وبعد أن نَقَلِ البِحيريُّ رأيَ العقَّاد هذا، قال مؤكِّدًا له:
« .. وهنا نتوقَّف مع نتائج مهمَّة جدًّا، وهي: لا يُمكن أن تكون عائشة مَخطوبةً قبل سِنِّ السَّادسةِ لشَابٍ كبير، لأنَّه حاربَ المسلمين في بدرٍ وأُحد، كما أنَّه مِن المستحيل أن يخطُب أبو بكر ابنتَه لأحدِ المشركين، وهم يُؤذون المسلمين في مَكَّة، ممَّا يدلُّ على أنَّ هذا كان وعدًا بالخطبةِ قبل بدءِ البعثةِ النَّبوية، حيث كان الاثنان في سِنٍّ صغيرة، وهو ما يؤكِّد أنَّ عائشة وُلِدت قبل بدء البعثة النَّبويَّة يَقينًا».
المعارضة السَّادسة: أنَّ الحديثَ مُعارِض لقولِ النَّبي ﷺ : «لا تُنكَح البِكرُ حتَّى تُستَأذن».
يقول البِحيري: «كيف يقول الرَّسول الكريم هذا ويفعلُ عكسَه؟! فالحديث الَّذي أورَده البخاريُّ عن سِنِّ أمِّ المؤمنين عند زواجِها، ينسب إليها أنَّها قالت: كنتُ ألعبُ بالبناتِ -بالعَرائس- ولم يسألها أحدٌ عن إذنها في الزَّواج مِن النَّبي ﷺ .. وحتَّى موافقتها في هذه السِّن لا تنتج أثرًا شرعيًّا، لأنَّها موافقة مِن غير مُكَلَّف ولا بالغٍ ولا عاقل».
стр. 1577
المَطلب الثَّالث
دَفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
عن حديثِ سِنِّ عائشة عند زواجِها بالنَّبي ﷺ
تمهيد:
أرى لِزامًا قبل الشُّروعِ في تفنيدِ هذه المُعارضاتِ الَّتي تخصُّ الحديثَ، أن أُنبِّه إلى أصلِ الشُّبهة الَّتي تَمخَّضت مِن رَحِمها تلك المُعارضات، والباعث الحقيقيِّ إلى هذه الاستشكالاتِ، وهو: عدمُ إدراك الفارق الكبير بين الأزمنةِ والبيئات والأعرافِ المختلفة المتعلِّقة بالزَّواج والبَاءة.
فإنَّ مِن التَّجَني في الأحكام، أن يُوزَن حَدَث ما مُنفصلًا عن زمانِه ومكانِه وظروفِ بيئتِه، فتُهدر فروق القُدراتِ الجِسميَّة والذِّهنيَّة عبر العصور؛ ولَإِن كانت العِبرة في تمامِ الزَّواجِ نُضج الزَّوجين والقدرةِ على الإنجاب، فإنَّ مِن العَيْبِ قياسُ زَواجِ عُقِدَ في مكَّةَ قبل أربعة عشر قرنًا، بما يَحدُث اليومَ عند ضِبَابِ الغربِ ومَن دَخَل جُحرَهم مِن مُستغربينا!
فالَّذي على المُعترِض أن يَفهمَه قبل اعتراضِه على مثل هذه الأحاديث: أنَّ قدرةَ النِّساءِ على النِّكاح ولوازمه -مِن جِماعٍ وولادةٍ وغير ذلك- ليست على وِزانٍ عُمْريٍّ واحد، بل تختلف مِن زَمنٍ إلى زَمن، ومِن بيئةٍ إلى بيئةٍ، بل مِن عِرْق إلى عِرْق، لاختلافِ عَوامل المُناخ، والتَّغذية، والثَّقافة؛ هذا ليس قولي أنا، بل ما تُؤكِّده دراسات الأطبِّاء في علمِ الخُصوبةِ ومُؤثِّراتها.
стр. 1578
ففي تقرير هذه الحقيقةِ العِلميَّة، يقول (د. سْبِيرُوَا فاخوري): «يكون تَقَدُّم البلوغ في بعضِ الأحيانِ نتيجةَ أسبابٍ وِراثيَّة في الأسرة، أو المحيطِ الجغرافيِّ، كالبيئةِ، والمناخِ، وحرارةِ الجوِّ .. » (١).
وتقول الطَّبيبة الأمريكيَّة (د. دُوشْنِي): «إنَّ الفتاةَ البيضاءَ في أمريكا، قد تبدأ في البلوغَ عند السَّابعةِ أو الثَّامنة، والفتاة ذات الأصل الإفريقيِّ عند السَّادسة! .. ومِن الثَّابتِ طِبيًّا أنَّ أوَّل حَيضةٍ تَقَع بين سنِّ التَّاسعة والخامسة عشرة»؛ وهذا ما نَقَلته إحدى الدَّوْريات الطِّبيَّة للأطفالِ في أمريكا، حيث أكَّدوا أنَّ الفتيات الأمريكيَّات يبلُغن مُبكِّرًا، ما بين سِنِّ العاشرة إلى الحادية عشر، ومنهن حالات في الثَّامنة والتَّاسعة! (٢).
ولازِلْنا نسمعُ مِن جدَّاتِنا كيف كُنَّ في وقتهِنَّ قبل جِيلَيْن أو ثلاثة، تتزوَّجُ إحداهنَّ مُبكِّرًا في الثَّانيةِ عشر أو أقلَّ من ذلك، مُقتدراتٍ مُؤَهَّلات لذلك في العلمِ والجِسم! فكان الأمر مُعتادًا عندهنَّ، يحكينه عن وقتٍ قَريب مِنَّا؛ فكيف الظَّنُّ بالنِّساءِ قبل أربعةِ عشر قرنًا مِن الزَّمَن، وفي بيئةٍ حارَّةٍ كجزيرة العَرب؟!
لا شكَّ عندي أنَّهنَّ أولى ببُكورِ البلوغِ والنُّضج، فضلًا عن أنَّ مُجتمعاتهنَّ كانت «تختفي فيها مرحلةُ المراهقة، وينَتقِل الفَردُ وقتَها مِن الطُّفولةِ إلى الرُّشد مباشرة» (٣).
فلا يكاد ينقضي عَجَبي مِمَّن يَنتسِبُ إلى الإسلام، كيف له أن يُنكر زواجَ عائشة ﵂ في التَّاسعة استبشاعًا منه لذلك؟ في الوقتِ الَّذي يُقِرُّ كُتَّاب الغَربِ بأنَّ زواج العَربيَّات في القديم مُبكِّرًا -في ما نعتبره اليوم سِنًّا للطُّفولة- أمر طَبيعيٌّ بحكمِ ظروف ذلك الزَّمان وعاداته؟!
стр. 1579
فاسمع لـ (وُل دْيُورَانْت) يقول في كتابِه الشَّهير «قصَّة الحضارة»: «إنَّ المُناخَ من العوامل الَّتي تؤثِّر في الأخلاق الفرديَّة، ولعلَّ حرارة الجوِّ في بلاد العرب كانت من أسباب تقوية الغريزة الجنسيَّة، والنُّضج المُبكِّر .. وكانت البَنات يُزوَّجْن في العادةِ قُبَيل سِنِّ الثَّانية عشرة، ويُصبحن أمَّهاتٍ في الثَّالثة عشرة أو الرَّابعة عشرة، ومُنهنَّ مَن كُنَّ يتزوَّجن في سِنِّ التَّاسعة أو العاشرة» (١).
وتقول المُستشرقة البريطانيَّة (كارين أمْسترُونج):
«لم تَكُن خطبةُ محمَّد ﷺ عائشة أمرًا عجيبًا، حيث عُقِدت زيجاتٌ لفتياتٍ أصغرَ مِن عائشة، لتوثيقِ تحالفاتٍ أو لغير ذلك، استمرَّت هذه الممارسة في أوربا إلى ما بعد بدايةِ العصرِ الحديث، ولم يكُن هناك شَكٌّ أنَّ إكمالِ الزَّواج لم يَتمَّ، إلَّا عندما تخطَّت عائشة سِنَّ البلوغ، عندما كان يُمكن أن تتزوَّج مثل أيِّ بنتٍ أخرى» (٢).
فهذا ما أردتُ التَّنبيه عليه: أنَّ في إرجاءِ دخولِ النَّبي ﷺ بعائشة بعد عَقدِ زواجِهما بثلاثِ سنين كاملاتٍ، لخَيرُ دليلٍ على مُراعاتِهم لقدرةِ عائشة على تكاليفِ الزَّوجية، ولو كان الغَرَض تفريغُ شهوةٍ في طفلةٍ غَريرةٍ كما يزعُم الأفَّاكون، لأخَذَها وهي بنتُ سِتٍّ، فما الفرق إذن؟!
