﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (١) . .
وقد اتفقت كلمة المستشرقين، وعلماء الغرب المحققين، على أن القرآن الكريم محفوظ في السطور والصدور، وأنه لم تحذف منه كلمة، ولم تزد عليه كلمة.
ومن هؤلاء (السير وليم ميور) في كتابه: (حياة محمد) وقد عرف (وليم) هذا بتحامله على الإسلام، وعلى النبي محمد ﷺ ، قال:
" لم يمض على وفاة محمد ربع قرن حتى نشأت منازعات عنيفة، وقامت طوائف، وقد ذهب عثمان ضحية هذه الفتن، ولا تزال هذه الخلافات قائمة، ولكن القرآن ظل كتاب هذه الطوائف الوحيد، إذ أن اعتماد هذه الطوائف جميعًا على هذا الكتاب تلاوة، برهان ساطع على أن الكتاب الذي بين أيدينا اليوم، هو الصحيفة التي أمر الخليفة المظلوم بجمعها وكتابتها، فلعله هو الكتاب الوحيد في الدنيا الذي بقي نصه محفوظًا من التحريف طيلة ألف ومائتي سنة ".
ومنهم (وهيري) في تفسيره للقرآن قال:
" إن القرآن أبعد الصحف القديمة بالإطلاق عن الخلط والإلحاق وأكثرها صحة وأصالة " (٢) . .
ومنهم (يامر) مترجم القرآن المعروف إلى اللغة الإنجليزية، جاء في كتابه:
" لم يزل نص القرآن الذي رتبه عثمان على الصحيفة المتلقاة بالقبول، المعتمد عليها عند المسلمين "
стр. 282
ومنهم (بن بول) الذي يقول:
إن أكبر ما يمتاز به القرآن أنه لم يتطرق شك إلى أصالته، إن كل حرف نقرأه اليوم نستطيع أن نثق بأنه لم يقبل أي تغيير منذ ثلاثة عشر قرنًا ".
فسيرة النبي ﷺ ، المكتوبة بكل أمانة وتحقيق، والقرآن الكريم الذي تواطأت الصدور والسطور على حفظه ونقله، كل أولئك يعتبر أمارة صادقة على حتم نبوة محمد ﷺ للنبوات!
إن الزمان والمكان. . . وكل الظروف والملابسات. . إن كل أولئك كان مهيأ لاستقبال آخر نبوة!
لقد كانت نبوة فاتحة لعصر العلم، والعقل والطموح الإنساني لاكتشاف الكون، واستكناه أسراره!
لهذا كانت رسالة دافعة لا معوقة. . . كانت رسالة تفسح مجال العقل إلى منتهاه، وتدفع العلم إلى مداه، وترفع الإنسان إلى مدارج رشده وهداه تقواه! . ولقد ذكر القرآن الكريم -بأوضح بيان وأجلى برهان- أن محمدًا خاتم النبيين.
قال تعالى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) . .
كذلك رويت أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ بهذا المعنى.
قال- ﷺ : «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي، خلف نبي، وأنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء» (رواه البخاري ومسلم) .
стр. 283
وقال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» (رواه البخاري ومسلم) .
وقال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» (رواه مسلم والترمذي وابن ماجه) .
وقال: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي» (رواه أحمد والترمذي) .
وقال: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي» (رواه البخاري ومسلم) .
ولقد صرح القرآن الكريم بأن هذا الدين قد بلغ طوره الأخير من الكمال والوفاء بحاجات البشر، والصلاحية للبقاء والاستمرار فقال تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) . .
وقد نزلت هذه الآية يوم عرفة، في حجة الوداع، سنة عشر للهجرة، ولم ينزل بعدها -كما تقول أكثر الآثار- حلال ولا حرام، ولم يعش رسول الله ﷺ بعد هذا اليوم إلا إحدى وثمانين ليلة.
ولقد قال النبي ﷺ في خطبته يوم الوداع التي استمع إليها أكثر من مائة ألف إنسان، وحفظوها:
стр. 284
«أيها الناس، إنه لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم، وأطيعوا ولاة أمركم، تدخلوا جنة ربكم» (أخرجه ابن جرير تهذيب الآثار، وابن عساكر) (١) . .
عموم الرسالة المحمدية
أخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ ، قال: «فُضِّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، أرسلت إلى الناس كافة، وختم بي النبيون» .
وقال ﷺ :
«كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس أجمعين» .
وقال الله ، في القرآن الكريم ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) .
وقال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣) .
ومن العجيب الغريب المريب. . أن بعض النصارى يذهبون إلى القول بأن محمدًا نبي للعرب خاصة. . .
يقولون هذا، ويرددونه، ويتشدقون به، مع وفرة النصوص الكريمة في القرآن والسنة التي تؤكد عموم رسالته ﷺ للعالمين.
стр. 285
بل إن في كثير من نصوص القرآن الكريم دعوة موجهة إلى أهل الكتاب من يهود ونصارى. . وغيرهم من أهل النحل والملل المختلفة في كل البقاع والأصقاع!
وهذه دعوة الرسول ﷺ ورسله، وجهاده، لليهود والنصارى وللمجوس وللمشركين -من العرب ومن غيرهم- شاهد صدق على ما نقول!
وفي القرآن الكريم. . .
في مواضع كثيرة منه. . ذكر وتنديد بكفر الكافرين من اليهود والنصارى، وأمر بقتال الظالمين والطغاة منهم، ودعوة لهم إلى الدخول في الإسلام دين الله الحق. .
قال تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ
تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١) .
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١) .
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢) .
ونقول في الإجابة:
ليس في القرآن الكريم آية واحدة تدل أو تشير إلى أن رسالة محمد ﷺ مختصة بالعرب وحدهم!!
