← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 22397

مناظرة بين الإسلام والنصرانية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (477 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كان يعلمهم في مجمعهم حتى بهتوا وقالوا: من أين لهذا هذه الحكمة والقوات؟ أليس ابن النجار؟ أليست أمه تدعى مريم وإخوته يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا؟ أو ليست أخواته جميعهن عندنا فمن أين لهذا هذه كلها؟ فكانوا يعثرون به. وأما يسوع فقال لهم: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم ". وكذلك يقول إنجيل (مرقس ٦: هـ) في هذا المقام: " ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة ". لقد عجز المسيح هنا عن صنع المعجزات. فلو كان المسيح إلها أو ابن الله لكان قادرا على صنع المعجزات بصرف النظر عن سوء استقبالهم له وتأثره نفسيا بذلك. ويقول (متى في إنجيله إصحاح ٢١ عددي ١٠، ١١) : " ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة: من هذا؟ فقالت الجموع هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل ". فهذه هي شهادة الشهود الذين عاينوه ورأوا معجزاته ولم يقل واحد منهم إنه إله أو ابن الله. ونجد في إنجيل (لوقا ٧: ١١ - ١٦) : " وفي اليوم التالي ذهب إلى مدينة تدعى نايين وذهب معه كثيرون من تلاميذه وجمع كثير، فلما اقترب إلى باب المدينة إذا ميت محمول ابن وحيد لأمه وهي أرملة ومعها جمع كثير من المدينة. فلما رآها الرب تحنن عليها وقال لها لا تبكي. ثم تقدم ولمس النعش فوقف الحاملون. فقال أيها الشاب لك أقول قم. فجلس الميت وابتدأ يتكلم فدفعه إلى أمه. فأخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه ". لقد أقام المسيح ميتا بعد أن صلى إلى الله ليمنحه القوة والتأييد. وبعد أن صنع هذه المعجزة العظيمة بإحياء ذلك الميت نجد شهود

стр. 177

هذه الحادثة الكبيرة لم يفقدوا صوابهم ويقولون عنه إنه إله أو ابن الله وإنما قالوا: " قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه ". (لوقا ٧: ١٦) . إحياء الموتى لم تكن هذه أول مرة يرى فيها اليهود نبيا يحيي ميتا فقد سبق أن أقام كل من إيليا واليشع ميتا، بل إن عظام اليشع في قبره - بعد أن مس جسده عظام اليشع، وكذلك أقام حزقيال جيشا من الموتى كما هو ثابت في أسفار العهد القديم: ففي (سفر الملوك الأول ١٧: ١٧ - ٢٤) الذي يقول: " وبعد هذه الأمور مرض ابن المرأة صاحبة البيت واشتد مرضه جدا حتى لم تبق فيه نسمة فقالت لإيليا ما لي ولك يا رجل الله. هل جئت إليَّ لتذكير إثمي وإماتة ابني. فقال لها أعطيني ابنك. وأخذه من حضنها وصعد به إلى العلية التي كان مقيما بها وأضجعه على سريره وصرخ إلى الرب وقال: أيها الرب إلهي أيضا إلى الأرملة التي أنا نازل عندها قد أسأت بإماتتك ابنها. فتمدد على الولد ثلاث مرات وصرخ إلى الرب وقال: يا رب إلهي لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه، فسمع الرب لصوت إيليا فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش، فأخذ إيليا الولد ونزل به من العلية إلى البيت ودفعه لأمه، وقال إيليا انظري ابنك حي، فقالت المرأة لإيليا هذا الوقت علمت أنك رجل الله وأن كلام الرب في فمك حق ". وكذلك في (سفر الملوك الثاني ٤: ٣٢ -٣٧) : " ودخل اليشع البيت وإذا بالصبي ميت ومضطجع على سريره. فدخل وأغلق الباب على نفسيهما كليهما وصلى إلى الرب. ثم صعد واضطجع فوق الصبي ووضع فمه على فمه وعينيه على عينيه ويديه على يديه وتمدد عليه فسخن جسد الولد. ثم عاد وتمشى في البيت تارة إلى هناك وصعد وتمدد عليه فعطس الصبي سبع مرات

стр. 178

ثم فتح الصبي عينيه. فدعا جيحزي وقال ادع هذه الشونمية فدعاها ولما دخلت إليه قال احملي ابنك. فأتت وسقطت على رجليه وسجدت إلى الأرض ثم حملت ابنها وخرجت ". وأكثر من هذا ما فعلته عظام اليشع بعد موته إذ يقول (سفر الملوك الثاني ١٣: ٢٠ - ٢١) : " مات اليشع فدفنوه. وكل من غزاة موآب تدخل على الأرض عند دخول السنة. وفيما كانوا يدفنون رجلًا إذا بهم قد رأوا الغزاة فطرحوا الرجل في قبر اليشع فلما نزل الرجل ومس عظام اليشع عاش وقام على رجليه ". ونذكر كذلك معجزة حزقيال كما هو مكتوب في سفره (إصحاح ٣٧ عدد ١ - ١٠) : " كانت على يد الرب فأخرجني بروح الرب وأنزلني في وسط البقعة وهي ملآنة عظاما، وأمرني عليها من حولها وإذا هي كثيرة جدا على وجه البقعة وإذا هي يابسة جدا. فقال لي يا ابن آدم أتحيا هذه العظام فقلت يا سيد الرب أنت تعلم فقال لي: تنبأ على هذه العظام وقل لها: أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب. هكذا قال السيد الرب لهذه العظام وقل لها. هأنذا أدخل فيكم روحا فتحيون، وأضع عليكم عصبا وأكسيكم لحما وأبسط عليكم جلدا وأجعل فيكم روحا فتحيون وتعلمون أني أنا الرب، فتنبأت كما أمرت وبينما أنا أتنبأ كان صوت وإذا رعش فتقاربت العظام. . . فدخل فيهم الروح فحيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدا جدا ". بعد ذلك نجد أن معاصري المسيح الذين آمنوا به كانوا يؤمنون أنه نبي الله ولا شيء أكثر من هذا. فها هو إنجيل (لوقا ٢٤: ١٩) : " فقال لهما وما هي. فقالا المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنسانا نبيا مقتدرا في الفعل أمام الله وجميع الشعب ". وكذلك يقول إنجيل (يوحنا ٦: ١٤) : " فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: إن هذا لحقيقة النبي الآتي إلى العالم ".

стр. 179

المسيح رسول الله وننتقل الآن للحديث عن المسيح رسول الله. فنجد في إنجيل (يوحنا ١٣: ١٦) : " الحق الحق أقول لكم إنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله ". وكذلك في إنجيل (يوحنا ٨: ٣٧ - ٤٠) : " أنا عالم أنكم ذرية إبراهيم لكنكم تطلبون أن تقتلوني لأن كلامي لا موضع له فيكم. . أجابوا وقالوا له أبونا هو إبراهيم. فقال لهم يسوع لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم، ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله ". وكذلك نجد في إنجيل (يوحنا ٨: ٤٤ - ٤٥) يدمغ المسيح اليهود بالأبالسة قائلًا: " أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا. ذاك كان قتالا للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه كذاب وأبو الكذاب ". الأبوة والنبوة في الإنجيل من هنا نفهم قول المسيح لتلاميذه وهو يعلمهم الصلاة ليقولوا: " أبانا الذي في السموات " ولما جاء ليندد باليهود نسب أبوتهم إلى إبليس لأنهم كانوا ذرية إبراهيم حسب الجسد إلا أنهم بسلوكهم وأفكارهم الشريرة كل هذا جعلهم كأبناء لإبليس لكن المؤمنين الذين آمنوا بالله الواحد الأحد وبالمسيح إنسانا ورسولا ونبيا فهؤلاء نسبهم الإنجيل كأنهم أبناء الله وكل حديث في الكتاب المقدس عن هذا النوع من البنوة إنما هي بنوة مجازية ولا يمكن أن تكون حقيقة على الإطلاق. كذلك نجد في إنجيل (يوحنا ٧: ١٦ -١٨) : " أجابهم يسوع وقال تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي. من يتكلم من نفسه يطلب مجد

стр. 180

نفسه. وأما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم ". وفي إنجيل (يوحنا ١٧: ٤٤) : " الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني ". يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم ". وفي إنجيل (يوحنا ١٧: ٤٤) : " الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني ". وفي معجزة إقامة الميت التي يذكرها إنجيل (يوحنا ١١: ٣٨ - ٤٤) : " فانزعج يسوع أيضا في نفسه وجاء إلى القبر. وكان مغارة وقد وضع عليه حجر. قال يسوع ارفعوا الحجر. قالت له مرثا أخت الميت: يا سيد قد أنتن لأن له أربعة أيام. قال لها يسوع ألم أقل لك إن آمنت ترين مجد الله، فرفعوا الحجر حيث كان الميت موضوعا ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال أيها الآب أشكرك لأنك سمعت لي وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي. ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت، ليؤمنوا أنك أرسلتني. ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم لعازر: هلمّ خارجا. فخرج الميت ". لقد كان المسيح دائما يصلى ويضرع إلى الله قبل أن تجرى المعجزة على يديه. هذا ولقد كانوا ينادون المسيح بالمعلم لأن المعلم هو الإنسان الذي يحيطه التلاميذ. فعندما ظهر المسيح اتخذ لنفسه اثنا عشر تلميذا ونجد في إنجيل (متى ٨: ٢٣ - ٢٦) : " ولما دخل السفينة تبعه تلاميذه. وإذا اضطراب عظيم قد حدث في البحر حتى غطت الأمواج السفينة. وكان هو نائما فتقدم تلاميذه وأيقَظوه قائلين: يا سيد نجنا فإننا نهلك. فقال لهم ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان. ثم قام وانتهر الرياح والبحر فصار هدوء عظيم . كيف ينام الإله ويغفل عن الكون؟ . لقد كان المسيح بشرا يجرى عليه ما يجرى على سائر البشر من نوم ويقظة وتعب وراحة وخوف وطمأنينة لكن الله كما يقول القرآن بحقه ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (١) .

