هذا هو جسدي المكسور لأجلكم اصنعوا هذا لذكري. . ". (١ كو ١١: ٢٣-٢٥) رسم العشاء الرباني. رسم المعمودية / بدأت بداية صحيحة: " وأمر (بطرس) أن يعتمدوا باسم الرب " (أعمال الرسل ١٠: ٤٨) وانتهت بالتثليث: " وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس ". (متى ٢٨: ١٩) . رسم المعمودية. تقديس يوم الأحد: " وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع ". (متى ٢٨: ١) مع أن الوصية الرابعة تقرر تقديس يوم السبت إذ تقول: " اذكر يوم السبت لتقدسه. . " (خروج ٢٠: ٨-١١) . تقديس يوم الأحد.
[مواجهة القرآن الكريم للوثنيات التي تسربت إلى المسيحية
]
ولقد واجه القرآن الكريم، هذه الوثنيات وناقشها وهي وثنيات تتشابه وتتشابك في الشكل والموضوع.
فسجل كفر النصارى وقولهم إن المسيح هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، قال تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ . (١) .
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ
стр. 247
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ . (١) .
- وقد ذكرت هذه الآيات:
١- إن المسيح ﵇ لا يعدو أن يكون رسولا من رسل الله الذين خلوا من قبل. وكذلك محمد ﷺ ، فلقد قال الله عنه كذلك ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ . (٢) .
٢- وأن أمه- ﵍ لا تعدو أن تكون صديقة، فهي ليست بنبية ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ .
٣- ثم قال ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ وهذا من أظهر الصفات النافية للألوهية، لأن الآكل في حاجة إلى ما يدخل جوفه ليشبعه من جوع، وكذلك هو في حاجة إلى أن يخرج ما في جوفه من الفضلات ليتخلص من الأذى.
وإذا كان القرآن الكريم قد نفى الألوهية عن المسيح ﵇، فقد أثبت له العبودية، كما قال تعالى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ . (٣) وأخبر- أن أول كلمة نطق بها المسيح وهو في المهد، هي الإقرار بعبوديته لله- قال تعالى ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ . (٤) .
стр. 248
ويقول الرسول الخاتم ﷺ كما في الصحيحين- عن أبي هريرة ﵁:
«يقول الله : كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك. فأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، ولم ألد، ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد. وأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته» .
وإذا كان القرآن الكريم، قد ناقش (الثالوث النصراني) فلقد ناقش (الثالوث) بكل صوره وتصوراته. .
وإذا كان القرآن الكريم قد ناقش (البنوة اللاهوتية النصرانية) فلقد ناقش (البنوة الوثنية) في كل أطوارها وتطوراتها!
فهو يقول عن الوثنيين العرب، وعن غيرهم من الوثنيين:
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . (١) .
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (٢) .
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ﴿أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . (٣) .
стр. 249
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ . (١) .
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . (٢) .
وقوله تعالى ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ إشارة بليغة معجزة إلى قصة الوثنيات القديمة الممتدة عبر العصور والدهور، تلك الوثنيات التي آلت بتركتها المثقلة بالخرافة والشعوذة والكهانة إلى (الصهيونية العالمية) و (الصليبية العالمية) .
وهذه واحدة من لفتات القرآن الكريم الرائعة، وإشاراته البارعة. . إنه يضع أيدينا على الحقائق كاملة سافرة، في غير ما التواء أو غموض!
وهكذا نجد القرآن الكريم دائما، معجزًا وهاديًا، في كل ما يقوله أو يقرره. . لا يقول إلا حقا، ولا ينطق إلا صدقًا!
كم. . وكم من المرات، خرجت البشرية على القرآن، فقالت ما شاءت من المقولات بعيدًا عن هداه، وتصورت- ما أراد لها الهوى- من تصورات في منأى عن وصاياه. .
стр. 250
ثم. . ماذا؟
ثم ثبت- علميا وعقليًا- فساد مقولاتها وتصوراتها. .!
وبقيت (المقررات القرآنية) ثابتة كالجبال الشم الرواسي، لا تتزلزل ولا تتزعزع!! ويعود الناس إلى القرآن- شاءوا أو أبوا- دارسين باحثين، متأملين!!
من كان يصدق أن (الأكليروس) في هذا الزمان، يقابل حقائق القرآن بهذا التقدير والإعجاب؟ !
من كان يصدق أن لغة (أكليروس القرون الوسطى) قد أخرست إلى الأبد؟ !
لقد كان عمل هذا (الأكليروس) الدائب، هو محاولة تشويه جمال الإسلام، والإساءة إليه. . وتفريخ الأكاذيب والنحل الفاسدة لصد الناس عنه!!
حتى قال. . . وما أسخف ما قال:
إن المسلمين إنما حرموا الخمر والخنزير، لأن نبيهم في آخر حياته شرب الخمر حتى سكر، فجاءته الخنازير فقتلته.
من كان يصدق أن عقلية (الأكليروس) القديمة تنفتح هذا الانفتاح، وتنتقل هذه النقلة السريعة من طرف النقيض إلى طرفه الآخر؟
فنجد بيوت الطباعة - في أوروبا الصليبية- وبيوت العلم، وبيوت الثقافة، والأكاديميات، والجامعات، بل وإرساليات التبشير، تدرس الإسلام، وتعجب به، وتكتب عنه.
بل إن الكتب الإسلامية العظيمة ألفت، وصدرت من هناك. . من (ألمانيا) وغيرها من البلدان. .!
стр. 251
إن أكبر معجم في الحديث النبوي أصدره الألمان. .
وإن أول طبعة للمصحف ظهرت هناك. .!
من كان يصدق أن جامعات العالم الأوروبي تعكف على دراسة العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية، والفقه الإسلامي، بل وتمنح درجاتها العلمية. . وعلى أرقى مستوى في جزئية صغيرة من جزئيات الثقافة الإسلامية!! ؟
الصلب والفداء:
وإذا كنا قد ناقشنا في الأيام الخمسة الماضية قضايا (الثالوث) ، (الأقانيم) و (الإله المولود) فلقد ناقشنا في هذه الأيام الخمسة أيضا (قضية الصلب والفداء) وهي قضية عجيبة غريبة، شائكة ومتشابكة، لا ندري ما سرها، وما الهدف منها؟ كل ما ندريه أنها أسطورة في المبدأ، وأسطورة في النتيجة.
