← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

الفرع الأوَّل دفع دعوى دَسِّ مُسلِمة أهلِ الكتابِ الإسرائيليَّاتِ في الحديثِ أمَّا دعوى المُعترضِ في شبهته الأولى، فجوابُها أن يُقال: أنَّه تزيِيفٌ منه مَشينٌ للتَّاريخ! وتَقوُّلٌ على الصَّحابة ﵃ ما لم يَفعلوه، وازدراءٌ لمكانتهم في الدِّين والعقل. فإنَّ النَّاس حين دَخَلوا -بِشَتَّى أُمَمِهم واختلافِ مِلَلِهم- في دينِ الله أفواجًا، وكان كثيرٌ منهم مِن أهلِ الكتابِ، كنَصارى الشَّام، ويهودِ المدينةِ واليَمن؛ منهم مَن أدركَ النَّبي ﷺ ، فحَسُن إسلامُه، وانخرَط في سِلكِ الصَّحابة ﵃، منهم عبد الله بن سَلام، وتميمِ الدَّاري. ومنهم مَن أدركَ الصَّحابةَ أو مَن دونهم: اشتغلوا بأخذِ علومِ الكتابِ والسُّنةِ عنهم، وأخَذَ بعضُ الصَّحابة عنهم تاريخَ الأوَّلين، وأخبارَهم ممَّا ورثوه مِن صحائِفِ أسلافِهم. ولم يكُن إذَّاك إسلامُ هؤلاء ولا ما يُحدِّثون به مَثارَ رَيْبٍ وتَوَجُّسٍ عند مَن عاصَروهم مِن عمومِ المسلمين وعُلمائِهم، ولا عند مَن جاء بعدهم مِن أئمَّة العلمِ والدِّين، بل كانوا مُوَثَّقين في حديثِهم، عُدولًا في دينِهم، إلَّا مَن أبان منهم عن سُوءِ طَويَّته وجُرمِ فِعاله، كعبدِ الله بن سَبأ اليَهودي، لم يَلبثوا أن أمسكَ الصَّحابة مِن أقفائِهم يُحذِّرون النَّاس شرَّهم، ويشُرِّدون بقَمْعِهم مَن خلفَهم.

стр. 1612

إلى أن جاءنا في هذه العقودِ النَّحِساتِ! مَن صارَ شُغله إثارةُ الشُّكوكِ في مُسلمةِ أهلِ الكتابِ مِن رُواة الحديثِ بخاصَّة، وزَرعِ بذورِ الشُّبَهِ في عقولِ النَّاشئةِ المُثقَّفة مِن المسلمين؛ فلقد اتَّهمَهم المُستشرقون بالكذبِ على ذقونِ العلماء! وتَبِعهم أذنابُهم مِن بعض كُتَّاب العصرِ، إذ حَمَّلوهم تُهمةَ الدَّسِ في الدِّين خُرافاتِ الأقدمين، وحَبك أكاذيب على سُنَّةِ الصَّادقِ الأمينِ. وقد بَلغت القِحةُ ببعضهم مَبلغًا عظيمًا تجرَّؤوا بها على الطَّعنِ في اثنين مِن أهلِ الكتابِ مِمَّن أسلموا على يَدِ النَّبي ﷺ : عبد الله بن سَلام ﵁، وتميم الدَّاري ﵁، فاتَّهمُوهما بالاحتيالِ على المُسلمين «بما أظهروه مِن كاذبِ الوَرعِ والتَّقوى .. وذلك بأن دَسُّوا إلى أصول الإسلام الَّتي قام عليها ما يريدون مِن أساطير وخرافاتٍ، وأوهامٍ وترَّهاتٍ، لكي تَهِي هذه الأصول وتضعُف» (١). فلَإن كان هذان الصَّحابيان قد احتالا على المُسلمين في دعوى إسلامِهما، لتَوهين الدِّين -زَعموا-، فهل انطَلَت حِيلَتُهما ونِفاقُهما على النَّبي ﷺ طول تلك السِّنين؟ حتَّى أقرَّ بفضلِهما وتَصديقهِما بوَحيِ مِن رَبِّ العالمين؟! وانطلَى أمرُهم على الصَّحابةِ بعدَه أجمعين؟! إنَّه -والله- لا يُسيء الظَّنَ بهذين «إلَّا جاهِلٌ أو مُكذِّب لله ورسولِه» (٢)؛ فلا داعي للإطالةِ في الذَّبِ عنهما ذاك التَّشغيب، وقد ثبتت صُحبَتُهما واستقرَّ فضلُهما عند سائرِ المؤمنين. ثمَّ لم تَنَل تلك التُّهَم العُضالُ أحدًا ممَّن أسلَم مِن أهلِ الكتاب مِن بعد هذين كما نالَتْ كعبَ الأحبار (٣). . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1613

ووهب بنَ مُنبِّه (١)؛ كونهما أشهرَ مَن حَدَّث منهم عن الأقدمين، وأكثرَ مَن سِيقت أقوالهم في كُتبِ التَّفسير والحديث، فشمَلهما ذلك الحكمُ الاستشراقيُّ الظَّالم، وطَفَق المَفتونون بهم يكيلونهما قناطيرَ اللَّعنِ، ويَرمونهما بسهامِ الطَّعنِ، يُلزقون بهما كلَّ ما استقبحوه مِن الحديث، أو استنكروه مِن المَرويَّات، وهم لا يَفتؤون يُمثِّلون بهما في مَعرضِ التَّحذير مِن كَيدِ الأعادي بالإسلام، والتَّباكي على ما دَسَّوه في الرِّواية من مَعايب وأوهام. فتناوَلَ الكُتَّاب النَّاقمون على كُتب الأخبارِ هذا التَّابعيَ بكثيرٍ مِن الإسهاب والتَّفصيل، حتَّى عَدُّوه زنديقًا قد حَقَن الدِّين بإبَرِ الخرافةِ والتَّضليلِ! مُتلاعبًا في ذلك بالصَّحابةِ ثمَّ تابعيهم بإحسان، إلى أن منَّ الله عليهم باكتشاف كذبِه في هذه الأعصُر المتأخرة! وقد كان (رشيد رضا) -للأسفِ- أطولَ هؤلاء الكُتَّاب المُعاصرين نَفسًا في الطَّعنِ بكعبِ الأحبار، قد أسالَ في ظُلمِه الكثيرَ مِن المِدادِ، سَواء في «تفسيرِه» (٢) أو في مجلَّتِه «المنار» (٣)، ولو جُمِع كلامُه فيه لوحده مَا وسِعَه سِفرٌ واحد! فلذا انكَبَّ الطَّاعِنون في كعبٍ بعده يَستشهدون بكلامِه فيه والإشادةِ به، قد جعلوا ذلك مطيَّةً لرَميِ أهلِ الحديثِ بالغَفلةِ وتَبخيسِ كلامِهم في الرُّواةِ؛ كما تراه

стр. 1614

-مثلًا- في قول (أبو ريَّة): «لم نَجِد في هذا العصرِ، بل في العصورِ الأخيرة، مَن فَطِنَ لدهاءِ كعب ووَهبٍ وكيدهِما، مثلَ الفقيه المحدِّث محمَّد رشيد رضا .. » (١). ومع أنَّ الاتِّهام الَّذي وُجِه إلى كعبٍ بالزَّندقةِ تُهمة خطيرة، مُعرَّضٌ صاحبُها للعذابِ الشَّديدِ -والعياذ بالله-، فقد كان أغلبُ مَن رَماه بذلك البُهتان مُجرَّدَ مُنساقٍ وراء ما سَاقَه (رشيد رضا) مِن شُبَهٍ يَراها دلائلَ على ثبوتِ دعاوي المُستشرقِين عليه، ولم يَزيدوا على ما ذَكر رشيدٌ غيرَ تقميشِ رواياتٍ مُعضَلةٍ لا خِطام لها ولا أزِمَّة. وكان حاصلُ احتجاجِ (رشيد رضا) علي كَعبِ الأحبارِ راجعًا إلى دليلين: أوَّلهما: أثرٌ لمعاوية بنِ أبي سفيان ﵁، فَهِمَ منه تكذيبَه لكعبٍ. والثَّاني: أنَّ ما جاء به مِن الإسرائيليَّات لا توجد في نُسَخِ التَّوراة الَّتي بين أيْدِينا. فأمَّا دليله الأوَّل: فيعني به ما أخرجه البخاريُّ في «صحيحه»، عن معاوية بن أبي سفيان ﵁، أنَّه كان يُحَدِّث رهْطًا مِن قريشٍ بالمدينة، وذُكِر كعبُ الأحبار، فقال: «إنْ كان مِن أصدقِ هؤلاء المُحدِّثين الَّذين يُحدِّثون عن أهلِ الكتاب، وإنْ كُنَّا مع ذلك لنَبلُو عليه الكذِبَ» (٢). يقول (رشيد رضا): «إنَّ قولَ معاوية .. طعنٌ صريحٌ في عدالتِه، وفي عدالةِ جمهورِ رُواةِ الإسرائيليَّات، إذ ثَبَت كذبُ مَن يُعَدُّ مِن أصدقِهم» (٣). والجوابُ عليه في هذا الاستدلال أن يُقال: إنَّ فهمَه مِن كلامِ معاوية ﵁ تكذيبًا للهجةِ كعبٍ، وطعنَه في عدالته، فهمٌ بعيدٌ عن مُرادِ قائِله! يظهر وَهاؤُه إذا عَلِمنا أنَّ أحدًا مِن العلماءِ المتُقدِّمين قبلَه لم يَفهم هذا مِن كلامِه، وكانوا أعلمَ مِن رَشيدٍ باللِّسانِ، ومَعاني الكلام، وأجمعَ منه لمِا يحتَفُّ بالقَضايا العِلميَّة المَبحوثِ فيها مِن قرائن وأدلَّة.

стр. 1615

ومُحصَّل تَوجيهِهم المُعتبَرِ لكلامِ معاوية ﵁: أنَّه كان يَقَع من كعبٍ الكذبُ مِن غيرِ قَصدٍ، والكذبُ في اللُّغة قد يأتي بمعنى الخَطأ (١)، لأنَّه يُشبهه في كونِه ضدَّ الصَّواب، كما أنَّ الكذب ضدُّ الصِّدق، وإنْ افترقا مِن حيث النِّية والقَّصد (٢). يقول ابن حبَّان: «أرادَ معاوية أنَّه يُخطئ أحيانًا فيما يُخبر به، ولم يُرد أنَّه كان كَذَّابًا» (٣). فلِأنَّ كعبًا كان يُحدِّث عن صُحفٍ فيها أشياءُ مكذوبةٌ -إذ لم يَكُن في مِلَّتِهم حُفَّاظ مُتقنون يَذبُّون عنها كما في الأمَّةِ المحمَّدية- «كان يَقع بعضُ ما يُخبرنا عنه بخلافِ ما يُخبرنا به، .. وهذا نحو قولِ ابنِ عبَّاس في كعبٍ المَذكور: بَدَّلَ مَن قَبله، فوَقَع في الكذبِ» (٤). ويقول ابن الجوزيِّ في شرحِ عبارةِ معاوية: «يعني أنَّ الكذبَ فيما يُخبر به عن أهل الكتاب لا منه، فالأخبارُ الَّتي يحكيها عن القومِ يكون بعضها كذبًا، فأمَّا كعب الأحبار فمِن كبارِ الأخيار» (٥). فهذه أعدَلُ التَّأويلاتِ لكلامِ معاويةِ ﵃ في حقِّ كعبِ الأحبار. ومهما يكُن؛ فإنَّ جميعَ العلماءِ يَشرحونه بما يُبعِد هذه الوصمةَ الشَّنيعةَ عنه، ولا أحدَ مِن أئمَّة الجرح والتَّعديل فهِم مِن كلام معاوية ما فهِمه (رشيد رضا)، «والكلامُ مِن معاوية له وزنُه، فهو رجلٌ داهيةٌ، لا تخفى عليه الرِّجال ولا دَسائسهم، ومعاويةُ لا يخشى كعبًا، ولا يُعقَل أن يَتمَلَّقه، ولو يعلمُ فيه أكثرَ مِن ذلك لقالَه» (٦).