لقد كانت عائشة ﵂ على صِغَر سِنِّها ناميةً ذلك النُّموَّ السَّريع الَّذي تنموه نساء العَرب، والعِبرة بالمرأةِ في قِطعتها وعقلِها، لا في عُمْرِها، وعائشةُ وإن كانت صَغيرة السِّن، لكنَّها اختُصَّت بعقلٍ فاقَ كثيرًا مِن الأشياخ، وفي بحرِ علومِها الَّتي بثَّته مِن بيتِ زوجِها لَخيرُ شاهدٍ.
يقول (محمَّد الغزالي)، ولَنِعْمَ ما قال:
«إنَّ عائشة يومَ بَنَى بها الرَّسول، كانت أهلًا للزَّواج يَقينًا، وما نَشُكُّ في أنَّ الدَّافع الأوَّلَ لهذا الزَّواجِ كان تَوثيقَ العلائقِ بين النَّبي الكريم وصاحبِه الأوَّل،
стр. 1580
وهو الدَّافع لتزوُّجه مِن حفصة بنتِ عمر بن الخطاب لمَّا آمَت مِن زوجِها، ولم تكُن حفصة امرأةً ذاتَ جمالٍ، ولكن هذا العُنصر لم يكُن المانع مِن هذه، ولا الدَّافع إلى تلك» (١).
نعم؛ لو كان غَرَض النَّبي ﷺ تَتبُّعَ مَبارِدِ شَهوتِه، والتَّلهِي بغرائزِ صَبْوتِه، لاتَّخذَ لنفسِه بِكْرًا حسنةً في كلِّ مرَّةٍ يَتَزوَّج! وهو الَّذي لَبِث -بأبي هو وأمِّي- خمسًا وعشرين سنةً مع زوجِه الثَّيبِ الأولى وهي تكبره في السِّن ﵂، لم تُحدِّثه نفسُه أن يُدخِلَ عليها بِكْرًا!
فلمَّا ماتت ﵂، لم يَتزوَّج بعدها بِكرًا غير عائشة، فقد كان ﷺ يُراعي في زواجِه اعتبارات اجتماعيَّة وسياسيَّة توحي له بتعزيزِ الرَّوابط حينًا، وجبرِ الكسورِ حينًا آخر، ومَدِّ الجسور بين صاحبِ الدَّعوة، وأشتاتٍ مِن الأتباع والأُسَر الَّتي تَزحمُ جزيرة العرب، في أيَّامٍ كانت مَليئةً بالأزماتِ والمُحرجاتِ.
وهنا يُعجِبني أن أسوق كلامًا حَسَنًا لعائشة بنت الشَّاطئ (ت ١٤١٩ هـ)، فهو على طولِه قد سدَّ ثقوبَ الفِكر الَّتي تسَّلَلَت من خلالِها شبهاتُ هذا الباب، فاحكمته بأحسنِ ما يكون البَيان، تقول فيه:
«لم تُدهَش مكَّة حين أُعلِن نبأُ المصاهرةِ بين أعزِّ صاحِبين وأوفى صَديقين، بل استقبلته كما تستقبلُ أمرًا طبيعيًّا مَألوفًا ومُتوقَّعًا، ولم يجِد فيها أيُّ رَجلٍ مِن أعداء الرَّسول أنفسِهم مَوْضعًا لمَقال، بل لم يَدُر بخَلَدِ واحدٍ مِن خصومِه الألدَّاءِ أن يتَّخذ من زواجِ محمَّد ﷺ بعائشة مَطعنًا أو مَنفذًا للتَّجريحِ والاتِّهامِ، وهم الَّذين لم يتركوا سبيلًا للطَّعن عليه إلَّا سَلكوه، ولو كان بهتانًا أو زورًا.
وماذا عساهم يقولون؟! هل يُنكرون أن تُخطَب صبيَّة كعائشة لم تَتجاوز (التَّاسعة) مِن عمرها؟ .. وأيُّ عَجَبٍ في مثل هذا؟ وما كانت أوَّلَ صبيَّةٍ تُزَفُّ في تلك البيئة إلى رجلٍ في سِنِّ أبيها، ولن تكون كذلك أُخراهنَّ.
стр. 1581
لقد تَزوَّج عبد المطلَّب الشَّيخُ مِن هالة الزُّهريَّة بنت عمِّ آمنة في اليوم الَّذي تَزوَّج فيه عبد الله أصغر أبنائِه مِن تِرْبِ هالة (آمنةِ بنت وهب)، وسيَتزوَّج عمر بن الخطَّاب مِن بنتِ علي بن أبي طالب وهو في سِنٍّ فوق سِنِّ أبيها، ويَعرِضُ عمر على أبي بكر أن يتزوَّج ابنته الشَّابة حفصة، وبينهما مِن فارقِ السِّن مثل الَّذي بين الرَّسول وعائشة ..
لكنَّ نَفرًا مِن المُستشرقين يَأتون بعد بضعةِ عشر قرنًا مِن ذلك الزَّواج، فيهدِرون فروقَ العصرِ والبيئة، ويَقيسون بعَيْنِ الهوى زواجًا عُقِد في مكَّة قبل الهجرة، بما يحدُث اليومَ في الغرب، حيث لا تَتَزوَّج الفتاة عادةً قبل سِنِّ الخامسة والعشرين، وهي سِنٌّ تُعتَبر حتَّى وقتِنا هذا جِدُّ متأخرةٍ في الجزيرة العَربيَّة، بل في الرِّيفِ والبوادي مِن المشرق والمغرب» (١).
وبعد؛
فها قد أَذَبْنا جليدَ الوَهمِ القابعِ في أذهانِ بعضِ المُتأفِّفَةِ مِن زواجِ الصَّغيرات، ليحين الشُّروع في تفصيلِ الرَّدِ على أفرادِ الشُّبهات المُسلَّطةِ على سِنِّ زواجِ عائشة ﵂، فنقول:
أمَّا دعوى المُعترض في شُبهتِه الأولى: من أنَّ عُمْرَ عائشة ﵂ مع البِعثة كان أربعَ سنوات، باعتبارها أصغرَ مِن أختها أسماء بعشرٍ، وكان عمر هذه مع البعثة أربعة عشر، ومُؤدَّى ذلك أنَّ النَّبي ﷺ حين عقد على عائشة في السَّنة العاشرة من البعثة، كانت بنتَ أربع عشرة سنة .. إلخ.
فجواب ذلك أن يُقال:
إنَّ حِسْبَته هذه قائمةٌ على أساسِ أنَّ الفرقَ العُمْرِيَّ بين عائشة وأختِها أسماء هو عشر سنين؛ وبعد تفحصِّنا لهذه المعلومة، وجدناها لا تَستند إلَّا إلى روايةٍ
стр. 1582
تاريخيَّة واحدة! تَفرَّد بها عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناد (ت ١٧٤ هـ) يقول فيها: «كانت أسماء بنت أبي بكر أكبر مِن عائشة بعشر سنين» (١)، وفي روايةِ ابن عبد البرِّ عنه: «بعشر سنين أو نحوها» (٢).
فأمَّا ابن أبي الزِّناد هذا، فيقول فيه أحمد: «ضعيفُ الحديث» (٣)، و «مضطرب الحديث» (٤).
ويقول ابن معين: «ليس مِمَّن يَحتَجُّ به أصحاب الحديث» (٥).
ولم يَرتضِه معهما ابنُ مهدي، ويحيى القطَّان، وأبو زرعة الرَّازي، ولا أكثر المُحدِّثين في روايتِه (٦)، غيرُ قلَّةٍ مَشَّت حالَه (٧)، بِما لَا ينهضُ لمِدافعةِ تضعيفِ الأئِمَّة له.
ولَئِن سَلَّمنا قولَ هؤلاءِ القِلَّة فيه، فليس يتَّجِه الحكمُ بصحَّةِ ما يَنفرد به عن الحُفَّاظ الثِّقات (٨)، ولذا نَقل الخَطيبُ اتِّفاقَ أهل النَّقلِ عل تضعيفِه، وقال: «أجمعَ الحُفَّاظ على تركِ الاحتجاجِ به فيما انفردَ به» (٩).
فعلى هذا يكون خبرُه في الفَرقِ بين عُمرَيْ عائشة وأسماء ﵄ مَردودًا عليه! فضلًا عن انفراده به دون أهلِ الحديثِ والتَّواريخِ، ومخالفته لما يُقرِّرونه تَواترًا من سِنِّ عائشة.
стр. 1583
ومِمَّا يؤكِّد خِفَّةِ ضبطِ ابن أبي الزِّناد للفارق العُمريِّ بين الأُختين في روايتِه نفسِها، قوله في آخرها: « .. عشر سنين أو نحوها» (١)، وهذا الشَّكُ أو الظَّن منه لا يجوز أن يرُدَّ ما جَزَم به الثِّقات في أخبراهم، على التَّنزُّلِ في كونِه ثِقةً كما أسلفنا.
