كيف هذا أيها الناس؟ كيف يكون المسيح لعنة؟ وكأن المسيح كان يتحرز ضد بولس وأفكاره وتابعيه حين قال في إنجيل يوحنا: " هو ذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركونني وحدي، وأنا لست وحدي لأن الآب معي " (١٦: ٣٢ -٣٣) .
وهذا مخالف تماما لقول ذلك الذي علقوه على الصليب فصرخ يائسا يقول " إلهي إلهي لماذا تركتني ". إن هذا وحده كاف لإثبات عدم صلب المسيح. لقد كان هذا تعليقنا على فتنة الصلب وما ألحق به من روايات القيامة والظهور وسوف يكون موضوعي القادم هو الحديث عن البشارة بسيدنا محمد رسول الله ﷺ في التوراة والإنجيل.
стр. 142
بولس
حديثنا الآن عن بولس خاصة وقد علمنا لمحة عن فكر بولس وفلسفته لفكرة الصليب والفداء، وهي مسيحيته التي قام يبشر بها وجاءت مخالفة لمسيحية المسيح الحقة التي اتسمت بالمحبة والوداعة، خلافا لذلك العنف الدموي الذي اعتنقه بولس في مسيحيته الصليبية. ولسوف نرى كيف دخل بولس في المسيحية وكيف كان نتاج أفكاره، خاصة وأن هناك قاعدة معروفة تقول: إنك لا تجني من الشوك العنب.
ولقد كان بولس - شاول - يهوديا واشتهر بعنفه في خصومته، بل بعدائه الشديد لأتباع المسيح ولم يكن له حظ من رؤية المسيح - ولو مرة واحدة - في حياته.
يقول سفر أعمال الرسل: " أما شاول فكان يسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت ويجر رجالا ونساء ويسلمهم إلى السجن ٣: ٨ ".
" والشهود خلعوا ثيابهم عند رجلي شاب يقال له " شاول "، فكانوا يرجمون استفانوس وهو يدعو. . ثم جثا على ركبتيه وصرخ بصوت عظيم: يا رب لا تقم لهم هذه الحطية.
وإذ قال هذا رقد وقد كان شاول راضيا بقتله " (أعمال الرسل ٧: ٥٨ -٦٠، ٨: ١ -٣) .
ثم أعلن بولس -فجأة - تحوله إلى المسيحية. . .
إن تاريخ الديانات يشهد لكثيرين كانوا من ألد أعدائها وأعداء النبي والرسول الذي جاء يدعو لها ثم يتحولون إليها ويصيرون من خير دعاتها. لكن القاعدة الهامة والخطيرة التي شذ فيها بولس هي أنه لم يلتزم بالتعاليم الموجودة في العقيدة الجديدة التي تحول إليها -وهي المسيحية - لكنه اختص بتعليم
стр. 143
انفرد به وطفق يبشر به، واستطاع بوسائله الخاصة ومهاراته أن ينحي كل التلاميذ جانبا ويتصدر الدعوة إلى المسيحية بعد أن اكتسح الآخرين. ولنرى الآن ماذا يقول سفر أعمال الرسل عن قصة تحول بولس إلى المسيحية. يقول الإصحاح التاسع: " أما شاول فكان لم يزل ينفث تهددا وقتلًا على تلاميذ الرب. فتقدم إلى رئيس الكهنة وطلب منه رسائل إلى دمشق إلى الجماعات حتى إذا وجد أناسا من الطريق رجالا ونساء يسوقهم موثقين إلى أورشليم.
وفي ذهابه حدث أنه اقترب إلى دمشق فبغتة أبرق حوله نور من السماء فسقط على الأرض وسمع صوتا قائلًا له: شاول لماذا تضطهدني؟ فقال من أنت يا سيد. فقال الرب أنا يسوع الذي أنت تضطهده. . فقال وهو مرتعد ومتحير يا رب ماذا تريد أن أفعل. فقال له الرب قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل.
وأما الرجال المسافرون معه فوقفوا صامتين يسمعون الصوت ولا ينظرون أحدا - ٩: ١ - ٧ ".
لكن الله دائما يبين الحق رحمة بالناس ولهذا نجد الإصحاح الثاني والعشرين من سفر أعمال الرسل يحكي قصة تحول بولس إلى المسيحية على لسانه شخصيا فيقول: " حدثت لي وأنا ذاهب ومتقرب إلى دمشق. . أبرق حولي من السماء نور عظيم. فسقطت على الأرض وسمعت صوتا قائلا لي: شاول شاول لماذا تضطهدني؟ فأجبت من أنت يا سيد. فقال أنا يسوع الناصري الذي أنت تضطهده. والذين كانوا معي نظروا النور وارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا الصوت الذي كلمني -٢٢: ٦ -٩ ".
من ذلك نتبين أن المسافرين: سمعوا الصوت ولم ينظروا النور حسب قول الإصحاح (٩) ، بينما ذكر الإصحاح (٢٢) عكس ذلك تماما فقال: نظروا
стр. 144
النور ولم يسمعوا الصوت. . هذه بداية دخول بولس إلى المسيحية وهي قصة مشكوك فيها تماما. .
لقد دخل بولس المسيحية - وفق رواية خطؤها واضح تماما - ثم انطلق بتعليمه الخاص الذي أعلن فيه الاستغناء عن كل تعليم تلقاه تلاميذ المسيح من معلمهم بدعوى أنه تلقى تعليمه من المسيح مباشرة في تلك الرؤيا المزعومة.
فهو يقول: " لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته، أن يعلن ابنه في لأبشر به بين الأمم للوقت لم أستشر لحما ودما ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل (التلاميذ) الذين قبلي، بل انطلقت إلى العربية ثم رجعت أيضا إلى دمشق. ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس فمكثت عنده خمسة عشر يوما. ولكني لم أر غيره من الرسل إلا يعقوب أخا الرب. والذي أكتب به إليكم هو ذا قدام الله إني لست أكذب فيه - غلاطية وهكذا بدأ بولس الدعوة إلى المسيحية وفق مفهومه الخاص لمدة ثلاث سنوات قبل أن يتعرف بتلاميذ المسيح الذين أسسوا الكنيسة الأم في أورشليم والذين كانوا المرجع في كل ما يتعلق بالمسيحية والدعوة إليها.
ثم يقول بولس: " بعد أربعة عشر سنة صعدت إلى أورشليم مع برنابا آخذا معي تيطس أيضا. وإنما صعدت بموجب إعلان وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم ولكن بالانفراد على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلًا. فإن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا على بشيء بل بالعكس إذ رأوا أني أؤتمنت على إنجيل الغرلة كما بطرس على إنجيل الختان " (غلاطية من ذلك يتضح: ٢: ١ -٨) .
من ذلك يتضح:
стр. 145
١ - أن قصة دخول بولس في المسيحية مشكوك فيها ولا يمكن الاعتماد عليها لما فيها من تناقضات صارخة.
٢ - لم يعرف بولس عن المسيحية سوى الصلب وسفك الدم وأن هذا شيء أختص به. وأما غير ذلك من تعاليم المسيح فقد أهمله تماما فهو يقول: " أعرفكم أيها الإخوة الإنجيل الذي بشرت به إنه ليس بحسب إنسان. لأني لم أقبله من عند إنسان ولا علمته بل بإعلان يسوع المسيح " (غلاطية ١: ١١ -١٢) .
" لأني لم أعزم أن أعرف شيئا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبا " - (١) كورنثوس: ٢: ٢) .
لقد بحث العلماء فكر بولس والتيارات التي أثرت فيه. وفي هذا يقول تشارلز دود:
" لقد أوضحنا سلفا أن فكرة الكمنولث العالمي كانت شائعة في العالم الوثني وكانت روما في تأثرها بالمثل العالية للرواقيين - الذين قدموا في أيام بولس رئيسا لوزراء الإمبراطورية، وفي القرن التالي له اعتلى أحدهم عرش الإمبراطورية - فحاول تأسيس ذلك الكمنولث. ولقد تأثر بولس كأحد المواطنين الرومان بهذه الأفكار " (١) .