وإنما فيه إثبات رسالته إليهم، كما أن فيه إثبات رسالته إلى قريش!! وليس بين هذين تناقض!!
وكذلك ليس هناك تناقض أي تناقض، بين أن يوجه القرآن الخطاب إلى أهل الكتاب -كما أسلفنا- وبين أن يوجهه إلى بني إسرائيل، أو بني آدم، كما في قوله تعالى ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٣) .
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٤) .
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٥) .
﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ (٦) .
стр. 289
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١) .
﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) .
فليس التخصيص في توجيه الدعوة الإسلامية، إلى العرب أو بني إسرائيل بمناف لعموم الرسالة إلى الثقلين!
ولهذا فإن البشرية كلها -بل، والجن كذلك- مخاطبون برسالة محمد ﷺ ، ومسئولون عن دعوته وعن مدى استجابتهم واتباعهم لها.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» .
وأولئك البقايا الذين عناهم الرسول ﷺ في هذا الحديث، كانوا متمسكين بدين المسيح الحق قبل بعثة محمد ﷺ .
أما منذ بعث محمد ﷺ فمن لم يؤمن به فهو كافر من أهل النار، كما قال ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» .
ثم إنه من المعروف أن بني إسرائيل كانوا أكثر الأمم أنبياء. . بعث إليهم موسى وبعث إليهم بعده أنبياء كثيرون. . . حتى قيل: إِنهم بلغوا ألف نبي. . كلهم يلتزمون بشريعة التوراة، يأمرون بها، ويدعون إليها، ولا يغيرون منها شيئًا. . . ثم جاء المسيح بعد ذلك بشريعة أخرى غير فيها بعض شرع التوراة بأمر الله
стр. 290
فإذا كان إرسال موسى والأنبياء بعده، لم يمنع من إرسال المسيح إلى بني إسرائيل.
فلماذا يرفضون أن يكون محمد رسولًا إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى وهم منذ المسيح لم يأتهم رسول من الله، كما قال تعالى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) .
الصادق الأمين
فإن قال قائل: إن الشكوك تراودني في صدق محمد ﷺ ، في ادعائه للنبوة.
قلنا له:
أولًا: إن الذين يقدحون في محمد ﷺ ، عليهم أن يعلموا أن القدح فيه قدح في غيره من الأنبياء، وأن الشك فيه شك في غيره من الأنبياء، وأن تبرئة غيره من الأنبياء هو تبرئة له من باب أولى. إن سيرة محمد ﷺ أعظم من سيرة غيره من الأنبياء. . وكذلك شريعته، وأمته، والكتاب الذي أنزل إليه من ربه، ومعجزاته وهديه!! فمن كذب به ﷺ وتشكك فيه. . فتكذيبه لغيره، وشكه فيه أولى. . .!
ومن آمن بغيره من الأنبياء، ونادى باتباعهم، فإن إيمانه بمحمد ﷺ واتباعه أولى، وأهدى!
стр. 291
ثانيًا: إن محمدًا ﷺ قد أظهر دين الرسل قبله، وصدقهم، ونوه بذكرهم وتعظيمهم، حتى يحق لنا أن نقول: إن من آمن بالأنبياء والرسل مثل موسى والمسيح وغيرهما، إنما آمنوا بهم عن طريقه ﷺ . بهم الكفار، ويحق لنا أن نقول: إن كثيرًا من الأمم، لولا محمد ﷺ ، وما قصه عليهم من القصص الحق في أخبارهم وآثارهم، لم يؤمنوا بهم!!
(ولولا أن القرآن الكريم -ذكر ما ذكر- عن ولادة المسيح وآية الله فيه وفي أمه، لاعتبر الناس هذا الموضوع أسطورة قديمة. . .) وهذا التعبير، قاله أحد الأدباء المسيحيين!!
ثالثًا: إن في القرآن الكريم آيات كثيرة تثبت شهادة أهل الكتاب له، وإيمان كثير منهم به، كما قال تعالى ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (١) .
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) .
стр. 292
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١) . ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) .
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (٣) .
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤) .
وهذه الآيات القرآنية تشير إلى شواهد كثيرة موجودة في كتب القوم، من يهود أو نصارى، وقد نقلنا منها فيما سلف من أحاديث، الشيء الكثير.
فإن قال قائل: إننا لا نقر ولا نعترف بأن في الكتب المقدسة كأسفار العهدين القديم والجديد، إشارات أو بشارات بمحمد ﷺ .
стр. 293
قلنا لهم: يترتب على قولكم هذا أمران:
الأمر الأول: ألا يؤمن بمحمد ﷺ أي كتاب، يهودي أو نصراني، بحجة أن (القرآن) قال (مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل) وهو غير مكتوب عندهم لا في التوراة ولا في الإنجيل. . .!
لكن ثبت -تاريخيًا وواقعيًا- غير هذا، بل وضد هذا، فإن الذين آمنوا بمحمد ﷺ واتبعوه من اليهود والنصارى، في القديم والحديث، أعداد هائلة لا تكاد تنحصر، وهم لم يؤمنوا به إِلا بعد أن قرأوا هذه الآيات، ووقفوا من كتبهم على هذه البشارات!!
وأمر ثان: هو: أن محمدًا ﷺ ، ظهر وقهر أهل الكتاب من يهود ونصارى، وسبى من سبى منهم، وقتل من قتل من رجالهم، وأخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر. . .
فلا بد أن يرد ذكره، وذكر الأحداث العظام التي جرت عليهم في أيامه. . .!
وإذا كان كاذبًا أو دعيًا -وحاشاه- فلا بد أن يرد في كتبهم التحذير من اتباعه. .!