ما سر هذه المسرحية الغامضة المملة التي بدأت بالتآمر على المسيح ﵇، ثم بمحاكمته، ثم بصلبه -كما يزعمون- ثم بدفنه- ثم بنزوله إلى الجحيم، ثم بخروجه في قيامة الأموات!!
لماذا هذا كله؟
لماذا جعلوه إلهًا، أو ابن إله وصلبوه؟
إن القرآن الكريم يتحدث عن (قضية الصلب) هذه وينفيها نفيًا مؤكدًا، فهو يقول:
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ
стр. 252
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ . (١) .
ولكن. . .
لماذا ينفي القرآن الكريم صلب المسيح؟
أو بعبارة أخرى. . هل المسيح منزه عن القتل أو الصلب؟
والجواب: لا. . .
فإن القرآن الكريم تحدث عن الرسول الخاتم ﷺ ، فقال:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ . (٢) .
فمحمد ﷺ من الممكن أن يموت، ومن الممكن أن يقتل أو يصلب؟ !
وإنما نفى القرآن الكريم حادثة الصلب هذا النفي اليقني المؤكد الذي لاشك فيه. . ليقرر خيبة أمل اليهود. . .!
فهم، يحاسبون في الآخرة، على أنهم قتلة المسيح، وإن لم يقتلوه!!
كيف؟
إن الله سجل عليهم عدة أمور:
أولها: أنهم أصحاب (سوابق) في جريمة قتل الأنبياء. . .! ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ .
стр. 253
ثانيها: سبق الإصرار والترصد، كما في قوله ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ .
ثالثها: الاعتراف- وهو سيد الأدلة- ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ .
وإذا كان الصلب في حد ذاته أسطورة. . يعتريها الغموض والتناقض من كل أبعادها. .!
فإن ما يترتب على الصلب أسطورة أخرى. . .!
تلك هي أسطورة (ابن الله الفادي) أو (المخلِّص) . . .!
وهذه المقولة. . . الغير معقولة، لا تصلح أساسا للتعامل البشري. . . إذ إنها تنفي (المسؤولية الشخصية) فكيف ارتضاها الله سبحانه، لكي تكون سنته في التعامل مع البشر؟
وتصوروا معي. . .
لو أن واحدًا من البشر، ذهب إلى المحكمة متلبسا بجريمة قتل. . يده ملوثة بالدم. . وثبتت إدانته من كل وجه. . واعترف بأنه القاتل!!
أفيحق له، أو لمحاميه، أن يدافع قائلًا:
أنا قتلت حقًا، وأنا الذي اقتدته إلى ذلك المكان المهجور، وذبحته. . . ولكن (فلانًا) من الناس، أو من غير الناس. . . يتحمل عني هذه المسؤولية، فحاكموه هو. . . وحاسبوه هو. . .
هل هذا يجوز في عرف البشر، وفي منطق البشر؟
فإذا كان البشر لا يرضونه لقضائهم ولا لقضاتهم- مع أن قضاء البشر يحيط به القصور من كل جانب- أفيجوز ذلك أمام عدالة الله ؟
أنرفض أن يكون في قضائنا محسوبيات أو وساطات أو امتيازات أو
стр. 254
صرخات عرق. . . ثم نقبل بالنسبة لله- وعز في علاه- أن يكون قضاؤه قضاء وساطة ومحسوبية، وامتياز في الدم أو الجنس أو اللون أو العنصر؟ أفترض أن يكون ربنا- سبحانه- ربًا لفريق يحبه ويحنو عليه، ضد فريق يبغضه ويلعنه. . . لا لسبب إلا لاختلاف الدم والجنس؟
أفترض أن يكون ربنا ربًا لإسرائيل. . .
ثم ينبذ الكنعانيين ومن عداهم. . .
وأنقل لكم من (الإنجيل) المتداول اليوم هذا الحديث والحدث بحروفه وانفعالاته:
" وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة ارحمني يا سيد يا ابن داود، ابنتي مجنونة جدًا، فلم يجبها بكلمة، فتقدم تلاميذه، وطلبوا إليه قائلين، أصرفها لأنها تصيح وراءنا، فأجاب وقال: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، فأتت وسجدت له قائلة يا سيد أعني، فأجاب وقال: ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب، فقالت: نعم يا سيد، والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها، (إنجيل متى ١٥: ٢١-٢٧) .
فهذا المسيح كما تصوره (الأسطورة النصرانية) عندما تأتيه امرأة تطلب منه أن يدعو لابنتها لكي تشفى مما هي فيه- يقول لها: " ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب ".
سبحان الله. . .
أهذا هو المسيح الإله الذي يعبده النصارى؟ ! برأ الله المسيح. . . البشر الإنسان الرسول، من كل ما يفتريه دجال، أو كاهن، أو جهول!!
стр. 255
التفرقة العنصرية إن هذا الفهم، وهذا السلوك، هو البدء الحقيقي (للتفرقة العنصرية) التي تدين بها أوروبا، وأمريكا اليوم. .
إن أول من نادى بالتفرقة بين البشر وفقًا للألوان، هو الكتاب المقدس ذاته وليست أمريكا!!
لم تكن أمريكا هي رائدة التفرقة العنصرية. . . وإنما رفعت شعاراتها، وكان بيدها نصوص مقدسة من الكتاب المقدس!
أليس الكتاب المقدس هو الذي حكم على الجنس الأسود كله باللعنة، لأنهم أولاد حام؟
يقول الكتاب المقدس:
" وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك سامًا وحامًا ويافث، وحام هو أبو كنعان، وهؤلاء الثلاثة هم بنو نوح، ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض. وابتداء نوح يكون فلاحًا وغرس كرما وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه، فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، وأخبر أخويه خارجًا، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء، وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يبصرا عورة أبيهما. فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير. فقال: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته، وقال: مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبدًا لهم فيفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعنان عبدًا لهم " (سفر التكوين ٩: ١٨-٢٧) .
بل تروي التوراة عن سارة زوجة إبراهيم ﵇ أنها قالت له:
" اطرد الجارية وابنها لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إِسحق " (تكوين ٢١: ١٠) . " فقبح الكلام جدًا في عيني إبراهيم لسبب ابنه " (تكوين ٢١:
стр. 256
١١) وقد اقتبس بوليس هذا النص لإشعال العنصرية بين الناس فقال: " لكن ماذا يقول الكتاب اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة إذًا أيها الأخوة لسنا أولاد جارية بل أولاد الحرة " (غلاطية ٤: ٣٠، ٣١) .