стр. 1616

في مُقابل ذلك، وجدنا بعض المُعاصرين مِن أهلِ السُّنةِ يقدمون على التَّدليلِ لهذا التَّوجيه لكلامِ معاوية ببعض الآثارِ الضَّعيفة يمدح فيها معاوية عِلمِ كعبٍ! إمعانًا في صرفِ تأويلِ رشيدٍ لكلامِ معاويةَ! وهذا ممَّا لا ينبغي الوقوع فيه (١). وأمَّا الاستدلال الثَّاني لرشيد رضا: فدعواه بأنَّ ما جاء عن كعبٍ مِن الإسرائيليَّات لا يوجَد في نُسَخ التَّوراةِ الَّتي بين أيدينا، فيقول في ذلك: « .. مَن كان مُتقنًا للكذبِ في ذلك -أي عن أهلِ الكتابِ- يتَعذَّر أو يتَعسَّر العثور على كذبِه في ذلك العصرِ، إذْ لم تكُن كتبُ أهلِ الكتابِ مُنتشِرَةً في زمانِهم بين المسلمين كزمانِنا هذا، فإنَّ توراة اليهودِ بين الأيدي، ونحن نَرى فيما رواه كعب ووَهبٌ عنها ما لا وجود له فيها البتَّة على كثرتِه! وهي التَّوراة الَّتي كانت عندهم في عصرهما، فإنَّ ما وَقَع مِن التَّحريفِ والنُّقصانِ منها قد كان قبل الإسلام، وأمَّا بعده فجُلُّ ما وَقع من التَّحريف هو المَعنويُّ، بحملِ اللَّفظِ على غير ما وُضِع له، واختلاف التَّرجمة. ولا يُعقَل أن تكون هذه القَصص الطَّويلة الَّتي نراها في التَّفسيرِ والتَّاريخِ مَرويَّةً عن التَّوراةِ، قد حُذفت منها بعد موتِ كعبٍ ووهبٍ وغيرهما مِن رُواتها، فهي مِن الأكاذيب الَّتي لم يَكُن يَتيسَّر للصَّحابة والتَّابعين ولرجالِ الجرح والتَّعديل الأوَّلين العثور عليها، وكذا علماءُ القرونِ الوسطى مِن المُحدِّثين وغيرهم، إلَّا مَن عُني عناية خاصَّة بالاطِّلاعِ على كُتبِ العهدِ العتيقِ والعهدِ الجديدِ عند أهلِ الكتابِ، وعلى التَّواريخ المُفصِّلة لأخبارهم، وقليلٌ ما هم» (٢).

стр. 1617

وإمعانًا منه في ترسيخ هذه التُّهمة، يقول: «روايةُ كعبٍ عن التَّوراة مِن وَصفِ النَّبي ﷺ ، كذبٌ على التَّوراة أيضًا، وبمثلِها كان يخدعُ المسلمين»! (١). ثمَّ قرَّرَ أنَّ خفاءَ أمر كعبٍ على علماءِ الأمَّةِ ينبغي ألَّا يكون مانِعًا لأصحابِ الفكرِ المُستقلِّ في هذا العصرِ المتأخِّر، مِن الحكم عليه بما يظهر لهم ممَّا خَفِي على المُتقدِّمين، فيقول: « .. مِن هذا القبيل حكايةُ بعض الرُّواةِ -ككعبٍ ووهب- عن كُتب بني إسرائيل، لم يكُن يحيى بن معين وأحمد وأبو حاتم وابنه وأمثالهم يعرفون ما يَصحُّ من ذلك وما لا يصحُّ، لعدمِ اطِّلاعهم على تلك الكُتب، وعدم ظهورِ دليلٍ على كذب الرُّواة المُتقنين للكذبِ فيما يَعزونه إليها، فإذا ظَهَر لمن بعدَهم في العصرِ، أو فيما قبله، أو فيما بعده ما لم يظهر لهم مِن كذبِ اثنين أو أكثر مِن هؤلاء الرُّواة، فهل يُكابر حِسَّه ويُكذب نفسَه، ويُصدِّقهم بلسانِه كذبًا ونِفاقًا؟! أو يكتم الحقَّ عن المسلمين، لئلَّا يكون مخالفًا لمن قبله فيما ظَهَر له ولم يظهر لهم؟!» (٢). والرَّد على هذا الاستدلال الثَّاني يتبيَّن من وجوه: فأمَّا اتِّهامه لكعبٍ بالتَّقوُّل على التَّوراة، وأنَّ ما نَسَبه إليها إنَّما هو مِن كِيسه: فأوَّلًا: لا بُدَّ أن يُعلَم أنْ ليسَ كلُّ ما يُنسَب لكعبٍ أو وهبِ بن منبِّه أو غيرهما مِن مُسلِمة أهلِ الكتابِ هو الثَّابت النَّقل عنهم، فإنَّ الوَضَّاعين استَغلُّوا شُهرتَهم، فكذَبوا عليهم لأغراضِهم، وكان الكذبُ عليهم أيسرَ مِن الكذبِ على النَّبي ﷺ (٣). وفي تقريرِ هذه الحقيقةِ الَّتي غَفَل عنها رشيد رضا، يقول حسين الذَّهبي: «أمَّا كعبُ الأحبار، فقد رُوي عنه ونُسِب إليه الكثير مِن الإسرائيليَّات، وبعضُ ما نُسب إليه حقٌّ واضح، وبعضه كذبٌ فاضح، الأمر الَّذي جعل بعضَ النُّقاد يعتقد

стр. 1618

صحَّةَ روايته لكلِّ ما نُسِب إليه، فيكِيلُ له التُّهَم جزافًا، ولا يَرى كلَّ مرويَّاته الإسرائيليَّة إلَّا أكاذيب وأباطيل» (١). وثانيًا: لَإنْ ثَبَت عن كعبٍ وغيرِه تحديثُه بروايةٍ إسرائيليَّةٍ، فإنَّه ما كان يُحدِّث عن التَّوراة وحدَها حتَّى يُلزمَ باختراعِ الكلام! -كما يُفهم مِن كلام (رشيد رضا) - بل كان كعبٌ حَبرًا عالمًا بتراثِ اليهود، يُحدِّث مِن صُحفٍ أخرى وَرِثَها مِن أسلافِه الإسرائيليِّين؛ فإنَّ لفظَ (الكتاب) «يشمَلُ التَّوراة، والإنجيل، والصُّحف» (٢). ولا شكَّ أنَّ كثيرًا من تلك الصُّحف قد ضاعَ فلم يَعُد لها أثر، بل مَن يجزم لنا أنَّ التَّوراة الَّتي بين أيدينا اليومَ لم يَطُلها شيءٌ مِن التَّحريف زيادةً على ما كانت عليه مِن تحريفٍ زمنَ الصَّحابة! خاصَّةً أنَّها غير مُتواترةٍ التَّواترَ «الَّذي يُشترَط فيه نقلُ الجمِّ الغفيرِ، الَّذين يُؤمَن تواطؤهم على التَّبديلِ والتَّغييرِ في كلِّ طبقةٍ مِن الطَّبقات» (٣)، وهذا بإقرارِ (رشيد رضا) نفسِه. يقول المعلِّمي: «ما صَحَّ عنه مِن الأقوال -يعني كعبًا- ولم يوجد في كُتبِ أهل الكتابِ الآن ليس بحُجَّة واضحة على كَذبِه، فإنَّ كثيرًا مِن كُتبهم انقرضت نُسخها، ثمَّ لم يزالوا يحرِّفون ويبدِّلون، وممَّن ذكر ذلك السَّيد رشيد رضا في مواضع من التَّفسير وغيره» (٤). ثمَّ إنَّ لفظَ التَّوراة نفسِه -كما فَصَّلَ ابن تيميَّة القولَ فيه وأحسنَ- «قد يُراد به جميع الكتب الَّتي نزَلت قبل الإنجيل؛ فيُقال: التَّوراة، والإنجيل، ويُراد بالتَّوراة: الكتاب الَّذي جاء به موسى ﵇ وما بعده مِن نُبوَّة الأنبياء المتَّبِعين لكتابِ موسى، قد يُسَمَّى هذا كلُّه توراة؛ فإن التَّوراة تُفسِّر الشَّريعة؛ فكلُّ مَن دان بشريعةِ التَّوراةِ، قيل لنُبوَّتِه: إنَّها مِن التَّوراة.

стр. 1619

وكثيرٌ ممَّا يَعزوه كعبُ الأحبار ونحوُه إلى التَّوراةِ، هو من هذا الباب، لا يختَصُّ ذلك بالكتابِ المُنزَّل على موسى ﵇؛ كلفظِ الشَّريعةِ عند المسلمين: يَتَناول القرآن، والأحاديث النَّبوية، وما استُخرِج مِن ذلك» (١). وأمَّا عن مُخالفِتِه لأهلِ العلمِ بالجرحِ والتَّعديلِ في تزكيتِهم لكعبٍ، بدعواه عدمَ اطِّلاعِهم على التَّوراِة ومُقارنتها بما يُحدِّث به كعب: فمُجازفة في القولِ، وغَفلةٌ من رشيدٍ عن أصلِ الإجماعِ الَّذي لا يجوز مخالفةُ حُكمِه باجتهادٍ شَخصيٍّ مُحتملٍ، فقد قال النَّووي عن كعبٍ: «واتَّفقوا على كثرة علمه وتوثيقِه» (٢). ثمَّ الذَّهبي -وناهيك به إمامًا في معرفةِ الرِّجال- لم يذكرُه في كتابِ «ميزان الاعتدال»، مع أنَّه يذكُر فيه مَن تكُلِّم فيه -مع ثقتِه وجلالتِه- ولو بأدنى لِينٍ وأقلِّ تجريحٍ! (٣) ولَئِن كان (رشيد رضا) قد استثنَى ممَّن انْطَلى عليهم كذبُ كعبٍ مِن علماء الحديث «مَن عُني عنايةً خاصَّةً بالاطِّلاع على كُتبِ العهد العتيق، والعهد الجديد عند أهل الكتاب، وعلى التَّواريخ المفصِّلة لأخبارهم، وقليل ما هم» (٤)؛ فإنَّ ابنَ كثيرٍ الدِّمشقي -بإقرارِ رشيدٍ نفسِه- «يعلمُ مِن حالِ كُتبِ أهلِ الكتابِ ما لم يكُن يَعلمُ أئمَّة الجرح والتَّعديل ممَّن فوقَه، كأحمد، وابن معين، والبخاريِّ، ومسلم، الَّذين لم يروا هذه الكتب كما رآها، ولم يَطَّلعوا على ما بَيَّنه المطَّلِعون عليها قبله، مِن تحريفها، وأغلاطها، ومُخالفتها لما انقطع به مِن أصولِ الإيمان بالله ورسوله .. إلخ، كابنِ حزمٍ وابن تيميَّة أستاذه» (٥).