ومعلوم أن أهل الكتاب يقولون قولين:
القول الأول: إنه ليس موجودًا في كتبنا. . .
والقول الثاني: إنه موجود ومذكور بالمدح والثناء.
وليس هناك قول ثالث، يدعي صاحبه أن اسمه أو صفته مذكورة في هذه الكتب بالذم والتحذير. . .
ولو كان موجودًا عندهم بالذم والتحذير، لكان هذا من أعظم ما يحتجون
стр. 294
به عليه في حياته، أو يواجهون به أتباعه بعد مماته، ويحتج به من لم يسلم منهم على من أسلم. . .
فإنه من المعلوم أن كثيرًا من أهل الكتاب -كانوا، وما زالوا- يبغضونه ﷺ ويضمرون ويظهرون له من العداوة والتكذيب الشيء الكثير. . . مما يدفعهم إلى افتراء أمور خيالية وهمية ونسبتها إليه. . . حتى آل الأمر ببعضهم إلى أن فسروا قول المسلمين (الله أكبر) بأن (أكبر) هذا صنم، وأن النبي ﷺ أمرهم بتعظيمه وعبادته!!
إن قومًا وصل بهم الافتراء والكذب إلى هذه الغاية. . . كان يمكنهم أن يظهروا ما في كتبهم من تكذيبه والتحذير منه، لكنهم لم يفعلوا لأن كتبهم خالية من هذا الادعاء!!
رابعًا: إن من ادعى النبوة -وكان صادقًا- فهو من أفضل خلق الله تعالى، وأكملهم في العلم والدين. . . إذ لا شك أن رسل الله وأنبياءه هم أفضل الناس، وأعدل الناس، وأبر الناس، وأهدى الناس. . .
وإن كان بعضهم أفضل من بعض. . .
كما قال تعالى عن الرسل ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (١) .
وكما قال سبحانه عن الأنبياء ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ (٢) .
أما من ادعى النبوة -وكان كاذبًا- فهو من أكفر خلق الله وأفجرهم وشرهم، كما قال تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣) .
стр. 295
وقال تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٢) .
فالكذب أصل الشر، وأعظم الكذب ما كان كذبًا على الله . . .
والصدق أصل الخير، وأعظمه الصدق في التبليغ عن الله ﵎. .
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا» .
وهذا المعنى يعرفه العقلاء من بني الإنسان، ولهذا، فإنه ينبغي لنا أن ننقل هذه المناقشة الواعية الدقيقة التي تمت بين (هِرْقَل) وبين (أبي سفيان) وهي مناقشة تنم عن فهم، وعلم، وعقل، اتسم بها (هرقل) . . .!
كان (هرقل) هذا. . . ملكًا على النصارى في زمان النبي ﷺ ولما أرسل إليه النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام، سأل عن عشرة أمور كما في الصحيحين عن ابن عباس ﵄، قال: «حدثني أبو سفيان بن حرب من فِيْه إلى فيَّ، قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ هدنة، قال: فبينا أنا بالشام، إِذ جيء بكتاب
стр. 296
من رسول الله ﷺ إلى هرقل، قال: وكان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل.
فقال هرقل: هل هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
قالوا: نعم.
قال: فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل، فأجلسنا بين يديه.
قال: أيكم أقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
قال أبو سفيان: قلت أنا.
فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي، فدعا بترجمانه، فقال: قل لهم: إني سائل عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فإن كذبني فكذبوه.
قال: فقال أبو سفيان: وأيم الله لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت عليه.
ثم قال لترجمانه:
سله: كيف حسبه فيكم؟
قال: قلت: هو فينا ذو حسب.
قال: فهل كان من آبائه من ملك؟
قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
قلت: لا.
قال: ومن اتبعه؟ أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟
قلت: بل ضعفاؤهم.
قال: أيزيدون أم ينقصون؟
قلت: لا، بل يزيدون؟
стр. 297
قال: فهل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟
قال: قلت: لا.
قال: فهل قاتلتموه؟
قلت: نعم.
قال: فكيف كان قتالكم إياه؟
قال: قلت: يكون الحرب بيننا وبينه سجالا، يصيب منا ونصيب منه؟
قال: فهل يغدر؟
قلت: لا، ونحن منه على مدة ما ندري ما هو صانع فيها.
قال: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه.
قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟
قال: قلت: لا.
قال: ماذا يأمركم؟
قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذا الرسل تبعث في أحساب قومها.
وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه.
وسألتك: عن أتباعه، أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت: أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله. .
وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟
стр. 298
فزعمت: أن لا، فكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.
وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم.
وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قاتلتموه، فيكون الحرب بينكم وبينه سجالًا، ينال منكم، وتنالون منه، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت: أن لا، فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله قلت: رجل ائتم بقول قيل قبله.
ثم سألتك: بم يأمركم؟ قلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف.
قال: إِن يكن ما تقول فيه حقًّا: إنه لنبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي.
ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ وإذا فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإنما عليك إثم الإريسيين -الفلاحين، والعامة- و ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١) .»
وفي رواية: فماذا يأمركم به؟
قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئًا، وينهانا عما كان يعبد
стр. 299
آباؤنا، يأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، فقال: هذه صفة نبي.
خامسًا: نزول القرآن الكريم عليه، مع أنه (أمّيّ) لم يذهب إلى مدرسة، ولم يجلس إلى معلم، ولم يهاجر في طلب علم.
قال تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١) .
وقال تعالى ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٢) .
وتأملوا -إن شئتم- قوله تعالى ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ .
وهذا العمر الذي لبثه فيهم، والذي بلغ أربعين عامًا!!
لم يؤثر عنه في خلالها علم، ولا شعر، ولا بلاغة، ولا فصاحة. . .!
فلما بلغ الأربعين تحدث. . . وتحدث كثيرًا بالعلم النافع، والهدي القويم، والخير العميم. . .!
وتحول (الأميُّ) إلى معلم. . . لا معلم مدرسة أو منطقة أو مدينة أو قبيلة أو دولة. . . وليس معلم زمان واحد، أو جيل فريد. . .!
وإنما أصبح معلمًا للدنيا بأسرها، بكل ألوانها وأجناسها، معلمًا لكل العصور والدهور. .!
стр. 300
وقال الله تعالى ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (١) .
إنه لم يتكلم من عند نفسه، ولم ينطق بقوة جنانه، أو بروعة بيانه، أو بفصاحة لسانه. . . ولكن الله هو الذي علمه الحكمة وفصل الخطاب.
وقد علمه الله أن يقول في دعائه:
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٢) .
وقال تعالى مبينًا التحول العظيم في حياة الرسول ﷺ ، وكيف أنه سبحانه وحده هو الذي علمه ورباه، وزكاه ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٣) .
وقال عنه. وله: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالضُّحَى﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٤) .
стр. 301
والقرآن الكريم، وهو معجزة النبي ﷺ الكبرى.
وهو النص الوحيد الباقي لدين الله وهدايته، ومراده من عباده!
وهو المتعبد بتلاوته، والمتحدى بأقصر سورة منه!
وهذا هو السر في انتشار (رسالة محمد ﷺ وشيوعها في الخافقين، مع قلة ما يبذل في سبيلها- وبخاصة في هذا الزمان- من جهود، إذا قيست بما يقيمه أعداؤها في سبيلها من عقبات!!
إن الإسلام. . .
وإن القرآن. . .
وإن شريعة محمد ﵊. . .
إن هذا الخير الكبير، ينتشر، ويمتد في انتشاره، حتى بين البلاد التي يسمونها (العالم الجديد) بلاد النور، والحرية، وحقوق الإنسان!!
لقد قال أحد الأدباء الإنجليز المشهورين: (جورج برنارد شو) :
" وإذا كان لنبوءات كبار الرجال أثر، فإنني أتنبأ بأن دين محمد، قد بدأ يكون مقبولًا لدى أوروبا اليوم، وسيكون مقبولًا لديها أكثر غدًا، وسيكون دين الإنسانية جميعًا قبل الصيحة الأخيرة ".
وقد ثبت في الصحيح أن الرسول ﷺ قال: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» .
وسادسًا وسابعًا: فإن الدلائل والبراهين، القائمة الشاهدة على صدق محمد ﷺ وعلى نبوته أكثر من أن تحصى أو تستقصى:
فصحابته رضوان الله عليهم من أمارات صدقه، فالذي يدرس حياتهم في الجاهلية والإسلام، فرادى أو جماعات يجد عجبًا. . .
стр. 302
أمة متنابزة متخاصمة، بينهم تراث وعداوات، تقوم الحروب بينهم، ولا تهدأ إلا لتبدأ. . وهذه الحروب القائمة الدائمة المستمرة، تشعلها أوْهَى الأسباب، ولا تطفئها كل الجهود والمساعي. . .!
هذه الأمة، تحولت -بعون الله ومدده- إلى أمة متحالفة، متآلفة، متكاتفة، قوية. . . يقول عنهم الرسول ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم» .
ويقول الله عنهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١) .
وقال تعالى ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) .
ونقول باختصار- وباختصار شديد:
إن سيرة الرسول ﷺ من آياته. . . وأخلاقه، وأقواله، وأفعاله، وشريعته من آياته. . .
وأمته من آياته. . .
وغزواته من آياته. . . وعلم أمته ودينهم من آياته. . .
وكرامات صالحي أمته من آياته. . .
стр. 303
المعجزات الحسية
فإن قال قائل:
- فأين معجزات محمد ﷺ الحسية؟
فإننا نقول:
إن عد ذلك يحتاج إلى صفحات وصفحات، بل إلى كتب ومجلدات، لكننا نكتفي بإشارات وتلميحات، ومن أراد المزيد، والتفصيل، فليتبع ذلك في مظانه من كتب الحديث والسير والتواريخ، فهي مليئة بما يروي الغلة ويشفي العلة (١) .
ومعجزات الرسول ﷺ كثيرة، منها:
١- إخباره ﷺ أصحابه بفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق.
٢- وأن خيبر تفتح على يد علي ﵁ في غد يومه.
٣- وأنهم يقسمون كنوز ملك فارس وملك الروم.
٤- وأن فارس، نطحة أو نطحتان ثم لا فارس بعد هذا أبدًا، والروم ذات قرون كلما هلك قرن خلف مكانه قرن، أهل صخر وبحر، وهيهات آخر الدهر.
٥- وأن الله زوى له الأرض فرأى مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمته ما زوى له منها.
٦- ولا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎.
٧- وأن الفتن لا تظهر ما دام عمر حيًّا.
стр. 304
٨- وأن عثمان يقتل وهو يقرأ في المصحف.
٩- وأن أشقى الآخرين من يصبغ هذه من هذه يعني: لحية علي من دم رأسه.
١٠- وأن عمارًا تقتله الفئة الباغية.
١١- وأن الخلافة بعده في أمته ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا عضوضًا بعد ذلك.
١٢- وأنه يكون في ثقيف كذاب ومبير، أي مهلك، فرأوهما المختار والحجاج.