ولا تزال حكومة جنوب إفريقيا تعتمد على ما جاء في سفر التكوين- الذي يصف أحد أبناء حام (وهو كنعان) - كما أسلفنا- بأنه عبد العبيد، لتبرير سيطرتها على السود وإذلالهم.
و. . . لهذا،
فإننا لا نجد في المجتمعات الإسلامية، هذه التفرقة العنصرية التي نجدها في المجتمعات المسيحية!
لأن النصوص الإسلامية تقف حائلًا دون ظهور هذا الشر أو تفاقمه.
يقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ . (١) .
وفي هذه الآية الكريمة إعلان المساواة الكاملة بين الأمم والشعوب والأفراد، إذ إن الآية خطاب موجه إلى جميع بني الإنسان.
كذلك فإن هذه الآية تقرر أن التمايز بين الناس لا يكون باللون أو الجنس أو العنصر. . إنما يكون بالتقوى التي هي جماع الخير والهدى والرشاد.
ويقول الرسول ﷺ .
«الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله» .
ولذلك فتح الرسول ﷺ بأمر ربه- آفاق دعوته أمام بني الإنسان جميعًا-
стр. 257
فالله رب الناس ملك الناس إله الناس وليس رب فئة واحدة، أو عنصر واحد، أو مجموعة بشربة واحدة!
وبذلك حطم الإسلام الحواجز التي كانت قائمة بين الأجناس والأعراق والأنساب.
ولقد قال الرسول ﷺ عن سلمان الفارسي، ﵁ الذي كان رقيقًا فحرره: «سلمان منا أهل البيت» .
كما ضم صف السابقين الأولين مجموعة كبيرة من أمثال " صهيب الرومي " و " بلال الحبشي " واعتبرهم الرسول ﷺ في مقدمة كبار الشخصيات العربية من أصحابه المهاجرين والأنصار.
بل إن النبي ﷺ أمر على قيادة جيشه شابًا في الثامنة عشرة، وجعل تحت قيادته مجموعة من كبار المسلمين، وأصحاب السابقة في الإسلام.
وهكذا يكون الإسلام قد حقق معجزة في التاريخ الإنساني، إذ جعل الناس- جميعًا- يعيشون تحت شعار إلهي نادى به الإسلام منذ ظهوره، وأكده الرسول ﷺ وسلم من جديد، وبكل صراحة وصرامة، وفي خطبة الوداع، قال:
«لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى» .
ثم يسأل الجماهير المسلمة المحتشدة لسماع الخطاب الأخير:
" ألا هل بلغت؟ "
" اللهم فأشهد ".
إن القرآن الكريم لم يذكر في سوره أو آياته، أي اسم على الإطلاق من أسماء أحد معاصري الرسول ﷺ إلا اسمين- هما:
(زيد) مولى الرسول ﷺ (وأبو لهب) عمه.
стр. 258
هذان هما الاسمان اللذان ذكرا في القرآن الكريم!
لم يذكر القرآن الكريم اسم أبي بكر، ولا اسم عمر، ولا اسم عثمان، ولا اسم علي، وإنما ذكر اسم زيد مولى رسول الله ﷺ . . وذكر في مناط التكريم: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ . (١) .
وذكر اسم (أبي لهب) في مجال اللعنة، حيث يقول الله تعالى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ . (٢) .
فزيد مولى غريب عن رسول الله ﷺ في دمه، وفي قبيلته، وفي جنسه!!
أما أبو لهب، فإنه عمه، وهو شريف قرشي!!
ومع ذلك فإن القرآن يتهدده بالهلاك هو وامرأته حمالة الحطب!
فالقرآن الكريم بهذا يضع مبدأه المعروف، أنه لا مفاضلة بين الناس على أساس الجنس أو اللون أو أي نوع من أنواع الامتيازات الطبقية، إِنما المفاضلة بالتقوى!
حقيقة الكتاب المقدس، وحقيته:
هذا. . . . ولقد تحدثنا في الأيام الخمسة السالفة عن (الكتاب المقدس) بعهديه، القديم والجديد. . وأمطنا اللثام عن التناقض والتعارض الذي يعتري هذا (المصنف) من أوله إلى آخره.
стр. 259
إن هذا الكتاب مليء بأمور تتعارض مع (الهداية) التي هي الهدف الأول من إرسال الرسل، وإنزال الكتب.
ويكفي أن نلقي نظرات عابرة على ما جاء في " سفر نشيد الأنشاد " الذي يعتبر سفرًا غزليًا، تتردد في فقراته عبارات من الأدب المكشوف العاري. . . فهو يصف خفايا جسد المرأة، بأسلوب مسف فاحش إذ يقول- في (الإصحاح الثالث: ١- ٥) .
" في الليل، على فراشي، طلبت من تحبه نفسي، طلبته فما وجدته، إني أقوم وأطوف في المدينة، في الأسواق، وفي الشوارع أطلب من تحبه نفسي، طلبته فما وجدته، وجدني الحرس الطائف في المدينة، فقلت: أرأيتم من تحبه نفسي، فما جاوزتهم إلا قليلًا حتى وجدت من تحبه نفسي، فأمسكته، ولم أرخه، حتى أدخلته بيت أمي، وحجرة من حبلت بي، أحلفكن يا بنات أورشليم، بالظباء وبأيائل الحقل ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء ". ويقول الإصحاح الرابع من هذا السفر: (١- ٧) : " ها أنت جميلة يا حبيبتي، ها أنت جميلة، عيناك حمامتان من تحت نقابك، شعرك كقطيع معز رابض على جبل جلعاد، أسنانك كقطيع الجزائر الصادرة من الغسل اللواتي كل واحدة متئم وليس فيهن عقيم، شفتاك كسلكة من القرمز، وفمك حلو، خدك كفلقة رمانة تحت نقابك، عنقك كبرج داود المبني للأسلحة. . .، ثدياك كحشفتي ظبية توأمين يرعيان بين السوسن، إلى أن يفيح النهار، وتنهزم الظلال أذهب إلى الجبل المر، وإلى تل اللبان، كلك جميل يا حبيبتي ليس فيك عيبة ".