стр. 181

المسيح يدعو إلى التوحيد وفي إنجيل (لوقا ١٨: ١٨- ١٩) : " سأله رئيس قائلًا أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية. فقال له يسوع لماذا تدعوني صالحًا. ليس أحد صالحًا إلا واحد هو الله ". ولقد بيَّن لنا الدكتور محمد جميل غازي حديث الرسول الذي قال فيه «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح عيسى ابن مريم» . ذلك أن الإطراء باب من أبواب الضياع والمتاهات. لقد حرص المسيح على أن ينفي عن نفسه صفة الصلاح ويردها إلى الله وحده فكيف يقال بعد ذلك إن المسيح إله أو ابن الله. بل أكثر من هذا نجد في إنجيل (مرقس ١٢: ٢٨-٢٩) : " فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأى أنه أجابهم حسنًا سأله: أية وصية هي أول الكل؟ فأجابه يسوع أن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد ". فلم يدع المسيح أنه إله يعبد لكن موقفه أمام الله كموقف كل بني إسرائيل. ولقد نادى المسيح بالتوحيد صراحة فقال في إنجيل (يوحنا ١٧: ٣) : " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ". وفي حديثه مع مريم المجدلية الذي ذكره إنجيل (يوحنا ٢٠: ١٧-١٨) : " قال لها يسوع لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ". فعلاقة المسيح بالله كعلاقة التلاميذ بالله، كلهم عبيده. وحينما نتأمل تاريخ الأنبياء نجد أن موسى ﵇ بعد أن قتل المصري هرب إلى البرية وبقي بها أربعين سنة يرعى الغنم ويتأمل صنع الله في الأرض وفي السماء وكان ذلك تحت رعاية الله حتى يتأهل لحمل الرسالة بمشاقها

стр. 182

ومتاعبها. وكذلك تعرض يوسف لمحن كثيرة بدأت بتآمر إخوته عليه، ثم بيعه إلى عزيز مصر ليخدم في بيته، ثم اتهامه بمداعبة امرأة العزيز، وأخيرًا برأه الله - سبحانه - وصار بعد ذلك الوزير الأول لملك مصر. وكذلك كان أمر المسيح، فقبل أن يبدأ دعوته في سن الثلاثين - حسب كلام لوقا - نجده قد ذهب من بلدته الناصرة إلى البرية وبقي هناك أربعين يومًا بلا طعام ثم جاءه إبليس ليجربه بثلاث تجارب نجح فيها جميعًا، وانتصر على إبليس وأصبح بذلك معدًّا ليكون رسول الله. ثم يقول إنجيل (لوقا ٤: ١٤-١٥) : " ورجع يسوع بقوة الروح إلى الجليل، وخرج خبر عنه في جميع الكورة المحيطة. وكان يعلم في مجامعهم ممجدًا من الجميع ". ونجد في إنجيل (متى ٤: ١١) : " ثم تركه إبليس وإذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه ". لقد أعد المسيح للرسالة كما أعد سائر الأنبياء قبله. وهذه شهادة أقرب الناس إلى المسيح وأعني به بطرس رئيس التلاميذ الذي يقول في (سفر أعمال الرسل ٢: ٢٢) : " أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال. يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات الله وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم تعلمون ". لم يقل بطرس إن المسيح هو الله، لكنه قال إنه رجل إنسان أجرى الله على يديه معجزات وآيات. وكذلك يقول بطرس في (سفر أعمال الرسل ١٠: ٣٨) : " يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيرًا ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه ". لم يقل بطرس لأن الله كان معه كما كان مع كل الأنبياء والمرسلين. كل هذا يبين لنا أن المسيح إنسان بشر، وأنه رسول الله، وأنه نبي ظهر في بني إسرائيل كما ظهر أنبياء آخرون قبله.

стр. 183

الروح القدس والآن نناقش موضوع الروح القدس. فنجد في العهد القديم (سفر الخروج ٢٣: ٢٠- ٢١) : " ها أنا مرسل ملاكا أمام وجهك ليحفظك في الطريق وليجيء بك إلى المكان الذي أعددته احترز منه واسمع لصوته ولا تتمرد عليه لأنه لا يصفح عن ذنوبكم لأن اسمي فيه ". إن العرف الدولي يتفق على أن السفير هو ممثل للدولة ولرئيسها بالذات، وعلى ذلك فإن أي مساس بالسفير يعني المساس برئيس الدولة. فتعبير " إن اسمي فيه " يعني أنه يقوم مقام السفير بين الله ، وبين خلقه. ونجد في (سفر صموئيل الأول ١٠: ١- ١٠) : " فأخذ صموئيل قنينة الدهن وصب على رأسه وقبَّله وقال أليس لأن الرب قد مسحك على ميراثه ريسًا؟ وكان عندما أدار كتفه لكي يذهب من عند صموئيل أن الله أعطاه قلبًا آخر وأتت جميع هذه الآيات في ذلك اليوم. ولما جاءوا إلى هناك إلى جبعة إذا بزمرة من الأنبياء لقيته فحل عليه روح الله فتنبأ في وسطهم ". ونجد في (سفر صموئيل الأول ١٦: ١٤) أن الله غضب على شاول ففارقه روح الرب إذ يقول: " وذهب روح الرب من عند شاول وبغته روحٌ رديء من قبل الرب ". وهنا نجد أن روح القدس يحل على الإنسان المطهر النقي أما إذا أغضب ذلك الإنسان الله بخطيئة ما فإن الروح القدس يفارقه ويصيبه روح شرير. من هذا نرى داود ﵇ يصلي داعيًا الله بقوله: " قلبًا نقيًا اخلق في يا الله وروحًا مستقيمًا جدد في داخلي. لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني ". (مزمور ٥١: ١٠، ١١) . ونجد في إنجيل (لوقا ٣: ٢١-٢٢) : " ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضا وإذ كان يصلي انفتحت السماء ونزل عليه الروح القدس

стр. 184

بهيئة جسمية مثل حمامة ". لقد كان الروح القدس مع أنبياء العهد القديم وها هو مع المسيح عند المعمودية وهو معه في التجربة. فالروح القدس ليس ثابتًا في الإنسان ولكنه يأتي للأنبياء حسب متطلبات الأحوال. إن هذا يعني أن ذات المسيح شيء وأن ذات الروح القدس شيء آخر. ويوضح ذلك أيضا قول إنجيل (مرقس ٣: ٢٨- ٢٩) : " الحق أقول لكم إن جميع الخطايا تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها. ولكن من جدف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد. بل هو مستوجب دينونة أبدية ". ونظير ذلك ما رأيناه في (سفر الخروج) من قوله: " لا تتمرد عليه لأن اسمي فيه ". وتكرر هذا القول في إنجيل (متى ١٢: ٣١- ٣٢) بصورة أوضح: " لذلك أقول لكم كل خطية وتجديف يغفر للناس وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس. ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له. وأما من قال على الروح القدس فلم يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي ". كل هذا يؤكد أن ذات المسيح شيء وأن الروح القدس شيء آخر. معجزات المسيح بعد ذلك ننظر في معجزات المسيح، لقد أشبع الجوعى وطهر البرص وأقام الموتى، وكل هذه ليست مقصورة على المسيح لكنها جرت على أيدي الأنبياء قبله. فنجد في عهد موسى أن الله أكرمه بأن جعل بني إسرائيل يأكلون المن والسلوى أربعين سنة (خروج ١٦: ٤- ٣١) . وأن إيليا ذهب في ضيافة امرأة أرملة فقيرة فقالت له إنها لا تملك سوى بعض الدقيق والزيت سوف تصنعها فطيرة لابنها ثم تموت. فقال لها اصنعي الكعكة وستجدين بعد ذلك أن كوار الدقيق وكوز الزيت لن ينفد أبدًا (الملوك الأول ١٧: ٨- ١٦) . وقد حدث ذلك في أيام المجاعة فكانت معجزة كبيرة