١٣- وأن أمته يغزون في البحر كالملوك على الأسرة، ففي الصحيحين: «كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان من خالات النبي ﷺ من الرضاع وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها يومًا فأطعمته ثم جلست تفلي رأسه فنام، ثم استيقظ يضحك، فقالت: مم تضحك؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكًا على الأسرة، أو كالملوك على الأسرة، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت من الأولين، فركبت البحر في زمن معاوية فصرعت عن دابتها بعد خروجها منه، فهلكت» (١) .
١٤- وأن فاطمة ﵂ أول أهله لحوقًا به، فماتت ﵂ بعد ستة أشهر من وفاته ﷺ .
١٥- وقال عن الحسن بن علي ﵄: «إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين» ووقع كما أخبر، فأصلح الله به بين أتباعه وأهل الشام.
١٦- وأن أبا ذر، يعيش وحيدًا، ويموت وحيدًا.
стр. 305
١٧- وأن أسرع أزواجه لوحقًا به أطولهن يدًا، فكانت زينب بنت جحش ﵂ أسرعهن لحوقًا به لطول يدها بالصدقة.
١٨- وأن سراقة بن جعشم، سيلبس سواري كسرى.
١٩- وقال لخالد ﵁ حين وجهه لأكيدر: إنك تَجده بصيد البقر.
٢٠- في البيضاوي، وغيره: إنه لما طلعت قريش من العقنقل قال ﷺ : «هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني. فأتاه جبريل ﵇، وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان تناول كفًّا من الحصباء فرمى بها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه، فانهزموا، وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر، فيقول الرجل قتلت، وأسرت» . أ. هـ.
وفي هذا يقول الله تعالى ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١) .
٢١- نبع الماء من بين أصابعه ﷺ في مواطن متعددة.
وهذه المعجزة أعظم من تفجر الماء من الحجر كما وقع لموسى ﵇، فإن ذلك من عادة الحجر في الكثير الغالب، وأما أن يحدث ذلك من أصابع هي لحم ودم، فلم يعهد من غيره ﷺ .
عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتى رسول الله ﷺ بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ يده في ذلك الإناء، وأمر الناس أن يتوضأوا
стр. 306
منه، قال فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ الناس حتى توضأوا عن آخرهم» وهذه المعجزات صدرت بالزوراء عند سوق المدينة.
وعن جابر ﵁ قال: «عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة فتوضأ منها وأقبل الناس نحوه، وقالوا: ليس عندنا ماء إلا في ركوتك فوضع النبي ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون " وكان الناس ألفًا وأربعمائة» .
٢٢- عن جابر ﵁ «أن رجلًا أتى النبي ﷺ يستطعمه، فاستطعمه شطر وسق شعير، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله، فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: " لو لم تكله لأكلتم منه ولقام بكم» (١) .
ومعجزة تكثير الطعام بدعائه ﷺ مروية عن بضعة عشر صحابيًّا، ورواه عنهم أضعافهم من التابعين، ثم من لا يعد بعدهم ولهذا نظائر مروية عن الأنبياء السابقين.
كما يظهر من معجزة إيلياء ﵇ في تكثير الدقيق والزيت في بيت امرأة أرملة (سفر الملوك الأول: ١٧)
وكذلك معجزة اليشع ﵇ في تكثير عشرين خبزًا من شعير وسنبل مفروك في منديل حتى أكل مائة رجل وفضل (سفر الملوك الثاني: ٤) .
وكذلك معجزة عيسى ﵇ في تكثير خمسة أرغفة وسمكتين (إنجيل متى: ١٤) .
٢٣- عن جابر ﵁، «كان المسجد مسقوفًا على جذوع نخل، وكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر، سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار» ، وفي رواية أنس: «حتى ارتج المسجد
стр. 307
لخواره» ، وفي رواية سهل: «وكثر بكاء الناس لما رأوا ما به» ، وفي رواية المطلب: «حتى تصدع وانشق حتى جاء النبي ﷺ ووضع يده عليه فسكت!»
٢٤- عن ابن عباس ﵄، قال: «كان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم مثبتة الأرجل بالرصاص في الحجارة، فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد عام الفتح جعل يشير بقضيب في يده إليها ولا يمسها، ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا ". فما أشار إلى وجه صنم إلا وقع لقفاه، ولا لقفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم» .
٢٥- عن سعد بن أبي وقاص ﵁: «أن عين قتادة ابن النعمان أصيبت حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله ﷺ فكانت أحسن عينيه» .
٢٦- عن أنس بن مالك ﵁، قال: «قالت أمي: يا رسول الله، خادمك أنس، ادع الله له، فقال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته. قال أنس: فوالله إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي ليعادون اليوم نحو المائة.»
٢٧- إسراؤه ومعراجه ﷺ ، قال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) .
ولا يحق لواحد من النصارى أن ينكر إسراء النبي ومعراجه، لأن مثله ثابت في كتبهم لإيلياء وغيره، ففي العهد القديم:
" وكان عند إصعاد الرب إيليا في العاصفة إلى السماء أن إيليا واليشع ذهبا من الجلجال " (سفر الملوك الثاني، ٢: ١) .
" وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار وخيل من نار فصلت بينهما فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء " (سفر الملوك الثاني، ٢: ١١) .
стр. 308
٢٨- انشقاق القمر، لقوله تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (١) .
فعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: «ألا إن الساعة قد اقتربت، وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم» .
٢٩- ودعا النبي ﷺ على كسرى حين مزق كتابه أن يمزق الله ملكه، فلم تبق له باقية.
٣٠- تسليم الأحجار عليه، وتسبيح الحصى في كفيه.