стр. 1620

ومع ذلك، فإنَّ هؤلاء الثَّلاثة لم ينبزوا كعبًا ولا وَهبًا بشيءٍ كما فعل رشيدٌ! بل زكَّوه بما يُعضِّد تعديلَ جماهيرِ النُّقادِ له؛ فبعيدٌ جدًّا أن يخفى حالهما على جميعِهم، عالمِهم بما عند أهلِ الكتاب وجاهلِهم، ثمَّ يظهرَ في آخر الأزمان لـ (رشيد رضا) كذبَه لوحده، بل زندقتَه! وبهذا تسقُط تلك الدَّعاوي العَريضة الَّتي تحامل بها (رشيد رضا) على كعب الأحبار، دون أن يُقدِّم بين يَدَيْها حُجَجًا مُقنعةً كافية، لتبقى مكانةُ كعبٍ في عدالتِهِ ووَثاقتِه كما اتَّفَق عليها المُتقدِّمون والمُتأخِّرون. وأمَّا عن مَوقف بعضِ الكُتَّاب المُعاصرين مِن (وهبِ بنِ مُنبِّه) (١): فأغلب الشُّبَه الَّتي أثارَها بعضُ المعاصرين حول وهب بن منبِّه هي نفسها الَّتي أثارها (رشيد رضا) حول كعبٍ الأحبار؛ فإنَّه لم يكُن يذكر كعبًا بسوءٍ إلَّا وأتبعه ذكر وهب! مِن ذلك قولُه: «إنَّ عُمدتنا في جرحِ روايةِ وهبٍ ما جاء به من الإسرائيليَّات الَّتي نقطع ببُطلانها، وهو آفتها، كرواياتِ كعبٍ فيها» (٢)، وقوله: « .. ومَنبع هذه الرِّوايات كعبُ الأحبار ووَهب بن منِّبه، اللَّذان بَثَّا في المسلمين أكثر الإسرائيليَّات الخرافيَّة» (٣). وقد استدلَّ (رشيد رضا) في تكذيبِه وتغليطِه للأئمَّة في توثيقه بنفسِ الدَّعاوي الواهيةِ الَّتي ساقَها في تكذيبِ كعبٍ، إلَّا أنَّه زاد قولَه فيه: «قد ضَعَّفه عمر بن الفلَّاس، واغترَّ به الجمهور؛ لأنَّ جُلَّ روايتِه للإسرائيليَّات، ولم يكونوا يُدقِّقون النَّظر في نقدِها تدقيقَهم في نقدِ رواياتِ أصولِ الدِّين وفروعِه، وقَلَّما كان أحدٌ مِن

стр. 1621

رجالِ الجرحِ والتَّعديلِ يعرف شيئًا مِن كُتبِ أهلِ الكتابِ ليَصِحَّ حكمُه على الرُّواة عنها» (١). وقد سَبَق الجواب عن شبهةِ الكذبِ في النَّقل عن صُحفِ أهلِ الكتاب. وأمَّا وَهب: فمَحلُّ توثيق كثيرٍ مِن أئمَّة الحديث (٢)، لا أعلمُ أحدًا تَكلَّم فيه غير عمرو بن عليِّ الفلَّاس (ت ٢٤٩ هـ) وحده، وعلى كلامِه عَضَّ (رشيد رضا) بالنَّواجذ! متجاهلًا لردِّ ثُلَّة من المُحقِّقين على الفلَّاس كلامَه في وهبٍ، كابن حجرٍ في قوله: «وهب بن منِّبه الصَّنعاني، مِن التَّابعين، وثَّقَه الجمهور، وشَذَّ الفلَّاس فقال: كان ضعيفًا، وكان شُبهته في ذلك، أنَّه كان يُتَّهم بالقولِ بالقَدرِ، وصَنَّف فيه كتابًا، ثمَّ صَحَّ أنَّه رَجَع عنه» (٣). ففضلًا عن غَلطِ الفلَّاس في حكمِه على وهبٍ، فإنَّ (رشيد رضا) قد رَجَّح تضعيفَ الفلَّاس بغيرِ المناطِ الَّذي عَلَّق عليه هذا الأخير حُكمَه من بدعة القَدر! بل رَماه رشيدٌ بنقيضِ ذلك مِمَّأ لم يُسبق إليه، وهي بدعة الجبريَّة! (٤) وبِغضِّ النَّظرِ عن شذوذِ الفلَّاس بهذا التَّضعيفِ لوهبٍ -كما قرَّرناه-، فليس في كلامِه -ولا غيره مِن الأئَّمة- رَميٌ لوهبٍ بالزَّندقةِ! أو الكذب عن أهل الكتاب! كما نراه في مُجازفاتِ رشيدٍ. بل هذا ابن كثير -وقد وَصَفه رشيدٌ بسعةِ اطِّلاعِه على ما في كُتبِ أهل الكتاب- قد زكَّاه صراحةً، ولم ينبزه بشيءٍ (٥).

стр. 1622

الفرع الثَّاني دفع دعوى أنَّ بعضَ الصَّحابةِ والرُّواة خَلَطوا الإسرائيليَّاتِ بالسُّنةِ فأمَّا عبد الله بن عبَّاس ﵁: فقد اتُّهم ابنُ عمِّ رسولِ الله ﷺ هذا زورًا على لسانِ (جولدزيهر) ومُقلِّديه (١) بتصديقِ أهلِ الكتابِ مُطلقًا، واعتمادِ أقوالهم في التَّفسيرِ. والمَعروفُ عن ابن عبَّاس ﵁ أنَّه إذا رَجَع إلى أهلِ الكتاب، ففي بعضِ الأخبارِ الَّتي أُجمِلت في القرآن وفي كُتبِهم شيءٌ مِن تفصيلها لا غير، وفي حدودٍ ضيِّقةٍ، ويَتَّفق ذلك مع القرآن وإلَّا رَفَضه، على التَّفصيل الَّذي مرَّ سلفًا في موقف الصَّحابة من الإسرائيليَّات عمومًا. ولذلك نراه لمَّا بلغه أن نَوفًا البكَّالي -وهو مِن أصحابِ كعبٍ- يَزعمُ أنَّ موسى صاحبَ الخضر، غير موسى بن عمران ﵇، قال: «كَذَب عدوُّ الله! .. » (٢). فلقد اشتُهِر عن ابن عبَّاس ﵁ إنكاره على مَن يهتدي بما عند أهلِ الكتاب، ممَّا لَعلَّه قد رآه مِن كثرةِ مَن يرجِع إليهم مِن العَوامٍّ، سَدًّا منه لهذا البابِ

стр. 1623

الخطيرِ عليهم، فكان يقول: «يا معشرَ المسلمين، كيف تَسألون أهلَ الكتابِ عن شيءٍ، وكتابُكم الَّذي أنزل الله على نبيِّكم ﷺ أحدثُ الأخبارِ بالله محضًا لم يَشب؟! وقد حَدَّثكم الله أنَّ أهلَ الكتاب قد بَدَّلوا مِن كُتب الله وغَيَّروا، فكتَبوا بأيديهم الكُتب، قالوا: هو مِن عند الله، ليشتروا بذلك ثمنًا قليلًا، أوَلا ينهاكم ما جاءكم مِن العلمِ عن مسألتهم؟ فلا والله، ما رأينا رجلًا منهم يَسألكم عن الَّذي أُنزِل عليكم» (١). يقول المُعلِّمي: «هذا مِن قولِ ابن عبَّاس، وقد علِمنا أنَّه كان يسمعُ ممَّن أسلمَ مِن أهلِ الكتاب، وقد رُوي أنَّه سَأَل بعضَهم، وأبو ريَّة يُسرِفُ في هذا، حتَّى يَرمي ابن عبَّاسٍ بأنَّه تلميذٌ لكعبٍ! وبالتَّدبير يظهر مَقصودُه، ففي بقيَّةِ عبارتِه: « .. لا والله ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الَّذي أنزل إليكم»، دَلَّ هذا أنَّ كلامَه في أهلِ الكتاب الَّذين لم يُسلِموا، فأمَّا الَّذين أسلموا، فعملُ ابن عبَّاس يقتضي أنَّه لا بأسَ للعالِم المُحقِّق مثلِه أن يَسأل أحدَهم» (٢). نعم؛ يجوز أن يُروى عن ابن عبَّاس ﵁ أو غيرِه مِن الصَّحابة، شيءٌ سمِعَه مِن أهلِ الكتابِ فيه نَكارة بَيَّنة، وليس في الرِّوايةِ تصريحُه باستنكارِه له. كالقصَّةِ الَّتي تُروى عنه في فتنة سليمان ﵇ وأنَّ الشَّيطان تَمثَّل به، وأتى نساءَه في صُورَته وهُنَّ حُيَّض .. إلى آخر الخبرِ الطَّويل (٣)؛ فليس في هذا أمارةٌ على إقرارِ ابنِ عبَّاسٍ لهذا الخبرِ المُنكر، لاحتمالِ أن يريدَ بهذه الرِّواية التَّشنيعَ عليهم، بسببِ هذه الأخبار الَّتي تُزري بالأنبياء ونحو ذلك، لكنَّ بعض الرُّواة اقتصَرَ على سَردِ القصَّة مُجرَّدةً عن سِياقِها الَّذي ذَكَرها فيه ابن عبَّاس.

стр. 1624

ثمَّ لا بُدَّ مِن مُراعاة كثرةِ الوَضعِ على ابن عبَّاس، وما وَهِيَ إسناده إليه، فما صَحَّ عنه في التَّفسيِر قليلٌ بجنبِ رُكامِ المرويَّاتِ الَّتي أُلصِقَت به، وقد أُطلِق على بعضِ أسانيدِها بـ «سلسلةِ الكذِب»! (١) وأمَّا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: فقد سبَقَ أن ذكرنا اتِّهامَ بشرِ المرِّيسي لعبد الله بن عمرو ﵁ بروايةِ ما نالَه مِن صُحفِ أهلِ الكتاب في زامِلتين يومَ اليرموك، على أنَّها مِن حديثِ رسول الله ﷺ ، وأنَّه مِن أوائل من تفوَّه بهذه الكبيرةِ مِن دعوى خَلطِ بعضِ الصَّحابةِ للإسرائيليَّات بالسُّنةِ. وقد سارَ على دربِ هذا الجَهميِّ في الافتراءِ فئامٌ مِن أعداءِ السُّنَن وحَملَتِها في هذا العصر، فأحيوا منهجَه المُشكِّك في حُجيَّة الحديثِ، بإعادةِ نفسِ الشُّبهِ القديمةِ المُتعلِّقة بروايةِ بعضِ الصَّحابةِ لمِا أخذوه مِن أخبارِ أهلِ لكتابِ سَماعًا، أو بواسطةِ كُتبِهم. فهذا (أبو ريَّة) يكذِبُ نفسَ كِذبة المرِّيسي في نسبةِ تحديثِ ابن عمرو ﵁ بما في الزَّامِلتين إلى النَّبي ﷺ ! وهو مِن عَجيب المُوافقات المُنبئةِ عن تَشابُه القلوب! فإنَّه قال عنه ﵁: «كان قد أصابَ زامِلتين مِن كُتبِ أهل الكتاب، وكان يرَويها للنَّاس (عن النَّبي)! فتَجَنَّب الأخذَ عنه كثيرٌ مِن أئمَّة التَّابعين، وكان يُقال له: لا تُحدِّثنا عن الزَّامِلتين» (٢).

стр. 1625

ثمَّ لم يكتِف هو بهذا البهتان، حتَّى نَسَبه إلى ابن حجرٍ في «فتح الباري»! وابن حجرٍ بَريء مِن هذا الإفك، وكتابُه خالٍ مِن عبارة: «عن النَّبي»، إنَّما زادَها (أبو ريَّة) مِن كيسِ هَواه! وقد تبِعه فيها مُكبًّا على وجهِه (صالح أبو بكر)، دون تَبصُّر أو تَثبُّت مِن المَراجِع، فانتسخ هذه الرِّواية المُحرَّفة عن (أبو ريَّة)، مُؤكِّدًا أنَّها حقيقةٌ تاريخيَّة تُثبت تلبيسَ عبد الله بن عمرو ﵁ على النَّاس (١)؛ ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله! وقصَّة إصابةِ ابن عمرو ﵁ للزَّاملتين مِن كُتب أهلِ الكتابِ لها أصلٌ صحيحٌ، بخلاف من استبعد وقوعها من بعضِ مشايخنا من أهل التفسير (٢)، فقد أثبت ذلك له ﵁ بعضُ المُحقِّقين من المتَّأخرين (٣)، ولعلَّ أمثلَ ما وَرَد في ذلك:

стр. 1626

ما أخرجه الخليليُّ بإسنادٍ صحيحٍ، رجاله ثقاتٌ إلى عامر الشَّعبي، أنَّه قال: «لقيتُ عبدَ الله بن عمرو بن العاص بمكَّة، فقلتُ: حَدِّثني ما سمعتَ مِن رسول الله ﷺ ، ولا تحدِّثني عن السَّفَطين (١) .. » (٢). على أنَّ هذا لا يعني لزامًا كثرةَ تحديثِ عبد الله بن عمرو ﵁ منها! فهذه الأخبار الإسرائيليَّة الَّتي رواها بين أيدينا، قليلة جدًّا؛ ولَإن حَدَّث بها فقد مَيَّزها عمَّا يَرويه عن النَّبي ﷺ ولا بُدَّ. يقول الدَّارمي في مَعرضِ رَدِّه على المرِّيسي: «ويحَك أيَّها المُعارض! إن كان عبد الله بن عمرو أصاب الزَّاملتين مِن حديث أهلِ الكتاب يومَ اليرموك، فقد كان مع ذلك أمينًا عند الأمَّةِ على حديث النَّبي ﷺ ، أن لا يجعل ما وَجَد في الزَّامِلتين عن رسول الله ﷺ ، ولكن كان يَحكي عن الزَّاملتين ما وَجَد فيهما، وعن النَّبي ﷺ ما سمِع منه، لا يُحيل ذاك على هذا، ولا هذا على ذاك، كما تَأوَّلتَ عليه بجهلِك، والله سائلُك عنه» (٣). وأمَّا ما ذكره ابن حَجرٍ في مَعرضِ سَردِه لأسبابِ قِلَّة مرويَّات عبد الله بن عمرو مقارنة بأبي هريرة ﵃، مع إقرارِ الأخيرِ أنَّ الأوَّل أكثرُ حديثًا منه، قائلًا: «إنَّ عبد الله كان قد ظَفَر في الشَّام بحَملِ جَملٍ مِن كُتبِ أهلِ الكتاب، فكان ينظُر فيها ويُحدِّث منها، فتَجنَّب الأخذَ عنه لذلك كثيرٌ مِن أئمَّةِ التَّابعين، والله أعلم» (٤). فإنَّ هذه الجملة الأخيرة له ممَّا قد عَوَّل عليها بعض المُغرضين المُعاصرين كـ (أبو ريَّة) لإثباتِ شَناعةِ ما وَقَع فيه بعض الصَّحابة الكِرام من التَّحديثِ عن أهلِ الكتاب، وأنَّ مَرويَّات مَن فَعَل ذلك منهم مَدعاة للتَّرك، مُوقِعة في الخلطِ.

стр. 1627

والجواب عليهم في ذلك: أنَّ مقالة ابن حجر لا أُراها إلَّا مُجرَّد تخمينٍ، لم أعثُر لها على دليلٍ تاريخيٍّ يُسنده ويُقوِّيه! ولو كان صحيحًا ما نَسَبه لأولئك التَّابعين، لتَركوا الأخذَ عن أبي هريرة ﵃ أيضًا كونه معروفًا بالرِّوايةِ عن بعضِ أهل الكتابِ مثل ابن عمروٍ! بل مِن التَّابعين الآخذين عنه مَن كان يخلِط بين حديثِه المرفوعِ إلى النَّبي ﷺ وبين حديثِه عن كعبِ الأحبار! وهي مَفسدة لا يُعلَم وقوعها عن الآخذين عن عبد الله بن عمرو! فكان أبو هريرة على هذا المنطقِ أوْلى بالاجتنابِ مِن عبد الله بن عمرو! ثمَّ إنَّ ابنَ حَجرٍ نفسَه قد ذَكَر في ترجمةِ عبد الله بن عمرو في «التَّهذيب» أربعين راويًا ممَّن أخذوا عنه، فيهم جمهرةٌ مِن كبارِ التَّابعين، بل فيهم صحابة! كأنسِ بن مالك، وعبد الله بن عمر، وأبو أمامة بن سهل، وغيرهم (١)؛ فلم نسمع أنَّ أحدًا منهم زهِد في السَّماعِ منه، لأنَّه يروي شيئًا مِن الإسرائيليَّات. بل على خلافِ ذلك، كان أحدُهم -مِن حرصِه على السَّماع مِن ابن عمرو ﵁ إذا أتاه ولم يَشأ أن يسمَعَ ما عنده مِن علوم أهلِ الكتاب، طَلَب الاقتصارَ على تَسميعِه إيَّاه مَرويَّاتِه عن رسولِ الله ﷺ ، قصدَ التَّعجُّل في أخذِ ما أمكنَه مِن السُّنة بحكمِ سَفره وقصرِ إقامتِه ونحو ذلك مِن الأعذار؛ ومثاله ما مَرَّ قريبًا مِن قصَّةِ لقاءِ الشَّعبي به، والله تعالى أعلم. وأمَّا أبو هريرة الدَّوسيُّ ﵁: فلأنَّه حافظَ الإسلام، وأكثر مَن روى الحديثَ عن النَّبي ﷺ مِن الصَّحابة، لم ينَل أحدٌ مِن الصَّحابة ما ناله مِن الطَّعنِ والتَّشكيكِ في رِوايتِه للحديث، بل لم يُؤلَّف في غيره ما أُلِّف فيه كثرةً في الحَطِّ من قدرِه في حفظِ السُّنة والتُّهمة باختلاقِ الأخبار.

стр. 1628

ترى شواهدَ هذه الغارةِ عليه في ما سَوَّده فيه بعض المُعاصرين بشَتَّى تَوجُّهاتهم الفكريَّةِ والعقديَّةِ، أشهرُها كتاب «أبو هريرة» لعبد الحسين شرف الموسوي، و «شيخ المضيرة أبو هريرة» لمحمود أبو ريةَّ، وأكثر مَن جاء بعدهما إنَّما هو مُستقٍ مِن عَفِنهما، كمصطفى بوهندي في كتابِه «أكثر أبو هريرة». فكان مِن أخطرِ ما اتُّهم به مِن قِبَل أعدائِه: وصْمُه بأنَّه أُذْنٌ لكعبِ الأحبار، تلميذٌ ساذَجٌ له! و «أنَّ هذا الحَبرَ الدَّاهيةَ قد طَوَى أبا هريرة تحت جناحِه، حتَّى جَعَله يُردِّد كلامَ هذا الكاهنِ بالنَّصِ، ويجعله حديثًا مَرفوعًا إلى النَّبي ﷺ »! (١) والرَّدُ على هذا الافتراءِ أن يُقال: لو وَقَع شيءٌ من هذا المُنكر مِن أبي هريرة -كما ادَّعاه (أبو ريَّة) - لما سَكَت عنه الصَّحابة، ولَأنكروا عليه جريمَتَه بحَقِّ الدِّين والسُّنة؛ هذا ابتداءً. وأبو هريرة ﵁ هو كغيرِه مِن الصَّحابة مِمَّن سَمِع مِن كعبٍ، «لم يكونوا تلامذةً له، بل رَووا عنه أشياء مُحتملةً حَكوها عنه، وسألوه سُؤالَ خبيرٍ ناقدٍ» (٢) -وهذا الفعلُ على هذا الوجهِ مَأذونٌ به على لسانِ السُّنة، كما أسلفنا تقريرَه- لا سؤالَ المُصدِّق مُطلقًا، فضلًا عن أن يَعرِضوا عليه كلامَ رسولِ الله ﷺ ليُصدِّقه! كما يدَّعيه (بوهندي) على أبي هريرة ﵁ افتراءً (٣). وفي دفعِ هذه الفِرَى عن أبي هريرة ﵁، يقول المعلِّمي: «هذه مَكيدةٌ مهولةٌ، يُكاد بها الإسلام والسُّنة، اخترعها بعض المُستشرقين فيما أرى، ومَشَت على بعضِ الأكابر، وتبنَّاها أبو ريَّة، وارتكَبَ لترويجِها ما ارتكَبَ كما ستعلمُه؛ وهذا الَّذي قاله هنا رجمٌ بالغيب، وتَظنِّ للباطل، وحَطٌّ لقومٍ فَتَحوا العالمَ ودَبَّروا الدُّنيا أحكمَ تدبيرٍ: إلى أسفلِ درجاتِ التَّغفيل. كأنَّهم ﵃ لم يعرفوا النَّبي ﷺ ودينَه وسُنَّته وهديَه، فقبِلوا ما يَفترِيه عليه وعلى دينِه إنسانٌ لم يعرفه، وقد ذَكَر أبو ريَّة في مَواضعٍ حالَ الصَّحابة في تَوقُّفِ

стр. 1629

بعضهم عمَّا يُخبره أخوه الَّذي يَتيقَّن صدقَه، وإيمانَه، وطولَ صُحبته للنَّبي ﷺ ، فهل تَراهم مع هذا يَتَهالكون على رجلٍ كان يَهوديًا فأسلمَ بعد النَّبي ﷺ بسِنين، فيقبلون منه ما يُخبرهم عن النَّبي ﷺ ممَّا يُفسد دينه؟!» (١). فالَّذي على (أبو ريَّة) ومَن تبعه أن يُثبتوا أنَّ أبا هريرة ﵃ جَعَل قولًا سمِعَه مِن كعبٍ حديثًا مَرفوعًا إلى النَّبي ﷺ ، ولم يُميِّز بينهما، وأمَّا التَّشنيع بغير حُجَّة، فلا يعجَزُ عنه أحدٌ، وهو مِن الإرجافِ الَّذي لا يسمح به منهج ناقدٌ، ولا عقل حصيف. وما نراه مِن طعنِ (ابنِ قرناس) (٢) و (مصطفى بوهندي) (٣) في ما أخرجه مسلم وغيره، مِن حديث أبي هريرة ﵃ مرفوعًا: «خيرُ يومٍ طَلَعت فيه الشَّمس يومُ الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه أدخل الجنَّة .. » (٤) إلى آخرِ الحديث، حيث جَعَلاه مِن الإسرائيليَّات، اعتمادًا مِن (بوهندي) على روايةٍ في «مسند أحمد» (برقم: ٢٣٧٩١)، تَوهَّم أنَّها كَشَفت أنَّ قولَه: «فيه خُلِق آدم .. » إلى آخره، هو مِن قولِ كعبٍ وليس حديثا مرفوعًا، وأنَّ أبا هريرة إنَّما خَلَط قولًا لكعبٍ بحديثٍ لرسول الله ﷺ . فجوابُ ذلك في: أنَّ الَّذي يجهلُه (بوهندي) كون هذه الرِّواية الَّتي احتجَّ بها في «المُسند» لا يَسوغ الاحتجاجُ بها أصلًا! حيث جاءت مِن روايةِ حمَّاد بن سلمة، فقد تكلَّم يحيى بن سعيد القطَّان في روايته عن قيسِ بن سعدٍ بخاصَّة (٥) وضُعِّف فيه، وعنه رَوى حمَّاد هذا الحديثَ الَّذي في «المُسند»! فضلًا عنٍ أنَّه قد خالَف فيها غيره مِن الثِّقات الأثبات في رفعهم لهذه الخصالِ للجمعة إلى النَّبي ﷺ لا إلى كعبٍ.

стр. 1630

والَّذي أراه يُشكِل حقيقةً على حديثِ أبي هريرة المرفوعِ، روايةٌ أخرى غير تلك الَّتي اغتَرَّ بها (بوهندي)، وأنا أُفيدُه بها! وهي: ما رَواه الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: «خيرُ يومٍ طَلَعت فيه الشَّمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُسكن الجنَّة، وفيه أُخرج منها، وفيه تَقوم السَّاعة، قال: قُلت له: أشيءٌ سمِعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: بل شيءٌ حَدَّثناه كعبٌ» (١). ففي هذه الرِّواية ينسِبُ أبو هريرة ﵁ الحديثَ إلى كعبٍ، بخلافِ ما في «صحيح مسلم» وغيرِه في نِسبتِه إيَّاه إلى النَّبي ﷺ ، وكِلتاهما مِن طريق أبي سَلَمة عنه! غير أنَّ روايةَ ابنَ خزيمة هذه خَالف فيها يحيى بن أبي كثير ثِقتان (٢): محمَّد بن إبراهيم التَّيمي (٣)، ومحمَّد بن عمرو (٤)، حيث رَوَياه عن أبي سَلمة بالرَّفعِ، يعضُد هذا مُتابعة الأعرجِ لأبي سَلمة نفسِه في رفعِه إيَّاه عن أبي هريرة (٥)؛ فهذا الأصوبُ من حيث الصَّنعة الحديثيَّة.

стр. 1631

فيَتَبيَّن بما تقدَّم: أنَّ أبا هريرة ﵁ كان يُميِّز بين ما سمِعه عن النَّبي ﷺ وبين مَرويَّات كعبٍ (١)؛ وإنَّما كان يحصُل أحيانًا الخلطُ مِن بعض الرُّواة عنه، لا منه هو ﵁، فيجعلون ما رَواه عن النَّبي ﷺ مِن قول كعب، وما رواه عن كعب مِن قولِ النَّبي ﷺ . فعن بسر بن سعيدٍ قال: «اتَّقوا الله، وتَحفَّظوا مِن الحديث، فوالله لقد رَأيتُنا نُجالس أبا هريرة، فيُحدِّث عن رسولِ الله ﷺ ، ويُحدِّثنا عن كعب الأحبار، ثمَّ يقوم، فأسمعُ بعضَ مَن كان معنا يجعلُ حديثَ رسولِ الله ﷺ عن كعبٍ، وحديثَ كعبٍ عن رسولِ الله ﷺ !» (٢). فها هو ذا أبو هريرة يُبيِّنُ ويُميِّز لهم بين حديثِ رسول الله ﷺ وأخبار كعبٍ! إنَّما يَقع مِن بعضِ السَّامعين -لا كلِّهم- أن يخلِطَ بينهما، «فلا ذنبَ

стр. 1632

لأبي هريرة في هذا، ولم يَزَل أهلُ العلم يذكر أحدُهم في مجلسِه شيئًا مِن الحديث، ويذكر عنه مَفصولًا عنه ما هو مِن كلامِ بعضِ أهل العلمِ أو غيِرهم، وما هو مِن كلامِ نفسِه» (١)؛ لكنَّ أصحابَه الحُفَّاظَ المتيقِّظين يُميِّزون بينَها، كما هو شأنُ تلميذِه بسر بن سعيد صاحبِ الحكاية.

стр. 1633

الفرع الثَّالث التُّصورُ الخاطئُ لكيفيَّةِ الرِّوايةِ مَنشأُ الأحكامِ المَغلوطة في هذا البابِ يَرجع السَّببُ في مثلِ هذه الأحكامِ المُتعسِّفة في حقِّ رُواةِ الحديث مِن قِبَل بعض النَّاقدين المُعاصرين: إلى عَدمِ تَصوُّرهم لأصولِ الرِّوايةِ على حقيقتِها وكيفيَّتها عند المُحدِّثين؛ فإنَّ النُّقادَ لا يَقبلون الحديثَ ممَّن رواه أيًّا كان لمُجرَّدِ عدالتِه عندهم، بل يَشترطون مع ذلك باقي شروط الحديثِ الصَّحيح، مِن لقاء الرَّاوي لمن رَوى عنه، واعتبارِ الانقطاعِ بينهما ناقضًا مِن نواقضِ صِحَّة الرِّواية، مع ضبطِ الرَّاوي، وتميِيزِه لمِا رَواه عن شيوخِه بعضهِم عن بعضٍ؛ فليس الأمر مُشْرَعًا لكلِّ مَن أراد أن ينَسِبَ حديثًا إلى أحدٍ، فيُصَدَّق في نسبتِه تلك، إلَّا بإعمالِ جميعِ الشُّروطِ الخمسةِ الَّتي أشبعَها المُحدِّثون بحثًا وتقريرًا في مُصنَّفاتِ «علوم الحديث». لِتعلمَ مَدى الجهلِ الوَخيمِ الَّذي يَقَع فيه بعض الفُضوليِّين مِن كُتَّاب العصرِ حين يَدَّعون أنَّ الإسرائيليَّات إنَّما اكتسبت صِفةَ النُّبوة عند المُسلمين بمُجرَّد إسنادِها مِن بعض الرُّواة إلى النَّبي ﷺ ! ترى هذا الخبل -مثلًا- في قول (سُليمان حريتاني): «تَسرَّبت إلى الحديثِ بوساطةِ هؤلاء وسِواهم مِن اليهود الَّذين أسلموا طائفةٌ مِن المرويَّاتِ وأقاصيص التَّلمود الإسرائيليَّات، الَّتي ما لبِثت أن أصبحت جزءًا مِن الأخبار الدِّينية

стр. 1634

والتَّاريخية، ولولا أنَّهم أسندوا تلك المَرويَّات إلى النَّبي ﷺ أو إلى أحدٍ من الصَّحابة، لأحُبطت الغايةُ مِن إدخالها، ولم يَقبل بها أحدٌ» (١). فهو يَرى أنَّ إدخالَ تلك الإسرائيليَّات إلى الدِّين تَمَّ لأصحابها بمُجرَّد اختلاقِ إسنادٍ لها! في حين أنَّ ذلك الإسناد الَّذي نَعى عليه هذا الدَّس هو الَّذي ساهَم في افتضاحِ تلك المُحاولاتِ الَّتي يَتَحدَّث عنها، ومَنعِها مِن دخولها حيِّزَ الشَّرعيَّاتِ! ومثله (أبو القاسم حاج حمَد) يقول في مَعرضِ طعنِه بأحاديث الحدود: «مصدرُ كلِّ هذه الأحاديث يهودٌ أظهروا إسلامهم، ككعبِ الأحبار، ولا علاقة له بالرَّسول ﷺ ، إذْ أسلَمَ في زمنِ أبي بكر، وقدم المدينة في زمن عمر، ووَهب بن منبِّه، وغيرهما .. » (٢). فقوله بإمكانِ دَسِّ هؤلاءِ الخِيار من الرُّواة في السُّنةِ، هو نتاج خللٍ في تَصوِّره لطبيعةِ الرِّواية، فإنَّ كعبًا ووَهبًا لم يَلْقَيا النَّبي ﷺ كما يعلمُ هو نفسُه، فهما -إذن- تابعيان، ومعناه أنَّ رِوايتهما المباشرة عن النَّبي ﷺ مِن قَبِيل الحديثِ المُرسِل، والمُرسَل مِن أنواعِ المُنقطِعات! ومِن الجهل ما قتل!

стр. 1635

المَطلب الثَّاني المَسلك المتنيُّ الَّذي مَشَى عليه الطَّاعنون المُعاصِرون في دعواهم بوجود الإسرائيليَّات في «الصَّحيحين» وهو ينقسم إلى مِسلكين، مُضمَّنين في هذين الفرعين. الفرع الأوَّل: دعوى (التَّشابه). حيث ادَّعى المُتأثِّرون بالنَّهجِ الاستشراقي في نقدِ الأخبارِ، أنَّ كثيرًا مِن الأحاديث الَّتي يُصحِّحها أهل السُّنة، ليست في الحقيقة إلَّا مَرويَّات إسرائيليَّة الأصل، بدلالةِ وجود أصلِها في التَّوراةِ أو الإنجيل، والتَّشابهُ الحاصلُ بين ما وَرَد في الأحاديث، وما جاء في صُحفِ أهلِ الكتابِ، أمارةٌ كافيةٌ عندهم لإسقاطِ النِّسبةِ النَّبويةِ عن تلك الأحاديث، مُستندين إلى حُجَّةِ إخبارِ القرآنِ بتحَريفِ تلك الكُتبِ وإبطالِها، وأنَّ النَّبي ﷺ مُنَزَّه عن قولِ الباطل الَّذي فيها (١). تَرى أمثلةَ الجريِ على هذا المَسلكِ في لائحةِ طويلةٍ سَطَّرها (نيازي عز الدِّين) لعقدِ مُقارناته بين نصوصِ التَّوراة والإنجيل ومتونِ بعضِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، ليُبرهن بدلالةِ هذا التَّشابهِ -على التَّسليم بوجودِه (٢) - أنَّ هذا مِن ذاك!

стр. 1636

حتَّى إذا أعوَزَهم إلصاقُ الحديثِ بمرجعيَّةٍ أقدمَ مِن الإسلامِ، أخذوا يتَكلَّفون مُقاربتَه بأخبارٍ مِلِيَّةٍ أخرى، يَدَّعونَ أنَّه منسوجٌ على مِنوالها، بل اتَّسعَت تشبيهاتهم لتشملَ الأديانَ الأخرى والمذاهبَ الفلسفيَّة القديمة (١)، كالثَّقافة الغَنوصيَّة والهُرمسيَّة! ثمَّ تمادَى بهم الخيالُ المُنفلت عن أزِمَّة البراهين المنطقيَّةِ، حتَّى أرجعوا كثيرًا مِن الأحاديثِ النَّبوية إلى الثَّقافةِ الشَّعبيَّةَ السَّائدةِ عند العربِ قبلَ الإسلامِ وصدرَه. كلُّ هذا ليعلِنوا اكتشافَ اختراقٍ مَهولٍ في المنظومةِ الحديثيَّةِ، قد فاتَ حُرَّاسَ الشَّريعةِ مِن المحدِّثين أنفسهِم، إذْ «لم يكونوا واعين كلَّ الوَعيِ بأنَّ ما دَوَّنوه إنَّما هو تمثُّلٌ مُعيَّن للسُّنة، وليس السُّنة ذاتها! وهو تمثُّل فيه مِن التَّأثُّر بالثَّقافة المحيطةِ، وكَيَّفَته المُخيِّلةُ الاجتماعيَّة، وذاكرةُ الرُّواةِ طيلةَ عقودٍ عديدةٍ مِن الزَّمن» (٢). ومِمَّا يُمثِّل به المُعترضون على أحاديثِ «الصَّحيحين» مِن هذا المسلكِ: ما أخرجه الشَّيخان مِن حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «خَلَق الله آدمَ على صورتِه .. » (٣).

стр. 1637

فقد طَعَن في الحديثِ عددٌ مِن المعاصرين، منهم (نيازي عز الدِّين) بتُهمةِ «أنَّ أبا هريرة إنَّما أخَذَه عن اليهودِ بواسطةِ كعبِ الأحبار أو غيره، بدليلِ أنَّه مأخوذٌ من التَّوراة، لأنَّ مَضمون هذا الحديث إنَّما هو عينُ الفقرة السَّابعة والعشرين مِن الإصحاح الأوَّل مِن إصحاحاتِ التَّكوينِ مِن كتابِ اليهود -العهدِ القديم- .. » (١). وكذا حديث أبي هريرة مرفوعًا: «اختتنَ إبراهيم وهو ابن ثمانينِ سنةٍ بالقَدوم» (٢). فقد رَدَّ (نيازي) هذا الخبر لمُجرَّدِ وجودِ مثلِه في التَّوراة، فقال: «إذا بحثنا في كتابِ الله الَّذي هو القرآن، فلن نجد ما يدعمُ ويشهدُ لحديثِ أبي هريرة، ولكنَّنا إذا بحثنا في كتابِ التَّوراة المحرَّفة، سنجدُ ما يلي: (وكانَ إبراهيم في التِّاسعة والتِّسعين مِن عمرِه عندما خُتِن في لحمِ غُرلته» (٣). ورَدمُ هذا المَسلكِ في تُهمةِ أحاديث «الصَّحيحين» بالإسرائيليَّة، بأن يُقال: إنَّ التَّماثلَ لا يَقتضي التَّناقل! بمعنى: أنَّ الخبرَ إذا ثَبَت في نصٍّ شرعيٍّ، وكان في أخبارِ أهل الكتابِ ما يُماثله، فلا يدلُّ هذا على نقلِه مِن عندِهم، لمُجرَّد أنَّهم أسبقُ في الزَّمن. وبيان ذلك: أنَّ المُتقرَّر عندنا شرعًا وعقلًا، أنَّ التَّشابهَ بين الإسلام وبعضِ الأديانِ الكِتابيَّة الأخرى غيرُ مَدفوعٍ، ليس هو أمرًا بحاجةٍ إلى إعادةِ اكتشافٍ، ومثلُ هذا لم يكُن غائبًا قطُّ عن علماءِ المسلمين، فضلًا عن أن يكون «كشفًا صاعِقًا لا يَقِلُّ أهميَّةً عن اكتشافات دارْوِين أو كوبِرنيكوس» كما يُعبِّر عنه (أركون)! (٤)

стр. 1638

فإنَّ النُّبوات ذاتُ رسالةٍ واحدةٍ، وأصحابُها كلُّهم مُبلِّغون عن الله تعالى، فإن لوحِظ شيءٌ مِن التَّشابه بين نصوصِ الأنبياء، فما هو إلَّا تأكيدٌ لوحدةِ مصدرِهم في التَّلقي، وعلى التَّصديقِ الَّذي جاء به النَّبي ﷺ للرِّسالاتِ قبله، فلا غرابةَ -إذن- أن يكون في حديثِه لأمتِّه ما يُحدِّث بمعناه أهلُ الكتاب ممَّا تَلقَّوه عن أنبيائِهم. يقول ابن تيميَّة: «شهادةُ أهلِ الكتابِ المُوافقةُ لمِا في القرآن أو السُّنة مَقبولةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، ونظائر ذلك في القرآن» (١). فما نَراه مِن مُسارعة مَن قَلَّ فهمُهم إلى تعليلِ جملةٍ مِن أحاديث «الصَّحيحين»، بدعوى التَّشابه بينها وبين نصوصِ أهل الكتاب، هو في حقيقتِه سَوْءة في منهجِ النَّقد، وخَلَل مَعيب في استنتاج الأحكامِ مِن المُقارنات. والحقُّ أنَّه لا يَتِمُّ لهم استدلالٌ على بطلانِ الحديث بدعوى إسرائيليَّتِه، إلَّا بإثباتِ أحَدِ مُقدِّمتين: المُقدِّمة الأولى: أنَّ مجرَّد التَّشابه بين تلك النُّصوص، هو دليل في نفسِه على أنَّ المُتأخِّر منها آخذٌ مِن المُتقدِّم! وهذه الدَّلالة عندنا مَعاشِرَ المُسلمين باطلةٌ -اللَّهم إلَّا عند المُستشرقين، لأنَّهم لا يؤمنون بأنَّ رسالةَ نبيِّنا ﷺ وَحيٌ مِن السَّماء- وذلك لوَحدةِ المصدرِ في الكلِّ -كما أشرنا إليه قريبًا- وإلَّا للزِمَ المُعترِضين طَردُ هذا الحكمِ على آياتِ القرآنِ! فإنَّ فيها -بإقرار الجميع- ما يُشبه التَّوراة والإنجيل في بعضِ التَّشريعاتِ والأخلاقِ والقَصَص. وهكذا الحديث النَّبوي هو مِن باب القرآن في موضوعِ التَّشابه، فإذا لم يأخذوا مِن تشابه القرآن مع ما في كُتبِ أهل الكتاب دليلًا على أنَّ النَّبي ﷺ اقتبَسَه منها، فينبغي أن يكون حديثُه كذلك.

стр. 1639

ولا خلاصَ مِن هذا الطَّردِ الواجبِ إلَّا بمعاملةِ الكلِّ مُعاملةً واحدةً، ومِن هذا الباب الواحدِ، فإنَّه بإمكانِ المُستشرقين القائلين به إلزامُ مَن لم يَقُل به! فاتِّهامُ بعض الكُتَّابِ المعاصرين «للرُّواةِ بأخذِ الحديثِ مِن كُتبِ أهل الكتاب، ونسبته زورًا إلى النَّبي ﷺ ، ليس بأولى مِن اتِّهام النَّبي ﷺ نفسِه بأخذِه مِن كُتب أهلِ الكتاب، ونسبتِه إلى الله»! (١) المُقدِّمة الثَّانية: أن يَزْعُموا أنَّ كلَّ ما جاء في التَّوراةِ والإنجيل الَّتي بين أيدينا مُحرَّف باطلٌ، فيُحكَم للحديثِ المُشابِه لمِا فيهما بالبُطلان تَبَعًا. وهذا أيضًا باطلٌ؛ فإنَّ المُقرَّر المعلومَ بداهةً مِن شريعتنا أنَّ تلك الكُتب فيها حقٌّ وباطلٌ، وأنَّ التَّحريفِ لم يَطَل كلَّ مَوضعٍ فيهما، بل يصيرُ الميزان الحقُّ في معرفةِ ذلك، هو القرآن والسُّنة مِن حيث المُوافقة والمُخالفة، لا العكس. يقول ابن تيميَّة: « .. ثمَّ مِن هؤلاء مَن زَعَم أنَّ كثيرًا ممَّا في التَّوراة أو الإنجيل باطلٌ ليس مِن كلام الله، ومنهم مَن قال: بل ذلك قليلٌ، وقيل: لم يُحرِّف أحدٌ شيئًا مِن حروفِ الكُتب، وإنمَّا حرَّفوا معانيها بالتَّأويل، وهذان القولان قال كُلًّا منهما كثيرٌ مِن المُسلمين. والصَّحيح القول الثَّالث، وهو أنَّ في الأرضِ نُسخًا صحيحةً، وبقيت إلى عهد النَّبي ﷺ ، ونُسخًا كثيرةً مُحرَّفةً، ومَن قال: إنَّه لم يُحرَّف شيءٌ مِن النُّسخ، فقد قال ما لا يُمكنه نَفيُه، ومَن قال: جميعُ النُّسخِ بعد النَّبي ﷺ حُرِّفت، فقد قال ما يعلم أنَّه خطأ، والقرآن يأمرهم أن يحكموا بما أنزل الله في التَّوراة والإنجيل، ويخبر أنَّ فيهما حكمَه، وليس في القرآن خبرٌ أنَّهم غيَّروا جميعَ النُّسَخ» (٢). الفرع الثَّاني: التَّحسُّس مِن كلِّ حديث موضوعُه مُتعلِّق ببني إسرائيل. متى ما رأى بعضُ الكُتَّابِ المُعاصرين حديثًا موضوعُه بني إسرائيل رَموَه بأنَّه مِن اختلاقِ أهل الكتاب! و (أبو ريَّة) مُكثرٌ مِن سُلوكِ هذه الطَّريقة؛ فقد ادَّعي

стр. 1640

-مثلًا- في جملةِ الأحاديثِ الَّتي فيها فضلٌ لموسى ﵇ أنَّها مِن صُنعِ اليهود انتصارًا لنَبيِّهم! بل يتأوَّلُ بعضَ ذلك على أنَّه مُتضمِّن لمنقصةٍ خفيَّةٍ لنبيِّنا ﷺ . فمثال انتهاجِه لهذا المسلكِ في نقدِ أحاديث «الصَّحيحين»: ما تراه في ردِّه لحديثِ الإسراء في قصَّةِ فرضِ الصَّلاة، والحوارِ الَّذي جَرى بشأنِها بين نبيِّنا ﷺ وموسى ﵇ (١)، حيث قال: « .. لم يستطع أحدٌ مِن الرُّسل جميعًا غير موسى أن يفقه استحالةَ أدائِها على البَشرِ! فهو وحدَه الَّذي فطِن لذلك، وحمَل محمَّدًا ﷺ على أن يراجع ربَّه .. وكأنَّ محمَّدًا الَّذي اصطفاه للرِّسالة العامَّة إلى النَّاس كافَّة -والله أعلم حيث يجعل رسالته- لا يعلمُ إنْ كان مَن أُرسل إليهم يستطيعون احتمال هذه العبادة حتَّى بصَّرَه موسى! وهكذا ترى الإسرائيليَّات تنفُذ إلى دينِنا، وتَسري في مُعتقداتنا، فتعمل عمَلَها، ولا تجدُ أحدًا -إلَاّ قليلًا- يُزيِّفها أو يَردُّها» (٢). ومثلُه قال حُسين غلامي: «أخبارُ اليهود والإسرائيليَّات الَّتي تَغَلغلت في أخبار المُحدِّثين، خاصَّة في «صحيح البخاري» .. حيث يَتجلَّى التَّفكير اليهوديُّ في تفضيل موسى ﷺ على نبيِّنا محمَّد ﷺ ، ونقل حكايات لا تليق بمَقامِ الأنبياء والرُّسل» (٣). ونقض هذا المَسلكِ المَتنيِّ في التَّعليل، في أن نعلمَ أوَّلًا: أنَّ الرَّمي بالقولِ على عواهِنه ظنًّا مِن غير حُجَّة، هو شيمة الباحثِ المُتحيِّز إلى ما يهواه مِن نتائج، قبل أن ينظر في صِحَّة المقدِّمات ابتداء. إنَّ ذكرَ موسى ﵇ أو غيره مِن أنبياء بني إسرائيل في حديثٍ ما لا يقتضي أن يكون مِن الإسرائيليَّات أصالةً، فللنَّبي ﷺ أن يحكي لأصحابِه شيئًا -ممَّا أطلَعه الله عليه- مِن قَصصِهم وما جَرى لهم مع أعدائِهم للاعتبارِ.

стр. 1641

ثمَّ يُقال: «لو أنَّ حديثَ الإسراء والمعراج هذا، كان مَرويًّا عن كعبِ الأحبار أو غيرِه مِن علماء بني إسرائيل، لجازَ في العقلِ أن يكون ذكر موسى ﵇ مِن دَسِّهم، أمَا والحديثُ مَرويٌّ عن بضعٍ وعشرين صَحابيًّا، ليس فيهم ولا فيمن أخَذَ عنهم أحدٌ مِن مُسلِمةِ أهل الكتابِ: فقد أصبحَ الاحتمالُ بعيدًا كلَّ البُعدِ! إن لم يكُن غير ممكنٍ في منطقِ البحث الصَّحيح!» (١). ومِن فروعِ الاعتبارِ بهذا المسلكِ المَتنيِّ الواهِي عند المُعاصرين: النَّظرُ في أحاديثِ الحدودِ والزَّواجر، فإن استثقَلَت بعض النُّفوس المستغربة ما فيه مِن عقوبةٍ، أو رأت فيه شدَّةً، أرجَعَتْهُ إلى شريعةِ التَّوراة، والفرضُ عندها أنَّ النَّبي ﷺ جاء بما يَنسَخُ الشَّرائع السَّابقة ويُهيمن عليها، وعليه ألحَقَت هذه الأحاديث بالإسرائيليَّات. ترى مثال هذا الخطلِ في التَّفكير في ما قاله (أبو القاسم حاج حمد) في مَعرض ذكرِه لبعضِ الحدودِ المنَصوص عليها في الأحاديثِ، كحدِّ الحرابة، ورجمِ الزَّاني: «هذه الأحكام كلُّها ليست مِن شِرعة التَّخفيفِ والرَّحمة الَّتي هي مِن علاماتِ النَّبي الأميِّ بمُوجب سورة الأعراف .. فمَن أرادَ إثباتَ أنَّه طبَّقها عبرَ أحاديث منحولةٍ، فالقصدُ تكذيبُ علاماتِ النَّبي الأميِّ، ومصدرُ كلِّ هذه الأحاديث يهودٌ أظهروا إسلامهم، ككعب الأحبار .. فالدَسُّ هنا منهجٌ خَطِر، وليس اعتباطًا أو مجرَّد انتحالٍ، الدَّسُّ هنا خُطَّة متكاملة لنسفِ خصائصِ الدِّين الإِسلاميِّ كلِّه، ومُماثلتِه بالدِّين اليهوديِّ، بما ينتهي لتكذيبِ نُبوَّة محمَّد ﷺ » (٢). وهذا قولٌ تُغنِي حِكايتُه عن إبطالِه! إنَّ شريعةً إسلاميَّةً مُتواترةً -مثل شريعةِ الحدود- لا يُمكن الدَّس فيها بحالٍ، لاشتهارِها وشيوعِ العملِ بها في الأمَّة، منذ عهد النُّبوة جيلًا بعد جيل، بما يُغني عن تَطلُّب إسنادٍ لها مِن الأساس.