стр. 185

من إيليا. كذلك حدث لواحدة من نساء الأنبياء مع اليشع إذ أخبرته أن الدائنين يطالبونها وليس عندها شيء سوى دهنة زيت فأخذها وأمرها أن تطلب أواني كثيرة من جيرانها. وعلمها أن تسمك الدهنة وتعصر الأواني فكان ينزل الزيت الذي ملأ أواني كثيرة (الملوك الثاني ٤: ١- ٧) واستطاعت بذلك أن تسدد ديونها بمعجزة اليشع هذه. وبالنسبة لتطهير الأبرص فقد فعلها اليشع (الملوك الثاني ٥: ٨- ١٤) . وأما إقامة الموتى فقد ذكرنا كلًّا من إيليا واليشع وحزقيال أنهم أقاموا الموتى قبل المسيح كذلك فإن بطرس أقام ميتا (أعمال الرسل ٩: ٣٦- ٤٢) : " ولم يقل أحد إن بطرس إله. إن الحكمة من المعجزة أن الله- سبحانه- يؤيد نبيه لكي يؤمن الناس بأنه نبي الله ورسوله وإنه مبعوث من قبل مالك كل القوى والقدرة ". وهذا ما حدث مع موسى: " ورأى إسرائيل الفعل العظيم الذي صنعه الرب بالمصريين. فخاف الشعب الرب وآمنوا بالرب وبعبده موسى " (خروج ٣١: ١٤) . وما حدث مع إيليا: " فقالت المرأة لإيليا هذا الوقت علمت أنك رجل الله وإن كلام الرب في فمك حق " (الملوك الأول ١٧: ٢٤) . وما حدث مع المسيح نفسه: " فكثيرون من اليهود الذين جاءوا إلى مريم نظروا ما فعل يسوع فآمنوا به " (يوحنا ١١: ٤٥) . مواجهة المسيح للكهنة بعد الحديث عن معجزات المسيح وأنه بشر وأنه نبي الله وأنه رسول الله، أريد أن أتحدث الآن عن مواجهة المسيح للكهنة ولذوي النفوذ في إسرائيل.

стр. 186

جاء في إنجيل (متى ٦: ١٤-١٥) ما يوضح لنا فكر المسيح عن الغفران حيث قال: " فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضا زلاتكم ". فهذا التوجيه صريح جدًا في إمكانية المغفرة دون الحديث عن الصليب وسفك دم المسيح. فلو كان صلب المسيح مسألة حتمية لا يتم مغفرة الخطايا إلا بها لكان هو أول من نبه إلى هذا. ولكنه يقول الشيء بالشيء. فإذا تجاوز الإنسان عن خطايا أخيه الإنسان فإن الله يغفر له خطاياه. وهذا يعني أن رضا الله- سبحانه- يمكن أن يناله الإنسان بممارسة العبادات الإلهية والعمل الصالح. كذلك نجد قصة المشلول في إنجيل (متى ٩: ٢- ٦) : " وإذا مفلوج يقدمونه إليه مطروحًا على فراش. فلما رأى يسوع إيمانهم. . قال للمفلوج: ثق يا بني، مغفورة لك خطاياك. وإذا قوم من الكتبة قد قالوا في أنفسهم هذا يجدف. فعلم يسوع أفكارهم فقال لماذا تفكرون بالشر في قلوبكم. أيما أيسر أن يقال للإنسان مغفورة لك خطاياك، أم أن يقال قم وامش؟ ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا. حينئذ قال للمفلوج. قم احمل فراشك واذهب إلى بيتك، فقام ومضى إلى بيته ". النتيجة: " فلما رأى الجموع تعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطانًا مثل هذا " (متى ٧: ٩) . مغفرة الخطايا لقد بينً المسيح أن له سلطانًا أن يغفر الخطايا وهو يغفرها بمجرد كلمة مثل " مغفورة لك خطاياك " ثم هو يعلم الناس أن شفاء المفلوج أشد من غفران الخطايا بكلمة. وهذا يوضح أن فكرة سفك دم المسيح على الصليب باعتبارها

стр. 187

ضرورة لمغفرة الخطايا إنما هي زعم لا أساس له من الصحة. ثم قضية أخرى من القضايا التي واجهها المسيح مع رؤساء بني إسرائيل ما يذكره إنجيل (يوحنا ٨: ١- ١١) : " ثم حضر أيضا إلى الهيكل في الصبح وجاء إليه جميع الشعب فجلس يعلمهم. وقدم إليه الكتبة والفريسيون امرأة أمسكت في زنى، ولما أقاموها في الوسط، قالوا له يا معلم هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات الفعل. وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه ترجم. فماذا تقول أنت قالوا هذا ليجربوه لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه. وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بأصبعه على الأرض. ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولا بحجر. ثم انحنى أيضا إلى أسفل وكان يكتب على الأرض. وأما هم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تبكتهم خرجوا واحدًا فواحدًا مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين. وبقي يسوع وحده والمرأة واقفة في الوسط. فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحدًا سوى المرأة قال لها يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليك. أما أدانك أحد؟ فقالت لا أحد يا سيد. فقال لها يسوع ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تخطئي أيضا ". فالمسيح ﵇ نادى بالغفران ونادى بالستر ونادى بالمحبة. إن السيد المسيح التزم بالناموس مراعيًا حدود الله ولقد قضت الشريعة على حيثيات إقامة الحد " على فم شاهدين أو ثلاثة شهود يقتل الذي يقتل. لا يقتل على فم شاهد واحد. أيدي الشهود تكون عليه أولا لقتله ثم أيدي جميع الشعب أخيرًا فتنتزع الشر من وسطك " (تثنية ١٧: ٦-٧) . وبناء عليه فإن السيد المسيح الذي ولي قاضيًا لم يجد شهود الإثبات ليقيم الحد فأخلى سبيلها. بعد ذلك نجد في إنجيل (لوقا ١١: ٥٣-٥٤) : " وفيما هو يكلمهم بهذا ابتدأ الكتبة والفريسيون يحنقون جدًا ويصادرونه على أمور كثيرة. وهم يراقبونه طالبين أن يصطادوا شيئًا من فمه لكي يشتكوا عليه ". لقد كانوا

стр. 188

ينتهزون كل فرصة للتربص بالمسيح كما بيَّن لوقا وكما يذكر الإنجيل عن تجربة العملة. يقول (لوقا ٢٠: ٢٠- ٢٦) : " فراقبوه وأرسلوا جواسيس يتراءون أنهم أبرار لكي يمسكوه بكلمة حتى يسلموه إلى حكم الوالي وسلطانه. فسألوه قائلين يا معلم نعلم أنك بالاستقامة تتكلم وتعلم ولا تقبل الوجوه بل بالحق تعلم طريق الله. أيجوز لنا أن نعطي جزية لقيصر أم لا. فشعر بمكرهم وقال لهم لماذا تجربونني. أروني دينارًا. لمن الصورة والكتابة؟ فأجابوا وقالوا لقيصر. فقال لهم: اعطوا إذًا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فلم يقدروا أن يمسكوه بكلمة قدام الشعب. وتعجبوا من جوابه وسكتوا ". أضيف إلى ذلك أن المسيح نفسه كان يعتبر عبدًا من رعايا الإمبراطورية الرومانية وكانت عليه ضريبة يقدمها للرومان ككل المواطنين، كان المفروض أن يدفع الجزية عن نفسه وعن تلاميذه، فيذكر إنجيل (متى ١٧: ٢٤- ٢٧) : " ولما جاءوا إلى كفر ناحوم تقدم الذين يأخذون الدرهمين إلى بطرس وقالوا أما يوفي معلمكم الدرهمين؟ قال بلى. فلما دخل البيت سبقه يسوع قائلًا ماذا تظن يا سمعان من يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية أمن بينهم أم مز الأجانب. قال له بطرس من الأجانب. قال له يسوع فإذًا البنون أحرار. ولكن لئلا نعثرهم اذهب إلى البحر والق صنارة والسمكة التي تطلع أولا خذها ومتى فتحت فاها تجد إستارًا فخذه واعطهم عني وعنك ". لقد دفع المسيح الجزية عن نفسه للرومان إذ كان عبدًا تحت الجزية الرومانية. وفي إنجيل (لوقا ٢٠: ٢٧- ٣٩) نجد حديثًا عن الصدوقيين. لقد كان في اليهودية طوائف منها الفريسيون والصدوقيون. ويؤمن الفريسيون بقيامة الأموات وبالبعث وبالحساب ويؤمنون بالجنة والنار، وأما الصدوقيون فلا يؤمنون بهذا كله. وهنا يقول إنجيل (لوقا) : " وحضر قوم من الصدوقيين الذين يقاومون