ويقول الإصحاح السابع من السفر نفسه: (١- ١١) : " ما أجمل رجليك بالنعلين يا بنت الكريم، دوائر فخذيك مثل الحلي صنعة يدي صناع،
стр. 260
سرتك كأس مدورة لا يعوزها شراب ممزوج، بطنك صبرة حنطة مسيجة بالسوسن، ثدياك كحشفتين توأمي ظبية، عنقك كبرج من عاج،. . . ما أجملك، وما أحلاك أيتها الحبيبة باللذات، قامتك هذه شبيهة بالنخلة، وثدياك بالعناقيد، قلت إني أصعد إلى النخلة وأمسك بعذوقها، وتكون ثدياك كعناقيد الكرم ورائحة أنفك كالتفاح، وحنكك كأجود الخمر- لحبيبي السائغة المرقرقة السائحة على شفاه النائمين.
أنا لحبيبي، وإلى اشتياقه، تعال يا حبيبي لنخرج إلى الحقل، ولنبت في القرى،. . هناك أعطيك حبي ".
أهذا كتاب دين وهداية. . .؟
أهذا هو القصص الحق. . الذي يهدي إلى صراط مستقيم؟
وإذا تركنا هذا الجانب الجنسي الطافح بالنزوة والشهوة إلى غيره من جوانب التناقض والتعارض والتضارب، فإننا نجد ما لا يصدقه عقل، ولا يقره منطق.
إن هذه التناقضات تؤكد شيئًا هامًا وخطيرًا، هو نفي صفة الوحي عن هذه الأسفار، القديم منها والجديد. . .!
وتعال معي ننظر صفات الله في الكتاب المقدس
الله يحزن ويندم: " فحزن الرب أن عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه، فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء. لأني حزنت أني عملتهم " (سفر التكوين ٦: ٦-٨) .
الله يعزم على ألا يعود: " وقال الرب في قلبه لا أعود ألعن الأرض أيضا من أجل الإنسان لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته، ولا أعود
стр. 261
أيضا أميت كل حي كما فعلت " (سفر التكوين ٨: ٢١) .
فكأن الله - سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا -. . حزن أولا وتأسف لأنه خلق الإنسان. . . فأهلكه على عهد نوح. . .!
ثم عاد فندم مرة ثانية لأنه أهلكه. . . وقرر ألا يعود إلى ذلك مرة أخرى. . .!
وهكذا تعرض الأسفار المتناقضة، صورة متناقضة لإله متناقض. . .!!
الله يتذكر عهده مع الناس عن طريق " قوس قزح ": " وصنعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض، فيكون متى أنشر سحابًا على الأرض، ويظهر القوس في السحاب إني أذكر ميثاقي الذي بيني ويينكم وبين كل نفس حية في كل جسد، فلا تكون أيضا المياه طوفانًا لتهلك كل ذي جسد، فمتى كانت القوس في السحاب أبصرها لأذكر ميثاقًا أبديا بين الله وبين كل نفس حية في كل جسد على الأرض " (سفر التكوين ٩: ١٣- ١٦) .
وهكذا. . . هكذا وضع سفر التكوين يدنا على أسرار علمية جديدة لقوس قزح. . . إن الله جعل هذا القوس الذي يظهر في السماء بألوانه الزاهية في الأيام المطيرة ليذكره بميثاقه مع بني أدم، حتى لا ينسى، فيتكرر الطوفان الرهيب مرة أخرى. .!!
ومرة أخرى نستغفر الله، ونتوب إليه، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم. .!
الله يغار من الإنسان:
" وكانت الأرض كلها لسانًا واحدا، ولغة واحدة وحدث في ارتحالهم شرقًا أنهم وجدوا بقعة في أرض شنعار، وسكنوا هناك، وقال بعضهم هلم نصنع لبنًا ونشويه شيا، فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان لهم الحمر مكان
стр. 262
الطين، وقالوا: هلم نبني لأنفسنا مدينة وبرجًا رأسه بالسماء، ونصنع لأنفسنا اسمًا لئلًا نتبدد على وجه الأرض فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما وقال الرب: هو ذا شعب واحد، ولسان واحد لجميعهم وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض، فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة، لذلك دعي اسمها بابل لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض، ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض " (سفر التكوين ١١: ١-٩) .
أسمعتم؟ أقرأتم. . . . إن الله غار من خلقه حينما هموا ببناء مدينة وبرج!! فدمر عليهم وبلبل ألسنتهم!!
ولست أدري. . كيف تم بناء المدن الكبار، والأبراج الضخمة، وناطحات السحاب ألم يكن في هذا العمران الحديث الضخم، ما يثير غيرة إله الكتاب المقدس!
الله يحرض على السرقة:
" ثم قال الرب لموسى ضربة واحدة أيضا أجلب على فرعون وعلى مصر، بعد ذلك يطلقكم من هنا، وعندما يطلقكم يطردكم طردًا من هنا بالتمام، تكلم في مسامع الشعب أن يطلب كل رجل من صاحبه، وكل امرأة من صاحبتها أمتعة فضة، وأمتعة ذهب، وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين " (سفر الخروج ١١: ١- ٢) .
" وفعل بنو إسرائيل بحسب قول موسى، طلبوا من المصريين أمتعة فضة، وأمتعة ذهب، وثيابا، وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم. فسلبوا المصريين " (سفر الخروج ١٢: ٣٥- ٣٦) .
стр. 263
فالرب- عند كتبة هذه الأسفار ورواة هذه الأخبار- هو الذي حرض بني إسرائيل على السرقة، وعلمهم كيف يسطون فيسرقون ذهب المصريين، وفضتهم، وأمتعتهم، قبل خروجهم من مصر مع موسى!!!
الله يصارع يعقوب:
" بقى يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه، وقال: أطلقني لأنه قد طلع الفجر فقال: لا أطلقك إن لم تباركني فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب، فقال: لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت. وسأل يعقوب وقال: أخبرني باسمك، فقال: لماذا تسأل عن اسمي وباركه هناك.
فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل قائلا لأني نظرت الله وجهًا لوجه ونجيت نفسي " (سفر التكوين ٣٢: ٢٤- ٣٠) .
يدعي كتبة الأسفار- كما يؤكد هذا النص - أن يعقوب صارع الله حتى غلبه، ولم يطلقه من قبضته إلا بعد أن باركه. . .!