ومع كلِّ هذا نقول: إنَّه على افتراض صحَّةِ روايةِ ابن أبي الزِّناد هذه، فإنَّه لا يستحيلُ الجَمعُ بينها وبين باقي الرِّواياتِ في سِنِّ عائشة عند الزَّواج! وذلك بأن يُقال:
كان مَولِدُ أسماء قبل البِعثة بستِّ أو خمسِ سنوات، وعائشة بعد البِعثة بأربع أو خمس سنوات، ولمَّا تُوفِّيت أسماء عامَ (٧٣ هـ) (٢)، كان عمرُها إحدى أو اثنتين وتسعين سنةً، وهو الَّذي احتمَلَه الذَّهبي بعد نقلِه روايةَ ابن أبي الزِّناد في فارقِ العُمْرِ بينهما، كما في قوله: « .. فعلى هذا يكون عُمْرها إحدى وتسعين سنة، وأمَّا هشام بن عروة، فقال: عاشت مائة سنة، ولم يَسقُط لها سِنٌّ» (٣).
لكن قد علمتَ أنَّ رواية ابن أبي الزِّناد ضعيفةٌ أصلًا، وأنَّ الاتِّفاقَ مُنعقد بين أهل السِّيَر على أنَّ عائشة ﵂ تَزوَّجت وعمرُها ستُّ سنين، كما اشتهرَ عندهم أنَّها ماتَتْ وعمرُها ثلاثٌ وستُّون سنة وأشهُر (٤)، وذلك عام (٥٧ هـ) أو (٥٨ هـ)، فيكون بذا عمرُها قبل الهجرة: سِتُّ سنوات وأشهر، أو سبع سنوات، فإذا جَبَرنا الكسرَ يكون عمرُها عامَ الهجرةِ النَّبوية ثمانِ سنين، ويكون عمرُها عند دخولهِا على النَّبي ﷺ بعد الهجرة بثمانيةِ أشهر هو تسعُ سنين (٥).
стр. 1584
فعلى هذا تكون دَعْوى (البِحيريِّ) في إجماعِ كُتُبِ التَّاريخ على كِبَرِ أسماءَ على عائشةَ بعشرٍ دعوى منه كاذبة! وليس مُجرَّدُ تَناقُلهم لروايةِ ابن أبي الزِّنادِ وسَوْقِها في كُتبهم دليلًا على صحَّتِها لَديهم! هذا أمرٌ مُسَلَّم به عند من يفهم مناهج المؤرِّخين.
فهذا الذَّهبي -مثلًا- وهو عُمدةٌ في السِّيَر والتَّواريخ -بشهادةِ (البِحيريِّ) نفسِه! - يَرى أنَّ «أسماءَ أسَنُّ مِن عائشة ببضعِ عشرة سنة» (١) لا بعشرٍ، والبضعُ مِن الثَّلاثةِ إلى التِّسعة؛ فلو قُلنا أنَّها تكبرُها بتسعةِ عشر عامًا -مَثلًا-، وكان عمرُها وقتَ الهجرة سبعةً وعشرين عامًا: فإنَّ عُمْرَ عائشة وقتَ الهجرة يكونُ ثماني سَنوات! وهو ما يُوافق ما جاء عنها في الرِّواياتِ الصَّحيحةِ المُتَّفق عليها (٢).
فهل مِن الإنصافِ الانكبابُ على أَثَرٍ فَرْدٍ وَاهٍ مِن حيث سندُه، ليُطعَنَ به في كلِّ تلك الرَّواياتِ الصَّحيحةِ، وما استفاض خَبَرُه في كُتِبِ السُّنةِ والسِّيَر؟!
لكن للأسف، قد تَكرَّر هذا المَزلَقُ المَنهجيُّ في مَواضع أُخَرَ مِن مَقالِ (البِحيريِّ) هذا، من ذلك:
دعواه أنَّ ابنِ حَجرٍ ذكرَ في «الإصابة» (٣): كونَ فاطمة ﵂ وُلِدَت عامَ بناءِ الكعبة والنَّبيُّ ﷺ ابنُ خمسٍ وثلاثين سنة، وأنَّها كانت أسَنَّ مِن عائشة بخمس سنواتٍ، وعلى هذه الرِّواية خرَّجَ كوْن عائشة وُلِدت وللنَّبي ﷺ أربعون سنة عند البِعثة، ما مُؤدَّاه عنده: أنَّ عائشة عند زواجِها بعد الهجرة قد جاوزت الأربعة عشرَ سنةً!
ثمَّ قال (البحيريُّ) بعد هذه الحِسبة: « .. وقد أوْرَدتُ هذه الرِّواية فقط لبيانِ الاضطرابِ الشَّديدِ في روايةِ البخاريِّ»!
يقول هذا وهو الَّذي أقَرَّ في نفسِ مَقالِه -قُبَيْل هذا الكلامِ- أنَّ هذه الرِّواية في مَولدِ فاطمة وفارِق الخمسِ بينها وبين عائشة «ليست قويَّة»!
стр. 1585
أَفَيَستقيم الحكمُ بالاضطرابِ على روايةٍ في البخاريِّ لأجل روايةٍ أخرى خارَجه ضَعيفةٍ؟! بل مُنكرةٍ بمنظارِ أهل الفنِّ؟! فإنَّها مِن روايةِ الوَاقديِّ وهو مَتروك، فضلًا عن انقطاعِ سَندِها بين أبي جعفر البَاقر والعَبَّاس ﵁.
إنَّ ما تَبَجَّح به المُعترضُ مِن تلك المَراجع التَّاريخيَّة الَّتي ساقَها أوَّلَ مقاله، يَزعمُ إسنادَها لِما خَرج به مِن شَواذِّ نتائجِه في عُمْرِ عائشة، لا يوافقه عليها أحدٌ مِن أربابِ تلك المَراجِع نفسِها الَّتي استشهَدَ بها، والَّتي وَصَفها بأنَّها (مؤصَّلة)! ولا خَطَرت -والله- بِبالِ أصحابها! وبِها نُدينُه!
فلا ابنُ الأثير (١)، ولا ابنُ عساكر (٢)، ولا الذَّهبيُّ (٣)، والطَّبري (٤)، وابن كثير (٥)، والخطيب (٦)، وابن خلِّكان (٧): يختلفون في كونِ عائشة قد زُوِّجِت بالنَّبي ﷺ وهي بنتُ ستٍّ، ودَخَل بها وهي بنتُ تسع.
وأمَّا دعواه في المعارضة الثَّانية من أنَّ أبناءَ الصِّديق وُلِدوا كلُّهم في الجاهليَّة، ونسبَ ذلك إلى الطَّبري .. إلخ:
فإنَّ سَوْق نصِّ الطَّبري كافٍ في بَيانِ كذبِ هذه النِّسبةِ إليه، ولعلَّ المُعترض أُوتِيَ مِن عَجَلتِه في فهمِ كلامِ العلماء بحسب ما يهواه ولو بتحريفِه، دون تَرَوٍّ في تأمُّلِه، أو استصحابِ مَذهَبِ قائلِه فيه.
فأمَّا ابن جرير؛ فالَّذي قاله على وَجهِ التَّفصيل:
«حَدَّث عليُّ بن محمد، عمَّن حدَّثه ومَن ذكرتُ مِن شيوخه، قال:
تزوَّج أبو بكر في الجاهليَّة قتيلة -ووافقه على ذلك الواقديُّ والكلبيُّ- .. فوَلَدت له عبد الله وأسماء.
стр. 1586
وتزوَّج أيضًا في الجاهليَّة أمَّ رومان بنت عامر .. فوَلدت له عبد الرَّحمن وعائشة.
فكلُّ هؤلاء الأربعة مِن أولادِه، وُلِدُوا مِن زَوْجَتيه اللَّتين سمَّيناهما في الجاهليَّة.
وتزوَّج في الإسلام أسماء بنت عُميس، وكانت قبله عند جعفر بن أبي طالب .. فوَلَدت له محمَّد بن أبي بكر .. وتزوَّج أيضًا في الإسلام حبيبة بنت خارجة .. فوَلَدت له بعد وفاتِه جارية سُمِّيت أمَّ كلثوم» (١).
قلت: فبَيِّنٌ جدًّا مِن كلام ابن جريرٍ أنَّ الجارَ والمجرورَ في قولِه «في الجاهليَّة» مُتعلِّق بالأزواجِ (٢)، لا بالأولاد! وذلك أنَّ كلامَ الطَّبري مَسوق أصلًا لتَمييزِ زوجاتِ أبي بكرٍ إلى مَنْ كُنَّ له في الجاهليَّة، ومَنْ كُنَّ له في الإسلام، لم يُرِد بكلامِه البتَّة تعريجًا على ميلادِ أبناءِه! ولو كان المُراد من كلامِ الطَّبريُّ تعلُّقَ الجار والمجرور «في الجاهليَّة» بأولادِ أبي بكر الأُوَل، لكان الأوْلَى له والأفصح -وهو الفصيح النَّصيح- أن يقول: « .. فكلُّ هؤلاء الأربعة مِن أولادِه وُلِدُوا في الجاهليَّة مِن زَوجتيه اللَّتين سمَّيناهما».