ولو رحنا نتتبع هذا كله، لما اتسع المقام ولا المقال، ولكننا نجتزئ مما ذكرناه، ومن أراد " الزيادة " و " التفصيل " فعليه بكتابي:
١- الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
٢- إظهار الحق، للشيخ رحمة الله الهندي.
فإن قال قائل: إن ما ذكرته وما نقلته من هذه المعجزات الحسية، لم نره، ولم نشاهده، ولم نحس به، فلا يكون حجة علينا!!
قلنا له: وكذلك معجزات المسيح وغيره من الأنبياء لم نرها، ولم نشاهدها، ولم نحس بها!!
فإن قال قائل: لكن تواترت روايات الثقات بهذا؟
قلنا له: إن (الرواية الإسلامية) هي أدق الروايات وأضبطها على الإطلاق، أما (الرواية المسيحية) فهي رواية يعتريها الشك من كل أقطارها!
ثم إن (المعجزة الحسية) هي كل شيء بالنسبة لهذه الديانات،. فإن ثبتت صحت هذه الديانات، وإن انتقت أو دخلها الشك، بطلت هذه الديانات!
стр. 309
أما الإسلام. . . الدين الخاتم. . . الذي جاء به النبي الخاتم محمد ﷺ . . فإنه لم يركز على المعجزة الحسية وحدها. . . وإنما ركز على المعجزات المعنوية. . . وفي قمتها القرآن الكريم. .
والقرآن الكريم معجزة عقلية معنوية باقية لا يهون من جلالها مرور الزمان، وتقادم الأيام، بل إن الزمان كلما تقادم زاد هذا القرآن جدة وقوة وإعجازًا، فالزمان عنصر من الإعجاز في القرآن. . .!
إن الإسلام دين معجز، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان ومجالات واتجاهات!
فهو معجز في تشريعه. . .!
وهو معجز في تاريخه. . .!
وهو معجز في دائرة معارفه. . .!
وهو معجز في فتوحاته وانتصاراته. . .!
فإن قال قائل: إن القرآن ينفي (المعجزات الحسية) عن النبي ﷺ كما جاء في سورة الأنعام ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ سورة الأنعام، آية ١٠٩. .
وكما جاء في سورة الإسراء ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ سورة الإسراء، الآيات ٩٠- ٩٣. .
стр. 310
قلنا له: الذي يفهم من هذه الآيات، وما شاكلها، نفي المعجزات المقترحة، ولا يلزم من نفي المعجزات المقترحة نفي المعجزات مطلقًا.
إذ أنه ليس حتمًا على الأنبياء أن يظهروا معجزة كلما طلبها المنكرون!!
بل -على العكس- فهم لا يظهرون المعجزة إذا كان طلبها منطويًا على العناد والامتحان والاستهزاء. . .
ولذلك نظائر في كتب القوم، لا أدري لماذا يغفلون عنها، تقول أسفار العهد الجديد:
" فخرج الفريسيون وابتدأوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه، فتنهد بروحه، وقال: لماذا يطلب هذا الجيل آية. الحق أقول لكم لن يعطي هذا الجيل آية " (إنجيل مرقس: ٨: ١١، ١٢) .
ومعنى هذا النص أن الفريسين طلبوا معجزة من عيسى ﵇ على سبيل الامتحان، فما أظهر معجزة، ولا أحال- في ذلك الوقت- إلى معجزة ولا وعد بإظهار معجزة فيما بعد. . .!
بل قال: (لن يعطى هذا الجيل آية) وهذا يدل على أنه لن تصدر عنه معجزة إطلاقًا. . .!
لأن لفظ الجيل يشمل جميع الذين كانوا في زمانه!
وليس هذا هو النص الوحيد، الذي نقلته إلينا أسفار العهد الجديد، فهناك نصوص أخرى:
ففي إنجيل لوقا:
" وأما هيرودس فلما رأى يسوع فرح جدًّا لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة، وترجى أن يرى آية تصنع منه. وسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء. ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يشتكون عليه باشتداد.
стр. 311
فاحتقر هيرودس مع عسكره واستهزأ به وألبسه لباسًا لامعًا ورده إلى بيلاطس " (إنجيل لوقا، ٢٣: ٨- ١١) .
وفي إنجيل لوقا أيضًا:
" والرجال الذين كانوا ضابطين يسوع كانوا يستهزئون به وهم يجلدونه، وغطوه وكانوا يضربون وجهه، ويسألونه قائلين: تنبأ. من هو الذي ضربك. وأشياء أخرى كثيرة كانوا يقولون عليه مجدفين " (إنجيل لوقا، ٢٢: ٦٣- ٦٥) .
وفي إنجيل متى:
" وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم قائلين: يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك. إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب. وكذلك رؤساء الكهنة أيضًا وهم يستهزئون مع الكتبة والشيوخ، قالوا: خلص آخرين، وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به، قد أتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده. لأنه قال: أنا ابن الله. وبذلك أيضًا كان اللصان اللذان صلبا معه يعيرانه " (إنجيل متى، ٢٧: ٣٩- ٤٤) .
وفي إنجيل متى أيضًا: " حينئذ أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين يا معلم نريد أن نرى منك آية. فأجاب وقال لهم جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال فكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال " (إنجيل متى ١٢، ٣٨- ٤٠) .
стр. 312
ولنا على هذا النص ملاحظتان:
الملاحظة الأولى: أن المسيح قد وعد بمعجزة لم تصدر عنه، لأن المسيح صلب قريبًا من نصف النهار من الجمعة كما يعلم من الإصحاح التاسع عشر من إنجيل يوحنا.