وإذا كانت هذه هي الصورة التي يرسمها خيال كتبة الأسفار لإلههم ومعبودهم. . .!
فإن كتبة الأسفار يقدمون صورا بلهاء شوهاء لأنبياء الله ورسله!!
صورة شوهاء لأنبياء الله ورسله في العهد القديم !!
- إبراهيم الرسول الخليل تقول أسفار العهد القديم عن إبراهيم رسول الله وخليله:
" وحدث جوع في الأرض، فانحدر أبرام إلى مصر ليتغرب هناك،
стр. 264
لأن الجوع في الأرض كان شديدًا. وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراي امرأته إني قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر، فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون هذه امرأته، فيقتلونني ويستبقونك، قولي إنك أختي ليكون لي خير بسببك، وتحيا نفسي من أجلك.
فحدث لما دخل أبرام إلى مصر أن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدًا، ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأخذت المرأة إلى بيت فرعون، فصنع إلى أبرام خيرًا بسببها، وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء، وأتن وجمال. فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امرأة أبرام، فدعا فرعون أبرام وقال: ما هذا الذي صنعت بي، لماذا لم تخبرني أنها امرأتك، لماذا قلت هي أختي حتى أخذتها لي لتكون زوجتي، والآن هو ذا امرأتك، خذها واذهب، فأوصى عليه فرعون رجالا فشيعوه هو وامرأته وكل ما كان له " (سفر التكوين ١٢: ١٤- ٢٠) .
أفيرضى أحد من الناس له مروءة وخلق، أو بقية من مروءة وخلق، أن يتجر في جمال امرأته وحسنها! ؟
فكيف بنبي الله، ووليه، ورسوله وخليله إبراهيم ﵇؟ !!
لوط جاء عنه في سفر التكوين: " وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل وابنتاه معه، لأنه خاف أن يسكن في صوغر، فسكن في المغارة هو وابنتاه، وقالت البكر للصغيرة أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض، هلم نسقي أبانا خمرًا، ونضطجع معه، فنحيي من أبينا نسلًا، فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها، وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة إني قد
стр. 265
اضطجعت البارحة مع أبي، نسقيه خمرًا الليلة أيضا فادخلي واضطجعي معه، فتحيي من أبينا نسلًا، فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة أيضا، وقامت الصغيرة واضطجعت معه، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها فحبلت ابنتا لوط من أبيهما " (سفر التكوين ١٩: ٣٠- ٣٦) .
وإنه- على الرغم- مما تشتمل عليه هذه الأسطورة من كذب وافتراء ومستحيل، غير أنني أسأل:
- ما هي الحكمة، والعظة، التي يمكن أن يستفيدها قراء كتاب مقدس. . . من قراءة هذه القصة؟
- وإذا كان الأنبياء بهذه المثابة، وهم حملة كلمة الله الهادية، فماذا بقي للفساق والسفهاء؟
كيف يخاطبون الله:
وإذا رحنا نقلب صفحات هذه الأسفار لنتعرف منها على آداب الدعاء والضراعة. . فإننا نجد عجبًا!!
إن الخطاب مع الله يتسم بالجرأة والاتهام، واقرأ معي هذا النص الواحد من عشرات النصوص:
في سفر الملوك الأول أن إيليا (إلياس) النبي خاطب الله- يقول السفر:
" وصرخ إلى الرب وقال: أيها الرب إلهي، أأيضا إلى الأرملة التي أنا نازل عندها أسأت بأماتتك ابنها " (١٧: ٢٠) .
стр. 266
حديث عن الإسلام
والآن- بعد أن رأينا النصرانية، واضحة المعالم بينة الملامح- نتحدث عن الإسلام. . .!
وإن كنت أقرر سلفًا أن الحديث عن الإسلام لا تستوعبه محاضرة مرتجلة ولا عدة محاضرات، ولا يفي بعرضه حديث عابر ولا عدة أحاديث. . .!
لأن الإسلام أكبر مما يتصور كثير من الناس!
الإسلام كيان ثقافي هائل. . ومدرسة للعلوم والمعارف لا نظير لها. . .!
ولقد ثبت- تاريخيًا وحضاريا- أنه لم تقم دراسات بالكثرة والوفرة التي قامت حول القرآن الكريم، كتاب الله، وبيان الإسلام. . .!
كذلك فإنه قد انبثق من العلم القرآني علوم شتى ومعارف لا تنتهي كثرة. . .!
يقول الله تعالى ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ . (١) .
وإذا كانت الكتب فيها صحف!
فإن صحف هذا الكتاب المبارك فيها كتب!
إن الصفحة الواحدة من القرآن الكريم تشتمل حقا على كتب قيمة!
وهذا ما شاهدناه ورأيناه. . . وشاهده معنا ورآه مؤرخو الفكر وراصدو الحضارة.
لقد قامت علوم شتى لخدمة ذلك الكتاب المجيد: مثل: علوم القرآن، والتفسير، واللغة، والحديث، والفقه، والسير والمغازي والرجال. . وغيرها، وغيرها كثير. . .
стр. 267
ولقد ألفت كتب في مختلف فروع الثقافة تهدف إلى نشر هداية ذلك الكتاب، وإشاعة ثقافته في الخافقين، ولم يكن العرب وحدهم هم الذين قاموا بهذا العمل المشكور المأجور، بل لقد ساهم فيه، وأعان عليه جمهرة كبيرة من العلماء والفقهاء من غير العرب. .
فهؤلاء، أبو حنيفة، والبخاري، والطبري.
وأولئك سيبويه، والزمخشري، والجرجاني.
مما يجعلنا نؤكد أن الفتح الإسلامي لم يكن فتحًا دينيا فقط، إنما كان فتح دين ولغة وتمدن وعمران وحضارة وثقافة.
وإن القرآن الكريم ليس كتاب عقيدة ومواعظ فحسب وإنما هو كتاب علم وثقافة وحضارة وتشريع وسياسة وأخلاق. . .
ولقد كان الفتح الحضاري الإسلامي سريعًا في انتشاره وانتصاره، مما جعل راصدي الحضارة يعجزون حتى يوم الناس هذا عن تفسير هذا التحرك الإسلامي الهائل. .
ويعجزون أيضا عن العثور على إجابة للسؤال القائل: - كيف استطاع محمد ﷺ في ثمانية أعوام أو زهائها أن يفتح مليون كيلومتر مربع!!
- كيف حدث هذا. . . في عصر، مواصلاته محددة، وطرق القوافل غير معبدة!
- كيف تحقق هذا الفتح المبين. . بأقل خسارة بشرية إذ لم يتعد عدد القتلى (١٠٠٢) من شهداء المسلمين، وصرعى الكفار!!
إن الإجابة على هذه الأسئلة أمر متعسر أو متعذر إذا أخضعنا الإجابة للأساليب البشرية، وللمعايير التي تواضع عليها بنو الإنسان!
أما إذا راعينا في الإجابة (سنَّة الله) وعمل هذه السنَّة في المجتمعات والأمم، فإننا نجد الإجابة سهلة وميسرة!!
стр. 268
الإسلام دين الأنبياء جميعا إن الإسلام هو دين الله، الذي لا دين له سواه. . ولقد تكفل بنصره وتمكينه وإظهاره على الدين كله!
لكن: أي دين هو ذلك الإسلام، وهل هناك ديانات أخرى تزاحمه في علاقتها بالله؟ أقول في الإجابة:
إن الله ، لم ينزل ديانات مختلفة، وإنما أنزل على عباده المرسلين دينًا واحدًا، وهو الإسلام قال تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ . (١) .
ولقد جاء بهذا الدين الواحد جميع رسل الله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام.
جاء به نوح ﵇:
قال تعالى ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . (٢) .
وجاء به إبراهيم ﵇:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا
وجاء به يوسف ﵇:
قال تعالى ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (١) . .
وجاء به موسى ﵇:
قال تعالى ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٢) . .
وهو دين قوم موسى من بني إسرائيل:
قال تعالى ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) .
وهو دين السحرة الذين آمنوا بموسى:
قال تعالى ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (٤) . .
стр. 271
وهو دين أنبياء بني إسرائيل:
قال تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ (١) . .
وهو دين سليمان ﵇:
قال تعالى ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٢) . .
وقال تعالى ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٣) . .
وقال تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ . (٤) . .
وقال تعالى ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . (٥) . .
وهو دين المسيح ﵇ وحواررييه:
قال تعالى ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٦) . .
وقال تعالى ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (٧) .
стр. 272
وهو دين المهتدين من الجن:
قال تعالى ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (١) . .
وهو دين المتمسكين بالحق من أهل الكتاب قبل بعثة محمد ﷺ :
قال تعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (٢) . .
ثم هو دين النبي الخاتم محمد ﷺ :
وقال تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٣) . .
وقال تعالى ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) . .
وقال تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٥) . .
بل إن القرآن الكريم ليقرر في وضوح كامل أن الإسلام دين أهل السماوات والأرض.
стр. 273
قال تعالى ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (١) . .
وإلى هذا الدين وحده، وجه النبي الخاتم رسله ورسائله إلى الملوك وعظماء الملل وأشهدهم على إسلامه وإسلام من معه.
قال تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢) . .
стр. 274
النبي الخاتم
ولقد أراد الله لدينه أن يكمل، ولنعمته أن تتم، فأرسل النبي الخاتم محمدا ﷺ ، وجعل شريعته عامة وصالحة لكل زمان ومكان.
والحديث عن (النبي الخاتم) وعن (عموم رسالته) يحتاج منا إلى وقفة قد تطول، وقد تقصر!
النبي الخاتم:
إن الله الذي أراد لنبوة محمد ﷺ أن تكون عامة وتامة وخاتمة، وشاملة وكاملة هو الذي قيض لها عونًا لم يكن لغيرها من الرسالات، وأمدها بمدد مكنها من الخلود والانتشار. . وفي تاريخ الدعوة الإسلامية الخاتمة أمور ينبغي أن يهتم بها الدارسون والباحثون:
- فمن هذه الأمور: (الدقة في تسجيل حياة الرسول وهديه) .
إن الاهتمام البالغ برصد أعمال النبي محمد ﷺ وأقواله ليس له نظير في رصد تحركات أي نبي أو رسول. . حتى الأنبياء الأقرب عهدًا والذين تدعي جماهير كبيرة من البشر الإيمان بهم، واتباعهم، كموسى، وعيسى. . .!
إنه ليس لدينا -على الإطلاق- وثيقة كاملة تتحدث بوضوح عن (حياة المسيح ﵇ وهو. . . خاتم الأنبياء من بني إسرائيل. . فضلًا عن غيره من الأنبياء والرسل.
والكتابات التي بين أيدينا. . تعطينا صورة -لا أقول: واضحة الملامح- عن الأيام الخمسين الأخيرة من حياة المسيح!!
يقول القس الدكتور شارلس اندرسن اسكات في مقال له في دائرة المعارف البريطانية: " ينبغي أن يتنازل الإنسان عن محاولة وضع كتاب في سيرة المسيح
стр. 275
بكل صراحة، فإنه لا وجود للمادة والمعلومات التي تساعد على تحقيق هذا الغرض، والأيام التي توجد عنها بعض المعلومات لا يزيد عددها على خمسين يومًا " (١) . .
وهذا الذي قرره ذلك القس، ونشرته دائرة المعارف البريطانية، يتعارض مع ما كان سائدًا في العالم المسيحي حتى عهد قريب. . .
لقد كان السائد أن (أسفار العهد الجديد) تتضمن أخبار السنوات الثلاث الأخيرة من سيرة المسيح وأخباره!!
وهذا الذي قرره ويقرره، علماء المسيحية. . يخالف تمامًا ما سجله ونقله الرواة عن (حياة الرسول محمد ﷺ فإنهم قدموا لنا سجلًّا كاملًا وأمينًا عن دقائق وحقائق حياته. . .!
لقد رصد صحابته حياته. . منذ البدء وإلى النهاية، وكتبوها بكل عناية، في دواوين السنة وكتب المغازي والسير. . .
إن الكتب التي روت حياة رسول الله ﷺ وأحداثها كتب كثيرة. . . فمنها: (كتب السير) وهذه رصدت حياة النبي ﷺ ، وأرخت لها. و (كتب المغازي) وهذه عرّفت بغزواته، وبعوثه، وسراياه، والأخلاق التي كان يتحلى بها في حروبه، وكيف كان يتعامل مع أعداء دعوته إن أمكنه الله منهم.