стр. 1642

وما ذكره مِن كونِ أحاديث الحدودِ جاءت مِن طريقِ مُسلِمة أهلِ الكتاب، ككعبٍ الأحبار، دون كبارِ الصَّحابة: هو مَحضُ كذبٍ، يُنبِيكَ عنه إطلالةٌ سريعةٌ على «الصَّحيحين»، وكُتبِ الأحكامِ، تجِدُها تخلو رِواياتُها في هذا البابِ مِمَّن ذَكَرَهم هو مِن مُسلمة أهلِ الكتاب. فهذه الأغاليط لا تخلو أن تكون مِن قائِلها جهلًا مُركَّبًا بمُصنَّفات الحديث وما فيها، أو تَعمُّدًا للكذب تدليسًا على القُرَّاء، لا يُبقي لصاحبِه ماءَ وجهٍ للأسفِ.

стр. 1643

الخاتمة وبعد .. فإنَّي أحمد ربِّي على جميلِ عَونِه، وتيسيرِه إتمامَ مَفاصِل هذه الرِّسالة، فله الحمد في الأولى والآخرة. وقبل استِتْمامِ القولِ فيها، فإنَّه يحسُن لفتُ النَّظر إلى جملةٍ من النَّتائج الكُليَّة، ونُبذٍ من التَّوصيات العلميَّة. فأمَّا النَّتائج، فيُبَرَم القولُ فيها في القضايا التَّالية: القضيَّة الأولى: أنَّ دَعوى مُناقضة الأخبارِ النَّبويَّةِ في الصَّحيحينِ للضَّرورةِ العقليَّة أو الحِسيَّة أو العِلميَّة ونحوِها مفهومٌ لا يَصدُق، ومَنشأ هذه الدَّعوى النَّكِدة هو اختراعُ الخصومةِ بين بُرهان النَّقلِ، وبُرهان العقلِ، والبَراهين لا تَتناقض. فكان أعظمَ ما امتازَ به أهل السُّنة على غيرهم من الطَّوائف: إصابةُ النَّظرةِ الشُّموليَّة لهذه الدَّلائل الشَّرعيَّة؛ هذه النَّظرة مُبتناةٌ على يقينهم القاضي بامتناعِ مُناكدةِ صحيح المَنقولِ لصريح المَعقول، والانحطاطُ عن رُتبة هذه النَّظرة عند كلِّ مُخالفٍ لهم إنَّما يتأتَّى من التَّقصير في فقه العلاقةِ بين هذين الدَّليلين. القضيَّة الثَّانية: أنَّ القاسمَ المُشترَك بين الطَّوائف المُعاصِرة المُجافِية لأخبار الصَّحيحين هو الانحرافُ عن فهمِ وظيفةِ العقل، والجناية على الدَّلائل النَّقليَّة تَبَعًا لذلك؛ وحقيقة الفارق بين مواقِفها مِن آحادِ السُّنة: أنَّ مَن كان منهم إسلاميًّا سُنيًّا في الجملة، فإرادةُ تنزيهِ الشَّريعةِ عن مُناقضةِ الضَّرورةِ العقليَّة واقعٌ له بالقصدِ

стр. 1644

الأوَّل، والإلحادُ في النُّصوصِ والجِنايةُ عليها ليس مُرادًا له، بل وَقَع له نتيجةً لانحرافِه في التَّنظير؛ وأمَّا مَن كان عَلمانيًّا أو رافضيًّا أو منكرًا لحجيَّتها: فإنَّ الإلحادَ في النُّصوص، والجنايةَ عليها، والكُفرَ بمَصدرها، واقعٌ لهم بالقصدِ الأوَّل. القضية الثَّالثة: أنَّ قَبول ما دَلَّت عليه ظواهرُ الصِّحاحِ مِن أخبارِ الصَّحيحين يُعدُّ فحولةً فكريَّةً، وعِصمةً شرعيَّةً، وسابِلةً لا ينتهجها إلَّا الرَّاسخون في العلم، الَّذين انعقدت قلوبهم على يقينٍ بصدقِ ما دَلَّت عليه سُنَن نَبيِّهم؛ وأمَّا التَّمحُّل في رَدِّ ظواهِرِها، أو التَّعسُّف في إنكارِها: فمَهيَعُ العَجَزة، مِمَّن كَلَّت أفهامُهم، وعَشِيَت أبصارُهم عن دَرْكِ المَقاصدِ النَّبويَّة. القضيَّة الرَّابعة: أنَّ أهل السُّنة لا ينفون وقوعَ المَحارةِ في الأفهام، والاستشكالِ لبعضِ ما دلَّت عليه أحاديث الصَّحيحين، وإنَّما الَّذي يَأْبَوْنه: ترتيب التَّسارع في الإبطالِ لتلك الدَّلائل النَّقليَّة على انقداحِ الاستشكال، والبَوْنُ بين النَّهجَينِ فسيحٌ بيِّنٌ. القضيَّة الخامسة: أنَّ المُتأمِّل في جملةِ المسائل الَّتي قرَّرتها أحاديث «الصَّحيحين»، والَّتي خاض المُخالفون لأهل السُّنة فيها بغير مُستندٍ شرعيٍّ، يجِدُ كثيرًا من هذه السُّنَن لم تنفرد تلك الصِّحاح بالدَّلالة عليها، بل اشتركت الدَّلائل القرآنيَّة والإجماع القطعيُّ في تثبيتها، وكذا مُكتشَفات العلوم الحديثةِ؛ فيتحصَّل عندئذٍ بُطلان دعوى المُخالفين المُبطلين لتلك الأحاديث بحُجَّة أنَّها أخبار آحاد. القضيَّة السَّادسة: أنَّ أخبارَ الآحادِ حُجَّةٌ شرعيَّة مُفيدةٌ للعلم إذا احتَّفَت بها القرائن؛ وما كان منها في «الصَّحيحين» مُفيدٌ للعلمِ ما لم يَقَع فيها خلافٌ بين أهل العلم المُعتَبرين؛ وهذا الخلاف لم يَقَع إلَّا في النَّزرِ اليسيرِ مِن أحاديثِهما، وبذلك تندَرج أحاديثُ الكِتابين فيما تُلقِيَّ بالقَبول في الجملةِ. فكان على ذلك خطأً بيِّنًا عَمْدُ بعضِ المُعاصرين -ولو كان مُؤهَّلًا للنَّقدِ الإسناديِّ، فضلًا عمَّن دونه- إلى رَدِّ أصلِ حديثٍ في «الصَّحيحين» قد استقَرَّ رأيُ الأمَّة على قَبولِه، وانتفَى له سَلَفٌ في تعليلِه؛ يؤكِّد هذا:

стр. 1645

القضية السَّابعة: أنَّ كلَّ أحاديث «الصَّحيحين» الَّتي راجَ طَعْنُ المُعاصرين فيها -بشَتَّى أطيافِهم- مِن جَهة المتن، قد تَبيَّن مِن خلالِ دراستنا لها أنَّهم غالِطون في توهينهم لها، وأنَّها -بحمد الله- سالِمةٌ مِن كلِّ غوائلِ الإنكارِ، بَريئةٌ مِن دَعاوي معُارضتِها للعقلِ أو العلمِ أو الحسِّ؛ ما خَلا حديثَيْن فقط في «صحيح مسلمٍ»: حديث عَرض أبي سفيان لابنتِه زينب على النَّبي ﷺ ، وحديث خلق التُّربة يوم السَّبت؛ على ما سَلَف من خلافٍ فيهما قديم، بين مُثبتٍ لهما من أهل الحديث ومُنكرٍ، فيَخرُجان بذا مِن حَيزِّ التَّلقي بالقَبول سَلفًا، وينتفي الحَرج على مَن وافق أحدَ الفريقين بدليلِه وما أنتجته هذه القضيَّة السَّابعة يؤكِّد لنا ما قَرَّره جمهور أهل العلمِ مِن تَفَوُّق «صحيح البخاريِّ» على «صحيح مسلمٍ» مِن حيث الأصحيَّة، والصَّنعة الحديثيَّة، وشُفوف نَظَرِ البخاريِّ في المتونِ بما لا يَبلُغه فيه مسلم. القضيَّة الثامنة: اهتمام الشَّيخينِ بالنَّظر إلى تفحُّصِ المتونِ والتَّأكُّدِ مِن استقامتِها أثناءَ العمليَّة النَّقديَّة للأحاديث، والبخاريُّ أوفقَ في ذلك مِن مسلمٍ، فهو أستاذه في عِلَل الحديث باعترافِه. على أنَّا ما وَافقنا فيه مَن أعَلَّ الحديثين المُشار إليهما في «صحيح مسلمٍ»، قد رَجَّحْنا قولَنا ذاك فيهما بشِقِّ الأنفُس! ومَكَث بنا النَّظَرُ الدَّقيقُ في مَتْنَيْهما الوقتَ الطَّويل؛ لتعلمَ أنَّ مُسلمًا وإن أدرجَ هذين الخبرين في «صحيحِه»، فليس معنى ذلك عدم مبالاتِه باستقامةِ المتون كما يَدَّعيه المُخالفون! فإنَّه لم يُخالف بهما بَدائهَ العُقول، ولا أثبتَ ما لا مجالَ فيه للأخذِ والرَّدِ، بل تصحيحُه لمتنيْهما له حَظٌّ مِن النَّظر، وإن كنَّا نراه -تَبعًا لكثيرٍ مِن العُلماء- نظرًا مَرجوحًا. القضية التَّاسعة: أنَّ ما يقع من بعض أهل العلم المُنتسبين للسُّنة من ردٍّ لبعضِ أحاديث «الصَّحيحين» ليس منهجًا مُطَّردًا، وليس مَبنيًّا على إحالةٍ عقليَّةٍ، وإنَّما كان يعتقد النَّاظر منهم في الحديثِ المُعيَّن مُخالفتَه لِما هو أقوى منه من الدَّلائل النَّقليَّة الأخرى، أو الكُليَّات الشَّرعية القطعيَّة، فيأخُذ بالأقوى من الدَّلائل