ومات في الساعة التاسعة، وطلب يوسف جسده من بيلاطس وقت المساء فكفنه ودفنه كما هو واضح من إنجيل مرقص.
فدفنه لا محالة كان في ليلة السبت.
وغاب هذا الجسد عن القبر قبل طلوع الشمس من يوم الأحد كما هو واضح في إنجيل يوحنا. فما بقي في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال -كما قال- وإنما بقي يومًا وليلتين!!
والملاحظة الثانية: أن (قيامه من الأموات) لم يره الكتبة والفريسيون بأعينهم. . لأنهم هم الذين طلبوا الآية. . ولأنهم هم الذين وعدوا بها!!
وفي إنجيل متى أيضًا:
" فتقدم إليه المجرب، وقال له: إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزًا. فأجاب وقال. مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله. ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة وأوقفه على جناح الهيكل، وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل، لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك، فعلى إياديهم يحملونك لكي لا تصطدم بحجر رجلك. قال له يسوع: مكتوب أيضًا لا تجرب الرب إلهك " (إنجيل متى ٤، ٣٠، ٧) .
ففي هذا النص نرى أن إبليس طلب من عيسى ﵇ -على سبيل الامتحان- معجزتين، فما أجاب إلى واحدة منهما!!
стр. 313
الجهاد في الإسلام
و. . . بين يدي سؤال عن السيف، وانتشار الإسلام بالسيف، وهو سؤال مكرور ومعاد. . . وليست هذه أول مرة يثار فيها، ولن تكون آخر مرة!!
وليست هذه أول مرة يجاب فيها على هذا السؤال، ولن تكون آخر مرة!! لأن قائمة (النحل الفاسدة) قائمة محفوظة، تلقى إِلقاء بدون وعي ولا بصيرة!
وكأن الله أراد. . لرجال الكهنوت أن يحتفظوا بقائمة الاتهامات هذه. . . وأن ينشروها بين أتباعهم. . . ومن يريدون إيقاعهم في شباكهم وشراكهم. . .!
لتكون هذه القائمة. . . كما أرادوا لها أن تكون! . . . صدًّا عن سبيل الله، وصرفًا للناس عن دين الهدى والحق. . .!
ولكنها تصبح إمارة هدى، وإشارة براءة، وبشارة حق، كما أراد الله لها أن تكون. .! وفرق كبير وهائل. . . بين ما يريده الله. . . وما يريده الطغاه!
لقد أمر الله المسلمين بأن يجادلوا الناس جميعًا بالتي هي أحسن سواء أكانوا من أهل الكتاب، كما قال تعالى ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١) .
أم كانوا من غيرهم، كما قال تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾
стр. 314
﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١) .
وهذه الآيات وأمثالها، لا تناقض ما جاء في قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٢) .
فالجمع بين (الجدال) و (الجهاد) وهو أسلوب الإسلام ومنهجه، ولكل منهما موضعه، إذ إن كلًّا منهما ينفع حيث لا ينفع الآخر، وإن استعمالهما جميعًا أبلغ في إظهار الهدى ودين الحق.
فمن كان من أهل الذمة والعهد والمستأمن منهم لا يجاهد بالقتال، فهو داخل ضمن أمر الله بدعوته ومجادلته بالتي هي أحسن، وليس داخلًا فيمن أمر الله بقتاله.
ففي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال في خطبته عند وفاته:
" وأوصي الخليفة من بعدي بذمة الله وذمة رسوله ﷺ ، أن يوفي لهم بعهدهم، وإن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم ".
وهذا امتثال لقول النبي ﷺ :
«ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه من حقه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة» رواه أبو داود.
стр. 315
قال أبو عبيد، في (كتاب الأموال) عن ابن الزبير:
«كتب النبي ﷺ إلى أهل اليمن أنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته، فإنه لا يفتن عنها، وعليه الجزية» .
وأما الظالمون الذين قال الله فيهم ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (١) .
فهؤلاء لم نؤمر بجهادهم بالتي هي أحسن، لأن الظالم ليس بذي علم ولا دين ولا حق، ولهذا كان مستحقًّا للقتال.
وأما المستجير المستأمن -وهو من أهل الحرب- فقد أمر الله تعالى بإجارته حتى تقوم حجة الله عليه، ثم يبلغ مأمنه، قال تعالي: - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
والحرب الإسلامية، دفعت إليها الرحمة، وأظلتها الرحمة، وأنهتها الرحمة. . وإذا كان من الرحمة بجسم الإنسان أن تقطع بعض إجزائه الفاسدة حتى لا يسري الفساد ولا يستشري، فإن من الرحمة بالناس جميعًا أن تبتر عناصر الفساد من الطغاة والظالمين والمستبدين، حتى يعيش سائر الناس آمنين مطمئنين، لا يهدد حياتهم خوف ولا ظلم ولا اضطهاد.
والباعث على الحرب الإسلامية، كما جاء في القرآن الكريم، رد العدوان، وصد الطغيان، قال تعالي: -
стр. 316
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١) .
وقال تَعالى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢) .
وقال تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٣) .
وقد بين أن معاملة المعتدين إنما تكون على قدر اعتدائهم، فقال تعالى: - ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) .
ومن هذه النصوص وغيرها -وهو كثير- نرى أن ابتداء الاعتداء كان من المشركين، وكان اعتداء على الحرية الدينية، ومحاولات متكررة، وبشتى الأساليب لفتنة المؤمنين في عقيدتهم، وصرفهم عن دينهم، وصدهم عن سبيل ربهم.