стр. 189

أمر القيامة وسألوه قائلين يا معلم كتب لنا موسى إِن مات لأحد أخ وله امرأة ومات بغير ولد يأخذ أخوه المرأة ويقيم نسلًا لأخيه. فكان سبعة إخوة وأخذ الأول امرأة ومات بغير ولد. فأخذ الثاني المرأة ومات بغير ولد. ثم أخذها الثالث. وهكذا السبعة ولم يتركوا ولدًا وماتوا. وآخر الكل ماتت المرأة أيضا. ففي القيامة لمن منهم تكون زوجة لأنها كانت زوجة للسبعة. فأجاب وقال لهم يسوع أبناء هذا الدهر يزوّجون ويزوّجون. ولكن الذين حسبوا أهلًا للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يزوّجون ولا يزوّجون. إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضا لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة. وأما أن الموتى يقومون فقد دلّ عليه موسى أيضا في أمر العليقة كما يقول الرب: " إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب وليس هو إله أموات بل إله أحياء لأن الجميع عنده أحياء. فأجاب قوم من الكتبة وقالوا يا معلم حسنًا قلت ". موقف المسيح من تقديس السبت !! بعد ذلك أتحدث عن تقديس السبت عند اليهود. فنجد في (سفر التكوين ٢: ١- ٣) : " فأكملت السماوات والأرض وكل جندها وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه. لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقًا ". هذا بينما نجد القرآن الكريم يقول في سورة ق ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (١) . أي لم يمسنا التعب على أية صورة من الصور. ويذلك لا معنى للحديث عن الراحة بعد خلق العالم في تلك الأيام الستة، لكن اليهود يقاومون المسيح تحت شعار حفظ

стр. 190

السبت فكانوا ينتقدونه في شفاء المرضى يوم السبت. ولقد علمهم المسيح أن السبت قد خلق لأجل الإنسان ولم يخلق الإنسان لأجل السبت، ولكن عقولهم توقفت عن فهم ذلك كله. يقول إنجيل (يوحنا ٩: ١-٣٣) : " وفيما هو مجتاز رأى إنسانا أعمى منذ ولادته. فسأله تلاميذه قائلين يا معلم من أخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى؟ أجاب يسوع لا هذا أخطأ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه. ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني ما دام نهار. يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل. ما دمت في العالم فأنا نور العالم. قال هذا وتفل على الأرض وصنع من التفل طينا وطلى بالطين عيني الأعمى. وقال له اذهب اغتسل في بركة سلوام، الذي تفسيره مرسل. . فمضى واغتسل وأتى بصيرًا. . . وكان سبت حين صنع يسوع الطين وفتح عينيه. . فقال قوم من الفريسيين هذا الإنسان ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت. آخرون قالوا كيف يقدر إنسان خاطئ أن يعمل مثل هذه الآيات وكان بينهما شقاق. . فدعوا ثانية الإنسان الذي كان أعمى وقالوا له اعط مجدًا لله نحن نعلم أن هذا الإنسان خاطئ. فأجاب ذاك وقال أخاطئ هو. لست أعلم. إنما أعلم شيئًا واحدًا أني كنت أعمى والآن أبصر. . فشتموه وقالوا أنت تلميذ ذاك. وأما نحن فإننا تلاميذ موسى. نحن نعلم أن موسى كلمةُ الله. وأما هذا فما نعلم من أين هو. أجاب الرجل وقال لهم إن في هذا عجبًا أنكم لستم تعلمون من أين هو وقد فتح عينيَّ. ونعلم أن الله لا يسع للخطاة ولكن إن كان أحد يتقي الله ويفعل مشيئته فلهذا يسمع. ويختم الأعمى الذي عاد بصيرًا قوله " منذ الدهر لم يسمع أن فتح عيني مولود أعمى. لو لم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئًا ".

стр. 191

ويجب ملاحظة أن بعض صفات الله تنسب أحيانًا للبشر مثل قول المسيح هنا: " ما دمت في العالم فأنا نور العالم ". إن هذا لا يعني إنه إله أو معادل للإله لأن هذا القول لا يقارن بما تذكره التوراة عن موسى الذي جعلته إلهًا لكل من هارون أخيه وفرعون عدوه. يقول (سفر الخروج ٤: ١٤-١٦) : إن الرب قال لموسى عن أخيه هارون: " ها هو خارج لاستقبالك. . فتكلمه وتضع الكلمات في فمه. وأنا أكون مع فمك ومع فمه وأعلمكما ماذا تصنعان وهو يكلم الشعب عنك. وهو يكون لك فمًا وأنت تكون له إلهًا ". يقول (سفر الخروج ٧: ١- ٢) : " فقال الرب لموسى انظر. أنا جعلتك إلهًا لفرعون وهارون أخوك يكون نبيك ". إن هذه الأقوال من قبيل المجاز لا الحقيقة. والهدف من هذه القصة: الأعمى الذي عاد بصيرًا في يوم السبت أن المسيح أراد أن يكشف لليهود خطأ نظرتهم للسبت وتعطيل كل عمل صالح فيه. يقول إنجيل (مرقس ٢: ٢٣-٢٨) : " واجتاز في السبت بين الزروع، فابتدأ تلاميذه يقطفون السنابل وهم سائرون فقال له الفريسيون: انظر، لماذا يفعلون في السبت ما لا يحل؟ فقال لهم أما قرأتم ما فعله داود حين احتاج وجاع هو والذين معه؟ كيف دخل بيت الله في أيام أبيأثار رئيس الكهنة وأكل خبز التقدمة الذي لا يحل أكله إلا للكهنة وأعطى الذين كانوا معه أيضا. ثم قال لهم السبت إنما جعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت، إذا ابن الإنسان هو رب السبت أيضا ". إن هذا ينتهي اليوم وسيكون حديثي معكم عن بقية الموضوعات في الجلسة القادمة إن شاء الله.

стр. 192

[تعقيب الدكتور محمد جميل غازي] ثم قال الدكتور محمد جميل غازي: " بسم الله الرحمن الرحيم " وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين- أمرنا وأمركم إلى الله، ذلك أن الموضوع طويل والكلام فيه كثير، ولا تغطيه الليالي المتعاقبة ولا المحاضرات الكثيرة ولا المناقشات الطويلة، ولكننا نجتزئ بالبعض عن الكل وأريد أن أحدثكم عن قانون الإيمان المسيحي (١) ، كيف نشأ هذا القانون وكيف تجمع عبر مجموعة المجامع المسكونية الكنسية. يقول نص قانون الإيمان: " المنبثق عن مجمع نيقية عام ٣٢٥ م. " نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل خالق السماوات والأرض ما يرى ما لا يرى. نؤمن برب واحد. . . يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر، الذي به كان كل شيء. هذا هو الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاص نفوسنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومريم العذراء وتأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس النبطي وتألم وقبر وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماوات وجلس عن يمين أبيه وأيضا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات. الذي ليس لملكه انقضاء ". ثم أضيفت إلى هذا القانون إضافة أخرى. منبثقة عن مجمع القسطنطينية عام ٣٨١ م: " نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء، وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية، ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي. آمين ". ثم أضيفت إضافة ثالثة حول تطويب

стр. 193

العذراء منبثقة عن مجامع أفسس عام ٤٣١ م. تقول: " نعظمك يا أم النور الحقيقي ونمجدك أيتها العذراء القديسة لأنك ولدت لنا مخلص العالم كله. أتى وخلص نفوسنا ". ثم أضيفت إضافة رابعة لتمجيد السيد المسيح: " المجد لك يا سيدنا ولملكنا المسيح فخر الرسل إكليل الشهداء تهليل الصديقين ثبات الكنائس غافر الخطايا ". ثم إضافة أخرى للتبشير بالثالوث الأقدس: " نكرز ونبشر بالثالوث لاهوت واحد نسجد له ونمجده يا رب ارحم يا رب بارك. آمين ". هذه هي قوانين الإيمان التي نريد أن نمر عليها لنعرف كيف لفقت هذه القوانين وكيف جمعت كلماتها من أسفارهم كما تجمع الكلمات المتقاطعة التي تنشر في الصحف. إن تاريخ المسيحية: " يقول في سنة ٣٢٥ م، اجتمع المؤتمر المسكوني في نيقية بأمر الملك قسطنطين الكبير. وكانت المسألة الأولى والوحيدة التي ناقشها المؤتمر هي طبيعة المسيح وذلك بعد أن قرر القس الإسكندري أريوس رأيه في المسيح وأنه مخلوق. يقول سعيد البطريق أو ابن البطريق في كتابه التاريخي " نظم الجوهر " يروي مقاله أريوس هذا وما كان لها من آثار في إثارة الخلاف والفرقة بين المسيحيين وما انتهى إليه الرأي فيه وفي مقولته. يقول ابن البطريق: قال بطريرك الإسكندرية لتلاميذه: إن المسيح لعن آريوس فأحذروا أن تقبلوا قوله. فإني رأيت المسيح في النوم مشقوق الثوب فقلت له يا سيدي: من شق ثوبك؟ فقال لي: آريوس، فاحذروا أن تقبلوه أو أن يدخل معكم الكنيسة. فبعث قسطنطين الملك إلى جميع البلدان فجمع البطارقة والأساقفة فاجتمع في مدينة نيقية -بعد سنة وشهرين- ألفان وثمانية

стр. 194

وأربعون أسقفًا وكانوا مختلفي الآراء ومختلفي الأديان. فمنهم من يقول المسيح ومريم إلهان من دون الله وهم المريمانية. ومنهم من يقول إن المسيح من الآب بمنزلة شعلة نار تخلقت من شعلة نار فلم تنقص الأولى لإيقاد الثانية منها. وهي مقالة سيبارينون وأتباعه ومنهم من كان يقول: لم تحمل مريم لتسعة أشهر وإنما مر نور في بطن مريم كما يمر الماء في الميزاب لأن كلمة الله دخلت من أذنها وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها وهي مقالة أيليان وأشياعه ومنهم من يقول إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وإن ابتداء الابن من مريم وإنه اصطفى ليكون مخلصًا للجوهر الإنسي صاحبته النعمة الإلهية فحلت فيه المحبة والمشيئة- فلذلك سمي ابن الله. ويقولون إن الله جوهر واحد وأقنوم واحد ويسمونه بثلاثة أسماء ولا يؤمنون بالكلمة ولا بالروح القدس وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية وأشياعه وهم البولونيون. ومنهم من كان يقول بثلاثة آلهة: صالح وطالح وعدل. وهي مقالة مرقيون وأشياعه. ومنهم من كان يقول ربنا هو المسيح وتلك هي مقالة بولس الرسول ومقالة الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفًا ". ثم يقول ابن البطريق: فلما سمع قسطنطين الملك مقالاتهم عجب من ذلك وأخلى لهم دارًا وتقدم لهم بالإكرام والضيافة وأمرهم أن يتناظروا فيما بينهم ليظهر من معه الحق فيتبعه. فاتفق منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا على دين واحد ورأي واحد فناظروا بقية الأساقفة فأفلجوا عليهم حججهم وأظهروا الدين المستقيم. أما أهم ما قرره هذا المجمع الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفًا فهو أن المسيح ابن الله وأنه مساوٍ لله في الجوهر. ونريد الآن أن نعرف من أين جمعوا نصوص قانون الإيمان المسيحي فنجد أن عباراته جاءت كالآتي:

стр. 195

" نؤمن بإله واحد " جاءت من إنجيل (يوحنا ٣: ١٧) . " آب " من (الرسالة الأولى لأهل تسالونيكي ٣: ١١) . " ضابط الكل " من (إنجيل متى ١: ٩- ٢٠) . " خالق السماوات والأرض ما يرى وما لا يرى " من (متى ١١: ٢٥ وسفر الخروج ٢٠: ١١) . " نؤمن برب واحد " من (العبرانيين ١: ٨ والرؤيا ١٩: ١٦) . " يسوع المسيح " من (العبرانيين ١٣: ٨) . " ابن الله الوحيد " من إنجيل (يوحنا ٣: ١٦) . " المولود من الآب قبل كل الدهور " من (ميخا ٥: ٢) . " نور من نور " من (العبرانيين ١: ٣) . " إله الحق " من إنجيل (يوحنا ١٧: ٥) . " من إله حق " من إنجيل (يوحنا ١٧: ٥) . " مولود غير مخلوق " من إنجيل (يوحنا ٢٦: ٥) . " مساو للآب في الجوهر " من إنجيل (يوحنا ١٠: ٣٠) . " الذي به كل شيء " من إنجيل (يوحنا ١: ٣) . " هذا هو الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاص نفوسنا " ليس له سند من نصوص العهد الجديد وإنما وضع بمعرفة المجمع. " ونزل من السماء وتجسد " من إنجيل (يوحنا ١: ١٤ ومن العبرانيين ١٠: ٥) " من الروح القدس ومريم العذراء " من إنجيل (لوقا ١: ٣٥) . " وتأنس " من إنجيل (يوحنا ٨: ٤٠) . " وصلب على عهد بيلاطس النبطي " من إنجيل (يوحنا ١٩: ١٩) .

стр. 196

" وتألم " من (الرسالة الأولى لبطرس ١: ١١) . " وقبر " من أشعياء ٥٣: ٩ ومن متى ٢٧: ٦٠) . " وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب " (من سفر الرؤيا ١٤: ١٤ ومن الرسالة الأولى لكورنثوس ١٥: ٢) . " وصعد إلى السماوات " من إنجيل (لوقا ٢٤: ٥١) . " وجلس عن يمين أبيه " من إنجيل (مرقس ١٦: ١٩) . " وأيضا يأتي في مجده " من إنجيل (متى ٢٥: ٣١) . " ليدين الأحياء والأموات " من (العبرانيين ١٠: ٣٠) . " الذي ليس لملكه انقضاء " من إنجيل (لوقا ١: ٣٣) . هذا هو قانون الإيمان المسيحي الأول قبل تطويره. وأود أن أنبه إلى أن هذا التخريج ليس من عندنا ولكنه كما خرج عليه المؤتمرون قرارهم وقدموا به محمولا بين يدي هذه المذكرة الإيضاحية. وإذا جاوزت هذا التبرير وما فيه من تعسف وشطط بعيدين غريبين فإنك تجد أن الصورة التي رسمها القرار للألوهية ينقصها الوجه الثالث من وجوه التثليث وهو الروح القدس فالإيمان الذي يبشر به هذا القرار هو الإيمان بالآب والابن فقط، أما الروح القدس فهو ما دخل في تجسد الابن من مريم العذراء وهو في هذا الموضع قد يكون ملاك الرب أو جبريل أو كلمة الله أو الابن. ونستطيع أن نتخذ من هذا القرار وثيقة تاريخية محققة للقول بأن التثليث المسيحي لم يكن معروفًا إلى سنة ٣٢٥ من ميلاد المسيح ولم يعترف المؤتمر المنعقد في هذا العام بغير الآب والابن. كما نستطيع أن نقرر أيضا أنه إلى ذلك الحين لم يكن المسيح قد دخل ببنوته في شركة مع الله على هذا النحو الذي يجعل منه الله مندمجًا في أقنومية الآب والروح القدسي. وغاية ما كان يتصور

стр. 197

في هذه البنوة أنها فرع عن أصل وأنها إن دلت على الإله فلن تكون هي الإله. وفي هذا القرار إعلان صريح عن الله الآب أنه خالق للسماوات والأرض، أما الابن فلم يكن له في خلق السماوات والأرض أي دخل. ولكن المسيحية بعد هذا تدين بأن الله الآب لم يخلق شيئًا وإنما المسيح الابن هو الذي خلق كل شيء. فأقنوم الابن هو القائم بعملية الخلق كما انتهى إلى ذلك معتقد المسيحية بعد أن المسيحية إلى ما بعد منتصف القرن الرابع لم تكن قد استكملت حقيقتها فما زال موقف المسيح متأرجحا مضطرا بين الإله والإنسان. وإن الأمر ليحتاج إلى خطوة أو خطوات أخرى لسد هذه الفجوة العميقة التي تتذبذب فيها شخصية المسيح متأرجحة مضطربة بين الإله والإنسان. وليس يقوم لهذا الأمر إلا مجمع مقدس يسوي ألوان هذه الصورة المهزوزة ويحدد ملامحها وهذا ما قد كان فعلًا؟ ففي سنة ٣٨١ م، أمر الملك تاودسيوس الكبير بعقد مجمع مقدس في مدينة القسطنطينية للنظر في مقولة مقدونيوس بطريرك القسطنظينية التي كان ينادي بها في محيط كنيسته ويذيعها في أتباعه وهي أن الروح القدس مخلوق كسائر المخلوقات. وواضح من هذا أن أمر الروح القدس لم يكن قد استقر بعد كوجه من وجوه الله وأقنومًا من أقانيمه متساويًا مع الآب والابن في الرتبة، وقد اجتمع في هذا المؤتمر مائة وخمسون أسقفًا يمثلون جميع الهيئات المسيحية. وكان من بينهم تيموثاوس بطريرك الإسكندرية الذي أسندت إليه رئاسة الجميع. وقد انتهى المؤتمر بإدانة مقدونيوس ومن كان على رأيه من الأساقفة ثم خرج المجمع بالمصادقة على قرار نيقية ثم إضافة نص جديد كالآتي مع بيان نصوص الكتاب المقدس التي رجعوا إليها:

стр. 198

" نعم نؤمن بالروح القدس " إنجيل (يوحنا ١٤: ٢٦) . " الرب " الرسالة الثانية إلى كورنثوس ٢: ١٧-١٨) . " المحيي " (رومية ٨: ١١) . " المنبثق من الآب " إنجيل (يوحنا ١٥: ١٦) . " نسجد له ونمجده مع الآب والابن " إنجيل (متى ١٨: ١٩- ٢٠) . " الناطق في الأنبياء " (الرسالة الأولى لبطرس ١: ١١، ٢ بط ١: ٢١) . " وبكنيسة " إنجيل (متى ١٦: ١٨) . " واحدة " (رومية ١٣: ٥) . " مقدسة " (أفسس ٥: ٢٥، ٢٦) . " جامعة " إنجيل (يوحنا ١١: ٥٢) . " رسولية " (أفسس ٥: ٣) . " ونعترف بمعمودية واحدة " (أفسس د: ٥) . " لمغفرة الخطايا " (عبرانيين ٨: ١٣، ٩: ٢٢) . " وننتظر قيامة الأموات " الرسالة الأولى لكورنثوس ١٥: ٢١) . " وحياة الدهر الآتي. آمين " إنجيل (لوقا ١٨: ٣٠) ". وقد جمع هذا النص كسابقه من أشتات ملفقة من الأناجيل والرسائل ومنتزعة من مواطنها انتزاعا في غير رفق أو تلطف لتلتقي هنا على غير إلف أو تعارف وفي هذا النص يظهر الوجه الثالث للثالوث المقدس. ثم تبدأ المسيحية النظر في الإله ذي الأقانيم الثلاثة نظرًا فلسفيًا لاهوتيًا تختلط فيه الفلسفة باللاهوت ويمتزج فيه الواقع بالخيال ويعمل العقل المسيحي في جد وبراعة في نسج ملحمة من أبرع الملاحم الأسطورية التي تصل السماء بالأرض وتخلط الله بالإنسان، ولكن القصة لم تتم فصولا بعد.