لقد فكر بولس في انشاء كمنولث مسيحي يقوم على اسم واحد وعلامة واحدة هما المسيح والصليب. ولا مانع أن تكون فيه أفكار وديانات مختلفة. . ليكن ما يكون. . إن بولس يعترف في رسائله بأنه لم يتحرز عن استخدام كل الوسائل لكسب أكبر عدد من الأتباع فهو يقول: " إذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين. فصرت لليهود كيهودي لأربح
стр. 146
اليهود. وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس. . صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء. صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال قوما. وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل لأكون شريكا فيه " (كورنثوس ٩: ١٩ - ٢٣) .
وهكذا نجد بولس قد عرض المسيحية على أصحاب العقائد المختلفة بالصورة التي ترضي كلًا منهم وترتب على ذلك أنهم دخلوا الديانة الجديدة بعقائدهم وأفكارهم القديمة وكان لهذا - ولا يزال - أثره الخطير في المسيحية.
ولقد عرفنا من قبل أن برنابا هو الذي قدم بولس إلى التلاميذ لكن الذي حدث بعد ذلك أن أزاح بولس برنابا من تصدر الدعوة إلى المسيحية.
يقول سفر أعمال الرسل: " فحصل بينهما مشاجرة حتى فارق أحدهما الآخر " (١٥: ٣٩) . ولم يلبث بولس أن تشاجر مع بطرس - رئيس التلاميذ - ونحاه أيضا فهو يقول: " لما أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة " غلاطية ٢: ١١) .
ومن المؤكد أن بولس لم يعلم قدر بطرس الذي أعطاه المسيح التفويض أن يحل ويربط كما يشاء والذي عينه راعيا لتلاميذه. . .
ولا داعي للحديث عن رسائل بولس فهي رسائل شخصية بحتة يقول في بعضها: ليس عندي أمر من الرب ولكني أعطى رأيا (اكو: ٧: ٢٥) ٠ أو يقول: أظن أني أنا أيضا عندي روح الله (أكو ٧: ٤٠) . أو يقول: لست أقول على سبيل الأمر بل أعطي رأيا (أكو ٧: ٦) . وهكذا من مثل هذه الأمور الظنية التي لا تصلح إطلاقا لبناء عقيدة.
كذلك تنتهي رسائله بالحديث عن السلام وبث القبُلات المقدسة للرجال والنساء على السواء مثل قوله:
стр. 147
سلموا على تريفينا وتريفوسا التاعبتين في الرب. . (رومية ١٦: ١٢) .
سلموا على برسيس المحبولة التي تعبت كثيرا في الرب. . (رومية ١٦ -١٢) .
سلموا بعضكم على بعض بقبُلة مقدسة. . (رومية ١٦: ١٦) .
إن مسيحية بولس تقوم أساسا على فكرة الإله المخلص المقتول، ولقد كانت الديانات التي شاعت في العالم الروماني في ذلك الوقت مثل ديانات إيزيس وميثرا وسيبل تقوم على نفس هذه الفكرة. ولهذا يقول مؤرخو الديانات إن التشابه ملحوظ بين المسيحية وتلك الديانات.
يقول: هربرت فيشر في كتابه " تاريخ أوروبا ": " استدار العالم الروماني بشغف زائد إلى عبادات الشرق الملتهبة مثل عبادات إيزيس وسيرابيس وميثرا. . إن عباد إيزيس المصرية وسيبل الفريجية وميثرا الفارسي اشتركوا في معتقدات كثيرة وجدت في النظام المسيحي.
لقد اعتقدوا في اتحاد سري مقدس مع الكائن الإلهي إما عن طريق اقتران خلال الشعائر أو بطريقة أبسط عن طريق أكل لحم الإله في احتفال طقسي. . لقد كان الإله الذي يموت بين العويل والمراثي بيد أنه يقوم ثانية وسط صيحات الترحيب والسرور، من الملامح الرئيسية في هذه العبادات الشرقية الغامضة. .
إن عبادة إيزيس قد نظمت بطريقة تماثل تماما ما في الكنيسة الكاثوليكية.
لقد كان هناك تنظيم كهنوتي مماثل مكون من البابا مع القسس والرهبان والمغنين وخدم الكنيسة. وكانت صورة السيدة ترصع بجواهر حقيقية أو مزيفة وكانت زينتها تعمل كل يوم كما كانت صلاة الصبح وأغاني المساء تغنى في معابدها الرئيسية. وكان الكهنة حليقي الرؤوس ويلبسون ملابس كهنوتية بيضاء من الكتان.
стр. 148
إن التحول من الوثنية إلى المسيحية لم يكن يعني الدخول في جو غريب كلية، أو ممارسة ثورة فجائية. لقد كانت عملية التحول تتم بلطف. . وكانت طقوس العقيدة الجديدة استرجاعا للأسرار القديمة.
فقد كانت عقيدة الوسيط مألوفة في معتقدات الفرس وأتباع الأفلاطونية الحديثة وكانت فكرة التثليث معتقدا دينيا شائعا تنبع أساسا مما تعارفوا عليه من أن العدد ثلاثة هو العدد الكامل " (١) .
ويقول أرنست كيللت في كتابه " مختصر تاريخ الديانات ": إن أوجه التشابه المحيرة بين شعيرة التعميد (المسيحية) - على سبيل المثال - وبين طقوس التطهير في ديانة أتيس وأدونيس لتصدم كل دارس. لقد أظهرت الديانة المسيحية قدرة ملحوظة في جميع العصور على الأخذ لنفسها ما يناسبها من الديانات الأخرى.
ولسوف أعطي هنا ملخصا لأسطورة أتيس وطقوس عبادته لأن هذا لم يؤثر فقط بعمق في المسيحية بل لأنه كان منتشرا في أغلب الإمبراطورية الرومانية. لقد حدثت قيامة أتيس في يوم الخامس والعشرين من مارس بدء الربيع وهو نفس اليوم الذي قام فيه المسيح من الأموات حسب أقوال كثير من المسيحيين. . كذلك فإن التشابه بين الطقوس السرية لديانة ميثرا والمسيحية مذهلة. إن المثرية لها طقوسها المتعلقة بالعشاء الرباني ومن الصعب التفريق بينها ولين ما في عقيدتنا المسيحية، ولها احتفالات تماثل احتفالات عيد الميلاد ولها عيد القيامة " (٢) .
стр. 149
تعقيب الدكتور محمد جميل غازي:
هذا ولقد عقب الدكتور محمد جميل غازي بقوله: إن المسألة أصبحت من الوضوح بحيث لا بد من الإقرار بأن تسمى الديانة المسيحية الديانة البوليسية. فهي تنسب بحق لبولس وليس للمسيح ﵇. كذلك من المفيد معرفة أن الفاتيكان يعترف بموقف بولس من المسيحية وعدم حرصه عليها. فقد جاء في كتاب نشره الفاتيكان سنة ١٩٦٨ م بعنوان: " المسيحية عقيدة وعمل " ما يلي في صفحة (٥٠) :
" كان القديس بولس منذ بدء المسيحية ينصح لحديثي الإيمان أن يحتفظوا بما كانوا عليه من أحوال قبل إيمانهم بيسوع ".
إن هذا الإقرار الخطير يتفق وكل ما قاله اللواء أحمد عبد الوهاب عن بولس والمسيحية. والآن أقدم الأستاذ إبراهيم خليل أحمد ليقول لنا شيئا عن فطيرة القربان والعشاء الرباني الذي كان معمولا به في الديانات الوثنية القديمة.
إضافات للأستاذ إبراهيم خليل أحمد:
وهنا قال الأستاذ إبراهيم خليل أحمد: جاء في إنجيل (لوقا إصحاح ٢٢) (وفي الأناجيل الأخرى أيضا) ما نصه: " ولما كانت الساعة اتكأ والاثنا عشر رسولا معه. وقال شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم. لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يكمل في ملكوت الله. ثم تناول كأسا وشكر وقال خذوا هذه واقتسموها بينكم لأني أقول لكم إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتي ملكوت الله. وأخذ خبزا وشكر وكسر وأعطاهم
стр. 150
قائلًا هذا هو جسدي الذي يبذل عنكم. اصنعوا هذا لذكري. وكذلك الكأس أيضا بعد العشاء قائلًا هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يسفك عنكم. ولكن هو ذا يد الذي يسلمني هي معي على المائدة. وابن الإنسان ماض كما هو محتوم. ولكن ويل لذلك الإنسان الذي يسلمه " (لوقا ٢٢: ١٤ -٢٢) .