ولِم نذهب بعيدًا؟! ألا يعلَمُ (البِحيريُّ) كونَ ابن جريرٍ مِمَّن يقرِّر زواجَ عائشة بالنَّبي ﷺ وهي بنت ستِّ سنين -كما أشرنا إليه مِن قبلُ-، ولازم ذلك عند الطَّبري: أنَّها وُلِدت بعد البعثة النَّبوية بأربع سنوات، لا في الجاهليَّة كما يدَّعيه هذا المُعترض المُستدِلُّ بالطَّبري!
هذا لتعلمَ جُرْمَ مَن يستدِلُّ بكلام إمامٍ مُحتمِلِ الدَّلالةِ على مسألةٍ يُريد تقريرَها، معرضًا عن نَصٍّ آخر له قطعيِّ الدَّلالة في المسألةِ نفسِها.
стр. 1587
وأمَّا دعوى المعترضِ في شُبهتِه الثَّالثة: أنَّ عائشة ﵂ ذكرت أنَّها لم تعقِل أبويها إلَّا وهما يَدينان الدِّين قبل هجرة الحبشة، وأنَّها عقلت وقتها زيارات النَّبي ﷺ لبيتهم، والهجرة إلى الحبشة كانت في العام الخامس مِن البِعثة .. إلخ
فجواب ذلك أن يُقال:
نَصُّ كلام عائشة ﵂ تقول فيه:
«لم أعقِل أبويَّ قطُّ إلَّا وهما يَدِينان الدِّين، ولم يمرَّ علينا يوم إلَّا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النَّهار، بكرةً وعشيَّة، فلمَّا ابتُلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتَّى إذا بلغ بَرْك الغَماد لَقِيه ابنُ الدَّغِنة، وهو سيِّد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربِّي .. » (١).
هذا نصُّ كلامها، تُخبِرُ فيه بخروجٍ مَخصوصٍ إلى الحبشة، وهو خروجُ أبيها الصِّديق ﵁ وحدَه؛ ولم تَعنِ مُطلقَ خروجِ المسلمين إلى الحبشة؛ وذلك أنَّ الهجرة إلى الحبشة وَقعت مرَّتين:
أولاها: في السَّنة الخامسة للبِعثة.
وثانيها: ما بين العامِ السَّادسِ والتَّاسع للبِعثة (٢).
والَّذي يَعنينا هنا في أيِّهما كان خروجِ أبي بكر ﵁، فيُقال في جوابه:
لقد ذَكَرَ ابن إسحاق أنَّ نقضَ الصَّحيفة، ووفاةِ أبي طالب وخديجة: كان عَقِب خروجِ أبي بكر ﵁، ومَعلوم أنَّ هذه الأحداث لم تكُن في زَمنِ الهجرةِ الأولى إلى الحبشة سنةَ خمسٍ للبِعثةِ قطعًا، وإنَّما وَقَعَت هذه الأحداث ما بين الثَّامنةِ والعاشرةِ للبِعثة!
ترى تقرير هذا التَّاريخ عند ابن كثير في قولِه: « .. كلُّ هذه القَصَص ذكَرَها ابنُ إسحاقٍ مُعترضًا بها بين تَعاقد قريشٍ على بني هاشم وبني المطَّلب، وكتابتِهم
стр. 1588
عليهم الصَّحيفة الظَّالمة، وحصرِهم إيَّاهم في الشِّعب، وبين نقضِ الصَّحيفة، وما كان مِن أمرها، وهي أمور مناسبة لهذا الوقت» (١).
وبهذا يُعلَم: أنَّ خروجَ أبي بكر ﵁ إلى الحبشة كان أواخرَ زَمَنِ حِصارِ قريشٍ لبني هاشم، ليكون عمر عائشةَ وقتَها في الخامسةِ أو قريبًا منها؛ وهو المُلائِم لقولهِا: «لم أعْقِل أبَوَيَّ قطُّ إلَّا وهما يَدِينَان الدِّين .. ».
وأمَّا دعوى المعترضِ في المعارضة الرَّابعة: أنَّ خولةَ بنت حكيم ﵂ ما كانت لتعرضَ عائشةَ على النَّبي ﷺ إلَّا على سَبيل جاهزيَّتِها للزَّواج، لا على سَبيل أن ينتظرها سنواتٍ لتكبُر:
فالعَجَب مِن (العَقَّاد) ومَن تقلَّد شُبهته! كيف سوَّغَ لنفسِه استنباطَ أمرٍ خفِيٍّ من النَّص، وفي النَّص نفسِه ما يناقِضُه؟! حيث ذكرت خولةُ ﵂ أنَّ النَّبي ﷺ تزوَّجَ عائشة ﵂ وهي في السَّادسةِ.
فعن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن، ويحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطب، ينقُلان الحديثَ عن عائشة ﵂ قالا: «لمَّا هَلكَت خديجة ﵂، جاءت خولة بنت حكيم ﵂ امرأة عثمان بن مظعون، قالت: يا رسول الله ألا تزوَّج؟ قال: «مَن؟» قالت: إن شئتَ بِكرًا، وإن شئت ثيِّبًا؟ قال: «فمَن البكر؟» قالت: ابنة أحبِّ خلقِ الله إليك: عائشة بنت أبي بكر، قال: «ومَن الثيَّب؟» قالت: سَودة بنت زمعة، .. قال: «فاذْهبِي فاذكريهما عَليَّ».
فدخلتُ بيتَ أبي بكر، .. فقال لخولةَ: ادْعِي لي رسول الله ﷺ ، فدَعَتْه، فزوَّجها إيَّاه وعائشة يومئذ بنت ستِّ سنين .. » (٢).
فإن قبلوا هذه الرِّواية للاستشهاد، فليقبلوها بِما فيها جملةً!
стр. 1589
وخولة إنَّما عرضتْ على النَّبي ﷺ ما عَرَضت حين رأته أعزبًا، فلمَّا قبل عرضها وتزوَّج بالمَعروضةِ عليه، فشأنُه حينئذٍ بأهلِه! إنْ شاءَ دَخل بها، وإنْ شاء أرجى ذاك حسْبَ ما يَراه مصلحةً.
وأمَّا قول المُعترِض في شُبهتِه الخامسة: أنَّ المطعم بن عدي قد سَبَق إلى خطبةِ عائشةَ لابنه جُبَير، ولن تكون هذه الخطبة بينهما إلَّا قبل البِعثة، إذ يبعُد انعقادها مع افتراق الدِّينين، ويبعُد أن تكون عائشة مخطوبةً قبل سنِّ السَّادسة لشابٍ كبير، فضلًا أن تُخطب للمشركين وهم يحاربون المسلمين.
فجواب ذلك أن يُقال:
لقد أُوتي أربابُ هذه الشُّبهة مِن جَهْلِهم بأحكامِ القرآن ناسخه ومَنسوخه، حيث رَفعوا بُنيانَ اعتراضهم على أساسِ حُرمةِ المُصاهرةِ بين المسلمين والمشركين في جميعِ سنواتِ الدَّعوة الإسلاميَّة.
وأيُّ طُوَيلب عِلمٍ عارفٌ بأنَّ تزويجَ المُسلمين للمشركين لم يُحرَّم إلى بعد الهجرةِ إلى المدينة، عند نزولِ قولِه تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، فلم تُحرَّم المُصاهرة بينهما مطلقًا إلَّا بعد الحديبيَّة، بعد نزولِ قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].
فعلى ذلك، يكون تواعد الصِّديق ﵁ والمُطعم بن عديٍّ على تزويجِ عائشةَ لابنِه لم يَزَل وقتَها على البراءةِ الأصليَّة في الإباحة، «ولهذا كان أبو العاص بن الرَّبيع زوجَ ابنة النَّبي ﷺ زينب ﵂، وقد كانت مُسلمةً وهو على دين قومه، .. إلى أن أسلمَ زوجها العاص بن الرَّبيع سنة ثمانٍ، فردَّها عليه بالنِّكاح الأوَّل، ولم يُحدث لها صَداقًا» (١).
ثمَّ أقول: ما المانع أصلًا في أن تكون عائشةُ مَخطوبةً مِن جبيرٍ طفلةً صغيرةً بل رضيعةً «كما يَتَّفِقُ أحيانًا بين الأُسَر المتآلفة» (٢) -وهذه عبارةُ (العَقَّاد) نفسِها- وحينئذٍ يكون أبو بكر مسلمًا عند ذلك، باعترافِه؟!
стр. 1590
ومِن جَهالاتِ (البِحيريِّ) بالسِّيرةِ في عهدِها المَكِّي أيضًا:
جَعْلُه خِطْبةَ المُطعم بن العديِّ ابنة أبي بكرٍ ﵁ لوَلدِه غير جائزةِ الوقوع، لكونِه مِمَّن آذوا المسلمينَ في مكَّةَ! والمسكينُ لا يدري أنَّ المُطْعِمَ وإن ماتَ مُشركًا، إلَّا أنَّ الله قد سَلَّمَه هو تحديدًا مِن وِزْرِ أَذِيَّةِ المسلمين، حيث أبقى فيه بَقيَّةً مِن نَخوةِ العَرَب ومُروؤَتها.
فمطعمٌ هو مَن سَعَى في قِلَّةٍ من أصحابِه إلى نَقْضِ صَحيفة قَطيعةِ بني هاشم (١)!
وهو مَن أجارَ النَّبيَّ ﷺ حين عودتِه مِن الطَّائفِ إلى مكَّة، حتَّى طافَ بعُمرةٍ (٢)، في جملةٍ من إحسانِاتِه الَّتي لم يَنْسَه له نبيُّنا ﷺ ولو بعدَها بسِنِين، حتَّى قالَ في أُسارَى بَدْرٍ: «لو كان المُطعم بن عَديِّ حيًّا، ثمَّ كلَّمَني في هؤلاء النَّتْنَى، لَتركتُهم له!» (٣).
وأمَّا دعوى المُعترضِ في شُبهتِه الخامسةِ: تعارضَ حديثِ زواجِ عائشةَ مع قولِ النَّبي ﷺ : «لا تُنكَح البِكر حتَّى تُستَأذن».
فيُقال تمهيدًا لجوابه:
لا يَسوغُ مِن جهةِ الأصول نَصبُ خِلافٍ بين نَصَّين بما يَقتضي اعتمادَ أحدِهما دون الآخر إلَّا بتعذُّر الجَمعِ بينهما، فإنْ أمكنَ ذلك جمعًا تَأتلِف به أدلَّةُ الشَّريعة، ويَجري على مِنْوالِ الفقهاءِ في قواعدِهم: فإعمالُ الدَّليلين حينئذٍ -ولو مِن وَجهٍ- أَوْلى مِن إهمالِ أحدِهِما (٤).
وإنَّ لنا في بابِ قواعد استنباطِ للأحكامِ ما يكفي المُجتهِدَ الحصيفَ على هذا الجَمعِ بيُسْرٍ مِن غير تكَلُّف، ومِن أهمِّ تلكم القَواعدِ: بناءُ العَامِّ على
стр. 1591
الخاصِّ، والمُطلَقِ على المُقَيَّد، وعليه حَمَلَ الفقهاءُ لكثيرٍ مِن السُّنَن القوليَّة العامَّة على سُنَنٍ فِعليَّة تُخصِّصُها أو تُقيِّدُها (١).
يقول صاحبُ نظمِ «المَراقي» (٢):
في حقِّه القَولُ بفعلٍ خُصَّا *** إنْ يَكُ فيه القَولُ ليس نَصًّا
ففي هذه القاعدة يندرج الحَديثان اللَّذان ادَّعَى (البِحيريُّ) تَعارضَهما! وذلك:
أنَّ قوله ﷺ : «لا تُنكَح البِكرُ حتَّى تُستَأذَن» مِن القولِ العامِّ الَّذي خصَّصُه فعلُه ﷺ ، وفعلُ صَحابتِه من بعده، فقد «زَوَّج غيرُ واحدٍ مِن أصحابِ النَّبي ﷺ ابنتَه صغيرة» (٣).
لِتعلمَ أنَّ عمومَ حديثِ الأمرِ بالاستئذانِ إنَّما هو في كلِّ بِكْرٍ إلَّا في الصَّغيرة ذات الأبِ، إذْ جائزٌ لأبيها أن يُزَوِّجها ولو بغير استِئذانِها، فإنَّ الصَّغيرةَ لا عَبارةَ لها ولا إذْنَ لمثلِها (٤)، والاستئذانُ لا يكون إلَّا للعاقلِ البالغِ، وأُنيطَ اختيارُ الكُفْؤِ لها بأبِيها لمزيدِ عقلِه وشَفَقتِه عليها.
وهذا حكمٌ مُستنبطٌ عند الفقهاء من نفسِ قِصَّة زواجِ عائشة ﵂ مع دلائل أخرى.
يقول الخَطَّابي بعد سَوْقِه لحديثها في ذلك: «في هذا دَلالةٌ على أنَّ البِكر الَّتي أُمِر باستئذانِها في النِّكاح، إنَّما هي البَالغُ دون الَّصغيرةِ الَّتي لم تَبلُغ، لأنَّه لا مَعنى لإذْنِ مَن لم تكُن بالغًا، ولا اعتبارَ برِضاها ولا بسخطِها» (٥).
стр. 1592
فهذا ما نُقِل عليه الإجماع، وجُعِل مِن مُستَنَداتِه حديثُ عائشة ﵂ هذا؛ كما قال ابنِ المُنذر: «دَلَّ هذا الحديث على أنَّ البِكْرَ الَّذي أُمِرنا باستئذانِها: البَالغُ، إذْ لا مَعنى لاستئذانِ مَن لا إذْنَ لها مِن الصِّغار، إذ سكوتُها وسخطُها سواء .. وأجمعَ أهلُ العِلمِ: على أنَّ نكاحَ الأبِ ابنتَه البكرَ الصَّغيرة جائزٌ إذا زَوَّجها مِن كُفؤٍ، .. وحُجَّتهم في ذلك حديثُ عائشة» (١).
وبهذا نكون -بتوفيق من الله تعالى- قد أخْمَدنا نيرَانَ مَن حاوَل إحراقَ هذه الحقيقة التَّاريخيَّة بشُبهاتِ تمَعقُلِه، وكشفنا زَيْفَ دعاوي حِرْصِه على صورةِ الرَّسولِ ﷺ كيف تَؤُول إلى إسقاطِ الثِّقة في أخبارِ شَريعتِه؛ والحمد لله.
стр. 1593
الفصل الثامن
نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديث «الصَّحيحين» بدعوى أنَّها إسرائيليَّات
стр. 1594
المَبحث الأوَّل
تعريف الرِّوايات الإسرائيليَّة
الرِّواية (الإسرائيليَّة): مُصطلح يُطلَق على الأخبارِ المَاضيةِ المَرويَّة مِن طريقِ بني إسرائيل، المَقصودِ بهم اليَهود والنَّصارى؛ فالقَيدُ الأخير يَمنعُ التَّمثيلَ للإسرائيليَّات بما نُقِل عنهم مِن طريقِ النَّبي ﷺ نقلًا صَحيحًا، لأنَّها تصيرُ بذا مِن قَبيل الخبرِ المَرفوعِ! فلا تدخل في التَّعريفِ كونها إسلاميَّةَ المصدرِ.
وأغلبُ هذا المَرويِّ عن بني إسرائيل هو مِن أسفارِ اليَهود، أمَّا المَرويُّ عن النَّصارَى فقليلٌ بالنِّسبةِ لما عند اليهودِ، لظهورِ أمرِ هؤلاءِ، وشِدَّة اختلاطِهم بالمسلمين أوَّلَ الإسلام (١).
ثمَّ جاء بعدُ مَن عَدَّ مِن الإسرائيليَّات كُلَّ ما دَسَّه أعداءُ المُسلمين مِن اليَهودِ وغيرِهم في التَّفسيرِ والحديثِ مِن أخبار زائفةٍ، وإن لم يكُن لها أصلٌ في مَصدرٍ كِتابيٍّ قديمٍ، وإنمَّا هي أخبارُ صَنعوها بسوءِ طَويَّةٍ، ليُفسدوا بها عقائدَ المُسلمين (٢)،
стр. 1595
يَتَقدَّم القائلين بهذا (محمود أبو ريَّة) (١) و (صالح أبو بكر) (٢)؛ يَستدلُّون على ذلك بما يَرَوْنَه أماراتٍ مُنكرةٍ في المتنِ تكشفُ لهم مصدرَه اليهوديَّ -فيما يزعمون- في اختلاقِها.
ولا ريبَ أنَّ هذا الرَّأي تَوسُّعٌ غير جيِّدٍ في معنى الإسرائيليَّات، ولم أقِف على مَن قال به مِن أهل العلمِ المُعتبرين، ولا نَسَبه مَن قال به إلى سَلَفٍ (٣)؛ بصرفِ النَّظرِ عن وَهاءِ ما يَعدُّونه أمارةً على نكارةِ المتنِ واختلاقِه.
وقد وُجِد من أدخلَ في مفهوم الإسرائيليَّاتِ كلَّ ما تَطَرَّق إلى التَّفسيرِ والحديثِ مِن أساطيرٍ مَنسوبةٍ في أصلِ روايتِها إلى غيرِ المصدَرَين اليَهوديٍّ والنَّصرانيِّ! «ليلحَقَ بها ما هو عَربيُّ الأصل أيضًا، مثل بعض القصَّاصين اللَّذين تَأثَّروا بطريقة أهلِ الكتاب، فرَووا قَصصًا ليس مصدرها أهل الكتاب، لكن لا تخرُج بمعانيها مِن مادَّة الإسرائيليَّات، بل ربَّما وَضَعوا بعضَها وَضعًا» (٤).