стр. 199

فما زال هناك فجوات تنتظر من المجامع المقدسة أن تملأها بتلك الكلمات التي تلتقطها من شتيت الصفحات في الأناجيل والرسائل. ففي سنة ٤٣١ م، أعلن نسطور بطريك القسطنطينية قوله: إن العذراء لم تلد متأنسا بل ولدت إنسانًا عاديًا ساذجا ثم حل فيه الإله بإرادته لا بالاتحاد فهو لهذا ذو طبيعتين وأقنومين. وقد انقسم المسيحيون إزاء هذا الرأي فكان بعضهم في جانب نسطور وكان البعض الآخر في الجانب المخالف له على حين وقف كثيرون موقف الحياد بين الحيرة والتردد. ومن أجل هذا دعا الملك تاودوس الصغير ملك القسطنطينية إلى عقد المجمع المقدس فحضره نحو مائتي أسقف وبعد مناقشات طويلة انتهى الرأي إلى القول بتجسد الكلمة واتحاد الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية بدون اختلاط ولا امتزاج ولا استحالة. والذي يلفت النظر في مقررات هذا المؤتمر أنها لم تخرج مخرج المقررات التي صدرت في المجمعين السابقين حيث لم تكن في صورة دعوة إلى إيمان بحقيقة جديدة وإنما جعلت هذه المقررات مقدمة لقانون الإيمان. وكأن المؤتمرين قدروا الخطر الناجم عن تبدل صورة العقيدة وما يدخل في قلوب الناس وعقولهم من هذه الإضافات التي تحدث كلما حدثت أحداث وبرزت آراء فذلك من شأنه أن يجعل الناس يتهمون المقولات التي تلقى إليهم من جهة الدين ويتشككون في إضافتها إلى السماء حيث لا تبديل لكلمات الله. نقول إن المؤتمرين قدروا هذا كله فلم يجعلوا لمقرراتهم شيئًا جديدًا يدخل في مجال العقيدة وإنما جعلوه مقدمة إلى العقيدة ومدخلًا إلى الإيمان. وقد حملت هذه المقدمة ثلاث مقولات عن العذراء والمسيح والثالوث وها هي ذي كما صدرت في المجمع: تطويب العذراء: " نعظمك يا أم النور الحقيقي ونمجدك أيتها العذراء القديسة لأنك ولدت لنا مخلص العالم كله أتى وخلص نفوسنا ". إن هذه الكلمات القصيرة لها مصدرها؛ فقولهم:

стр. 200

" نعظمك " تأتي من إنجيل (لوقا ١: ٤٨) . " يا أم النور الحقيقي " من إنجيل (لوقا ١: ٤٣) ومن إنجيل (يوحنا ١: ٨-١٠) . " ونمجدك " من (المزمور ٩١: ١٥) . " أيتها العذراء القديسة " من (أشعياء ٧: ١٤ ولوقا ١: ٣٧) . " لأنك ولدت لنا مخلص العالم كله " من (لوقا ٣: ١١) . " أتى وخلص نفوسنا " من (لوقا ١٩: ١٠) . تمجيد السيد المسيح: " المجد لك يا سيدنا ولملكنا المسيح فخر الرسل إكليل الشهداء تهليل الصديقين ثبات الكنائس غافر الخطايا ". هذه الكلمات أيضا لها مراجعها؛ فكلمات: " المجد لك يا سيدنا " تأتي من (أشعيا ٤٣: ٨) . " لملكنا المسيح " من (لوقا ١: ٣٣) . " فخر الرسل " من (غلاطية ٦: ١٤) . " إكليل الشهداء " من (أشعياء ٣٨: ٥) . " تهليل الصديقين " من إنجيل (يوحنا ٨: ٥٦) . " ثبات الكنائس " من إنجيل (يوحنا ١٥: ٣٤) . " غافر الخطيا " من إنجيل (متى ٩: ٣) . التبشير بالثالوث الأقدس: " نكرز ونبشر بالثالوث الأقدس لاهوت واحد نسجد له ونمجده. يا رب ارحم يا رب ارحم يا رب بارك. آمين ". فهذه الكلمات لها انتماؤها؛ فعبارة: " نكرز ونبشر " تأتي من (الرسالة إلى العبرانيين ١٠: ٤٣) . " بالثالوث الأقدس " من (متى ٢٨: ١٩) .

стр. 201

" لاهوت واحد " من (يوحنا ٥: ٧) . " نسجد له ونمجده " من (متى ٤: ١٠) . " يا رب ارحم يا رب ارحم " من (المزمور ٣٣: ١) . " يا رب بارك. آمين " من (لوقا ٥٣: ٢٤) . ومن هنا نرى أنه فضلًا عن أن قانون الإيمان تطور عبر المجامع كما رأيتم فهو في الوقت نفسه ملفق من كلمات مفردة بعضها من أسفار العهد القديم ولعضها من أسفار العهد الجديد فهي كلها تلفيقات مأخوذة من أشتات متنافرة. تعليق اللواء أحمد عبد الوهاب: والآن أترك التعليق للسيد اللواء مهندس أحمد عبد الوهاب، الذي قال: لي تعليق بسيط يتلخص فيِ بيان أن آريوس الذي قال إن المسيح مخلوق وأنه أقل من الله في الجوهر ابتداء من عام ٣١٣ م فصاعدًا لم يكن هو أول من قال بهذا القول واعتقده، ولكن قال هذا المسيحيون الأوائل أيضا وهو أن المسيح إنسان مخلوق. لقد كانت تلك هي عقيدة الغالبية العظمى من المسيحيين الأوائل. كذلك فإن وصف المسيح بأنه (عبد الله) لا يزال موجودًا إلى الآن في أسفار العهد الجديد، ولكن للأسف فإن الطبعات العربية تذكرها بصورة مستترة حتى لا يتبينه القارئ العربي. فقد وصف المسيح في الأسفار بأنه نبي، ورسول، وأنه ابن الإنسان- أي ابن آدم - وكان هذا هو الاسم المحبب إليه. ولقد وصف في هذه الأسفار كذلك بأنه عبد، ولكن للأسف فإنهم لم يستخدموا هذه الكلمة وإنما استخدموا كلمة مرادفة لها بصورة مستترة. فنقرأ في إنجيل متى - وهو مشهور بأنه أكثر كتبة الأناجيل استشهادًا بأسفار العهد القديم بدعوى أنها تنبؤات سبق القول بها وكان من نتيجة التكالب على هذا العمل أن أصبح العلماء مقتنعين بعد دراساتهم الطويلة، أن متى

стр. 202

أشار إلى تنبؤات ليس لها وجود في أسفار العهد القديم ولا يعلم لها أصل. ولكن يهمني هنا أن أبين كيف اصطاد كاتب إنجيل متى نبوءة من العهد القديم، ولكن عندما أدرجت في العهد الجديد، في إنجيل متى، فقد حدث فيها تحوير ملحوظ حتى لا يتبينه القارئ العربي. ماذا يقول متى؟ إنه يقول في (الإصحاح ١٢: ١٥- ٢١) : " تبعته جموع كثيرة فشفاهم جميعًا وأوصاهم أن لا يظهروه؛ لكي يتم ما قيل بأشعياء النبي القائل: هو ذا فتاي الذي اخترته، حبيبي الذي سرت به نفسي، أضع روجي عليه فيخبر الأمم بالحق. لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته، قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفئ حتى يخرج الحق إلى النصرة، وعلى اسمه يكون رجاء الأمم ". لكن نبوءة أشعياء - التي اقتبس منها متى أغلب هذه الكلمات- نجدها تقول في (الإصحاح ٤٢: ١- ٤) ما نصه: " هو ذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سرت به نفسي وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم، لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته، قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خامدة لا يطفئ، يخرج الحق، لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته ". لكن هؤلاء السادة الذين أؤتمنوا على كتاب الله بم يراعوا تلك الأمانة، ذلك أن أول كلمات سفر أشعياء هذه تقول: " هو ذا عبدي الذي أعضده " لكنهم نقلوها في أسفار العهد الجديد لتكون " هو ذا فتاي الذي اخترته ". لقد عمدوا إلى وضع كلمة " فتى " في أسفار العهد الجديد بدلا من نظيرتها كلمة " عبد " الموجودة في أسفار العهد القديم حتى يبتعد القارئ العربي عن فكرة أن

стр. 203

المسيح عبد الله، ولو أن الاستعمال اللغوي لكلمة (فتى) بالعربية تعني " عبدًا " كما في سورة يوسف في قوله ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ وقوله ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ . (١) فكلمة الفتى تعني العبد. وإذًا نقرر أن الإنجيل الموجود حاليا يعترف بأن المسيح هو عبد الله. كذلك وصف تلاميذ المسيح وعلى رأسهم بطرس ويوحنا المسيح بأنه " فتى الله " أي " عبد الله ". فقد جاء في (سفر أعمال الرسل ٣: ١٥) " إن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب إله آبائنا مجد فتاه يسوع ". ولو كتبت هذه " مجد عبده يسوع " فإنها تنبه عقل القارئ العربي إلى حقيقة أن المسيح هو عبد الله. ولو رجعنا إلى الترجمة الإنجليزية للكتاب المقدس لوجدنا أنها موجودة في سفر أشعياء، وفي إنجيل متى، وفي سفر أعمال الرسل بصيغة واحدة لتعطي هذا المعنى وهي Thy Servant أي " عبدك ". والخلاصة أن المسيح ذكر في أسفار العهد الجديد بأنه عبد الله. وبهذا اختتمت هذه الجلسة الرابعة على أن يعقبها في الغد الجلسة الخامسة إن شاء الله.