كذلك نستبين من هذه النصوص وغيرها -وهو كثير- أن المسلمين لما طولبوا وخوطبوا برد العدوان، طولبوا وخوطبوا -أيضًا- بأمرين هامين هما:
стр. 317
١- عدم الاعتداء ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٣٠ والاعتداء هنا، هو أن يقاتلوا من لم يبدأهم بقتال، ومن لم يضع العقبات والعراقيل في سبيل تقدم الدعوة الإسلامية الهادية.
٢- والتقوى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١) . والتقوى -هنا- هي الالتزام بالفضيلة، فلا يجرفهم تيار العداوة إلى التشبه بأعدائهم فيما يفعلون، من العدوان على الأعراض، والتمثيل بالقتلى. . . وما إلى ذلك من أسلوب شركي جاهلي إرهابي خبيث.
ثم. . . إن الذين يراجعون (السيرة النبوية) وما جرى للمسلمين من اضطهاد وتعذيب، وفتنة وتشريد، يعلمون أن الباعث على (الحرب الإسلامية) إنما هو رد العدوان، وإيقاف المد الهمجي الرهيب للظلم والطغيان، ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٢) . هذا هو مجمل الحديث عن القتال في شبه الجزيرة العربية، وهذه هي باختصار شديد ومفيد، أسبابه ودوافعه!
لقد تجمع الشرك بكل قدراته، وجحافله، وألقى بأفلاذ أكباده، ليضرب الإسلام في معقله، وبين أنصاره من أهل (المدينة) !!
فنزل قول الله تعالى: - ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) . .
تلك كانت حال (الحروب الإسلامية) داخل الجزيرة!
أما حال هذه الحروب خارج الجزيرة: -
стр. 318
فلقد وجه الرسول ﷺ كتبه ورسله إلى الملوك والرؤساء، إلى هرقل، وإلى المقوقس، وإلى كسرى. . وإلى غيرهم. . بل وإلى أمراء بعض البلاد العربية النائية. . .
فما كان جواب أكثرهم إلا الإساءة، سواء أكانت إساءة قولية أم فعلية!!
ومن تتبع صفحات التاريخ، نرى أن الباعث على (الحرب الإسلامية) إنما هو دفع الأذى، وتمكين الدعوة، ومقاومة الشر، ومكافحة الطغيان. . . ولم يكن ثمة إكراه على دين، أو قهر على إيمان، قال تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) . .
وقال تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) . .
ولم يثبت أن النبي ﷺ أكره أحدًا على الدين بل ثبت عكس ذلك، وهو، أن بعض الأنصار أراد أن يكره ولده على الإسلام فنهاه النبي ﷺ عن ذلك.
ويقول تعالى: - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) . .
стр. 319
وهنا نتوقف لنستعرض بعض النصوص التي تلقي الضوء على أسلوب النبي ﷺ ووصاياه في الحرب، سواء أكان ذلك في وقت الإعداد لها أم في وقت مباشرتها أم في أعقابها.
١- كان النبي ﷺ يدعو المؤمنين إلى عدم تمني لقاء العدو، فكان يقول:
«لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا» (١) .
٢- ولقد كان ﷺ حريصًا على منع القتال حتى بعد أخذ الأهبة له، فهو يقول لمعاذ بن جبل وقد أرسله إلى اليمن قائدًا:
«لا تقاتلوهم حتى تدعوهم، فإن أبوا فلا تقاتلوهم حتى يبدأوكم، فإن بدأوكم فلا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم قتيلًا، ثم أروهم ذلك، وتولوا لهم: هل إلى خير من هذا من سبيل، فلأن يهدي الله على يديك رجلًا واحدًا خير مما طلعت عليه الشمس وغربت» .
٣- ولقد قال النبي ﷺ في وصف دعوته وحربه: «أنا نبي الرحمة، وأنا نبي الملحمة» .
والرحمة والملحمة متلازمتان في حروب النبي ﷺ . . .!
فالرحمة الحقيقية إنما تكون في قطع أصول الفساد، وإيقاف انتشار الجريمة والشر.
٤- وكان النبي ﷺ يوصي جنده بتأليف القلوب، لا بإتلاف النفوس، فهو يقول: «تألفوا الناس، وتأنوا بهم، ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل مدر أو وبر أن تأتوني بهم مسلمين، أحب إلي من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم» .
стр. 320
٥- وكان النبي ﷺ يوصي جيشه المحارب بألا يقوم بإتلاف زرع أو قطع شجر، أو قتل الضعاف من الذرية والنساء والرجال الذين ليس لهم رأي في الحرب، ولم يشتركوا فيها من قريب أو بعيد، ومن ذلك قوله: «سيروا بسم الله، في سبيل الله، وقاتلوا أعداء الله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا» .
ويقول ﵊ لخالد بن الوليد ﵁:
«لا تقتل ذرية ولا عسيفًا: أي عاملًا» .
٦- وكان النبي ﷺ يشدد في المنع من قتل الأطفال والنساء والشيوخ الذين لا يحاربون، وليس لهم رأي في الحرب.
فقد مر النبي ﷺ على القتلى، فرأى امرأة مقتولة، فقال: «ما كانت هذه لتقاتل» .
وقال: «ما بال أقوام تجاوز بهم القتل حتى قتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية» .
٧- وكان النبي ﷺ ينهى عن المثلة -ولو فعلها المشركون مع المسلمين- قال:
«إياكم والمثلة» .
٨- ويأمر النبي ﷺ بدفن قتلى المشركين، ولم يترك جثثهم نهبًا لوحوش الأرض، وسباع الطير، إذ «أمر ﷺ بوضع جثث القتلى من قريش في (القليب) وهي بئر جافة» .
كما نهى ﷺ عن الإجهاز على الجرحى.
٩- وكانت حرب النبي ﷺ تنتهي بأحد أمور ثلاثة: