اللهَ فأخبِرْهُم أنَّ الله فرض عليهِمْ خمسَ صلواتٍ في يومِهِم وليْلَتِهِم، فإذا فعلُوا فأخبرهُمْ أنَّ الله قدْ فرضَ عليهِم زكاةً تُؤخذُ من أغنيائِهِمْ فترَدُّ على فُقرائِهِم، فإذا أطَاعُوا بها فخُذْ منهُم وتوقَّ كرائمَ أمْوالِهِمْ)) [متفقٌ عليه] .
* دلالة آياته على الأحكام:
وُرودُ القرآنِ قطعيٌّ كما تقدَّم، وهوَ حُجَّةٌ مُلزِمَةٌ لا تقبلُ التَّردُّدَ ولاَ يرِدُ عليهَا الاحتمالُ من جهَةِ كونِهِ من أوَّلِهِ إلى مُنتهَاهُ بجميعِ ألفاظِهِ
стр. 118
ومعانيهِ كلامَ اللهِ، لا يُشَكُّ في ذلكَ.
ولكنَّ دلالَةَ آياتِهِ على إفادَةِ الحُكمِ الشَّرعيِّ تنقسمُ إلى قسمينِ:
الأوَّلُ: دلالَةٌ قطعيَّةٌ.
وذلكَ عند مجيءِ اللَّفظِ لا يُحتمِلُ إلاَّ معنًى واحدًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢] ، فلفظُ (النِّصف) لا يحتمِلُ إلاَّ معنًى واحدًا، وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، فلفظُ (مائة) لا يحتملُ إلاَّ هذا العَدَدَ.
وهذا النَّمطُ قليلٌ في القرآنِ، فهوَ يتَّصلُ بألفاظِ الأعدَادِ والمقادِيرِ الَّتي لا تحتَمِلُ زيادَةً أوْ نقصًا.
والثَّاني: دلالةٌ ظنيَّة.
وذلك عندَ مجيءِ اللَّفظ يحتملُ إرادَةَ المعنَى تامًّا أو بعضِهِ، أو معنًى واحدٍ من معانٍ متعدِّدَةٍ، فيكونُ قابلاً للتَّقييدِ أو التَّخصيصِ أو التَّأويلِ.
من أمثلتِهِ:
[١] قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، فلفظُ (اليَد) يحتملُ أن تكونَ إلى الرُّسْغِ، كما يحتملُ أن تكونَ إلى المِرفقِ، وإلى الإبطِ، والتَّعيينُ يحتاجُ إلى نصٍّ مفسِّرٍ غير هذه الآيةِ.
стр. 119
[٢] قوله تعالى في كفَّارَةِ اليمينِ: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] ، يجوزُ عليهِ التَّقييدُ بـ (مؤمنةٍ) لوْ ورَدَ فيهِ ما يصلحُ أن يكونَ قيدًا، فلفظُ الآيةِ لا يمنعُ ذلكَ.
[٣] قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] ، يحتملُ إرادَة كلِّ ميتةٍ وكلِّ دمٍ، وهو الأصلُ، فإنَّ القاعدة كما سيأتي إبقاءُ اللَّفظِ على عمُومِه ما لمْ يردْ دليلُ التَّخصيصِ، لكنَّ الاستثناءَ من ذاتِ هذا العمُومِ واردٌ مقبولٌ في خُروجِ بعضِ أفرادِ الميتةِ وبعضِ أفرادِ الدَّمِ من التَّحريمِ، ولفظُ الآيةِ لا يمنعُ ذلك.
وتسميةُ هذه الدَّلالةِ (ظنيّة) لأجلِ ووردِ الاحتمالِ وعدَمِ امتناعِ لفظِ الآيةِ عن قبولهِ، وهي تسميَةٌ اصطلاحيَّةٌ.
وأكثرُ نصوصِ القرآنِ تندرجُ تحتَ هذا القسمِ في إفادَةِ الأحكامِ، وهذا مُتناسقٌ مع أمر الله تعالى بالتَّفقُّهِ في آياتِهِ وتدبُّر معانيها ودلالاتهَا، ولوْ جاءتْ قطعيَّةَ الألفاظِ امتنعَ ذلكَ فيهَا.
стр. 120
الدليل الثاني
السنة
* تعريفها:
لُغةً: عبارَةٌ عن الطَّريقةِ والسِّيرة، يُقالُ: (سنَّ بهم سُنَّةَ فُلانٍ) أي: سلكَ طريقَتَهُ وسارَ سيرتَهُ، وقد تكُونُ ممدُوحَةً أو مذمومةً.
وفي (السُّنَّة) معنى وقوعِ الشَّيءِ على نحوٍ مُطرَّدٍ ثابتً، فإنه لا يُقالُ مثلاً: (سنَّةُ فلانٍ أنَّه يقومُ اللَّيلَ) إذا كانَ يفعلُ ويتركُ، فلو كان كذلكَ لقيلَ: (سُنَّتُهُ أنَّهُ يُصلِّي ويَدَعُ) .
ومن هذا قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢] ، ومنهُ يُقالُ: (السُّنَنُ الكونيَّة) وهي أُمُورُ الخلقِ الجاريةِ على نسقٍ ثابتٍ مُطرَّدٍ لا يتفاوتُ ولا يختلفُ.
واصْطلاحًا: ما صدَرَ عن رسول الله ﷺ غيرُ القرآنِ من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ.
و (السُّنَّة) في اصطلاحِ الأصولييِّن غيرُ (السُّنَّة) المتقدِّم ذكرُها في قسم (المندوب) من أقسامِ الحُكمِ التَّكليفيِّ، فإنَّ تسميةَ المندوبِ (سُنَّة) اصطلاحٌ للفُقهاءِ.
стр. 121
أقسام السنن
(١) سنة قولية
* ويندرجُ تحتها نوعانِ:
١ـ القولُ الصَّريحُ، كقوله ﷺ : ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)) [متَّفقٌ عليه] .
٢ـ ما فيه معنى القولِ، كقول الصَّحابيِّ: (أمر رسول الله ﷺ بكذا) و (نهى رسولُ الله ﷺ عن كذا) فهذه صيغةٌ فيها معنى القول، لأنَّ الأمرَ والنَّهيَ إنَّما يقعانِ عادةً بالقولِ.
ومن هذا قولُ الصَّحابيِّ: (أُمرنَا بكذا) و (نُهينَا عن كذَا) على الأصحِّ، وهو مذهبُ الشَّافعيَّة وغيرهِم على أنَّ الآمرَ والنَّاهيَ رسول الله ﷺ ، خلافًا للحنفيَّةِ.
وأمَّا قول الصَّحابيٍّ: (من السُّنَّةِ) فمحمولٌ على سُنَّةِ النَّبيِّ ﷺ ، وقد يكونُ استُفيدَ من سُنَّةٍ قوليَّةٍ أو فعليَّةٍ، وهذا أيضًا على مذهبِ الجمهُورِ من الشَّافعيَّةِ وغيرهِم، خلافًا للحنفيَّة.
والأصلُ أنَّ الصَّادرَ عن رسول الله ﷺ من الأقوالِ تشريعٌ لأمَّتهِ، كما صحَّ عن عبد الله بن عمرٍو ﵄ قال: كنتُ أكتُبُ كلَّ شيءٍ أسمعُهُ من رسول الله ﷺ أُريدُ حفظَهُ، فنهتْنِي قُريشٌ وقالوا: أتكتبُ كلَّ شيءٍ تسمعُهُ ورسولُ الله ﷺ بشرٌ يتكلَّمُ في الغضبِ
стр. 122
والرِّضا؟ فأمسكْتُ عن الكتابِ، فذكرتْ ذلكَ لِرسول الله ﷺ ، فأوْمأَ بأُصبُعِهِ إلى فيهِ، فقال: ((اكتُبْ فوالَّذي نفسيِ بِيدِهِ ما يخرُجُ منهُ إلاَّ حقٌّ)) [أخرجهُ أبوداود وغيرُهُ] .
وقد يقولُ النَّبي ﷺ القولَ لا يُريدُ به التَّشريعَ، لكن لا طريقَ إلى ادِّعاء ذلك إلاَّبأن يقومَ دليلٌ صريحٌ يفيدُ أنَّ ذلكَ القولَ لم يُقصدْ به التَّشريعُ، ويقعُ مثالاً لهذا القصَّة المشهورةُ بقصَّة تأبيرِ النَّخلِ، فقد رواها عن النَّبي ﷺ جماعةٌ، وألفاظُ أحاديثهم تُفسِّرُ بعضهَا، وأكثرُها وُضوحًا روايةُ من كان مع رسول الله ﷺ في تلكَ القصَّة طلحَةَ بن عُبيدِالله ﵁، فإنه قال: مررتُ مع رسول الله ﷺ بقومٍ على رؤوسِ النَّخلِ، فقال: ((ما يصنعُ هؤلاءِ؟)) فقالوا: يُلقِّحونهُ، يجعلونَ الذَّكر في الأنثى فيلقحُ، فقال رسول الله ﷺ : ((ما أظنُّ يُغني ذلك شيئًا)) قال: فأُخبرُوا بذلك فتركوهُ، فأُخبرَ رسول الله ﷺ بذلك فقال: ((إن كانَ ينفعُهُم ذلكَ فليصنَعوهُ، فإنِّي إنَّما ظننتُ ظنًّا فلا تُؤاخذُوني بالظَّنِّ، ولكن إذا حدَّثْتُكمْ عن الله شيئًا فخذُوا به، فإنِّي لن أكذِب على الله عزَّوجلَّ)) [أخرجه مسلمٌ وغيرُه] .
فهذه الرِّوايةُ من أحسنِ ما يُزيلُ الشُّبهَة بهذه القصَّة، وفيها أنَّ ما وقعَ منه ﷺ كان صريحًا في كونِهِ رأيَ نفسِهِ، فإنَّ إخبارَهُ عن أحكامِ الله تعالى لا يكونُ بصيغةِ الظَّنِّ.
стр. 123
(٢) سنة فعلية
المقصود بها:
الأفعالُ النَّبويَّة الَّتي أُريد بها التَّشريعُ للأمَّةِ، ويُعرفُ كونُها أُريد بها التَّشريع بقرينةٍ تدلُّ على ذلك، وهذا على العكسِ من الأصل في الأقوالِ النَّبويَّة، والسَّببُ أنَّ النَّبي ﷺ كغيرهِ من البشرِ له من الحركةِ والتَّصرُّف ما لهم، والأصلُ في الإنسانِ أنَّهُ (حيٌّ متحرِّكٌ) ، وتلك حركةٌ غالبَةٌ في العادةِ لحركةٍ يُقصدُ بها التَّوجيهُ والتَّعليمُ، والبشرُ يفعلونها بالضَّرورة من غير توقُّفٍ على وحيٍ يُرشدُهُم إليها ويُعلِّمهُم إيَّاها، فكان الأصلُ أن تكونَ الحركاتُ النَّبويَّةُ من هذا القبيلِ حتَّى يوجدَ ما يدلُّ على إرادةِ التَّشريعِ.
وفهمُ ذلكَ يحتاجُ إلى تصوُّرِ أنواعِ الأفعالِ النَّبويَّةِ، فإليكهَا:
١ـ ما وقع من الأفعالِ امتثالاً منهُ ﷺ لما أُمرَ به كسائرِ أُمَّتِه، مثلُ إقامتهِ الصَّلاة وصومِهِ رمضانَ وحجِّه البيتَ، ونحوهَا، فهذه أفعالٌ تساوَى فيها مع غيرِهِ من المكلَّفين، فليستْ داخلةً فيما يُقالُ: قُصدَ به التَّشريعُ، بلْ يُقالُ قصِدَ به الامتثالُ.
٢ـ ما وقعَ من الأفعالِ جبِلَّةً بحكمِ بشريَّتِهِ ﷺ ، من قيامٍ وقعودٍ ونومٍ وركوبٍ وسفرٍ وإقامةٍ ومشيٍ وأكلٍ وشربٍ ولبسٍ وقضاءِ حاجَةٍ ونحو ذلكَ ممَّا تجري به عادةُ البشرِ، ومنهُ ما يحبُّهُ أو يكرهُهُ
стр. 124
طبعًا، كحبِّه للحُلوِ البارد، وكراهتِهِ لأكلِ الضَّبِّ مع أنَّه أُكلَ مائدَتِهِ.
فحكْم هذه الأفعالِ أنَّها لا تُعدُّ من التَّشريع، لِوُقوعهَا في العادةِ من غير قصدٍ أو بمقتضى الحاجَةِ والضَّرورة.
وشبيهُ بهذه الأفعالِ: نوعُ مسكنِهِ، أو مشربِه ومأكلِهِ، وملبسِهِ، من لونٍ أو صفةِ خياطَةٍ، أو نحو ذلك ممَّا هو جارٍ على أصلِ الإباحةِ، فهذا ليسَ ممَّا يندرجُ تحتَ التَّشريعِ، وإنَّما حكمُ مجرَّد فعلهِ وتركِهِ سواءٌ.
٣ـ ما وقعَ من الأفعالِ مقصودًا به التَّعبُّد، لكنَّه قامَ دليلٌ على اختصاصِهِ بهِ ﷺ دونَ أُمَّتِهِ، كوِصالهِ الصَّومَ، وزيادتهِ على أربعٍ في الجمعِ بين النِّساءِ.
فحكمُ تلكَ الأفعالِ بقاؤها على الخُصوصيَّةِ.
٤ـ ما وقع من الأفعالِ بيانًا لمُجملٍ في الكتابِ، كصفةِ الصَّلاةِ، والحجِّ.
فحكمُ هذا النَّوعِ من الأفعالِ أنَّها شرائعُ للأمَّةِ، فإنَّها مُندرجَةٌ تحتَ عمُومِ قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ، فهو بيَّنَ المأمُورَ به بِفعلِهِ لِيَقعَ الامتثالُ على تلكَ الصِّفةِ من أمَّتهِ كما قال ﷺ في صفةِ الصَّلاةِ: ((صلُّوا كما
стр. 125
رأيتمُوني أصلِّي)) ، وقال وقدْ حجَّ بأفعاله: ((لِتأخُذُوا مناسككم)) فأمرَ أمَّته أن تقتدي بِفِعلهِ في واجبِ ذلكَ ومندُوبِهِ.
٥ـ ما وقع من الأفعالِ ابتداءً، وليس هو بواحدٍ ممَّا تقدَّم، فهذا قسمانِ:
[١] ما ظهرَ فيه قصدُ القُربةِ، كصلاةِ التَّطوع وصدقةِ التَّطوُع، ونحو ذلك، فلوُضُوح معنى القُربَةِ فيه فهو تشريعٌ عامٌّ، قال الله عزَّوجلَّ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] .
[٢] ما لم يظهر فيه وجهُ القُربة، فغايتُهُ أن يكونَ متردِّدًا بين عبادةٍ وعادةٍ، فمفادُه على أقلِّ تقديرٍ إباحةَ ذلكَ الفعلِ للأمَّةِ حيثُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعلهُ، و (الإباحةُ) تشريعٌ.
مثالهُ: في الصَّحيحينِ)) أنَّ رسول الله ﷺ نزل المُحصَّبَ (وهو اسمُ موضعٍ بين مكَّة ومِنى وإلى منَى أقرب، ويُسمَّى الأبْطَحُ) ، فاختلفَ الصَّحابة في هذا النُّزولِ: هل هو تشريعٌ أو ليس كذلك، فكانَ عبدُالله بنُ عمرَ ﵄ يراهُ سُنَّةً، وكان عبدُالله بنُ عبَّاسٍ ﵄ يقولُ: ((ليسَ التَّحصيبُ (أي: نُزول المُحصَّبِ) بشيءٍ، إنما هو منزلٌ نزلَهُ رسول الله ﷺ )) وكانتْ عائشةُ ﵂ تُوافقُ ابنَ عبَّاسٍ فتقولُ: ((نزولُ الأبطحِ ليسَ بِسُنَّةٍ،
стр. 126
إنَّما نزلهُ رسول الله ﷺ لأنَّه كان أسمَحَ لخُروجِه إذا خرجَ)) [أخرجَ جميع ذلك البُخاريُّ ومسلمٌ] .
قاعدة التروك النبويَّة
التُّروكُ النَّبويَّةُ تُقابلُ الأفعالَ، وهي أنواعٌ:
١ـ تركُ المحرَّمِ، وهذا ظاهرٌ.
٢ـ تركُ المكروهِ تشريعًا، كما في تركهِ ﷺ مُصافحَةَ النِّساءِ في البيعةِ وتقدَّم التَّمثيلُ به في قسم (المكروه) من أقسامِ (الحُكمِ التَّكليفِيِّ) .
٣ـ ترك المكروهِ طبعًا، كما في كراهته ﷺ أكلَ الضَّبِّ.
فعن خالدِ بن الوليدِ ﵁: أنَّه دخلَ معَ رسول الله ﷺ بيتَ ميمونَةَ، فأُتي بضبٍّ محنوذٍ، فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيدِهِ، فقال بضُ النِّسوةِ: أخبرُوا رسول الله ﷺ بما يُريدُ أن يأكُلَ، فقالوا: هوَ ضبٌّ يا رسول الله، فرَفَعَ يَدَهُ، فقلتُ: أحرامٌ هوَ يا رسول الله؟ فقالَ: ((لاَ، ولكنْ لم يكُن بأرضِ قومِي، فأجِدُني أعافُهُ)) ، قال خالدٌ: فاجتررتُهُ فأكلتُه ورسول الله ﷺ ينظرُ [متفقٌ عليه] .
٤ـ أن يتركَ ﷺ الشَّيءَ الحقِّ الغيرِ، كما في تركِهِ أكلَ الثُّوم والبصلِ في جميعِ الأحوالِ لحقِّ الملائكَةِ.
стр. 127
فعنْ جابرِ بن عبد الله ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: ((مَنْ أكلَ ثُومًا أو بصلاً فليَعْتزِلْنَا)) أو قال: ((فليَعْتَزِل مسجِدَنَا وليقعُدْ في بيتِهِ)) ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتي بقِدرٍ فيه خضِراتٌ من بُقولٍ، فوجَد لهَا ريحًا، فسأل فأُخبرَ بما فيها من البُقولِ، فقال: ((قرِّبُوهَا)) إلى بعض أصحابهِ كان معهُ، فلمَّا رَآهُ كرِهَ أكلهَا قال: ((كُلْ فإنِّي أُناجِي من لا تُناجِي)) [متفقٌ عليه] .
فهذا النَّوعُ كالَّذي قبلهُ، من جهَةِ أنَّ التَّركَ ليسَ بتشريعٍ للأمَّةِ.
٥ـ أن يترُكَ ﷺ الشَّيءَ مخافَةَ أن يُفرضَ على أُمَّتِهِ.
كما قالتْ عائشةُ ﵂: إنْ كانَ رسول الله ﷺ ليَدَعُ العملَ وهوَ يُحبُّ أن يعْملَ بهِ خشيَةَ أن يعمَلَ بهِ النَّاسُ فيُفرضَ عليهِمْ [متفقٌ عليه] .
وعنهَا أيضًا: أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى ذاتَ ليلةٍ في المسجِدِ، فصلَّى بصلاتِهِ ناسٌ، ثكَّ صلَّى من القَابلَةِ، فكثُر النَّاسُ، ثمَّ اجتمعُوا من اللَّيلةِ الثَّالثة أو الرَّابعة، فلم يخرُجْ إليهم رسول الله ﷺ ، فلمَّا أصبحَ قالَ: ((قَدْ رأيتُ الَّذي صنعتُمْ، ولم يمْنَعْنِي من الخُروجِ إليكُم إلاَّ أنِّي خشيتُ أن تُفرضَ عليكُم)) وذلك في رمضَانَ [متفقٌ عليه] .
فهذا التَّركُ زالَ المحذُورُ منه بموتهِ ﷺ وانقطَاعِ الوحي، لكنَّ من أهلِ العلمِ من نبَّه على شيءٍ يستفادُ من مثلِ هَذا الحديثِ في حقِّ
стр. 128
العُلماءِ والدُّعاةِ إذا كانُوا ممَّن يُؤخذُ عنهُمْ: أن لا يُواظِبُوا أمامَ الملإِ على فعلِ المندُوبِ خشيةَ أن يحسَبَهُ النَّاسُ واجبًا أو سنَّةً لا تُتْرَكُ.
٦ـ أن يُترك ﷺ ما لاحرج فيهِ ممَّا أباحَهُ لغيرِهِ من أُمَّتِه لإقبالِهِ على ماهوَ أتَمُّ في حقِّهِ وأكملُ.
مثالهُ: حديثُ عائشةَ ﵂: أنَّ أبابكرٍ ﵁ دَخلَ عليهَا وعندَهَا جاريَتَانِ تُدفِّقانِ وتضْرِبانِ، والنَّبيُّ ﷺ مُتغشٍّ بِثوبِه، الحديث [أخرجهُ البخاريُّ وغيرُهُ] .
وهذا النَّوعُ من التَّركِ سُنَّةٌ حسنةٌ، ولا تقبَحُ مُخالفتُهُ.
٧ـ أن يترُكَ ﷺ الانتِقَامَ لحظِّ نفسِهِ أخْذًا بأولى الخَصلَتيْنِ، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٠ـ ٤٢] ، ومن هذا حديثُ أُبيِّ بنِ كعبٍ ﵁ قالَ: لمَّا كانَ يومُ أُحُدٍ قُتلَ من الأنصارِ أربعةٌ وستُّونَ رجلاً، ومن المُهاجرِينَ سِتَّةٌ، فقال أصحابُ رسول الله ﷺ : لئنْ كانَ لنَا يومٌ مثلُ هذا من المُشركينَ لنُربِينَّ عليهِمْ، فلمَّا كانَ يومُ الفتحِ قالَ رجلٌ لا يُعرفُ: لا قُريشٌ بعدَ اليَومِ، فنادَى مُنادي رسول الله ً: ((أمِّنِ
стр. 129
الأسوَدَ والأبيضَ إلاَّ فُلانًا وفُلانًا)) ناسًا سمَّاهم، فأنزل الله ﵎: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦] ، فقال رسول الله ﷺ : ((نصْبِرُ ولاَ نُعَاقِبُ)) [أخرجه عبدُالله بن أحمد في ((زوائد
المسند)) ٥/١٣٥ بإسنادٍ جيِّدٍ، وبنحوهِ عندالتِّرمذيِّ والنَّسائي في التَّفسيرِ] .
وهذا النَّوعُ من التَّركِ لا تخفَى شرعيَّةُ الاقتِداءِ فيهِ.
٨ـ أن يترُك ﷺ الشَّيءَ المطلوبَ دفعًا للمفسدَةِ الأكبرِ.
وهذا كالَّذي حدَّثتْ به عائشة ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: ((يا عائشة، لولاَ أنَّ قومَكِ حديثُ عهدٍ بجاهليَّةٍ، لأمرتُ بالبيتِ فهُدِمَ، فأدْخلتُ فيه ما أُخرِجَ منهُ وألزَقْتُه بالأرضِ، وجعلتُ لهُ بابينِ بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، فبَلَغْتُ بهِ أساسَ إبراهيمِ)) [متفقٌ عليه] .
فهذا تركٌ منهُ ﷺ خشيَةَ أن يقعَ بالفِعلِ مفسَدَةٌ تربُو على هذه المصلحَةِ، وقد فعلَ ذلكَ عبدُالله بن الزُّبيرِ في خلافَتِهِ ظنًّا منهٌُ أنَّ المحذُور قدْ زالَ، فلمَّا قُتلَ أعادَهُ بنُوأُميَّة كما كانَ، كما جاءَ ذلكَ في بعضِ رواياتِ مسلمٍ.
وهذا من التُّروكِ هديٌ عظيمٌ للعلماءِ والآمرينَ بالمعروفِ والنَّاهينَ عن المُنكرِ، أنْ يُقدِّرُوا في أفعالهم وتُروكهِم المصالحَ والمفاسدَ، فإنْ غلبَ ظنُّ جانبِ المفسَدَةِ بالفعلِ فالسُّنَّةُ التَّركُ، وإنْ
стр. 130
غلبَ جانبُ المفسَدَةِ بالتَّركِ فالسُّنَّةُ الفِعلُ.
(٣) سنة تقريرية
* المقصودُ بها:
سكوتُ النَّبيِّ ﷺ وتركُهُ الإنكارَ على قولٍ أوفعلٍ وقعَ بحضْرتِهِ، أو في غيبتِهِ وبلغَه، أو تأكيدُهُ الرِّضا بإظهارِ الاستِبشَارِ بهِ أو استِحسَانِهِ.
ومن أمثلةِ ذلكَ:
١ـ حديثُ عائشة ﵂: أنَّها ذكرَ عندَهَا ما يقطعُ الصَّلاةَ، فقالوا: يقطَعُها الكَلبُ والحمارُ والمرأةُ، قالتْ: لقدْ جعلتُمونَا كِلابًا، لقدْ رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يُصلِّي وإنِّي لبيْنَهُ وبينَ القِبلةِ وأنَا مُضطَجِعَةٌ على السَّريرِ، فتكونُ لي الحَاجَةُ فَأكرَهُ أن أسْتَقْبِلَهُ، فأنْسَلُّ انسِلاَلاً [متفقٌ عليه] .
٢ـ حديثُ أبي سعيدٍالخُدريِّ ﵁: أنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ أتَوْا على حيٍّ من أحياءِ العربِ، فلمْ يقرُوهُم، فبينمَا همْ كذلكَ إذْ لُدِغً سيِّدُ أولئكَ، فقالُوا: هلْ معَكُم من دواءٍ، أو راقٍ؟ فقالوا: إنَّكُم لم تقرُونَا، ولا نفعلُ حتَّى تجعلُوا لنَا جُعلاً، فجعلُوا لهُم قطيعًا من الشَّاءِ فقالوا: لا نأخُذُهُ حتَّى نسألَ النَّبيَّ ﷺ -
стр. 131
فسألوهُ، فضحِكَ، وقالَ: ((وما أدراكَ أنَّها رُقيةٌ، خذُوهَا واضْرِبُوا لي بِسهمٍ)) [متفقٌ عليه] .
وممَّا يندجرُ تحتَ السُّنَّةِ التَّقريريَّة:
[١] أنْ يقعَ الفعلُ في زمانهِ ﷺ ، ويكونَ مشهورًا لا يخفى مثلُهُ في العادَةِ أن يبلُغَ النَّبيَّ ﷺ .
مثلُ: قصَّةِ مُعاذِ بنِ جبلٍ ﵁ أنَّهُ كان يُصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ يرجعُ فيؤمُّ قومَهُ [متفقٌ عليه من حديث جابرِ بن عبد الله] ، فهذا دليلٌ على جوازِ أن يؤمَّ المتنفِّلُ المفترضينَ، وأنَّه لا يضرُّ اختلافُ نيَّةِ الإمامِ والمأمومِ.
[٢] أنْ يقعَ الفعلُ في زمانهِ ﷺ ، وليسَ مثلُهُ مظِنَّةَ الاشتِهارِ في العادَةِ، فلا يُدرى أعَلِمَ به النَّبي ﷺ أم لا، فهذا عندَ طائفَةٍ ليسَ بحُجَّةٍ، وذهبً بعضُ العلماءِ إلى أنَّهُ حجَّةٌ مالم يُعارضْ بنصٍّ أقوَى، لأنَّ الله تعالى مُطَّلعٌ، وجبريلُ ينزلُ على النَّبيِّ ﷺ بالشَّرائع.
والقولُ بحُجيَّتِهِ أصحُّ، وقد مضى الحالُ من أصحابِ النَّبي ﷺ في حياتهِ على إدراكِ هذه الحقيقةِ، فكانُوا يعلمونَ أنَّهُم لن يُقَرُّوا على باطلٍ ما دامَ القُرآن ينزلُ وإن كانَ ذلكَ مِمَّا لا يطَّلع عليهِ النَّبي ﷺ في العادَةِ، كما صحَّ عن عبد الله بن عُمرَ ﵄ قالَ: كُنَّا نتَّقِي كثيرًا من الكلامِ والانبِساطِ إلى نسائنَا على عهدِ رسول الله ﷺ مخافَةً
стр. 132
أن ينزلَ فينا القُرآن، فلمَّا مات رسول الله ﷺ تكلَّمنَا، [أخرجه البخاريُّ وابن ماجه وأحمدُ واللَّفظُ له] .
[٣] أن يكونَ الشَّيء مِمَّا جرى به عُرفُ النَّاسِ زمَنَ التَّشريعِ، ولمْ يأتِ من الشَّارعِ فيه أمرٌ ولا نهيٌ، فهوَ تقريرٌ من الشَّارعِ لعدَمِ الحُكمِ.
مثالهُ: أنَّ النَّاسَ كانُوا يتَّخذون الخيلَ، ولم يأتِ أنَّهُم كانُوا يُخريجونَ عنها الزَّكلة، ولو كانُوا يفعلونَ لحُفظَ ذلكَ، فحيثُ لم يأتِ فيه شيءٌ دلَّ على أن لا شيءَ فيهِ.
الوجوه التي تقع عليها التصرفات النبوية
* النَّبيُّ ﷺ كان المبلغُ لأمَّتِهِ عن الله تعالى شرائعَ الدِّنِ، فكانَ مصدرَ الأحكامِ وإليهِ سُلطةُ الفتوى بحكمِ أنَّه رسول الله، لكنَّه لم يستقلَّ بهذه الوظيفةِ فحسب، بلْ كانتْ لهُ سلْطةُ الحُكمِ والسِّياسةِ والإمامةِ، كما كانتْ لهُ سُلطةُ القضاءِ والفصْلِ بين الخُصوماتِ، وبهذه الاعتباراتِ جاءتْ تصرُّفاتُهُ من الأقوالِ والأفعالِ والتَّقريرَاتِ على وجُوهٍ أربعةٍ جديرٌ بالفقيهِ مُلاححَظَتُها، هيَ:
١ـ تصرُّف مقطوعٌ بكونه صدرَ منهُ ﷺ بمقتضى الحُكِ والسِّياسَةِ.
مثلُ: إقطاعِ الأراضي، وإقامةِ الحُدُودِ، وقيادَةِ الجُيوشِ، وقسمَةِ
стр. 133
الغَنائمِ، وتوزيعِ أموالِ بيتِ المالِ في المصالحِ.
فهذا النَّوعُ لم يكُن يقعُ من أحدٍ إلاَّ بإذنهِ ﷺ ، فهوَ حقٌّ للحاكمِ لا يؤذنُ فيه للأفرادِ بلا خلافٍ يُذكرُ بين أهلِ العلمِ.
٢ـ تصرُّفٌ مقطوعٌ بكونِهِ صدرَ منهُ ﷺ على وجهِ القضاءِ.
مثلُ إلزامِ الدُّيونِ، وتسليمِ الحقوقِ، وفسخِ الأنكِحةِ.
فهذا النَّوعُ لم يكُن يقعُ من النَّبيِّ ﷺ إلاَّ بحكمِ القضاءِ، وما كانَ يجرُؤ عليه أحدٌ بغير إذنهِ، فهو حقٌّ للقاضي لا يُؤذنُ فيه إلاَّ لمن كانتْ لهُ وِلايَةُ قضاءٍ بلا خلافٍ يُذكرُ عن أهلِ العلمِ.
٣ـ تصرُّفٌ مقطوعٌ بكونِه صدرَ منهُ ﷺ على وجهِ الإفتاءِ وبيانِ الشَّرائعِ لعُمومِ الأمَّةِ.
مثلُ: بيانِ أحكامِ العباداتِ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ ومناسكِ الحجِّ.
فهذا عامٌّ في حقِّ كلِّ فرْدٍ، لا يتوقَّفُ امتثالهُ على إذنِ حاكمٍ ولا قضاءِ قاضٍ، وهو الأصلُ الغالبُ فيما صدرَ عن النَّبيِّ ﷺ من السُّننِ.
٤ـ تصرُّفٌ صدر منهُ ﷺ ليسَ بصريحٍ في إرادَةِ واحدٍ من الوجوهِ المتقدِّمةِ، فهو يحتملُ الإلحاقَ بهذا أو ذاك منها، وهذا ممَّا وقعَ فيهِ اختلافُ العلماءِ.
وإليكَ ثلاثة أمثلةٍ لذلك:
стр. 134
[١] حديثُ جابرِ بن عبد الله ﵄: عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: ((منْ أحيَا أرضًا ميتةً فهيَ لهُ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه التِّرمذِيُّ وغيرُهُ] .
فمذهبُ مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمدَ وغيرهم: هذا تصرُّفٌ بالفُتيا، فلكلِّ أحدٍ حقٌّ في إحياءِ الأرضِ الميتةِ من غيرِ توقُّفٍ على إذنِ السُّلطانِ.
وخالفهُمْ أبُوحنيفةَ، فقالَ: هذا تصرُّفٌ بالحكمِ، فلا يحلُّ لأحدٍ إلاَّ بإذنِ الإمامِ.
[٢] حديثُ عائشةَ ﵂ قالتْ: يا رسول الله، إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ، لا يُعطيني من النَّفقةِ ما يكفينِي ويكفي بَنِيَّ، إلاَّ ما أخذْتُ من مالهِ بغيرِ علمِهِ، فهلْ عليَّ في ذلكَ من جُناحٍ؟ فقالَ رسول الله ﷺ : ((خُذي من مالهِ بالمعروفِ ما يكفيكِ ويكفي بنيكَ)) [متفقٌ عليه] .
فذهَبَ كثيرٌ من العُلماءِ إلى أنَّ هذا من النَّبيِّ ﷺ تصرُّفٌ بالفُتيا، فهوَ حكمٌ عامٌّ لكلِّ أحدٍ إنْ كانَ لهُ حقٌّ عندَ غيرِهِ فظفرَ بهِ أنَّ لهُ أن يأخذَهُ.
وذهبَ مالكٌ إلى أنَّ هذا تصرُّفٌ بالقضاءِ، وعليهِ اعتراضاتٌ ليسَ
стр. 135
هذا محلُّهَا.
[٣] حديثُ أبي قتادَةَ ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : ((من قتلَ قتيلاً لهُ عليهِ بيِّنةٌ سلَبَهُ)) [متفقٌ عليه] .
هذا تصرُّفٌ بالإمامَةِ عند كثيرٍ من أهلِ العلم فلا يستحقُّ القاتلُ السَّلبَ إلاَّ بإذنِ الإمامِ، خلافًا للشَّافعيِّ، واختلفُوا: هلْ هو حقٌّ لازمٌ لهُ، فيكونُ ذلك من قبيلِ الفُتيا النَّبويَّةِ للحُكَّامِ والأئمَّةِ، أم يفعلُهُ الإمامُ سياسةً إنْ رأى مصلحةً تستدعيهِ؟ فذهبَ مالكٌ إلى أنَّهُ سياسةٌ يفعلُهُ الإمامُ إذا رأى، وذهبَ غيرُهُ إلى أنَّهُ حقٌّ له يُعطيهِ إيَّاهُ الإمامُ إذا جاءَ ببيِّنةٍ، في تفصيلٍ وبسْطٍ ليسَ هذا موضِعَهُ.
حجيَّة السنة
* السُّنَّةُ حُجَّةٌ ومصدرٌ تشريعِيٌّ كـ (القُرآنِ) في إفادَةِ الشَّرائعِ والأحكامِ في دينِ الإسلامِ، اتَّفقَ على ذلك الصَّدرُ الأوَّلُ من هذهِالأمَّةِ وعامَّةُ أئمَّةِ الدِّينِ بعدَهُم ممَّن اقتفى آثارهُم وجرَى على منهاجهم في تقديم النَقلِ والوحيِ على العقلِ والرَّأي.
ولهمْ من البراهين ما لايُحصَى ممَّا يعودُ إليه تقريرُ هذا الأصلِ، ترجعُ إلى وجوهٍ، إليك ذكرهَا مختصرةً:
стр. 136
١ـ استواءُ السُّنَّة مع القرآنِ في كونهَا وحيًا، فقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ـ٤] ، وعنِ المِقدامِ بنِ معدي كرِبَ ﵁: عن رسول الله ﷺ قال: ((ألاَ إنِّي أوتيتُ الكتابَ ومثلهُ معهُ، ألاَ يُوشكُ رجلٌ شبعانَ على أريكته يقولُ: عليكُم بهذا القرآنِ، فما وجدتُّم فيه من حلالٍ فأحلُّوهُ، ما وجدتُّم فيه من حرامٍ فحرِّمُوهُ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبوداود وغيرُه] ، ففي هذا إبانَةٌ عن كونِ السُّنَّةِ ممَّا أُوتيَهُ النَّبيُّ ﷺ ، وأنَّها في إفادَةِ التَّشريعِ كالقُرآنِ، وهذا معنى المثليَّةِ في الحديثِ مؤكَّدًا بإنكارِ التَّفريقِ بينهمَا في المثلِ المضروبِ.
٢ـ مساواةُ الله تعالى بين طاعتهِ وطاعةِ نبيِّه ﷺ ، وأمرُهُ بإعادَةِ الخلافِ إليهِ وإلى نبيِّه للفصلِ فيهِ، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] ، ففي هذا دليلٌ على أنَّهُ حكمٌ واحدٌ كُلُّهُ في الأصلِ حكمُ الله تعالى، والعلَّةُ فيه أنًَّ الله عزَّوجلَّ عصمَ نبيَّهُ ﷺ من أن يقولَ عليه غيرَ الحقِّ أو ينسُبَ إلى دينهِ الباطلَ فكانَ لا يصدُرُ إلاَّ عن أمرهِ وشرْعِهِ.
٣ـ تمكينُ الله تعالى نبيَّهُ ﷺ من شرحِ الكتابِ وتفصيلِ أحكامِهِ وشرائعِهِ دليلٌ على أنَّ اكتمالَ الإدراكِ لأحكامِ الكتابِ لا يتمُّ إلاَّ ببيانِ
стр. 137
الرَّسولِ ﷺ فيكونُ الاحتجاجُ بالسُّنَّةِ غيرَ متأخرِ الرُّتبةِ عن درجةِ الكتابِ في إفادَةِ التَّشريعِ لاحتياجِ الكتابِ إليها، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .
وما تقدَّم ذكرُهُ في (أحكام القرآن) من إرجاء تفصيلِ الأحكامِ إلى السُّنَّة صريحُ الدَّلالةِ على امتناعِ فهمِ شرائعِ الدِّين من الكتابِ دونَ السُّنَّةِ، فلو تُركَ النَّاسُ ليصلُّوا بمُقتضى دلالةِ الكتابِ لمَا عرفَ أحدٌ كيفَ ولا متى ولا على أيِّ صفةٍ يصلِّي، وهكذا أكثرُ الأحكامِ.
٤ـ أمرُ الله الصَّريح في كتابه بقبولَ ما جاءَ به الرَّسولُ ﷺ من غيرِ تفريقِ بين قرآنٍ وغيرهِ، وتحذيرُهُ أشدَّ التَّحذيرِ من مخالفَةِ ذلكَ، بُرهانٌ قائمٌ بذاتهِ على اعتبارِ السُّنَّةِ دليلاً لإثباتِ شرائعِ الدِّين، من ذلكَ قوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، وقوله عزَّوجلَّ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ، وقال: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
أخرج البُخاريُّ ومسلمٌ عن عبد الله بنِ مسعودٍ ﵁ قال: ((لعنَ الله الواشمَاتِ والمُوتَشمَاتِ، والمُتنمِّصاتِ، والمُتفلِّجاتِ للحُسنِ، المُغيِّراتِ خلقَ الله)) فبلغَ ذلكَ امرأةً من بني أسدٍ يُقالُ لها
стр. 138
أمُّ يعقوبَ، فجاءتْ فقالتْ: إنَّهُ بلغني أنَّك لعنْتَ كيتَ وكيتَ، فقالَ: ومالي لا ألعنُ من لعنَ رسول الله ﷺ ومن هُو في كتابِ الله؟ فقالتْ: لقد قرأتُ ما بينَ اللَّوحينِ فما وجدتُ فيه ما تقولُ، قال: لئنْ كُنتِ قرأتِهِ لقدْ وجدتيهِ، أما قرأتِ؟ : ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ؟ قالتْ بلَى، قال: فإنَّهُ قد نهَى عنهُ، قالتْ: فإنِّي أرى أهلكَ يفعلونهُ، قال: فاذهبي فانظُري، فذهبتْ فنظرَتْ فلمْ ترَ من حاجتها شيئًا، فقال: لو كانتْ كذلك ما جامعتْنَا.
٥ـ مٌضيُّ سبيلِ المؤمنينَ على الاحتجَاجِ بالسُّننِ المرويَّةِ عن رسول الله ﷺ في إثباتِ شرائعِ الدِّينِ كالقُرآن وهي عندهُم شَطْرُهُ تحت مسمَّى الوحي، ولذلك يمنعونَ الاجتهادَ في قضيَّةٍ فصلتْ فيها كما يمنعونَ الاجتهادَ عندَ ورودِ القرآنِ بفصْلهَا، وكانَ من حادَ عنها عندَهُم بعدَ العلمِ بها زائغًا عن الهُدَى كما يصفونَ بذلكَ من حادَ عن القرآنِ، وكانَ الفرقُ عندَهُم بين الشَّرعِ والإحداثِ يتميَّزُ بمُخالفَةِ السُّنن، ولِذا أصْبحَتِ (السُّنَّةُ) مقابلةً لـ (البِدعَة) .
وهذا معنى يطولُ استقصاؤهُ، وقدْ جُرِّدتْ فيه كتبٌ كثيرةٌ قُصدَ فيها إبطالُ مقالةِ من أسقطَ الاستدلالَ بالسُّننِ أو أضْعفَ شأْنَهَا من أصحابِ البِدَعِ.
стр. 139
طرق ورود السنن
"طريقُ نقلِ السُّنَّةِ يختلفُ عن الطَّريق الَّذي نُقل به القرآن، فإنَّ القرآن لقيَ أعظَمَ العنايَةِ من رسول الله ﷺ وأصحابهِ، فكانَ لا يتلوهُ النَّبيُّ ﷺ بعدما ينزلُ عليه به جبريلُ ﵇ إلاَّ وتلقَّفهُ الكاتبونَ الأمناءُ المعدَّلونَ من قبلِ رسول الله ﷺ ، وكان النَّبيُّ ﷺ يتلوهُ على أصحابهِ في مواعظِهِ وخُطبهِ ومجالسِه وصلوَاتِه فيسمعُهُ الخاصُّ والعامُّ، وهو يحثُّهم على أخذهِ وحفظِهِ، فلمَّا مات- ﷺ جُمع المكتوبُ وقورِن بالمحفوظِ وحُصرَ بالمصاحفِ، ورأى أئمَّةُ الصَّحابةِ كالخُلفاءِ الرَّاشدينَ أنَّ ضبطَ ذلك من مسؤوليَّة الأمَّةِ العُظمَى، فنُشرتِ المصاحفُ بعدَ ضَبْطِهَا وشاعتْ في الأمصارِ، والحُفَّاظُ له المعتنونَ به لم يدخُلو بعدَ ذلك تحتَ حصرِ حاصرٍ، وأسانيدُ النَّقلِ لهُكثيرةٌ لم يكُن يخلُ منها مصرٌ من أمصارِ المسلمين على اتِّساعهَا.
أمَّا السُّنَّةُ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكُن أذنَ في كتابِتهَا خشةَ اختلاطِهَا بالقرآنِ لأنَّهُ لم يكُن بعدُ قد جُمعَ وحُصرَ بالمصاحفِ، وإنَّما أذنَ لبعضِ أصحابهِ بذلكَ، وبقيَ أمرُ حفظِهَا إلى من يقصدُ الاعتناءَ بذلكَ من أصحابِهِ، كما وقعَ من أبي هريرةَ ﵁ وغيره، وربَّما كانَ الصَّحابيُّ سمعَ الحديثَ من رسول الله ﷺ في موضعٍ لم يكنْ فيهِ
стр. 140
غيرهُ وآخرُ سمعهُ مع آخرينَ ولكن لم يكُن الحملُ كالأداء، فرُبَّما نسيَ بعضُ أولئكَ الحديثَ، وربَّما لم ينشطُوا لأدائهِ، وربَّما منعهُمْ من التَّحديثِ عارضٌ شغلَهُم عنه، كما حصلَ من كثيرٍ من كبارِ الصَّحابةِ كأبي بكرٍ وعُمرَ ومن ماتَ في عهدِهِما، فمع طولِ الصُّحبةِ لم يؤدُّوا عن رسول الله ﷺ من الحديثِ إلاَّ القليلَ لانشغالِهِم يومئذٍ بأمرِ تثبيتِ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ والفُتوحِ، ولذَا ترى في الحديثِ المنقولِ عن صغارِ الصَّحابةِ ومن تأخَّر موتُه ما هو أضعافُ أضعافِ المنقولِ عن أولئكَ الكِبارِ.
نعمْ؛ لا يصحُّ اعتقادُ ضياعِ شيءٍ من السُّننِ، لأنَّ الله ﵎ تعهَّدَ بحفظِ وحيِهِ لِيبقَى حُجَّةً ما بقيَ الخلقُ، وهذه قضيَّةٌ لبسطِهَا موضعٌ آخرُ، ولكنَّ الَّذي يعنِينا هُنا هوَ أنَّ الأسبابَ المتقدِّمَةَ ونحوَها جعلتْ نقلَ السُّنَّةِ دونَ نقلِ القرآنِ، ممَّا يقعُ بمثلهِ خفاءُ الحُجَّةِ في المسائلِ الشَّرعيَّةِ الواردَةِ في كثيرٍ من السُّننِ، ولذلكَ كان من أعظمِ أسبابِ اختلافِ الفُقهاءِ خفاءُ الحديثِ على الفقيهِ وعلمُ الآخرِ بهِ، وهذا لا يقعُ بالنِّسبةِ إلى القرآنِ، إنَّما اختلافُهُم في القرآنِ إنْ وقعَ فبِسببِ الدَّلالةِ لا الرِّوايةِ.
وعليهِ فإنَّ الفقيه مُضطرٌّ إلى البحثِ عن الأحاديثِ المرويَّةِ، ولمَّا كانتْ رِوايتهَا تقعُ بنقلِ الجماعةِ القليلةِ أو بنقلِ الفرْدِ فهوَ مُضطرٌّ للتثبُّتِ في صحَّةِ ذلكَ النَّقلِ، وهذا أمرٌ لا يحتاجُه بالنِّسبةِ إلى القرآنِ،
стр. 141
من أجلِ حصولِ القطعِ بأنَّهُ الَّذي أنزلهُ تعالى على محمَّدٍ ﷺ من أوَّلهِ إلى منتهاهُ بطريقِ نقلٍ لا يقبلُ التَّردُّدَ كما تقدَّمَ.
أمَّا أمرُ ثبوتِ تلكَ الأحاديثِ فلقواعدِهِ وضوابِطِهِ مفصَّلةً (علومُ الحديثِ) .
لكن يجدُرُ بالفقيهِ أن يعلمَ مراتبَ القُوَّةِ في نقلِ السُّننِ، ويتطرَّقُ الأصوليُّون لهذهِ القضيَّةِ من جهةِ تعدُّدِ الأسانيدِ المستقلَّةِ للسُّنَّةِ المعيَّنةِ، فيُقسمُونَ السُّنَّةَ إلى قسمينِ، هما:
١ـ السنة المتواترة
"تعريفها:
التَّواترُ لُغةً: التَّتابعُ، يقالُ (تواترَتِالخيلُ) إذا جاءتْ يتْبعُ بعضُها بعضًا، و (جاءُواتَتْرَى) أي متتابعينَ وِتْرًا بعدَ وِترٍ، و (الوِتُرُ) الفرْدُ، فمن هذا قيلَ للحديثِ (مُتواترٌ) لأجلِ تتابُعِ الأفرادِ فردًا بعدَ فرْدٍ على روايتِهِ.
واصطلاحًا: ما اجتَمَعتْ فيه شُروطٌ ثلاثَةٌ:
١ـ يرويهِ عدَدٌ كثيرٌ يستحيلُ في العادَةِ أن يتواطأُ على الخطإ، بسببِ تباعُدِ بلْدانِهم، أو فرْطِ كثرتِهِمْ، أو لدينِهِمْ وصلاحِهمْ وشُهرتهم بذلك.
٢ـ يرويهِ عنهُم مثلُهُم من مصدرِهِ رسول الله ﷺ إلى منتهَاه.
стр. 142
٣ـ أخذُ بعضِهِم عن بعضٍ قدِ استَندَ إلى الحِسِّ، وهو السَّماعُ أو ما في معناهُ ممَّا يثبتُ بهِ الاتِّصالُ.
* درجتها:
فإنِ اجتَمَعَتْ هذهِ الشُّروطُ في سُنَّةٍ منقولةٍ عن رسول الله ﷺ فهيَ سُنَّةٌ متواترةٌ مفيدةٌ لليقينِ، ومنزلةُ العلمِ الثَّابتِ بطريقِ التَّواتُرِ منزلةُ المعاينةِ لهُ كما لو شَهِدَ النَّبيَّ ﷺ يُحدِثُ بهِ.