و (كتب الهدي) مثل. (زاد المعاد، في هدي، خير العباد " وهذه الكتب تنقل لنا أسلوب النبي وهديه، في عبادته، ونسكه، وزواجه، ومعاشرته لأهله، ومعاملاته مع الناس.
و (كتب الشمائل) وهي تحدثنا عن صفات النبي ﷺ الخَلْقية والخُلُقية، أي: الجسمية، والعقلية، والروحية.
стр. 276
و (كتب الخصائص) وهي تتضمن ما اختص به النبي ﷺ من ميزات لا يشاركه فيها أحد.
و (كتب الأذكار، وأعمال اليوم والليلة) وكيف كان النبي ﷺ يذكر ربه ويسبحه ويحمده ويمجده ويدعوه على كل حال، وفي كل مجال.
ثم، هناك (الصحاح، والسنن، والمسانيد) . . . وأسجل هنا، بكل صدق وحق، أن أرقى كتب المسيحيين سندًا، وأعلاها رواية، لا تصل إلى الدرجة الرابعة أو الثالثة. . . من كتب السنن والآثار المروية عن رسول الله ﷺ !! هذا- فضلًا- على ما رواه القرآن وحكاه، عن سيرة النبي ﷺ وأخلاقه- كما تقول أم المؤمنين عائشة ﵂، وحينما سئلت عن خلق النبي ﷺ قالت كلمتها المشهورة: (كان خلقه القرآن) .؟
إن حياة الرسول ﷺ وسيرته، والعناية الفائقة بتسجيل جميع أقواله وأفعاله وتقريراته، كل ذلك يشير إلى أنه خاتم النبيين والمرسلين!!
стр. 277
دَعوَة المَسيح، دَعوَة خاصَّة
لقد كانت دعوة المسيح خاصة ببني إسرائيل، وقد صرح بأنه لم يبعث إلا ليرعى خراف بني إسرائيل الضالة: " لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (متى ١٥: ٢٤) .
ولهذا اقتصرت رسالته على قراهم وأرضهم والمنتسبين إليهم، ولما جاءته امرأة كنعانية تستعطفه، وتطلب إليه أن يدعو لابنتها المريضة، قال لها العبارات التي نقلناها آنفًا:
" ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب " (متى ١٥: ٢٦) .
وفي القرآن الكريم، آيات تدل على أن عيسى ﵇ كان رسولًا إلى بني إسرائيل، منها قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿
وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (١) . .
стр. 278
وقوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (١) . .
وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (٢) . .
- ومن الأمور التي جعلت رسالة محمد ﷺ خاتمة: (حفظ الله للقرآن الكريم من التغيير والتبديل والتحريف) .
والقرآن الكريم بهذه الخاصية الفريدة يخالف غيره من الكتب المنزلة، حتى أقربها عهدًا (كالإنجيل) .
وقد أحسن العالم المستشرق المهتدي (آيتين دينيه) الفرنسي، في وصف هذه الأناجيل التي يطلق عليها (العهد الجديد) وتحديد قيمتها العلمية والتاريخية، يقول بكل تدقيق وتحقيق:
" أما أن الله سبحانه قد أوحى الإنجيل إلى عيسى بلغته ولغة قومه، فالذي لا شك فيه، أن هذا الإنجيل قد ضاع واندثر، ولم يبق له أثر أو أنه أبيد " (٣) . .
أيها الناس. . . . اسمحوا لي أن أقول لكم بصراحة: إنه من السهل أن يذهب من يريد إلى المطبعة، ومعه نسخة محرفة من الإنجيل، فيطبعها ثم ينشرها في الأسواق.
стр. 279
إن أحدًا لن يثور على هذا العمل. . . بل ستتلقاها الدوائر المسيحية بقبول، وستصبح بعد قليل مرجعًا تستقي منه العقيدة المسيحية. . .!
إن هذا الكلام الذي أقوله. . . ليس وليد الخيال المجنح. . . بل هو ما حدث فعلًا. . . واقرأوا هذه القصة-. . .
لقد قامت (دار النشر اليهودية) بالقدس بإصدار طبعة محرفة لأسفار العهد الجديد عام ١٩٧٠ م، وقامت بترجمتها بمختلف لغات العالم، ومن بينها اللغة الإنجليزية، التي كانت تقوم على توزيعها، وكالة (ريد) بلندن، وقد جاء في مقدمة هذه الترجمة المحرفة لأسفار العهد الجديد ما يلي:
" إن هذه الترجمة اليهودية والمعتمدة للعهد الجديد يمكن وصفها بأنها العهد الجديد خاليًا من معاداة السامية-
إن التعديلات التي أدخلت هنا على ترجمة عام ١٦١١ (الإنجليزية المعتمدة إلى الآن) يمكن إثباتها من المصادر الأولى، وقد اختيرت جميعها لهدف واحد هو: التخلص- بقدر ما تسمح به الحقيقة- مما تحتويه تلك الترجمة النكدة، والتي تهدف إلى بذر العداوة بين المسيحيين واليهود.
إن تعاليم العهد الجديد الحقيقي تتضمن المحبة بدلا من تلك الكراهية القاتلة، وعلى هذا الأساس، فإن هذه الترجمة اليهودية يحق لنا أن نقول بأنها الترجمة المسيحية الصادقة، وفيما عدا ذلك من تعديلات، فإن نصوص هذه الترجمة تبقى كما هي في ترجمة عام ١٦١١ م.
إن هذه الترجمة تمثل إعلانًا تأخر كثيرًا عن موعده للتقارب بين المسيحية واليهودية ".
سبحان الله. . .
لقد قام اليهود بتحريف العهد الجديد -أسفار المسيحية- لتنقيتها مما يسيء إليهم حتى تسود المحبة بينهم وبين المسيحيين. . .
стр. 280
فماذا كان رد الفعل عند المسيحيين إزاء هذا العمل الخطير؟
لا شيء. . . أيها السادة. . . لا شيء!
لقد صمت المسيحيون تمامًا. . . وكأن الأمر لا يعنيهم في قليل ولا كثير. . .!
فلم يتحرك واحد منهم على الإطلاق. . . سواء من الكنسيين، أو الكتاب والمفكرين! بل إن الذي نبه إلى ذلك العبث اليهودي بالأسفار المسيحية إنما هم الكتاب الإسلاميون!