وفي هذا الرأيِّ كسادٌ كسابِقه؛ إذ ثمَّة فرقٌ بين ما يَروِيه أهلُ الكتابِ أنفسُهم، وما وَضَعه عليهم الوضَّاعون بعدهم! هذا أمْيَلُ إلى حكمِ الخُرافةِ، قد انتفت عنه المَصدريَّة الإسرائيليَّة المَطلوبة في التَّعريفِ.
стр. 1596
المَبحث الثَّاني
الدَّعاوي المُعاصرة لاشتمالِ «الصَّحيحين» على إسرائيليَّات
ظَهَرت دعوى تَسرُّبِ الإسرائيليَّات إلى الدِّين واختلاطها بالأحاديث النَّبوية في وقتٍ مُبكِّر مِن عمرِ الإسلام، على يَدِ بعضِ رؤوسِ التَّجَهُّم، والَّذين حَشَدوا كلَّ فِريةٍ يَرمون بها هدمَ أصولِ أهل السُّنةِ؛ كاتِّهامهم لبعضِ الصَّحابة ﵃ بنسبةِ ما يَسمعونه مِن مَعارفِ أهلِ الكتابِ إلى سُنَّة النَّبي ﷺ .
ولعَلَّ مُقدَّمهم في هذه الجرأةِ المَقيتةِ بِشرٌ المرِّيسي (ت ٢١٨ هـ)، حيث كان يُعلن بهذا في مُناظرتِه لأهلِ السُّنة، فلم يكُن مِمَّن يُبالي أن يجِد شيئًا يُعفيه مِن إقامةِ الحُجَّةِ عليه مِن سُنَّةٍ قائمةٍ، إلَّا أسرعَ يُلوِّح به في وجهِ مُناظِره، ولو كان باطلًا يَكبُّه على مِنْخَرَيْه في أوحالِ الزَّندقةِ!
وفي تقريرِ هذه البليَّة عليه، يقول عثمان بن سعيد الدَّارمي (ت ٢٨٠ هـ) في معرضِ ردِّه عليه طعنَه في السُّنن بمحضِ الهوى: « .. وكذلك ادَّعيتَ على عبدِ الله بنِ عمرو بن العاص ﵁، وكان مِن أكثرِ أصحابِ النَّبي ﷺ روايةً عنه، مَعروفًا بذلك، فزَعَمتَ أنَّه أصابَ يوم اليرموك زامِلتين مِن كُتب أهل الكتاب، فكان يَرويها للنَّاس عن النَّبي ﷺ ! فكان يُقال له: لا تُحدِّثنا عن الزَّاملتين .. » (١).
وقد انبتَّ هذا القولُ عن أن يَصِل إلى قناعةِ المسلمين به، مَهجورًا فيهم دُهورًا مِن الزَّمن؛ حتَّى جاء بعض المستشرقينَ فأرجعوا كثيرًا مِن الآياتِ
стр. 1597
والأحاديث إلى التُّراثِ الكِتابيِّ -زعموا- كي يخلُصوا إلى أنَّ الإسلامَ ما هو إلَّا اختراعٌ مِن محمَّدٍ ﷺ ، وأنَّه استقى خليطَ معارفِه مِن صُحفِ أهلِ الكتابِ وتشريعاتِهم.
ففي نهاية القرن السَّابع عشر الميلادي، أخرجَ المستشرق (هِربِلو Herbelot) (ت ١٦٩٥ م) (١) بحثًا، زعمَ فيه أنَّ جملةَ الأحاديثِ الَّتي في «الكُتب السِّتة» و «الموطأ» وغيرها مِن كُتبِ السُّنَن مُقتبَسةٌ مِن «التَّلمود» إلى درجةٍ كبيرٍ، وأنَّ الشَّريعة المُحمديَّة مُستقاة منها بواسطةِ اليهودِ الَّذين دَخلوا في الإسلام، ثمَّ تَوَسَّعت فيما بعدُ إلى الاستقاءِ مِن عدَّةِ دياناتٍ وحَضاراتٍ كانت على صِلة بجزيرةِ العَربِ.
ثمَّ صار (هربلو) مُلهِمًا لمن جاء بعده في تقسيمِ حقولِ الدِّراسات الشَّرقيَّة بصورةٍ مَوضوعيَّة، والتَّركيزِ على حقلِ السُّنة النَّبوية تَشكيكًا في صحَّةِ أحاديثها، بالكشفِ عَمَّا أسمَوه بـ «المادَّة الأصليَّة للحديث» (٢).
وفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (جولدزيهر): «هناك جُمَل أُخِذت مِن العهدِ القديم، والعهدِ الجديد، وأقوالِ الرَّبانيِّين، أو مَأخوذة مِن الأناجيلِ المَوضوعة، وتعاليمِ الفلسفةِ اليونانيَّةِ، وأقوالٍ مِن حِكَم الفُرس والهنود، كلُّ ذلك أخَذَ مكانَه في الإسلام عن طريقِ (الحديث)، حتَّى لفظُ (أبونا) لم يُعدَم مكانَه في الحديثِ المُعترف به!
وبهذا أصبحت مِلْكًا خاصًّا للإسلام بطريق مُباشر أو غير مُباشر تلك الأشياء البعيدة عنه .. حتَّى إذا ما نَظرنا إلى الموادِّ المَعدودة في الحديث، ونظرنا إلى الأدبِ الدِّيني اليَهوديِّ، فإنَّنا نستطيعُ أن نعثر على قِسمٍ كبيرٍ دَخَل الأدبَ الدِّينيَّ الإسلاميَّ مِن هذه المصادر اليهوديَّة» (٣).
стр. 1598
لقد تَلقَّفت طوائف مِن المَبهورين بهؤلاءِ المستشرقين مِن أصحابِ الاتِّجاهاتِ الفكريَّة المُنحرفةِ هذه الشُّبهةَ، وراحوا يطعنونَ بها في خِصر كلِّ حديثٍ لم يَرُقهم مَتنُه في «الصَّحيحين» بخاصَّة.
فهذا (صالح أبو بكر)، قد فجعَ المصريِّين بكتابٍ سوَّده باسم «الأضواء القرآنيَّة في اكتساحِ الأحاديث الإسرائيليَّة وتطهير البخاريِّ منها»، يزعم فيه اكتشافَ (مائةٍ وعشرين) حديثًا مكذوبًا دَسَّها اليهود في الحديث وهي في «صحيح البخاري»، وأنَّ موضوعها طُوِيَ لمجرَّد أنَّ البخاريَّ ومسلمًا قد حكما بصِحَّتها (١).
ويقول (جمال البنَّا) في إحدى بوائقه: «نَتناول كتابًا يقولون عنه أصدقُ كتابٍ بعد كتاب الله، ووَصَل مِن الشُّهرةِ أنْ يحلف النَّاسُ به! وهو «صحيح البخاري» .. فالأحاديثُ الَّتي سنعرِضُها منه تَتَّسِم بالإسرائيليَّات، وهي أكثر صُوَر الوَضعِ وضوحًا، حتَّى تكاد تقول: خُذوني! ومع هذا فقد صَدَّقها أجيالُ المسلمين، ودافَعَ عنها جلُّ الفقهاء» (٢).
ومثلُه (نيازي) قد زعمَ أنَّ كثيرًا مِن أحاديث «الصَّحيحين» مأخوذة مِن أهل الكتاب بواسطةِ كعبِ الأحبار، بل يرى أنَّ أغلب الأحاديث النَّبويَّة -منها الصَّحيحان- أصلها من التَّوراة والإنجيل المحرَّفتين! (٣) مُستشهدًا على ذلك بقولِه: «لولا أنِّي دَرستُ التَّوراة والإنجيل والتَّلمود دِراسةً مُستفيضةً، لمَا كانت عندي القُدرة لمعرفةِ مَصاردها» (٤).
стр. 1599
وقد بَلغَ الحُمق بهذا الرَّجل مَداه! حين زَعَم أنَّ البخاريِّ متقصِّدٌ لإدخالِ هذه الإسرائيليَّات في «صحيحه» دون التَّصريح بذلك، لأنَّه «أحبَّ أن يُنبِّهنا إلى ما يفعلُه المنافقون الحاقِدون في دينِنا، ولكنْ لا حياةَ لمِن تُنادي»! (١)
أمَّا (محمَّد حمزة التُّونسي)، فقد ادَّعى على «الصَّحيحين» امتلاءهما بأحاديث خُرافةٍ مختلَقةٍ أسهمَ فيها أبو هريرة ﵁ جرَّاء روايتِه عن كعبِ الأحبار (٢)، مُستشهدًا على ذلك بما قاله عَدُوَّان لَدودانِ لأبي هريرة! حيث قال: «يَلفِت أبو ريَّة انتباهَنا أيضًا في كتابَيه إلى الأحاديث ذات البِنية الأسطوريَّةِ الَّتي اشتملَ عليها صحيح البخاريِّ ومسلم، والَّتي اتَّفَق موقفُ أبي ريَّة منها مع موقف عبد الحُسين العامليِّ» (٣).
والَّذي يَظهر من سبب نزق هؤلاء بعُقدة الإسرائيليَّات في زماننا هذا بخاصَّة، وأخذ هذا الموضوع حيِّزًا كبيرًا من التَّفكير النَّقدي المُعاصر للتُّراث الشَّرعي الإسلاميِّ، راجعٌ إلى ثلاثة أمور:
الأوَّل: ما انطبع في ذهن المسلمين من افتراء بني إسرائيل على الأنبياء وإلصاق التُّهم بهم.
الثَّاني: لكثرةِ ما تُنوقِل مِن آثارِهم في الأوساطِ العِلميَّة، ودُوِّن مِن مَرويَّاتهم في مختلف الفنونِ الشَّرعيَّةِ، التَّفسير منها والمَلاحم على وجه الخصوصِ (٤).
الثَّالث: الواقع المُعاصر الَّذي أسلمَ زمامَ قَوْدِه لليهود، وظهورهم بمَظهر المُتمكِّن مِن إعمالِ مُخطَّطاتِه في المُجتمعات بدهاءٍ، واختراقِ الأنظمةِ الحاكمةِ، وإذلالهم للأمَّةِ الإسلاميَّة في فلسطين وغيرها (٥).
والله تعالى أعلم.
стр. 1600
المَبحث الثَّالث
أقسام المَرويَّات الإسرائيليَّات وحكمها
قسَّمَ بعض أهل العلمِ المَرويَّات الإسرائيليَّة باعتبارِ التَّصديق إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأوَّل: ما علِمنا صِحَّته ممَّا بأيدينا ممَّا يشهَدُ له بالصِّدق:
فذاك صحيحٌ تجوز روايته عنهم، كالَّذي جاء عندهم مِن البشارة بالنَّبي الخاتم ﷺ .
وفي تقرير هذا يقول الخطيب البغدادي: «ما حُفِظ مِن أخبار بني إسرائيل وغيرهِم مِن المتقدِّمين عن رسولِ ربِّ العالمين، وعن صحابتِه الأخيارِ المنتخَبين -صلَّى الله عليه وعليهم أجمعين- وعن العلماء مِن سَلفِ المسلمين: فإنَّ روايتَه تجوز، ونقلُه غير محظور» (١).
ومَرويَّات هذا القسم مع مُوافقتها لما في شرعِنا، لا تنفكُّ عن وَصفِها بالإسرائيليَّة باعتبارِ مَصدرها وأصلِها، وأرى مَن نَزَع عنها هذا الوصف، بدعوى أنَّه قد تَمَّت أسلَمَتُها بإقرارِ الشَّرعِ لها، فقد أخطأ (٢).
стр. 1601
القسم الثَّاني: ما علِمنا كذِبَه بما عندنا ممَّا يُخالفه:
كقِصَصهِم الَّتي تطعن في عصمةِ الأنبياء، فمثلُ هذا الكذب لا يجوز روايتُه إلَّا لبيانِ بُطلانه، كما نَصَّ عليه مالك والشَّافعي (١).
يدخُل في هذا النَّهي ما يحيلُه العقلُ مِن مَرويَّاتِهم، أو يغلب على الظَّن بُطلانه، وفيها يقول ابن كثير: «إنَّما أباحَ الشَّارع الرِّواية عنهم فيما قد يُجوِّزه العقل، فأمَّا فيما تُحيله العقول، ويُحكم فيه بالبطلان، ويَغلب على الظُّنون كذبُه: فليس مِن هذا القَبيل» (٢).
القسم الثَّالث: ما هو مَسكوت عنه، لا مِن القسم الأوَّل ولا الثَّاني:
فهذا لا نُؤمن به ولا نُكذِّبه (٣).
وفي هذا القسم يقول ابن تيميَّة: «غالبُ هذا ممَّا لا فائدة فيه تعود إلى أمرٍ دينيٍّ، ولهذا يختلف علماء أهلِ الكتاب في مثلِ هذا كثيرًا، ويأتي عن المُفسِّرين خلافٌ بسبب ذلك، كما يذكرون في مثلِ هذا أسماءَ أصحاب الكهف، ولونَ كلبهم، وعِدَّتهم، وعصا موسى ﵇ مِن أيِّ الشَّجرِ كانت، وأسماء الطُّيور الَّتي أحياها الله لإبراهيم ﵇، وتعيين البعض الَّذي ضُرب به القتيل من البقرة، ونوع الشَّجرة التي كلَّم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن، ممَّا لا فائدةَ في تعييِنه تعود على المُكلَّفين في دنياهم ولا دينِهم، ولكنَّ نقلَ الخلاف عنهم في ذلك جائز» (٤).
وعليه كان الضَّابطُ في قَبولِ هذا النَّوعِ مِن المرويَّاتِ هو أخبار شرعِنا، فما وافَقها قبِلناه، وما خالَفها رددناه، وما لم يرد فيه إقرارٌ ولا نفيٌ، فجائز حكايته مِن بابِ الاستشهادِ والاستئناسِ، لا الاعتقاد (٥).
стр. 1602
وصريحٌ في هذا القسم حديثُ أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «لا تصدِّقوا أهل الكتاب ولا تكذِّبوهم» (١)، وقوله ﷺ : «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومَن كذب علي متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النَّار» (٢).
فقد أجاز ﷺ التَّحديثَ عن أهل الكتاب، ولم يُنكر ذلك أو يذكر له شرطًا، بل أمَرَ بالتَّوقُّفِ فيما يحكون، وعلى العلمِ بهذا فِئامٌ مِن السَّلف في علمِ التَّفسير وغيرِه (٣)، وعَملُهم هذا هو الُموافق لجوازِ التَّحديثِ الَّذي بَيَّنته مثل تلك الأحاديثِ النَّبوية، بالشَّرطِ الَّذي تقدَّم.
стр. 1603
المَبحث الرَّابع
مَوقف الصَّحابة مِن روايةِ الإسرائيليَّات
رواية الصحَّابة ﵃ عن أهلِ الكتاب قليلٌ جدًّا مُقارنةً بروايةِ التَّابعين وأتباعِهم، وروايتُهم ﵃ كانت في الأخبارِ والقَصص ونحوِها، لا في العقائدِ والأحكامِ، وهم في ذلك مِن أعلمِ النَّاسِ بتَميِيزِ غَثِّ أخبارِهم مِن سَمينِها (١).
مَثَلُهم في ذلك «كمَثَلِ رَجلٍ أمينٍ، أرادَ أن يُطلِعك على كتابٍ مُؤلَّفٍ بغير لسانِك، فترجَمَه إلى لغةٍ تفهمُها، ليُعرَف ما فيه إنْ صِدقًا، وإنْ كذبًا، والصِّدقُ أو الكذبُ حينئذٍ يُضاف إلى الكتابِ، لا إلى النَّاقلِ، فليس أمثال ابن مسعود، وابن عبَّاس وأبي هريرة، وابن عمرو، بالقاصرين عن تمييز الخبيثِ مِن الطَّيب، حتَّى يُقالَ أنَّ نقلَها إليهم يُشوِّش على أفكارِهم وعقائِدِهم!» (٢).
وما رُوي عن بعضِهم مِمَّا قد يُفهَم منه النَّكيرُ على الرِّوايةِ عن أهل الكتابِ مُطلقًا: فإمَّا ألَّا يكون ثابتًا عنهم مِن جِهة الإسناد (٣)، أو يُحمَل نهيُهم على مَن
стр. 1604
يُكثِر مِن ذلك، فيُخاف الخَلطُ عنه، أوالغَلطُ منه (١)؛ أو على مَن يَستَهدي بما عندهم، أو يُكثِرُ الرُّجوع إليهم، أو يُصَدِّقهم فيما يقولون (٢)،
أو على مَن يُخاف أن تعلَقَ في نفسِه شُبهةٌ مِن أباطيلِهم لعدم رُسوخِه، ونحو ذلك (٣)
فخوفًا مِن وقوعِ بعضِ هذه المفاسد، شَدَّد عمر ﵁ على كعبِ الأحبار في نهيِه له عن الرَّوايةِ عن صُحفِ أهلِ الكتاب -مع صدقِه عنده- بقولِه: «لتَترُكَنَّ الحديثَ عن الأُوَل، أو لأُلحقنَّك بأرضِ القِرَدة!» (٤).
يقول ابن كثير: «هذا مَحمولٌ مِن عمر ﵁ على أنَّه خَشِيَ مِن الأحاديث الَّتي يَضعها النَّاس على غيرِ مَواضِعها» (٥).