من الملاحظ أن الأيام الأخيرة من حياة المسيح كانت مزدحمة بالقلق والرعب وكان المسيح حقيقة في أيامة الأخيرة ثابتا لكل الضغوط دون أن يتأثر بتلك القلاقل لأنه كان واثقا تمام الثقة أن الله سوف ينجيه.
لكن عندما نأتي حقيقة لتفسير هذا الكلام. فإني أقول في صراحة متناهية: من هو المصدر الأساسي لهذا النص؟ إن هناك نصا في سفر أعمال الرسل يمنع الدم:
" بل يرسل إليهم أن يمتنعوا عن نجاسات الأصنام والزنا والمخنوق والدم " (٢٠: ١٥) .
فإذا كان ينهى عما ذبح للأصنام والدم فكيف يقال: " هو ذا دمي. . اشربوه ".
إن هذه وثنية منقولة من وثنية العبادات التي كانت متفشية في الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت. إن مصدر هذا النص أو إيحاءه إنما يرجع إلى تلك الوثنية المتفشية مثل المثرية الفارسية وكان من طقوسها العشاء الرباني، وكان منها يوم ٢٥ ديسمبر يوم الميلاد ويوم الأحد يوم الراحة. . كل هذه وثنية فارسية في عبادة ميثرا ثم غيرت اللافتة من ميثرا إلى المسيح. أما أن نؤمن بشريعة موسى التي تمنع الإنسان المؤمن عن الدم وبذلك تكون هذه العادة باطلة. . لأنه لا يعقل أن يقول المسيح " كلوا جسدي هذا واشربوا دمي هذا. . . " لسبب
стр. 151
هو أن المسيح تحدى اليهود قائلا: " ستطلبونني ولا تجدونني وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا ". فهو يتحداهم ويؤكد عجزهم عن الوصول إلى المسيح بدليل قوله في إنجيل (يوحنا إصحاح ٨ عدد ٢٨) :
" فقال لهم يسوع متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا هو ولست أفعل شيئا من نفسي بل أتكلم بهذا كما علمني أبي والذي أرسلني هو معي ولم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يرضيه ".
إن قصة الصلب منقوضة من أساسها تماما. .
كذلك فإن الذي صلب هو شبيه بابن الإنسان إذ يقول إنجيل يوحنا على لسان المسيح إصحاح ٣ عدد ١٤: " وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان ".
وكانت الحية التي رفعها موسى شبيهة بالحية الحقيقية. فبالمقارنة نقول: كما رفع موسى شبيه الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع شبيه ابن الإنسان.
وعلى هذا الأساس نقول إن النص الذي يتكلم عن أكل جسد المسيح وشرب دمه إنما هو نص مقتبس من المصادر الوثنية المتفشية في الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت. لقد كان المسيح آمنا على نفسه وبالتالي كان جسده سليما ودمه سليما.
وأنا - كقسيس سابق - لا أقدر أن أتصور أن كسر لقمة وإعطائها لأخ - في العقيدة - يضعها تحت أسنانه تتحول إلى جسد المسيح، ويشعر أن لحما تحت أسنانه. .!
ما أريد قوله هو بيان كيف استطاع بولس إفساد المسيحية. لقد قال المسيح: " ما جئت لأنقض شريعة موسى " وتجد في سفر التكوين إصحاح ١٧ عدد ٩ في حديث الله لأبينا إبراهيم: " وقال الله لإبراهيم
стр. 152
وأما أنت فتحفظ عهدي. أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم. هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك. يختن منكم كل ذكر. فتختنون في لحم غرلتكم. فيكون علامة عهد بيني وبينكم. ابن ثمانية أيام يختن منكم كل ذكر في أجيالكم. . وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها. إنه قد نكث عهدي ". (١٧: ٩ -١٤) .
ونجد أن إبراهيم حين ختن كان عمره ١٠٠ سنة تقريبا وكان ابنه البكر إسماعيل عمره ١٤ سنة، فهذا إبراهيم بقدره الجليل وابنه إسماعيل وبقية الخدم والعبيد اختتنوا جميعا. فكيف يأتي بولس بعد هذا ليبطل الختان؟ لقد كان بولس إنسانا مشكوكا فيه من التلاميذ والرسل لولا برنابا الذي تحنن عليه وقدمه لهم لكنهم جميعا كانوا يخافونه.
وكان بولس من الصنف الوصولي الذي يطمع في الوصول إلى القمة حتى إذا ما وصل فإنه يتخلص من كل من خلفه.
لقد أراد بولس أن يخرج بالرسالة من اليهودية إلى الأمم علما بأن المسيح لم يأمر بهذا لأن الرسالة كانت محدودة في بني إسرائيل.
ولما كانت الأمم غير مختتنة فإنه لجأ إلى أول مجمع هاجم فيه الختان وقال إن الختان ختان القلب، كمن يقول للمسلم إنك تستطيع دخول الصلاة بلا وضوء. فهذا إفساد للصلاة إذ قد هدم الأساس التي يجب السير عليها لإقامة الصلاة.
وقد استطاع التأثير على الحاضرين، فنقرأ في سفر أعمال الرسل إصحاح ١٥ عدد ٢٢: " حينئذ رأى الرسل والمشايخ مع كل الكنيسة أن يختاروا رجلين منهم فيرسلوهما إلى أنطاكية مع بولس وبرنابا يهوذا الملقب برسابا وسيلا رجلين
стр. 153
متقدمين في الإخوة. وكتبوا بأيديهم هكذا. الرسل والمشايخ والإخوة يهدون سلاما إلى الإخوة الذين من الأمم في أنطاكية وسورية وكيليكية. إذ قد سمعنا أن أناسا خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختتنوا وتحفظوا الناموس. الذين نحن لم نأمرهم. رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبينا برنابا ويولس، رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح. فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاها. لأنه قد رأى الروح القدس ونحن لا نضع عليكم ثقلا أكثر غير هذه الأشياء الواجبة. أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون. كونوا معافين " (١٥: ٢٢ -٢٩) .
هكذا صار الروح القدس لعبة في أفواههم فقد أمرهم ألا يختتنوا. . بهذا حطم بولس شريعة موسى تحطيما كبيرا. .
وبالنسبة للطلاق نجد شريعة موسى تسمح بالطلاق كما في سفر التثنية، لكن بولس يعمل على إشاعة الفاحشة بين الناس. فإذا كانت امرأة على خلاف مع زوجها فإنه يأمرها بعدم الطلاق. وهكذا وجد فساد في المجتمع حيث تضطر الزوجة إلى سلوك خفي مشين. وأريد أن أسأل الآن:
لماذا رفضت الكنيسة إنجيل برنابا؟ . .
لأن برنابا في إنجيله بين بقوة ووضوح كيف أفسد بولس المسيحية وحولها إلى نصرانية يونانية، ومن عقيدة تؤمن بالتوحيد وهو أن الله واحد أحد، إلى عبادة ابن الله على شاكلة أوزوريس وإيزيس وحورس.
وأكتفي بهذا القدر الآن وأترك الأخ يكمل حديثه.
стр. 154
وقد عاد اللواء أحمد عبد الوهاب ليكمل حديثه قائلًا:
" اعترافات بولس بخطاياه "!
وأخيرا نختتم الحديث عن بولس بنقل اعترافه بخطاياه الجسدية التي عجز عن الفكاك منها والتي جعلته واحدا من سبايا الخطيئة. ولقد أثبت باعترافه هذا - دون أن يدري - أن الزعم بصلب المسيح وقتله، الذي عاش بولس يفلسفه ويدعو له، قد ذهب سدى. فلا زال بولس باعترافه عبدا للخطيئة، وثمنها عنده موته الأبدي. إن بولس يقول:
" فإننا نعلم أن الناموس روحي وأما أنا فجسدي مبيع تحت الخطيئة. لأني لست أعرف ما أنا أفعله إذ لست أفعل ما أريده بل ما أبغضه فأنا أفعل. . فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطيئة ساكنة فيً. فإني أعلم أنه ليس ساكن في أي في جسدي شيء صالح. لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد. لأني لست أفعل الصالح الذي أريده بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل. فإن كنت ما لمست أريده إياه أفعل فلست بعد أفعله أنا بل الخطيئة الساكنة في. إذا أجد الناموس لي حينما أريد أن أفعل الحسنى أن الشر حاضر عندي. فإني أسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن. ولكني أرى ناموسا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. ويحي أنا الإنسان الشقي. من ينقذني من جسد هذا الموت؟ . . " (رومية ٧: ١٤ -٢٤) .
стр. 155
دين المسيح كان التوحيد:
والآن بعد أن انتهينا من دراسة مصادر العقائد المسيحية من أناجيل وأسفار أخرى، ورأينا كيف جاءت هذه لتصير كتبا مقدسة، وماذا قال فيها علماء المسيحية، ثم ماذا حوت من تنبؤات استحال تحقيقها، ومن اختلافات وتناقضات وخاصة في القضايا الرئيسية مثل الصلب والقيامة والظهور، فإن السؤال الذي نختتم به هو: ماذا كانت حقيقة دين المسيح؟
إن المصادر المسيحية الموثوق فيها لا تملك سوى الإقرار بأن دعوة المسيح كانت توحيد الله، ثم ما لبثت أن دخل عليها صنوف من عقائد أهل الشرك حتى إذا ما جاء القرن الرابع الميلادي كانت عقيدة التثليث المسيحي واحدة من نتاج ما يسمى بالمجامع المسيحية المقدسة. إن هذا مجمل ما تذكره دائرة المعارف الأمريكية في قولها:
" لقد بدأت عقيدة التوحيد - كحركة لاهوتية - بداية مبكرة جدا في التاريخ، وفي حقيقة الأمر فإنها تسبق عقيدة التثليث بالكثير من عشرات السنين. لقد اشتقت المسيحية من اليهودية، واليهودية صارمة في عقيدة التوحيد. إن الطريق الذي سار من أورشليم (مجمع تلاميذ المسيح الأوائل) إلى نيقية (حيث تقرر مساواة المسيح بالله في الجوهر والأزلية عام ٣٢٥ م) كان من النادر القول بأنه كان طريقا مستقيما.
إن عقيدة التثليث التي أقرت في القرن الرابع الميلادي لم تعكس بدقة التعليم المسيحي الأول فيما يختص بطبيعة الله. لقد كانت على العكس من ذلك انحرافا عن هذا التعليم. ولهذا فإنها تطورت ضد التوحيد الخالص أو على الأقل يمكن القول بأنها كانت معارضة لما هو ضد التثليث كما أن انتصارها لم يكن كاملًا " (١) .
стр. 156
لقد كانت عقيدة المسيح توحيدا نقيا، ثم بدأ يتسرب إليها من العقائد المختلفة وخاصة العقائد الوثنية في العالم الروماني ما صبغها بالتثليث، فأصبحت المسيحية التقليدية الشائعة هي مسيحية الثالوث.
ولكن لا يزال يوجد إلى اليوم طائفة هامة وقوية من بين الطوائف المسيحية المشهورة هي طائفة " الموحدين "، وقد أصبحت ظاهرة اليوم في الولايات المتحدة. ويتلخص قول الموحدين المسيحيين في: " لا إله إلا الله - المسيح رسول الله " إنسان فقط. وفيما يلي خلاصة مركزة لبعض مبادئ الفكر التوحيدي المسيحي:
١ - إن كنيسة الموحدين تعتبر الكتاب المقدس تسجيلًا قيما للخبرات الإنسانية وهي تصر على أن كاتبيه كانوا معرضين للخطأ. ولهذا السبب فإن أغلب الأجزاء الرئيسية للمعتقدات المسيحية قد رفضت.
٢ - إن الثلاثة أقانيم تتطلب ثلاثة جواهر وبالتالي ثلاثة آلهة. . إن الأسفار لم تعط أي مستند للاعتقاد في التثليث. إن نظام الكون يتطلب مصدرا واحدا للشرح والتعليل لا ثلاثة. لذلك فإن عقيدة التثليث تفتقد أي قيمة دينية أو علمية.
٣ - لقد قدمت اعتراضات قوية ضد عقيدة لاهوت يسوع المسيح. إن الكتاب المقدس لم يقل بذلك، كما أن يسوع فكر في نفسه كزعيم ديني هو المسيا وليس كإله.
وبالمثل اعتقد التلاميذ أن يسوع مجرد إنسان، إذ لو كان عند أي من بطرس أو يهوذا أية فكرة على أن يسوع إله لما كان هناك تفسير معقول لإنكار بطرس ليسوع وما كان هناك تبرير لخيانة يهوذا. إن الإنسان لا يمكن أن ينكر أو يخون كائنا إلهيا له كل القوى.
стр. 157
٤ - إن الحقيقة المزعومة عن أن يسوع مات من أجل خطايانا وبهذا وقانا لعنة الله إنما هي مرفوضة قطعا. إن الاعتقاد في أن موت يسوع كان له هذه النتيجة إنما يعني الطعن في أخلاق الله.
إن الله يجب ألا يعرف عن طريق اللعنة بل عن طريق الحلم والحكمة والمحبة. .
إن الموت الدموي على الصليب من أجل إطفاء لعنة الإله لهو أمر مناقض للحلم الإلهي والصبر والود والمحبة التي لا نهاية لها.
٥ - إن الموحدين ينظرون إلى يسوع باعتباره واحدا من قادة الأخلاق الفاضلة للبشر.
إنه لو كان إلها فإن المثل الذي ضربه لنا بعيشته الفاضلة يفقد كل ذرة من القيمة. حيث إنه يمتلك قوى لا نملكها. إن الإنسان لا يستطيع تقليد الإله " (١) .
كلمة إلى المبشرين:
وقبل أن أختتم هذا الحديث لا بد لي من كلمة أوجهها إلى المبشرين - وخاصة الأجانب - الذين يعملون في البلاد الإسلامية:
" أيها المبشرون. . . ارفعوا أيديكم عن المسلمين. . أولى بكم أن تحملوا أمتعتكم وصحائفكم وتعودوا بها إلى بلادكم فلم تعد مثل بضاعتكم هذه صالحة للترويج والبيع بين المسلمين. . إنكم تعلمون أكثر من غيركم ما آلت إليه المسيحية عقيدة وأخلاقا بل ومظهرا. . فلم يعد يبقى منها - تقريبا - سوى اسمها.
стр. 158
فالأولى بمن تصدع بيته أن يقيم بناءه أولا ويصلح ما فسد منه قبل أن يخرج إلى العالم يدعوه - كما تزعمون - إلى الخلاص والإيمان. .
أولى بكم أن تتفقوا على عقيدة مسيحية واحدة تقوم على الإيمان بالإله الواحد الأحد الذي كان آخر وحي أنزل إلى موسى قوله: " حي أنا إلى الأبد " (تثنية ٣٢: ٤٠) ، ولقد ألزمكم المسيح بعقيدة موسى كما التزم هو بها وسجل ذلك كتبة الأناجيل. . وما من سبيل لإزالة الشقاق بين فرقكم وشيعكم المختلفة إلا هذا:
الإيمان بالإله الواحد الحي الذي لا يموت، ثم الكف عن الخلط بين الله وبين المسيح كما قال بعض علماؤكم وجاء ذكره في أول هذا الحديث. . عندئذ - فقط - يمكن القول بأن المسيحية عقيدة تؤمن بالله الواحد. . أما وإن الحال على ما أنتم عليه حيث:
" يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا " على مر السنين والأيام فإن عملكم بين المسلمين لردهم عن عبادة الله الواحد الأحد ودعوتهم إلى الأقاليم التي اقتحمت مسيحية المسيح الحقة الفاضلة بعد أن تسللت إليها أقنوما أقنوما عبر تلك المجامع المختلفة والمتعاقبة، فإن هذا الوضع يذكرني بقول المسيح في الإنجيل:
" ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون لأنكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلا واحدا ومتى حصل تصنعونه ابنا لجهنم أكثر منكم مضاعفا. . ".
وإن دعوتكم المسلمين إلى المسيحية لتذكرني بموقف الملأ من قوم فرعون وذلك المؤمن بينهم الذي كان يكتم إيمانه. فلقد أخرسهم بحجته القوية قائلًا:
стр. 159
﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ (١) .
أيها المبشرون: لقد انكشفت خططكم لتنصير المسلمين وافتضحت أساليبكم للعمل بينهم، وإذا كان رق الجسد شيئا بغيضا فإن رق الروح لأشد بغضا وأكبر مقتا. إنكم تمارسون رق الروح حين تقدمون مساعدتكم المادية لفقراء المسلمين - متمثلة في حفنة من الأرز كما تفعلون في أندونيسيا - وذلك بشرط قبولهم للمسيحية التي تفرضونها عليهم. . سبحان الله. . لقد قتلتم بهذا أول حقوق الإنسان إذ حرمتموه حرية الاختيار. . .