стр. 1646

بحسب ما استبان له؛ أو يكون مَردُّ الخطأ عنده نابعًا من تقصيرٍ في تحقيقِ مَناط الحديث. نعم؛ قد يَقع التَّصريح من بعض العلماءِ بأنَّ مَأخذ الرَّد مخالفةُ الحديث في «الصَّحيحين» لدلالةٍ عقليَّةٍ أو حِسيَّةٍ، لكن ردُّ الأحاديث بهذا المَأخذ -لندورِ وقوعِه جدًّا من علماء السُّنة- لا يُمكن أن يُعدَّ قانونًا مَنظومًا من كليَّاتِ منهج أهل السُّنة، ولا يُعرف الرَّد بهذا المَسلك عن أئمَّتهم، وإنَّما وقع من بعض المُتأخِّرين من أهل العلم، والتزامُ هذا المسلكِ في الردِّ أصالةً لا يكون إلَّا غَلطًا محضًا، وعُدولًا عن السَّنَنِ الأبْيَنِ الَّذي سارَ عليه أهل السُّنة والجماعة. القضية العاشرة: أهميَّة توظيف الحقائق العلميَّة المُتعلِّقةِ بالكونِ في نُصرةِ صِحاحِ السُّنَة، لا على وجه الإبانةِ عن معانٍ تُخالف ما جرت عليه أفهام السَّلف، أو قصد تحديدِ كيفيَّات ما غُيِّب عنَّا؛ وإنَّما على وجه الإبانةِ عن لطائف معاني مُستبطنةٍ تزيدنا يقينًا في النَّص نفسِه، وعلى سبيلِ الكشفِ عن صدقِ ما دلَّت عليه فيما يتعلَّق بالعلومِ الطَّبيعيَّة؛ هذا مِن جِهة. ومِن جِهةٍ أخرى: بيانُ مَدى قصورِ علومِ البَشر، وأنَّها مهما بلغت في الاتِّساع تظلُّ رهينةَ الاستدراكِ والتَّمحيص. وأمَّا التَّوصيات، فتَتَجَلَّى في الآتي: أوَّلًا: مع تحريرِ أئمَّة الحديثِ وضبطِهم لقواعد الحديثِ روايةً ودرايةً، ومُحالفةِ التَّوفيق لهم في ابْتِنائها على أصولٍ عقليَّةٍ مُتَّسقةٍ مع مُقتضى الفِطرة، نلحظُ كثيرًا مِن طَلَبة العلم -مِمَّن ينتسبُ إلى أهل السُّنة والحديث- غُفْلًا عن معرفةِ هذا البناء العَقليِّ المُحكَم الَّذي شادَه أسلافُهم لعلوم الحديثِ، وعن استلهامِ مناهجِهم في النَّظر الدَّقيق إلى النُّقولات. فالغفلةُ عن ذلك ساقَت إلى تزعزُعِ بعض هؤلاء أمام سَيْل الشُّبهاتِ الَّتي جَهِد أصحابُها على صَبْغِها بالصِّبغة العصريَّة العقليَّة، ثمَّ تسليطِها على هذا الفنِّ، فادَّعوا أنَّه مجرَّد عِلمٍ ساذجٍ مُتصَلِّب، مُفتَقدٍ للعقلنةِ في تأصيلاتِه وتطبيقاتِه.

стр. 1647

فكان حَريًّا بكلِّ مَن آنس مِن نفسِه بصَرًا وفقهًا مُفصَّلًا بأصول أهل السُّنة في نقدِ الأخبار، أن يواكب في هذا ميزات أهل عصره، فيسعى جاهدًا في استنباطِ الدَّلائل العقليَّة الَّتي أسَّس عليها المُحدِّثون كلَّ بابٍ من أبوابِ علم الحديث، للكشفِ عن عبقريَّة أسلافِنا في خدمة دينِهم، وسُنَّة نَبيِّهم، وردِّ كيدِ المُستخفِّين بهم في نُحورِهم، وليُعلَم به سَلامةُ ما أصَلَّه أئمَّةُ الحديث وصَيارِفَتُه. ثانيًا: مع قلَّةِ النُّباحِ على قافلةِ «الصَّحيحين» في بعض البلدان -كبلدي المغرب- مقارنةً بحالِ كثيرٍ من بلدان المَشرق، فإنَّ ما نشهده مُؤخَّرًا مِن تزايُد الهجوم عندنا على البخاريِّ بخاصَّة -وإن كان بشكلٍ مُتقَطِّعٍ- نذيرُ شؤمٍ! فإنَّ بعض الشَّر يبدأ به المُفسدون صغيرًا، جسًّا لنبضِ المُصلحين، وتمهيدًا لِما بعده! ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]. فلذا أهيبُ بمَن يحملون في قلوبِهم هَمَّ هذا الدِّين وحُبَّ وَطَنِهم، وقَلَقًا على المُستقبل الفِكريِّ للأجيالِ القادمة، أن يُسارعوا إلى الوقاية من هذه الأمراض المُعدية قبل العلاج، فـ: يُبادروا إلى إقامة المَشاريع الفكريَّة التَّحصينيَّة، بدَلَ الاكتفاء بردود الأفعال تُجاه ما نراه بين الفينة بعد الأخرى من الاعتداءِ على السُّنة؛ وذلك بإقامة مَحافل ومراكز عِلميَّة (جادَّة!) تَسهرُ على رصدِ الغارةِ المُعاصرة على أصول التَّشريع، وإصدارِ الدِّراسات المُحقَّقة الَّتي تعرضُ علومَ السُّنة بخطابٍ بُرهانيٍّ مُقنِعٍ فكرًا وصورةً، عبر استغلالِ التَّقنيات الحديثة في الإعلام. ومِن هنا؛ أدعو وزارةَ الأوقافِ والشُّؤونِ الإسلاميَّةِ بمَمْلَكَتِنا الشَّريفة، إلى إحياءِ سُنَّةٍ للمغاربةِ تَعاقبوا عليها قرونًا مِن الزَّمن إلى عهدِ الاحتلالِ الفَرنسيِّ! يَتَقدَّمُهم سَلاطينِهم النُّبَلاء، إلى إحياء كَراسٍ لصحيح البخاريِّ في كُبرياتِ المَساجد في كلِّ ناحيةٍ مِن هذا البلد الكريم، لتُضيء الأنوارُ النَّبويَّة من هذا السِّفْرِ النَّفيسِ قلوبَ المُسلمين في بيوتِ الله كما كانت، ولتزيد الرَّابطة الرُّوحيَّة بينهم وبين نَفَحاتِه السَّنيَّةِ على مَدارِ السَّنة، قراءةً مُرصَّعةً في جَبين الزَّمن لبديعِ ألفاظِه،

стр. 1648

وتَفهُّمًا لجليلِ مَعانيه، واستخراجًا لثمين كُنوزِه، ليُغبَطوا بخَتْمِه كلَّ عامٍ في شهر رمضان المُبارك، فلَنِعْمَ البِدعةُ هذه! ثالثًا: بَدا للباحثِ أنَّ هناك مسائل ما زالت تفتقرُ إلى إغناءٍ وتحريرٍ، منها: ١ - دراسة العيوب المَنهجيَّة الَّتي يقع فيها المُخالفون لنهجِ أهل السُّنة في نقدِهم للسُّنة، والَّتي يشترك في أكثرِها هؤلاء المُعاصرون الَّذين فوَّقوا سِهام طعونِهم إلى «الصَّحيحين»، كـ: التَّحيُّز في انتزاع النَّتائج من المسلَّمات الأوليَّة، والتَّعميم الفاسد، والانتقائيَّة في اختيار المصادر، وإهمال الأدلَّة المعارضة، .. إلخ؛ فإنَّ بيان الخلل في أصل منهجِهم في استقاء المَعلومات وتراتُبيِّة المُقدِّمات ثمَّ استصدار الأحكامِ، كفيلٌ بإبطالِ مُخرجاتِه، وإظهارِهم على حقيقتِهم بأنَّهم من أبعدِ النَّاس عن المنهجيَّة المنطقيَّة والمَوضوعيَّة في النَّقد. ٢ - تجرُّؤ التيَّارات المنحرفة المُعاصرة على إنكارِ الأخبار النَّبويَّة المُتلقَّاة بالقَبول، أو تحريفهم لدلالاتِ النُّصوص الشَّرعيَّة عمومًا، مَنشأه عدم اعتدادِهم بعصمةِ الإجماع، ونفيُهم لما يدلُّ عليه من النُّصوص، أو إنكارهم لوجوده رأسًا، وتفانيهم في الإيمان بنسبيَّة الحقيقة، وكثيرًا ما يَصمون المُعتصمين بهذه العُروة الوُثقى بأنَّهم عُبَّادٌ للسَّلَف! وغرضهم كسرُ هذا المِعيارِ الَّذي به تُضبَط العمليَّة النَّقديَّة أو الاستدلاليَّة في الأمَّة. فأوْلى بهذا المَوضوع أن يُستقصى مِن كُتب هؤلاء المُخالِفين المُعاصِرين، وتُستقرَأ شُبهاتهم فيه وأغراضُهم مِن إثارته، فهو مُرتَكزٌ منهجيٌّ أصيل يستبيحون به حِمى النُّصوص. ٣ - الاجتهاد في تبيان مَدى العُلقة التَّاريخيَّة الوثيقةِ بين «الصَّحيحين» وأهل بلدٍ إسلاميٍّ ما، واحتفاء علماءه والعامَّة بهما عبر الأعصُر إلى اليوم، فيأخذُ أحد الباحثين بسردِ التَّاريخ التَّفصيليِّ لقصَّة البخاريِّ مع المغاربةِ -مثلًا- منذ دخولِه الأوَّل، إلى احتفاء السَّلاطين والعلماء به، وتَبرُّك العامَّة به إلى وقتٍ قريبٍ جدًّا، لبيان الوَشيجة التَّاريخيَّة الوطيدة بين هذا الشَّعب وبين تُراثِه السُّنيِّ، ثمَّ دراسة أسباب ضعفِ هذه العلاقةِ في هذه العقودِ الأخيرة، وما الغاية منها.

стр. 1649

٤ - عبر رحلتي الجميلة في دراسة الصَّحيحين مُدَّة بحثي هذا، وجدتُ بأنَّ علماءَ المغرب مِن أحرصِ النَّاس على عرضِ الشُّبهات المنفوقةِ على السُّنة وأحاديثِهما، وأمتنِهم في دحضِها في مَهدِها، فلم أكد أجِدْ شُبهةً لوَّح بها أحد المُعاصرين على حديثٍ هو في «الصَّحيحين»، إلَّا وأسعفني في الجوابِ على كثيرٍ منها أحد شُرَّاح الحديث المغاربةِ، كالمَازَريِّ، والقاضي عياض، وابن بطَّال، وأبي بكر ابن العَربي، وأبي العبَّاس القرطبي، وغيرهم. فحبَّذا لو تخرُج دراسة لبيان جهودِ علماء المغربِ في حِياطةِ الأحاديث النَّبوية ودفع المُعارضات عنها، والمناهج العلميَّة الَّتي سلكوها حتَّى بزُّوا أقرانهم المشارقة في ذلك؛ رحم الله الجميع. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

стр. 1650

ثَبت المَصادر والمَراجع - الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير، للجورقاني، تحقيق وتعليق: الدكتور عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي، دار الصميعي - الرياض، الطبعة: الرابعة، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م - الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، المحقق: د. فوقية حسين محمود، دار الأنصار - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٣٩٧ هـ - الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، لابن بَطَّة العكبري، المحقق: عثمان عبد الله آدم الأثيوبي، دار الراية للنشر - السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤١٨ هـ - الابتهاج في أحاديث المعراج، لأبي الخطاب ابن دحية الكلبي، تحقيق: رفعت فوزي، مكتبة الخانجي - القاهرة، ط ١، ١٤١٧ هـ. - إبستملوجيا المعرفة الكونية، لمحمد أبو القاسم حاج حمد، دار الهدى - بيروت، ط ١، ١٤٢٥ هـ ٢٠٠٤ م. - إبطال التأويلات لأخبار الصفات، لأبي يعلى ابن الفراء، المحقق: محمد بن حمد الحمود النجدي، دار إيلاف الدولية - الكويت. - أبو حنيفة، حياته وعصره، آراؤه وفقهه، لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، ط ٢، ١٩٧٧ م. - أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية (كتاب الضعفاء)، لأبي زرعة الرازي، جمع وتحقيق: سعدي بن مهدي الهاشمي، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية - المدينة النبوية، الطبعة: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م. - أبو هريرة راوية الإسلام وسيد الحفاظ الأثبات، لعبد الستار الشيخ، دار القلم- دمشق، ٢٠٠٣ م.
следующие страницы →