وهوَ أعلَى السُّنَنِ حُجَّةً عندَ الفقيهِ، ولا يختلفُ أهلُ العلمِ في كونِهِ حُجَّةً شرعيَّةً مستقلَّةً في إفادَةِ الأحكامِ الشَّرعيَّة.
* التواتر نوعان:
١ـ تواتُرٌ ضرُوريٌّ:
وهوَ ما يقعُ العلمُ به ضرُورةً، فلا إمكانَ لدَفعِهِ ولا التَّردُّدِ فيهِ، ولا يتوقفُ على نظرٍ وبحثٍ، وهذا واقعٌ في السُّننِ في أشياءَ كثيرةٍ، استغنَى المسلمونَ بتواتُرها عن النَّظرِ في رواياتهَا ونقلهَا، مثلُ: الصَّلواتِ الخمسِ في اليومِ واللَّيلةِ، وعددِ ركعاتٍ كلِّ صلاةٍ، ومواقيتهَا من حيثُ الإجمالُ، ومشروعِيَّةِ الأذانِ والإقامةِ، وغير ذلكَ ممَّا يعرفُهُ الخاصُّ والعامُّ، والعلمُ به حاصلٌ لجميعِ أهلِ الإسلامِ من غيرِ توقُّفٍ على استدلالٍ.
وهذا التَّواتُرُ لا يحتاجُ إلى الإسنادِ.
стр. 143
٢ـ تواتُرٌ نظريٌّ:
وهو ما توقَّف العلمُ به على تتبُّعِ الأسانيدِ وجمعهَا والنَّظرِ فيها.
وكثيرٌ من السُّننِ المتواترَةِ عُرفَ بهذا الطَّريقِ، ولهذا خفي العلمُ بتواتُرِ بعضِ ذلكَ، فكمْ من سنَّةٍ يظنُّ الظَّانُّ أنها سُنَّةُ آحادٍ وهي متواترةٌ، لأنه لم يطَّلعْ في طُرق روايتِهَا على ما جمعَ شُروطَ التَّواتُرِ المتقدِّمة، وهذا جانبٌ يحتاجُ فيه الفقيهُ إلى (علوم الحديثِ) ليعلمَ الوجوه الَّتي وردَ عليها الخبر.
كما يجبُ أن يُلاحظَ أنَّ من المتأخِّرينَ من أغفلَ اجتماعَ الشُّروطِ المتقدِّمةِ في التَّواترِ سِوى مجرَّدِ العدَدِ، وهذا لا يُغني وحدَهُ في إفادَةِ التَّواترِ، فقدْ وُجدَتْ أحاديثُ رواتُها كثيرونَ ربَّما بلغُوا العشرَةَ أو زادُوا، لكنَّ مدارَ أسانيدهم على رواةٍ لم يؤمن تواطؤهُم على الكذبِ أو الخطإ، وهذا يعني وجوبَ النَّظرِ في أحوالِ النَّقلةِ والأمنِ من وقوعِ ذلك منهُم.
وهذا النَّوعُ من التَّواترِ دونَ منزلَةِ الأوَّلِ، والجهلُ بهِ حاصلٌ، والعُذرُ بذلكَ قائمٌ بخلافِ الأوَّلِ، فذلكَ لا يقعُ الجهلُ بهِ، ولا يُعذرُ مُدَّعيه إذا كان يعيشُ في دارِ إسلامٍ.
* تقسيم التواتر من جهة لفظ الخبر:
١ـ لفظيٌّ ومثالهُ: قوله ﷺ : ((من كذبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ ْ
стр. 144
مقعدَهُ من النَّارِ)) .
٢ـ معنويٌّ، وهو الأحاديثُ الكثيرةُ الَّتي تبلُغُ التَّواترَ تتَّفقُ على إفادَةِ معنًى مُعيَّنٍ، معَ أنَّ سياقاتهَا قدْ تختلفُ عن بعضهَا في ألفاظِها وفي زيادتِها ونقصِهَا، كالأحاديثِ الواردَة في المسحِ على الخُفَّينِ، فأفرادُ ذلك سُننُ آحادٍ، لكنَّ مجموعَهَا أفادَ مشروعيَّةَ المسح، فصارَ متواترًا لاتِّفاقها عليه.
٢ـ سنة الأحاد
* تعريفها:
الآحادُ لُغَةً: جمعُ (أحد) وهو بمعنى (واحد) .
واصطلاحًا: ما لمْ يجمعْ شٌروطَ التَّواتُرِ.
وهذا يعني أنَّ (سُنَّة الآحادِ) ما يرويهِ الواحدُ، أو ما يرويهِ العدَدُ القليلُ الَّذيمَ لم يبْلُغْ خبرُهُم حدَّ اليقينِ بروايتِهِمْ، كروايةِ الإثنينِ، وما زادَ على ذلكَ زيادَةً دلَّتْ على انتِشارِ الحديثِ لكنَّها لم تُحقِّقْ شرْطَ التَّواتُر.
* درجتها:
سُنَّةُ الآحادِ لا ريبَ أنَّها دونَ السُّنَّةِ المتواترةِ، لكنَّ روايةَ اثنينِ
стр. 145
ينبغي أن تكونَ أعلى من واحدٍ، وثلاثةٍ أعلى من اثنينِ، وإن لم يبلُغُوا حدَّ التَّوتُرِ، وهذا صوابٌ من حيثُ الجملةُ، لكنَّهُ على أيِّ تقديرٍ متوقِّفٌ على معرفةِ درجاتِ أسانيدِ تلك الرِّواياتِ، وإنَّما يكونُ العددُ ميزَةً زائدَةً في قوَّةِ الحديثِ إذا ثبتَ إسنادُ كلِّ روايةٍ.
فالشَّرطُ في قبُولِ سُنَّةِ الآحادِ هوَ: شرطُ الحديثِ الصَّحيحِ في (علومِ الحديثِ) وما قرُب من الصِّحَّةِ كالحديثِ الحسنِ الَّذي أفادَ السَّبرُ والنَّظرُ أنَّهُ حديثٌمحفوظٌ ليسَ بِمُنكرٍ، فإنَّهُ يجمعُهُ مع الحديثِ الصَّحيحِ أنَّهُما جميعًا إلى جانبِ الرُّجحانِ والقَبولِ، وهذا كافٍ عندَ جمهورِ العلماءِ في إثباتِ الشَّرائعِ والدِّيانَة.
وسُنَّةُ الآحادِ الثَّابتَةُ قبولُها من بابِ (قبولِ الظَّنِّ الرَّاجحِ) ، وهوَ حُجَّةٌ مُعتبرَةٌ في الشَّرعِ، ومن الأدلَّةِ عليهِ:
١ـ قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائفة لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] ، قال أهلُ العربيَّةِ: ((الطَّائفةُ: الواحدُ فصاعدًا)) ، والكفايةُ تحصلُ بواحدٍ يرحلُ فيتفقَّهُ فيعودُ إلى قومِهِ وعشيرتِهِ مُبلَّغًا معلِّمًا نذيرًا، فتصحُّ نِذارتُهُ شرعًا وتلزَمُهُم حُجَّتُهُ، وهي خبرُ آحادٍ.
٢ـ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] ، فأمرَ بالتَّثبُّتِ في قَبُولِ خبرِ الفاسقِ، ممَّا دلَّ بمفهومهِ
следующие страницы →