وأي رق أفظع من هذا؟
ولقد بلغ الهوس ببعضكم أن قال منذ أكثر من ٧٠ عاما - حين كان الاستعمار القديم جاثما على صدر العالم الإسلامي كله - إن الواجب على الهيئات التبشيرية أن تنتهي من تنصير المسلمين في مدى ٢٥ عاما. . .
والحمد لله لقد انقضت نحو ثلاثة أمثال تلك المدة ولقي الإسلام قولا صامدا. بل إن السنوات الأخيرة قد شهدت - بفضل الله وحده - تحول الكثير من الأوروبيين والأمريكيين إلى الإسلام بسهولة وعن اقتناع ورضى وذلك بعد أن احتكوا بالعالم الإسلامي وعرفوا شيئا عن ذلك الدين الذي حرصتم دائما على تشويهه بكل ما أوتيتم من قوة. . .
стр. 160
نعم. . لقد كان همكم - كما قال برنارد شو - هو تدريب المسيحيين على كراهية محمد والقرآن والإسلام.
ولقد انتهزتهم كل خطأ أو تصرف أحمق يصدر عن بعض من في العالم الإسلامي سواء كانوا أفرادا أو جماعات، لتقولوا هذا هو الإسلام. . رغم أنكم أول من يعلم كذب هذا القول، لأن الإسلام شيء والمسلمين وسلوكهم وما هم عليه من ضعف الآن شيء آخر بعيد عن الإسلام.
إنكم تعلمون يقينا أن هناك حضارة إسلامية قامت على نصوص القرآن وتعاليم النبي وروح الإسلام التي تدعو إلى العلم وتحرير الفكر والنظر في الكون، فانتشرت المدارس وحلقات العلم ونبغ العلماء في شتى فروعه مثل: الطب والفلك والرياضيات والطبيعيات والكيمياء والصيدلة. ولا يزال إدخال الصفر في الحساب واكتشاف خاصية اللوغاريتم - الذي لا يزال اسمه يشير إلى مصدره الإسلامي وهو الخوارزمي - من أعظم الإنجازات في عالم الرياضيات، كما اعترف بذلك أولو الفضل والعلم من الأوروبيين والأمريكيين.
هذا، على حين أن الحضارة الغربية الحديثة لم تقم لها قائمة إلا بعد أن تحررت من سلطان الكنيسة - التي أحرقت العلماء ومنهم برونو لا لشيء إلا لأنه قال إن الأرض كروية - ثم أخذت علوم المسلمين واهتدت بأساليبهم في البحث والتجريب ومن ثم كانت هذه النهضة الأوروبية الحديثة. ولا أريد أن أذكركم أنه بينما كانت الحضارة الإسلامية تتألق في عصر هارون الرشيد كان معاصره شارلمان - سيد أوروبا - مشغولا بتنصير الوثنيين الأوروبيين بحد السيف. ويكفي أن أذكر ما تقوله وثائقكم التبشيرية من أنه قتل في يوم واحد ٤٥٠٠ وثنيا رفضوا التعميد والتحول للنصرانية، وكانت المعاهدات بينه وبينهم تقضي بالتنصير وإلا فالقتل هو البديل.
стр. 161
ويعد شارلمان سحبت الكنيسة بعضا من طوائف الفرسان الصليبية من فلسطين - أيام الحروب الصليبية - ليساعدوا في تنصير شعوب بحر البلطيق بحد السيف، ولقد استمروا في العمل هناك طيلة ٥٠ عاما نظير ثمن حددته الكنيسة وهو الاستيلاء على أراضي أولئك الوثنيين ثمنا لإعطائهم المسيحية. . .
هذا، بل إن أساسيات العلوم الذرية الحديثة قد جاءتكم من العالم الإسلامي. . أما قرأتم قول جون أونيل في كتابه " الذرة الجبارة " الذي أصدره عام ١٩٤٥ م، وجاء فيه: " إن إحدى النقط المتلألأة في القرون الوسطى تأتي من العالم الإسلامي حيث نجد ما سطره قلم علي أبو الحسن - صهر محمد - الذي كتب يقول: إذا فلقت الذرة - أي ذرة - تجد في قلبها شمسا. إن هذا يدل على أن بصيرته الصافية قد استطاعت أن تلمح حقيقة النظام الشمسي الحديث في الذرة ".
وجدير بالذكر أن عليَا بن أبي طالب قرر أن كل ما عنده من علم فهو " علم علمه الله نبيه ﷺ فعلمنيه ودعا لي بأن يعيه صدري وتنضم عليه جوانحي ".
لقد كانت فكرة النظام الشخصي في الذرة متأصلة في التراث الإسلامي فها هو فريد الدين العطار يقول بعد خمسة قرون من مقالة علي هذه: " الذرة فيها الشمس. . وإن شققت ذرة وجدت فيها عالما. وكل ذرات العالم في عمل لا تعطيل فيه ".
لقد قامت النظرية الذرية الحديثة وما ترتب عليها من تطبيقات في مجال الحرب والسلم على السواء، على أساس أن الذرة نظام شمسي -. فمتى عرفت أوروبا هذه النظرية؟
يلخص العالم الطبيعي هيزنبرج الإجابة على هذا السؤال بقوله:
" ظلت الذرة كما كان يؤمن بها ديمقراط ذات حجم ذرات الغبار المتراقصة
стр. 162
في حزمة ضوئية أو أقل بكثير، وبالتالي كانت المعلومات عن شكل الذرات والقوى التي تعمل بينها قليلة. إن ما عرف عن تركيب الذرة كان قليلًا أو معدوما أما شكلها فلم يكن التساؤل عنه أمرا ممكنا وقد ادخر حل هذه المسألة للقرن العشرين ".
" ويعتبر رذر فورد هو الذي اتخذ هذه الخطوة الهامة التي أدت إلى تركيب أول نموذج للذرة عام ١٩١١ م، وهو أن الذرة تتركب من نواة ذات شحنة موجبة وتدور حولها إلكترونات على مسافات بعيدة نسبيا عنها، وأن عدد الإلكترونات يساوي عدد الشحنات الأولية الموجبة التي على النواة إذ أن الذرة متعادلة كهربيا في تركيبها ".
إن الذرة بذلك نظام شمسي حيث تماثل نواتها الشمس بينما تماثل الإلكترونات السابحة حول النواة تلك الكواكب السيارة التي تسبح حول الشمس. . ولقد ذكر العالم الألماني أوتوهان صاحب انفلاق نواة اليورانيوم قوله: " بالتأكيد فإن بعض الكتاب قد فكروا في هذه المسألة من قبل. . كما أن أجزاء من الحقيقة بالنسبة للنظرية الذرية الحديثة - قد ذكرت هنا أو هناك ".
ولما كان قدامى الإغريق الذين تحدثوا في الذرة لم يدروا شيئا عن فكرة النظام الشمسي فيها، لم ببق إلا التسليم بأن مصدر تلك النظرية هو التراث الإسلامي.
أما بعد فإن خير ما أذكر به أولئكم الذين جعلوا كل همهم تخريب عقيدة المسلمين وإخراجهم من نور التوحيد إلى متاهات التعدد والشرك هو ما يقوله القرآن الكريم فيهم وفي أمثالهم:
стр. 163
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١) .
وأقولها ثانية: أيها المبشرون ارفعوا أيديكم عن المسلمين، ومن كان بيته من زجاج فلا يقذف الناس بالحجارة وإلا تحققت فيه نبوءة أشعياء التي ذكرها المسيح في الإنجيل:
" تسمعون سمعا ولاتفهمون ومبصرين تبصرون ولا تنظرون. لأن قلب هذا الشعب قد غلظ وآذانهم قد ثقل سماعها وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم ".
وأخيرا نختم الحديث بخير الكلام فأقول: -
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) .
стр. 164
الجلسة الرابعة
تقديم للدكتور محمد جميل غازي
الرد على الأسئلة.
١ - هل المسيح إله أم إنسان
معنى قدوس.
تحليل كلمة ابن الله.
٢ - هل المسيح من جوهر الله أم من تراب
المسيح نبي الله.
المسيح رسول.
المسيح يدعو إلى التوحيد.
٣ - هل الروح القدس إله أم ملك
الروح القدس ملك.
٤ - هل الروح القدس من جوهر الله أم مخلوق من نور
٥ - متى دخلت الأقانيم في أحوال العقيدة المسيحية
تأييد المسيح بالمعجزات.
مواجهة المسيح للرؤساء وتصحيح المفاهيم.
٦ - تعقيب الدكتور محمد جميل غازي
تحليل قانون الإيمان الكنيسي.
يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ
مُسْتَقِيمٌ﴾ (١) .
ويقول الله بدءً من الآية الثامنة والثمانون من السورة نفسها " سورة مريم " ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (٢) .
وقبل أن أقدم إليكم الأستاذ العلامة الجليل الشيخ إبراهيم خليل أحمد أود أن أقدم بمقدمة قصيرة عن السر أو المعجزة التي أذاعها رسول اللُه ﷺ وهي واحدة من معجزاته التي لا يحصيها العد ولا يحيط بها الإحصاء. لما قال النبي ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا بشر فقولوا عبد الله ورسوله» (٣) ، فالرسول ﷺ بهذا يشير إلى حقيقة الحقائق وإلى أساس الضلالات حينما يغالي الناس في الحب أحيانا وحينما يغالي الناس في الكراهية أحيانا، فقد ينظرون إلى شخص واحد فيرفعه بعضهم إلى إله ويهوي به البعض الآخر إلى شيطان رجيم والمثل هو عيسى بن مريم ﵇. فعيسى بن مريم نظر إليه قومه فمنهم من أحبه وأسرف في حبه فبالغوا وغالوا وجعلوا منه إلها. والله يقول لهؤلاء في الآية الحادية والسبعين بعد المائة من سورة النساء ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 167
وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ
وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (١) .
كذلك يقول الله في الآية السابعة والسبعين من سورة المائدة ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ . (٢) .
فهؤلاء قد غالوا في المسيح ﵇ ورفعوه إلى مرتبة الألوهية " أجاب توما وقال له ربي وإلهي " (يوحنا ٢٠: ٢٨) .
وفي الوقت ذاته نجد أقواما آخرين اتهموه بأنه شيطان. هؤلاء هم اليهود.
أما الفريسيون فلما سمعوا قالوا هذا لا يخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين. فعلم يسوع أفكارهم وقال لهم كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب، وكل مدينة أو بيت منقسم على ذاته لا يثبت، فإن كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته " (متى ١٢: ٢٤ -٢٦) .
ثم نجد النظرة الإسلامية وهي نظرة وسط تقرر الحق والحقيقة فحينما نشير إلى عيسى ﵇ فإنه ينبغي لنا أن نضع في ذاكرتنا أن عيسى ليس وحده الشخص التاريخي الذي غالى فيه الناس علوا وهبوطا. فكثير من الشخصيات التاريخية غالى فيها الناس فبعضهم ارتفع بها إلى ما فوق مستوى البشرية وبعضهم هبط بها إلى الحضيض.
فعلي بن أبي طالب ﵁ غالى فيه البعض حتى ادعوا أنه إله وسجدوا له فحرقهم ﵁ بالنار. كما أن هناك جمهرة من الناس
стр. 168
كفروه ولعنوه وخرجوا عليه. والحق والحقيقة في علي غير ذلك. وليس الأشخاص الدينيون فقط هم الذين يقف منهم الناس هذا الموقف، فعيسى رجل دين وعلي أيضا كذلك. ولكن في رجال الدنيا نجد أيضا من يرتفع بهم إلى ما فوق مستوى البشرية أحيانا. والباب هو باب المدح المبالغ فيه، المدح المذموم حيث نرى الشعراء المداحين ومن على شاكلتهم وهم يتحدثون عن الطغاة وعن الأقزام فيمجدونهم ويحولونهم إلى عمالقة وإلى آلهة. فنسمع عن واحد من هؤلاء الغلاة يقول لأحد الملوك الظلمة:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار
وهذا شاعر آخر يقول:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق
لم يكن هذا في العصر القديم وحده وإنما هذا في العصور الحديثة أيضا، الناس يبالغون في تمجيد الطغاة والظلمة حتى يرفعونهم فوق مستوى البشر. ولعلنا نذكر أن بعض الصحف كتبت عن أحد الحكام تقول: إنه فوق مستوى البشر. بل إن واحدا من الشعراء قال قصيدة في نعيه كان في أولها:
قتلناك يا آخر الأنبياء ...
بينما نجد جماهير كثيرة تلعنه وتمقته.
إذن مصيبة المصائب هي المبالغة في المدح ومصيبة المصائب هي المبالغة في الذم.
ولهذا حذرنا رسول الله ﷺ أن نبالغ في مدحه فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم» فإنهم دخلوا في الشرك والكفر من باب إطراء عيسى ﵇ إلى حد الغلو والمغالاة فزعموا أنه النور الأول الذي
стр. 169
انبثق من ذات الله وصاروا يبالغون في هذه النظرية حتى وصلوا إلى القول ببنوته لله وأنه الله إلى آخر الخلافات العقائدية التي تَمخضت عنها مجامعهم الكنسية من أول مجمع نيقية عام ٣٢٥ م، إلى ما تلاه من مجامع.
إن الحديث عن الإطراء يطول ولكننا نريد أن نوصي المسلمين بأن يحذروا المبالغة في الإطراء حتى لا يدخل عليهم الشر الذي دخل على الأمم قبلهم. ولقد ندد رسول الله ﷺ باليهود والنصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ففي آخر وصاياه ﷺ كما تقول أمنا المبرأة عائشة ﵂: لما نزل برسول الله ﷺ (أي مرض الموت) طفق يطرح خميصة على وجهه حتى إذا اغتم بها كشفها وقال: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . يحذر مثل ما صنعوا (١) . وتقول أم حبيبة تحكي لرسول الله ﷺ ما رأته في الحبشة من الكنائس وما فيها من صور وقبور فقال لها: «أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح أقاموا على قبره مسجدا، أولئك شرار الخلق عند الله» (٢) .
فليحذر المسلمون أن يبالغوا في إسراء رسول الله ﷺ فإن الشر يأتي من باب الإسراف في الإطراء.
والآن أترككم مع الأستاذ العلامة إبراهيم خليل أحمد يطوف بنا حول موضوعات تتصل بالأقانيم الثلاثة - والبنوة كما جاءت في كتبهم - ثم كيف تطرق الثالوث إلى العقيدة المسيحية ثم يحدثنا إن اتسع الوقت عن المجامع
стр. 170
المقدسة وكيف أن العقيدة المسيحية قد تطورت عبر المجامع، وأرجو الله أن يكون حديثه موفقا ومملوءً بالعلم والحكمة.
стр. 171
[مولد المسيح وحكمة الله في مولده]
ولادة المسيح:
نجد إنجيل (متى ١: ١٨) يقول: (أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس ". كذلك في إنجيل (لوقا ١: ٢٨) وهو يتحدث عن كيفية دخول الملاك جبريل إلى مريم العذراء فيقول: " فدخل إليها الملاك وقال سلام لك أيتها المنعم عليها. الرب معك مباركة أنت في النساء " ثم يبشرها بعيسى " فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلًا. فأجاب الملاك وقال لها. الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك " (لوقا ١: ٣٤ - ٣٥) . وحين يقول قائل إن المسيح ولد بقوة الروح القدس وإن هذا قد يعطيه ميزة عن سائر البشر. وهنا نقول إنها ليست ميزة تدعو إلى التفكير ولو
стр. 172
للحظة واحدة بأن المسيح من غير طينة البشر. فها هو زميله وقيربه يوحنا المعمدان قد ولد بقوة الروح القدس ونجد نفس الملاك جبرائيل قد قال لأبيه زكريا وهو في الهيكل كما جاء في إنجيل (لوقا ١: ١٣) - " فقال له الملاك لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت وامرأتك اليصابات ستلد لك ابنا وتسميه يوحنا ويكون لك فرح وابتهاج وكثيرون سيفرحون بولادته لأنه يكون عظيما أمام الرب وخمرا ومسكرا لا يشرب. ومن بطن
أمه يمتلئ من الروح القدس ". وبعد ذلك امتلأ زكريا نفسه من الروح القدس كما يقول إنجيل (لوقا ١: ٦٧) " وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس وتنبأ قائلا مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وضع فداء لشعبه ".
فها هو الروح القدس الذي كان مع زكريا وابنه يوحنا هو ذاته الذي كان مع المسيح. إذ يقول إنجيل (لوقا ١: ٢٦) (وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة. إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف واسم العذراء مريم ".
من هذا يتبين أن الروح القدس هو ملاك من ملائكة الله . كذلك يقول إنجيل (لوقا ٢: ٦ -٧) " وبينما هما هناك تمت أيامها لتلد. فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته في المذود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل ". وحسب شريعة موسى نجد أن الطفل الذي ولدته العذراء قد ختن وأن أمه تطهرت وقدمت ذبيحة للرب، إذ يقول إنجيل (لوقا ٢: ٢١ - ٢٤) " ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع كما تسمى من الملاك قبل أن حبل به في البطن. ولما تمت أيام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به إلى أورشليم ليقدموه للرب كما هو مكتوب في ناموس الرب أن كل ذكر فاتح رحم يدعى قدوسا للرب. ولكي يقدموا ذبيحة كما قيل في ناموس الرب زوج يمام أو فرخي حمام ".
стр. 173
ويجب التنبيه إلى نقطة هامة وهي أن مفهوم القدوس في اليهودية والمسيحية يختلف عن مفهومه في الإسلام. ذلك أن كلمة قدس التي هي " قاداش " بالعبرية تعني " فرز " أو " تجنيب ". أما المفهوم الإسلامي " للتقديس " فهو " التنزيه والتمجيد ". لذلك نجد في سفر الشريعة الموسوية يقول الله لموسى ﵇: " قدس لي كل بكر فاتح رحم من بني إسرائيل من الناس ومن البهائم إنه لي " (خروج ١٣: ٢) . أي أفرز الأبكار.
فكلمة قدوس لهذا المولود تعني فرز الابن البكر الذي هو أول من فتح رحم الأم. من هذا يتبين أن المسيح كان مولودا عاديا جاز عليه ما جاز على غيره من البشر، وأنه وأمه خضعا تماما لناموس موسى. بعد ذلك نؤكد أن المسيح جاء من جوهر الإنسان فقد ولد من مريم العذراء التي كانت واحدة من بنات آدم الذي خلق من التراب والمعجزة هنا أن الله سبحانه قادر أن يعطي المرأة العاقر كما أنه يعطي المرأة العذراء. إذ قال سبحانه ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) . .
إن الله عندما خلق آدم فقد كان ذلك معجزة وبالمثل عندما خلق امرأته من جسمه: أليست هذه معجزة؟ إن لوقا يحدد الموقف فهو يربط بين مولد يوحنا المعمدان وبين مولد المسيح ﵇. فعندما تتعجب مريم العذراء لأنها ستحمل وتلد وهي لا تعرف رجلا يقول لها الملاك كما في إنجيل (لوقا ١: ٣٤ -٣٧) : " فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلًا. فأجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله. وهو ذا اليصابات نسيبتك هي أيضا حبلى بابن في شيخوختها وهذا هو الشهر السادس لتلك
стр. 174
المدعوة عاقرا. لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله ". وفي القرآن الكريم نجده يقول ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) . .
[ابن الله تحليل وتحقيق]
ابن الله:
ونريد أن نعرف معنى قوله في الإنجيل " يدعى ابن الله " فنجد إنجيل (متى ٥: ٨ -٩) يقول: " طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله. طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون " فكل من يعمل الخير ويسعى من أجل السلام يعتبر بحسب لغة الإنجيل ابن الله، وهي بنوة مجازية وليست بنوة حقيقية مثل قول الناس: هذا ابن السودان أو ابن الخرطوم. فكل هذه التعبيرات مجازية ومعروفة في اللغات المختلفة. كذلك نجد في (سفر التكوين ١: ٢٧) وهو يتحدث عن خلق الإنسان: " فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرا وأنثى خلقهم ". لكن القرآن الكريم يقول ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٢) . .
فالتعبير القرآني هنا أجمل وأدق ولا شك من تعبير التوراة، فالله ليس له صورة لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . كذلك يقول الرب لموسى في التوراة في (سفر الخروج ٤: ٢٢) " تقول لفرعون هكذا يقول الرب. إسرائيل ابني البكر ". ونجد في (سفر هوشع ١١: ١) " ولما كان إسرائيل غلاما أحببته ومن مصر دعوت ابني ". وكذلك في (سفر أخبار الأيام الأول ٢٨: ٦) " وقال لي إن سليمان ابنك هو يبني بيتي ودياري لأني اخترته لي ابنا وأنا أكون له أبا ". ولم يوجد من يقول بأن سليمان كان إلها أو إنه ابن الله. هذا فضلا إلى تعريف ابن الله حسب وروده في إنجيل (يوحنا ١: ١٢) " وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون
стр. 175
باسمه " ثم يقول (يوحنا في رسالته الأولى ٣: ١) " انظروا أية نصيحة أعطانا الأب حتى ندعى أولاد الله " فابن الله تعني عبد الرحمن كما جاء في قوله تعالى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ . . . (١) . .
ونجد في وقت معمودية المسيح - والمعمودية تعني اعتراف الإنسان بخطاياه ثم يأتي إلى يحيا بن زكريا كما يروي (لوقا في إنجيله ٣: ٣) أنه كان " يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا " ليغتسل في ماء الأردن كرمز للطهارة -يقول إنجيل (متى ٣: ١٦، ١٧) : " فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء. وإذ السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه ". " وصوت من السماء قائلًا هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت " ولا شك أن الله منزه عن الخطايا وعن الحاجة إلى التعميد والتطهير.
ونجد كذلك في (سفر التكوين ٦: ٢) : " أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا ". وهذا يعني أن كل أبناء آدم هم أبناء الله ولا يمكن أن يكون أبناء آدم آلهة. كذلك يقول (لوقا في إنجيله إصحاح ٣ عدد ٣٨) بعد أن ذكر سلسلة نسب يوسف رجل مريم ما نصه: ". . . بن شيت بن آدم ابن الله ". ونلاحظ أنه لما كان شيت ابنا لآدم بنوة حقيقية فقد كتبت بدون حرف (أ) أما باعتبار أن آدم ابنا لله بنوة مجازية فقد كتبت هذه بالحرف (أ) ولا يمكن أن يكون آدم إلها.
المَسِيح نبي الله
ونعود الآن لنرى المسيح نبي الله كما تتحدث عنه الأناجيل فنجد في أناجيل (متى ١٣: ٥٤ -٥٨) وكذلك (مرقس ولوقا) : " ولما جاء إلى وطنه
стр. 176
كان يعلمهم في مجمعهم حتى بهتوا وقالوا: من أين لهذا هذه الحكمة والقوات؟ أليس ابن النجار؟ أليست أمه تدعى مريم وإخوته يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا؟ أو ليست أخواته جميعهن عندنا فمن أين لهذا هذه كلها؟ فكانوا يعثرون به. وأما يسوع فقال لهم: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم ". وكذلك يقول إنجيل (مرقس ٦: هـ) في هذا المقام: " ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة ". لقد عجز المسيح هنا عن صنع المعجزات.
فلو كان المسيح إلها أو ابن الله لكان قادرا على صنع المعجزات بصرف النظر عن سوء استقبالهم له وتأثره نفسيا بذلك. ويقول (متى في إنجيله إصحاح ٢١ عددي ١٠، ١١) : " ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة: من هذا؟ فقالت الجموع هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل ". فهذه هي شهادة الشهود الذين عاينوه ورأوا معجزاته ولم يقل واحد منهم إنه إله أو ابن الله. ونجد في إنجيل (لوقا ٧: ١١ - ١٦) : " وفي اليوم التالي ذهب إلى مدينة تدعى نايين وذهب معه كثيرون من تلاميذه وجمع كثير، فلما اقترب إلى باب المدينة إذا ميت محمول ابن وحيد لأمه وهي أرملة ومعها جمع كثير من المدينة.
فلما رآها الرب تحنن عليها وقال لها لا تبكي. ثم تقدم ولمس النعش فوقف الحاملون.
فقال أيها الشاب لك أقول قم. فجلس الميت وابتدأ يتكلم فدفعه إلى أمه. فأخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه ". لقد أقام المسيح ميتا بعد أن صلى إلى الله ليمنحه القوة والتأييد. وبعد أن صنع هذه المعجزة العظيمة بإحياء ذلك الميت نجد شهود
стр. 177
هذه الحادثة الكبيرة لم يفقدوا صوابهم ويقولون عنه إنه إله أو ابن الله وإنما قالوا: " قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه ". (لوقا ٧: ١٦) .
إحياء الموتى
لم تكن هذه أول مرة يرى فيها اليهود نبيا يحيي ميتا فقد سبق أن أقام كل من إيليا واليشع ميتا، بل إن عظام اليشع في قبره - بعد أن مس جسده عظام اليشع، وكذلك أقام حزقيال جيشا من الموتى كما هو ثابت في أسفار العهد القديم: ففي (سفر الملوك الأول ١٧: ١٧ - ٢٤) الذي يقول: " وبعد هذه الأمور مرض ابن المرأة صاحبة البيت واشتد مرضه جدا حتى لم تبق فيه نسمة فقالت لإيليا ما لي ولك يا رجل الله. هل جئت إليَّ لتذكير إثمي وإماتة ابني. فقال لها أعطيني ابنك. وأخذه من حضنها وصعد به إلى العلية التي كان مقيما بها وأضجعه على سريره وصرخ إلى الرب وقال: أيها الرب إلهي أيضا إلى الأرملة التي أنا نازل عندها قد أسأت بإماتتك ابنها. فتمدد على الولد ثلاث مرات وصرخ إلى الرب وقال: يا رب إلهي لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه، فسمع الرب لصوت إيليا فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش، فأخذ إيليا الولد ونزل به من العلية إلى البيت ودفعه لأمه، وقال إيليا انظري ابنك حي، فقالت المرأة لإيليا هذا الوقت علمت أنك رجل الله وأن كلام الرب في فمك حق ".
وكذلك في (سفر الملوك الثاني ٤: ٣٢ -٣٧) : " ودخل اليشع البيت وإذا بالصبي ميت ومضطجع على سريره. فدخل وأغلق الباب على نفسيهما كليهما وصلى إلى الرب. ثم صعد واضطجع فوق الصبي ووضع فمه على فمه وعينيه على عينيه ويديه على يديه وتمدد عليه فسخن جسد الولد. ثم عاد وتمشى في البيت تارة إلى هناك وصعد وتمدد عليه فعطس الصبي سبع مرات
стр. 178
ثم فتح الصبي عينيه. فدعا جيحزي وقال ادع هذه الشونمية فدعاها ولما دخلت إليه قال احملي ابنك. فأتت وسقطت على رجليه وسجدت إلى الأرض ثم حملت ابنها وخرجت ".
وأكثر من هذا ما فعلته عظام اليشع بعد موته إذ يقول (سفر الملوك الثاني ١٣: ٢٠ - ٢١) : " مات اليشع فدفنوه. وكل من غزاة موآب تدخل على الأرض عند دخول السنة. وفيما كانوا يدفنون رجلًا إذا بهم قد رأوا الغزاة فطرحوا الرجل في قبر اليشع فلما نزل الرجل ومس عظام اليشع عاش وقام على رجليه ".
ونذكر كذلك معجزة حزقيال كما هو مكتوب في سفره (إصحاح ٣٧ عدد ١ - ١٠) : " كانت على يد الرب فأخرجني بروح الرب وأنزلني في وسط البقعة وهي ملآنة عظاما، وأمرني عليها من حولها وإذا هي كثيرة جدا على وجه البقعة وإذا هي يابسة جدا. فقال لي يا ابن آدم أتحيا هذه العظام فقلت يا سيد الرب أنت تعلم فقال لي: تنبأ على هذه العظام وقل لها: أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب. هكذا قال السيد الرب لهذه العظام وقل لها. هأنذا أدخل فيكم روحا فتحيون، وأضع عليكم عصبا وأكسيكم لحما وأبسط عليكم جلدا وأجعل فيكم روحا فتحيون وتعلمون أني أنا الرب، فتنبأت كما أمرت وبينما أنا أتنبأ كان صوت وإذا رعش فتقاربت العظام. . . فدخل فيهم الروح فحيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدا جدا ".
بعد ذلك نجد أن معاصري المسيح الذين آمنوا به كانوا يؤمنون أنه نبي الله ولا شيء أكثر من هذا. فها هو إنجيل (لوقا ٢٤: ١٩) : " فقال لهما وما هي. فقالا المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنسانا نبيا مقتدرا في الفعل أمام الله وجميع الشعب ". وكذلك يقول إنجيل (يوحنا ٦: ١٤) : " فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: إن هذا لحقيقة النبي الآتي إلى العالم ".
стр. 179
المسيح رسول الله
وننتقل الآن للحديث عن المسيح رسول الله. فنجد في إنجيل (يوحنا ١٣: ١٦) : " الحق الحق أقول لكم إنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله ". وكذلك في إنجيل (يوحنا ٨: ٣٧ - ٤٠) : " أنا عالم أنكم ذرية إبراهيم لكنكم تطلبون أن تقتلوني لأن كلامي لا موضع له فيكم. . أجابوا وقالوا له أبونا هو إبراهيم. فقال لهم يسوع لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم، ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله ". وكذلك نجد في إنجيل (يوحنا ٨: ٤٤ - ٤٥) يدمغ المسيح اليهود بالأبالسة قائلًا: " أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا. ذاك كان قتالا للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه كذاب وأبو الكذاب ".
الأبوة والنبوة في الإنجيل
من هنا نفهم قول المسيح لتلاميذه وهو يعلمهم الصلاة ليقولوا: " أبانا الذي في السموات " ولما جاء ليندد باليهود نسب أبوتهم إلى إبليس لأنهم كانوا ذرية إبراهيم حسب الجسد إلا أنهم بسلوكهم وأفكارهم الشريرة كل هذا جعلهم كأبناء لإبليس لكن المؤمنين الذين آمنوا بالله الواحد الأحد وبالمسيح إنسانا ورسولا ونبيا فهؤلاء نسبهم الإنجيل كأنهم أبناء الله وكل حديث في الكتاب المقدس عن هذا النوع من البنوة إنما هي بنوة مجازية ولا يمكن أن تكون حقيقة على الإطلاق.
كذلك نجد في إنجيل (يوحنا ٧: ١٦ -١٨) : " أجابهم يسوع وقال تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي. من يتكلم من نفسه يطلب مجد
стр. 180
نفسه. وأما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم ". وفي إنجيل (يوحنا ١٧: ٤٤) : " الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني ". يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم ". وفي إنجيل (يوحنا ١٧: ٤٤) : " الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني ".
وفي معجزة إقامة الميت التي يذكرها إنجيل (يوحنا ١١: ٣٨ - ٤٤) : " فانزعج يسوع أيضا في نفسه وجاء إلى القبر. وكان مغارة وقد وضع عليه حجر. قال يسوع ارفعوا الحجر. قالت له مرثا أخت الميت: يا سيد قد أنتن لأن له أربعة أيام. قال لها يسوع ألم أقل لك إن آمنت ترين مجد الله، فرفعوا الحجر حيث كان الميت موضوعا ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال أيها الآب أشكرك لأنك سمعت لي وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي. ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت، ليؤمنوا أنك أرسلتني. ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم لعازر: هلمّ خارجا. فخرج الميت ". لقد كان المسيح دائما يصلى ويضرع إلى الله قبل أن تجرى المعجزة على يديه. هذا ولقد كانوا ينادون المسيح بالمعلم لأن المعلم هو الإنسان الذي يحيطه التلاميذ. فعندما ظهر المسيح اتخذ لنفسه اثنا عشر تلميذا ونجد في إنجيل (متى ٨: ٢٣ - ٢٦) : " ولما دخل السفينة تبعه تلاميذه. وإذا اضطراب عظيم قد حدث في البحر حتى غطت الأمواج السفينة. وكان هو نائما فتقدم تلاميذه وأيقَظوه قائلين: يا سيد نجنا فإننا نهلك. فقال لهم ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان. ثم قام وانتهر الرياح والبحر فصار هدوء عظيم
. كيف ينام الإله ويغفل عن الكون؟ . لقد كان المسيح بشرا يجرى عليه ما يجرى على سائر البشر من نوم ويقظة وتعب وراحة وخوف وطمأنينة لكن الله كما يقول القرآن بحقه ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (١) .