لقد أثاروا موضوع تحريف الأناجيل، وبقية أسفار العهد الجديد في مؤتمرات إسلامية مسيحية عقدت في قرطبة وطرابلس والقاهرة. . وكان موقف رجال الدين المسيحي هو الصمت التام، والاكتفاء بالنظر في وجوه العلماء المسلمين وفي أيديهم النسخة المحرفة، تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت. . .!
ألا. . . شتان ما بين موقف المسيحيين من كتبهم المقدسة. . . وبين موقف المسلمين من القرآن الكريم.
أما القرآن الكريم، فشأنه يختلف عن شأن جميع الكتب السماوية كل الاختلاف، فقد تكفل الله بحفظه وسلامته من كل تحريف أو تبديل أو زيادة أو نقص، قال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) . .
﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢) . .
стр. 281
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (١) . .
وقد اتفقت كلمة المستشرقين، وعلماء الغرب المحققين، على أن القرآن الكريم محفوظ في السطور والصدور، وأنه لم تحذف منه كلمة، ولم تزد عليه كلمة.
ومن هؤلاء (السير وليم ميور) في كتابه: (حياة محمد) وقد عرف (وليم) هذا بتحامله على الإسلام، وعلى النبي محمد ﷺ ، قال:
" لم يمض على وفاة محمد ربع قرن حتى نشأت منازعات عنيفة، وقامت طوائف، وقد ذهب عثمان ضحية هذه الفتن، ولا تزال هذه الخلافات قائمة، ولكن القرآن ظل كتاب هذه الطوائف الوحيد، إذ أن اعتماد هذه الطوائف جميعًا على هذا الكتاب تلاوة، برهان ساطع على أن الكتاب الذي بين أيدينا اليوم، هو الصحيفة التي أمر الخليفة المظلوم بجمعها وكتابتها، فلعله هو الكتاب الوحيد في الدنيا الذي بقي نصه محفوظًا من التحريف طيلة ألف ومائتي سنة ".
ومنهم (وهيري) في تفسيره للقرآن قال:
" إن القرآن أبعد الصحف القديمة بالإطلاق عن الخلط والإلحاق وأكثرها صحة وأصالة " (٢) . .
ومنهم (يامر) مترجم القرآن المعروف إلى اللغة الإنجليزية، جاء في كتابه:
" لم يزل نص القرآن الذي رتبه عثمان على الصحيفة المتلقاة بالقبول، المعتمد عليها عند المسلمين "
стр. 282
ومنهم (بن بول) الذي يقول:
إن أكبر ما يمتاز به القرآن أنه لم يتطرق شك إلى أصالته، إن كل حرف نقرأه اليوم نستطيع أن نثق بأنه لم يقبل أي تغيير منذ ثلاثة عشر قرنًا ".
فسيرة النبي ﷺ ، المكتوبة بكل أمانة وتحقيق، والقرآن الكريم الذي تواطأت الصدور والسطور على حفظه ونقله، كل أولئك يعتبر أمارة صادقة على حتم نبوة محمد ﷺ للنبوات!
إن الزمان والمكان. . . وكل الظروف والملابسات. . إن كل أولئك كان مهيأ لاستقبال آخر نبوة!
لقد كانت نبوة فاتحة لعصر العلم، والعقل والطموح الإنساني لاكتشاف الكون، واستكناه أسراره!
لهذا كانت رسالة دافعة لا معوقة. . . كانت رسالة تفسح مجال العقل إلى منتهاه، وتدفع العلم إلى مداه، وترفع الإنسان إلى مدارج رشده وهداه تقواه! . ولقد ذكر القرآن الكريم -بأوضح بيان وأجلى برهان- أن محمدًا خاتم النبيين.
قال تعالى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) . .
كذلك رويت أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ بهذا المعنى.
قال- ﷺ : «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي، خلف نبي، وأنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء» (رواه البخاري ومسلم) .
стр. 283
وقال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» (رواه البخاري ومسلم) .
وقال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» (رواه مسلم والترمذي وابن ماجه) .
وقال: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي» (رواه أحمد والترمذي) .
وقال: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي» (رواه البخاري ومسلم) .
ولقد صرح القرآن الكريم بأن هذا الدين قد بلغ طوره الأخير من الكمال والوفاء بحاجات البشر، والصلاحية للبقاء والاستمرار فقال تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) . .
وقد نزلت هذه الآية يوم عرفة، في حجة الوداع، سنة عشر للهجرة، ولم ينزل بعدها -كما تقول أكثر الآثار- حلال ولا حرام، ولم يعش رسول الله ﷺ بعد هذا اليوم إلا إحدى وثمانين ليلة.
ولقد قال النبي ﷺ في خطبته يوم الوداع التي استمع إليها أكثر من مائة ألف إنسان، وحفظوها:
стр. 284
«أيها الناس، إنه لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم، وأطيعوا ولاة أمركم، تدخلوا جنة ربكم» (أخرجه ابن جرير تهذيب الآثار، وابن عساكر) (١) . .
عموم الرسالة المحمدية
أخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ ، قال: «فُضِّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، أرسلت إلى الناس كافة، وختم بي النبيون» .
وقال ﷺ :
«كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس أجمعين» .
وقال الله ، في القرآن الكريم ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) .
وقال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣) .
ومن العجيب الغريب المريب. . أن بعض النصارى يذهبون إلى القول بأن محمدًا نبي للعرب خاصة. . .
يقولون هذا، ويرددونه، ويتشدقون به، مع وفرة النصوص الكريمة في القرآن والسنة التي تؤكد عموم رسالته ﷺ للعالمين.
стр. 285
بل إن في كثير من نصوص القرآن الكريم دعوة موجهة إلى أهل الكتاب من يهود ونصارى. . وغيرهم من أهل النحل والملل المختلفة في كل البقاع والأصقاع!
وهذه دعوة الرسول ﷺ ورسله، وجهاده، لليهود والنصارى وللمجوس وللمشركين -من العرب ومن غيرهم- شاهد صدق على ما نقول!
وفي القرآن الكريم. . .
في مواضع كثيرة منه. . ذكر وتنديد بكفر الكافرين من اليهود والنصارى، وأمر بقتال الظالمين والطغاة منهم، ودعوة لهم إلى الدخول في الإسلام دين الله الحق. .
قال تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ
تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١) .