стр. 204

الجلسة الخامسة الافتتاحية الدكتور محمد جميل غازي بشارات الأنبياء بالنبي الخاتم وعد الله لإبراهيم في ابنه نبوة موسى نبوة حبقوق نبوة داود تعبير دانيال النبي لحلم نبوخذنصر نبوة أشعياء نبوات عيسى تعقيب الدكتور محمد جميل غازي المجامع المسكونية

стр. 205

[افتتاحية الجلسة الخامسة للدكتور محمد جميل غازي] استفتح الأستاذ الدكتور محمد جميل غازي هذه الجلسة بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وصلى الله وسلم وبارك على النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد: فإننا نفتتح هذه الجلسة الخامسة من هذه المناظرة الإسلامية النصرانية بآيات من القرآن الكريم من سورة المائدة. (١) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي

стр. 206

وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ حديثنا الليلة عن البشائر أو البشريات التي جاءت عن رسول الله ﷺ ، ولقد قلنا وما زلنا نقول: إن هذه الكتب قد عبثت فيها أيدي التحريف وأيدي التبديل، وأيدي التغيير، ولكنه على الرغم من هذا كله ما زالت فيها بقايا وما زالت فيها نصوص لا تحتمل التأويل أبدًا، وأنها تنص نصًا قاطعًا على أن المقصود بها إنما هو محمد ﷺ الذي بعثه الله من ذرية إسماعيل ﵇. وأحب أن أقول لكم- قبل أن يبدأ العالم الفاضل الأستاذ إبراهيم خليل أحمد - إن هذه البشريات على كثرتها لا تمثل في نظر المعتقد المسلم أكثر من واحدة من آلاف الأمارات والدلالات على صدق محمد ﷺ إنها ليست كل شيء في أيدينا نستدل به على صدق الرسول، إنما هي شيء واحد من أشياء كثيرة لا يحيط بها العد ولا يحصيها الإحصاء. هذه النبوءات وغيرها هي- كما قلت لكم- إصبع صغيرة تشير إلى الحقيقة الكبيرة وهي أن محمدًا ﷺ إنما هو رسول الله ونبيه الخاتم. ولو أننا ذهبنا نستعرض الأمارات والدلالات على صدق رسول الله ﷺ فإنه لا تكفينا الليالي ذوات العدد ويكفي

стр. 207

أن تعرفوا أنه أُلِّف في أمارات ودلائل النبوة كتب ومجلدات كثيرة. ولما كان وقتنا أضيق من أن نستعرض فيه كل شيء وأن وقتكم أضيق من أن يستوعب كل شيء فيكفينا الآن أن نشير إشارات عابرة إلى هذه النبوءات حسبما يتحدث إليكم في هذه الليلة الأخ العالم الأستاذ إبراهيم خليل أحمد عن البشائر في أسفار الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد.

стр. 208

جبال فاران: بعد ذلك ننتقل إلى نص آخر من نصوص التوراة حيث نجد في (سفر التثنية ٣٣: ١-٢) ما يقوله موسى: " وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال: جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم " فحينما نتأمل فإننا نتأمل أولا الأماكن المقدسة وما تعنيه، فنجد سيناء هي المكان الأول وسعير هي المكان الثاني وأما المكان الثالث فهو فاران أو جبل فاران. إن سيناء تشير إلى المكان الذي فيه موسى (التوراة خروج ٢٤: ١٦-١٨) وأما سعير فإنها تعني أرض فلسطين التي سكنها عيسو أخو يعقوب أي أخو إسرائيل (تكوين ٣٦: ٨) والغريب أن التوراة تقضي بأن البكر هو الذي يرث باسم أبيه لقد كان عيسو هو البكر وأما يعقوب فكان الابن التالي له، لكن بأضحوكة صنعها يعقوب مع أبيه إسحاق نجده قد سرق حق

стр. 209

البكورية من أخيه عيسو (تكوين ٢٧) . لقد كان عيسو هذا- الذي أسدل عليه ستار كثيف- يسكن حسبما يقول (سفر التكوين ٣٦: ٨) : " فسكن عيسو في جبل سعير ". وعيسو هو أدوم. وكذلك جاء في (سفر التكوين. ٣٢: ٢) : " وأرسل يعقوب رسلًا قدامه إلى عيسو أخيه إلى أرض سعير بلاد أدوم ". وعلى ذلك تكون سعير هي أرض فلسطين التي وطئتها أقدام الأنبياء من ذرية يعقوب الذي أخذ حق البكورية من أخيه عيسو - وكان منهم السيد المسيح. والآن نأتي إلى أرض فاران. من العجب العجاب- أيها الإخوة- أن الله وعد إبراهيم بالأرض من النيل إلى الفرات كما جاء في (سفر التكوين ١٥: ١٨- ١٩) : " في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقًا قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات. القينيين والقنزيين والقدمونيين والحثيين والفرزيين والرفائيين والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين ". هؤلاء هم شعوب هذه الأرض الذين سيطردهم الله ويسكنها نسل إبراهيم. إن هذا الوعد الذي أعطي لسيدنا إبراهيم ﵇ ولم يكن له ولد آنذاك، ولكن المرأة هي المرأة تشتاق إلى الأرض وإلى استثمار الأرض، فجاءت سارة امرأة إبراهيم ﵇ وكانت عاقرًا لم تلد فطلبت من زوجها إبراهيم أن يدخل على سيدة كريمة في بيتها هي هاجر لعل الله سبحانه يعطيها نسلًا. فتزوجها وأنجب منها إسماعيل وكان قرة عين لإبراهيم ولهاجر ولسارة أيضا. وفي هذا يقول (سفر التكوين ١٦: ١- ٤) : " وأما ساراي امرأة إبرام فلم تلد له وكانت لها جارية مصرية اسمها هاجر فقالت ساراي لإبرام هو ذا الرب أمسكني عن الولادة ادخل على جاريتي لعلي أرزق منها بنين. فسمع إبرام لقول ساراي فأخذت ساراي امرأة

стр. 210

إبرام هاجر المصرية (١) جاريتها من بعد عشر سنين لإقامة إبرام في أرض كنعان وأعطتها لإبرام رجلها زوجة له فدخل على هاجر فحبلت ". بهذا أعطي إبراهيم الولد وكان هو إسماعيل الذي سيرث نسله الأرض من النيل إلى الفرات. بعد ذلك نجد أن الله يزيد إبراهيم فيعطيه إسحاق بعد أن بلغ عمر إسماعيل ١٤ سنة، وهناك بدأت الغيرة تدب في قلب سارة وبدأت تؤثر ابنها إسحاق على إسماعيل وبدأت تطلب من إبراهيم أن يعزل هاجر وابنها عن المشاركة في البيت. تقول التوراة في (سفر التكوين ٢١: ٩- ١٣) : " ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمزح فقالت لإبراهيم اطرد هذه الجارية وابنها لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق. فقبح الكلام جدًا في عيني إبراهيم لسبب ابنه، فقال الله لإبراهيم لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك. وفي كل ما تقول لك سارة اسمع قولها. لأنه بإسحاق يدعى لك نسل. وابن الجارية أيضا سأجعله أمة لأنه نسلك ". من هنا يتبين لنا مقدار قبح الكلام الذي قالته سارة عن إسماعيل وأمه والذي قبح تمامًا في عيني إبراهيم، ولكنه اضطر أن يأخذ زوجه هاجر وابنهما إسماعيل ويذهب ليسكنهما في القفر. كما قال القرآن الكريم على لسان إبراهيم حين دعاه ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ . (٢) وتقول التوراة إن إسماعيل سكن في برية فاران، إذ يقول (سفر التكوين ٢١: ١٧- ٢١) : " سمع الله صوت الغلام ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها ما لك يا هاجر لا تخافي لأن الله قد سمع لصوت

стр. 211

الغلام حيث هو. قومي احملي الغلام وشدي يدك به لأني سأجعله أمة عظيمة. وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء. فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام. وكان الله مع الغلام فكبر وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس. وسكن في برية فاران وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر ". ومن هنا نرى أن الجزء الثالث الذي تكلم عنه موسى ﵇ إذ قال: " وتلألأ من جبل فاران " إنما هو إشارة إلى إسماعيل ﵇ والنبي الخاتم الذي يأتي من نسله، والذي تأكدت فيه الوعود الإلهية كما في (سفر التكوين ٢١: ١٣) : " وابن الجارية أيضا سأجعله أمة لأنه نسلك "، وفي (سفر التكوين ١٧: ٢٠) : " وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرًا جدًّا. اثني عشر رئيسًا يلد وأجعله أمة كبيرة ". من تحريفات بولس: ولكن تمر الأيام ويأتي المسيح مولودًا من عذراء ثم يبلغ رسالته ولكن يندس في دعوته أناس ما كانوا على صلة بالمسيح ومن هؤلاء شاول الذي هو بولس. لقد كان شاول يمثل الحقد الأسود بين المسيحية وبين أتباع محمد الذي يأتي من نسل إسماعيل ﵇. إنه يقول في (رسالة غلاطية ٤: ٣٠- ٣١) : " لكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة. إذًا أيها الإخوة لسنا أولاد جارية بل أولاد الحرة ". من هنا نرى أن الحرب بين الصليبيين وبين المسلمين سجال من وقت أن كتب بولس رسالته إلى أهل غلاطية. فهم يعتقدون أنهم من نسل إسحاق ﵇ ولهذا النسب إلى إسحاق فعلى رأيهم تكون لهم المواعيد ولهم الشريعة ولهم الملك. ولكن عندما نسير في استقراء النبوات سنرى أن هذا الكلام سيضرب به عرض الحائط.

стр. 212

نبوة حبقوق الأذان: " لا إله إلا الله محمد رسول الله ". نأتي بعد موسى ﵇ إلى حبقوق الذي يقول في (سفره، الإصحاح ٣ عدد ٣، ٤) : " الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السماوات والأرض. امتلأت من تسبيحه. وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استِتَار قدرته ". إن هذه النبوءة التي قالها حبقوق إنما تشير إلى مكة المكرمة. فقوله " الله جاء من تيمان " تشير إلى بلد في جنوب شرقي تبوك قرب من المدينة المنورة. وقوله " القدوس من جبل فاران " إنما هي إشارة إلى مكة المكرمة. وحينما يقول " جلاله غطى السماوات " ماذا تعني هذه العبارة؟ إننا في هذه الليلة حينما استمعنا إلى أذان العشاء فقد توقفنا عن الحديث وتابعنا المؤذن. إذن هي صيحات " الله أكبر " التي تتردد في الآفاق في كل الأرض التي يسكنها المسلمون قلوا أو كثروا. إنها جلال الله الذي يغطي السماوات والأرض. إنها لا يمكن أن تشير إلى كنيس اليهود الذي يستخدم البوق، ولا تشير إلى كنيسة النصارى التي تستخدم الجرس، ولكنها تشير إلى مئذنة المسجد حيث يعلوها المؤذن ليشهد أن " لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله " وليعلن للناس كافة " الله أكبر "، حتى إذا ما أقيمت الصلاة قام المسلمون خاشعين لله يسبحون ويكبرون ويسجدون بجباههم على الأرض تعظيمًا لله. ولا يحدث شيِء من هذا لا في كنيس اليهود ولا في كنيسة النصارى، فلا تمتلئ الأرض بتسبيح الله إلا في صلاة المسلمين، بل وفي غير صلاتهم فهم دائمًا أهل التسبيح والتحميد. وأما قوله: " وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استِتَار قدرته "

стр. 213

فما أعظم وما أمجد أن يرفع القرآن عاليًا، ففيه النعمة وفيه الهداية وفيه البركة وفيه كل الخير. لقد قال هذا حبقوق النبي. نبوة داود الحجر الذي رفضه البناؤون هو مسار رأس الزاوية: ونرجع الآن لسيدنا داود ﵇ نجده يقول في (المزمور ١١٨: ٢٢- ٢٣) : " الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية. من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا ". إن هذا يعني أن أنبياء بني إسرائيل على كثرتهم تشير إليهم الحجارة الكثيرة في بناء بيت الرب، أما الحجر الذي هو رأس الزاوية ويمسك البناء كله فهو وإن كان حجرًا واحدًا إلا أنه هو الأهم والأعظم أثرًا في إقامة البناء وتماسكه. إنه يشير إلى محمد خاتم النبيين والذي بدونه لا ترتبط النبوات معًا ولا يمكن أن تكون لها قيمة تذكر تمامًا كما أنه بدون ذلك الحجر " رأس الزاوية " لا يكتمل البناء ولا يكون له قيمة. لقد كان هذا الأمر " من قبل الرب ". ربما يقول قائل إن هذا الكلام يشير إلى المسيح ﵇، ولكن المسيح قال موجهًا كلامه لبني إسرائيل في تنديد شديد - كما في إنجيل (متى ٢١: ٤٣-٤٤) : " قال لهم يسوع أما قرأتم قط في الكتب الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار هو رأس الزاوية من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا. لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطي لأمة تعمل أثماره. ومن سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه ". إن قول المسيح هنا: " لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم " يعني أن النبي الخاتم الذي يرمز إليه هذا الحجر " رأس الزاوية " لن يكون من بني إسرائيل، وإنما يكون من أمة صالحة تأمر بالمعروف وتنهى عن

стр. 214

المنكر وتؤمن بالله الواحد الأحد، إنها أمة العرب المسلمة. وأما قوله: " ومن سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه "، فإنما يشير إلى قوة الإسلام وأن من يعاديه سوف يسحقه الله. وقد كان هذا مما سجله التاريخ، حيث استطاعت قلة ضعيفة من العرب المسلمين أن تكتسح أعظم إمبراطوريتين قويتين في زمن ظهور الإسلام- أو هما القوتين العظميين بلغة عصرنا الحاضر- فقد قضى المسلمون الناشئون على الإمبراطورية الفارسية، كما اقتطعوا من الإمبراطورية الرومانية نصف أملاكها التي كانت أرضًا كثيرة الخيرات غنية بالأموال والرجال. إن تنبؤ المسيح بهزيمة أعداء الإسلام هنا يتفق وما سبق أن قاله موسى في (سفر التثنية ١٨: ١٩) : " ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه ". أي أن الله سينتقم منه. تعبير دانيال النبي لحلم نبوخذ نصر وأكثر من هذا نرى دانيال الذي كان واحدًا من اليهود المسيحيين في أرض بابل، أنه في أيام الملك نبوخذ نصر الذي هدم الهيكل وأخذ كل ما فيه من توراة وأوانٍ ذهبية وغير ذلك قد حلم حلمًا لم يستطع أن يفسره سوى دانيال الذي قال للملك كما في (سفر دانيال الإصحاح ٢ العدد ٣١- ٣٦) : " أنت أيها الملك كنت تنظر وإذا بتمثال عظيم، هذا التمثال العظيم البهي جدًا وقف قبالتك ومنظره هائل، رأس التمثال من ذهب جيد، صدره وذراعاه من فضة، بطنه وفخذاه من نحاس، ساقاه من حديد، قدماه بعضهما من حديد والبعض من خزف، كنت تنظر إلى أن قطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما، فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معًا وصار كعصافة البيدر في الصيف فحملتها الريح فلم يوجد

стр. 215

لها مكان، أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلًا كبيرًا وملأ الأرض كلها، هذا هو الحلم فنخبر بتعبيره قدام الملك ". " أنت أيها الملك ملك ملوك لأن إِله السماوات أعطاك مملكة واقتدارًا. وسلطانًا وفخرًا. وحيثما يسكن بنو البشر ووحوش البر وطيور السماء دفعها ليدك وسلطك عليها جميعًا. فأنت هذا الرأس من ذهب. وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك ومملكة ثالثة أخرى من نحاس فتتسلط على كل الأرض. وتكون مملكة رابعة صلبة كالحديد لأن الحديد يدق ويستحق كل شئ وكالحديد الذي يكسر تسحق وتكسر كل هؤلاء. وبما رأيت القدمين والأصابع بعضها من خزف والبعض من حديد فالمملكة تكون منقسمة ويكون فيها قوة الحديد من حيث أنك رأيت الحديد مختلطًا بخزف الطين. وأصابع القدمين بعضها من حديد والبعض من خزف فبعض المملكة يكون قويًّا والبعض قصمًا. وبما رأيت الحديد مختلطًا بخزف الطين فإنهم يختلطون بنسل الناس ولكن لا يتلاصق هذا بذاك كما أن الحديد لا يختلط بالخزف. وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبدًا وملكها لا يترك لشعب آخر وتسحق وتفنى كل هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد؛ لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب الله العظيم قد عرّف الملك ما سيأتي بعد هذا. الحلم حق وتعبيره يقين " (٢: ٣٧- ٤٥) . وبدراسة التاريخ نجد أن أقدم مملكة بعد الفراعنة هي المملكة البابلية وهي رأس من ذهب. بعد ذلك تأتي المملكة الفارسية وهي من الفضة. بعد ذلك المملكة المقدونية الإغريقية وهي من النحاس. بعد ذلك المملكة الرومانية وهي من الحديد. وهذه الأخيرة انقسمت إلى قسمين كبيرين: الشرقية والغربية، وبعد ذلك تفتتت إلى ممالك أخرى. وبعد ذلك قامت دولة الإسلام
следующие страницы →