стр. 1605
المَبحث الخامس
موقف أهل الحديث من الإسرائيليَّات
لم يكن غائبًا عن المُحدِّثين رواية بعض الصَّحابة ﵃ عن أهل الكتابِ شيئًا من أخبار الأممِ الماضية، فساروا إزاءَ هذه الحقيقةِ على نهجٍ عِلميٍّ صارمٍ يُحيل اختلاطَ شيءٍ من تلك المرويَّاتِ بأخبارِ السُّنةِ، فهم أعلَمُ النَّاس بأنَّ الإسرائيليَّات -ولا سِيما المَكذوبِ والباطل منها- لو وُقِفَ بها عند قائِلها، لكان الأمرُ عندهم محتمِلًا.
لكن الشَّناعة وكِبرُ الإثمِ في أنَّ بعضَ الزَّنادقةِ والوَضَّاعين وضُعَفاءُ الإيمانِ أو الحفظِ قد رَفَعوا هذه الإسرائيليَّات إلى المَعصومِ، ونَسبوها إليه من حكايته! وهنا يكون الضَّرَر الفاحشُ والجناية الكُبرى على الإسلام والتَّجنِّي الآثم على النَّبي ﷺ ؛ فإنَّ نسبةَ الغَلَط أو الخطأ أو الكذب إلى الرَّاوي -أيًّا كان- أهونُ بكثيرٍ مِن نسبةِ ذلك إلى النَّبي ﷺ (١).
ولقد بَلَغ مِن تحوُّطِ أئمَّةِ الحديثِ في صَونِ سُنَّةِ نبيِّهم ﷺ أنْ ضبطوا مبحثَ قولِ الصَّحابي الَّذي لا مجالَ للرَّأيِ فيه، فاشترطوا ليُقبَل في حكمِ الرَّفعِ: أن لا يكون قائِلُه مِمَّن عُرِف بالأخذِ عن أهلِ الكتاب؛ ذلك لأنَّ إخبارَه بما لا مجالَ للرَّأي فيه -كالمُغيَّبات ونحوها- يقتضي مُخبِرًا له، وما لا مجالَ للاجتهادِ فيه
стр. 1606
يَقتضي مُوقِفًا للقائلِ به، ولا مُوقِف للصَّحابةِ إلَّا النَّبي ﷺ ، أو بعضِ مَن يُخبِر عن الكُتبِ القديمة!
فلهذا وقَعَ الاحترازُ تفاديًا للقسمِ الثَّاني.
يقول ابن حجرٍ في معرضِ حديثِه عن تفسيرِ الصَّحابي الَّذي له حكم الرَّفع: « .. إلَّا أنَّه يُستثنَى مِن ذلك ما كان المُفسِّر له مِن الصَّحابة ﵃ مَن عُرف بالنَّظرِ في الإسرائيليَّات، كمُسلِمَةِ أهلِ الكتابِ، مثل عبد الله بن سلام وغيره، وكعبد الله بن عمرو بن العاص .. فمثلُ هذا لا يكون حكمُ ما يُخبر به -مِن الأمور الَّتي قَدَّمنا ذكرَها- الرَّفعُ، لقوَّة الاحتمال» (١).
فإذا كان المُحدِّثون يحتاطون في روايةِ خَبرٍ عن صحابيٍّ فيه شُبهة الإسرائيليَّة، إذا لم يُسنده إلى النَّبي ﷺ ، ألَّا يَدخُلَ في المَرفوعِ مِن حديثِه ما ليس منه؛ فكيف يكون فَرزُهم وتشديدُهم على روايةٍ إسرائيليَّة صريحةٍ لا تحتمل، يَرويها مَن دونَهم في العلمِ والدِّين؟! لا شكَّ أنَّهم أحوطُ في ذلك وأشدُّ تحقيقًا في النَّقد.
وهم -على كلِّ حالٍ- مُقِلُّون مِن روايةِ الإسرائيليَّات عن مُسلمةِ أهلِ الكتابِ، فلم يُورِدوا لهم في مُصنَّفاتهم إلَاّ النَّزرَ اليسيرَ، مُقارنةً بما نراه -مثلًا- في كُتبِ التَّفسير أو التَّاريخ.
فهذا كعبُ الأحبار، وهو أشهرُ رَاوٍ للإسرائيليَّاتِ مِن التَّابعين مِمَّن أخَذَ عنه بعض الصَّحابةِ، لم يَذكُره البخاريُّ إلَّا عَرَضًا في مِوضعين مِن «صحيحِه»! وثلاثةٍ في «صحيح مسلم» بالتَّضمين!
стр. 1607
ومَرويَّاته بمَجموعها لا تَتَجاوز تسعَ رواياتٍ في الكتب السِّتة جمعاء، وما صَحَّ عنه مِن الإسرائيليَّاتِ في التَّفسير لا يَتَجاوز عشرَ رواياتٍ فقط! (١)
ويليه في الشُّهرةِ وهبُ بن مُنبِّه (٢)، وقد أخرَجَ له أصحابُ الكُتبِ السِّتة مع مُسندِ أحمد، وسُنَن الدَّارمي في التَّفسيرِ وغيرِه، ما مجموعه: أربعون روايةً بالمُكرَّر، منها سبعٌ وعشرون مَرفوعة، وثلاث عشرة مَوقوفة، ليس فيها ما يُخالف أصولَ الدِّين بفضل الله، مع ما لها من مُتابعات وشَواهد (٣).
стр. 1608
المَبحث السَّادس
مسالك المعاصرين في دعوى اشتمال الصَّحيحين على الإسرائيليَّات
стр. 1609
المَطلب الأوَّل
المَسْلك الإسناديُّ لدعوى احتواءِ «الصَّحيحين» على إسرائيليَّات، ونقضُه
يَدَّعي من يجهل منهجَ المُحدِّثين في نقدِ الأخبار:
أنَّ بعضَ اليَهودِ لمَّا غُلِبوا وظهرَ أمرُ المسلمين عليهم، لم يجدوا بُدًّا مِن أن يَتظاهروا بالإسلام، ويخفوا كيدَهم به، ككعبِ الأحبارِ، ووَهبِ بنِ منبِّه، وعبد الله بنِ سلام ﵁، فخَدعوا النَّاسَ بما تظاهروا به.
فلمَّا رَأوا عناية المسلمين بالقرآنِ بالغةً، واستحالةَ الزِّيادة فيه أو النُّقصان، انصرفوا إلى السُّنةِ، «فافتروا ما شاؤوا أن يفتروا عليه أحاديث لم تَصدُر عنه ﷺ ، .. ويسَّر عليهم كيدَهم أنْ وَجَدوا الصَّحابةَ يَرجِعون إليهم في معرفةِ ما لا يَعلمون مِن أمورِ العَالمِ الماضية، مِن أجلِ ذلك كلِّه، أخذ أولئك الأحبارُ يَبثُّون في الدِّين الإسلاميِّ أكاذيبَ وتُرَّهات، يزعمون مرَّةً أنَّها مِن كتابِهم، أو مِن مَكنون علمِهم، ويَدَّعون أخرى أنَّها ممَّا سمِعوه مِن النَّبي ﷺ ، وهي في الحقيقة مِن مُفترياتهم.
وأنَّى للصَّحابة أن يفطنوا لتميِيز الصِّدقِ مِن الكذبِ مِن أقوالهم؟ وهم مِن ناحيةٍ لا يعرفون العبرانيَّة الَّتي هي لغة كُتبهم، ومِن ناحية أخرى كانوا أقلَّ منهم
стр. 1610
دهاءً وأضعف مَكرًا؟! وبذلك راجَت بينهم سوقُ هذه الأكاذيب، وتَلقَّى الصَّحابة ومِن تَبِعهم كلَّ ما يُلقيه هؤلاء الدُّهاة بغير نقدٍ أو تمحيصٍ» (١).
كذا قال أبو ريَّة! وحاصِلُ شُبَهِه تَتركَّز في اثنتين:
الشُّبهة الأولى: دَسُّ مُسلِمة أهلِ الكتابِ الإسرائيليَّاتِ في الحديثِ عن مَكرٍ وخديعةٍ.
الشُّبهة الثَّانية: أنَّ بعضَ الصَّحابة ومَن بعدهم مِن الرُّواة خَلَطوا الإسرائيليَّات بالأحاديث.
نعالج كلَّ شبهةٍ منهما في مباحث مُستقلة، فنقول بتوفيق الله:
стр. 1611
الفرع الأوَّل
دفع دعوى دَسِّ مُسلِمة أهلِ الكتابِ الإسرائيليَّاتِ في الحديثِ
أمَّا دعوى المُعترضِ في شبهته الأولى، فجوابُها أن يُقال: أنَّه تزيِيفٌ منه مَشينٌ للتَّاريخ! وتَقوُّلٌ على الصَّحابة ﵃ ما لم يَفعلوه، وازدراءٌ لمكانتهم في الدِّين والعقل.
فإنَّ النَّاس حين دَخَلوا -بِشَتَّى أُمَمِهم واختلافِ مِلَلِهم- في دينِ الله أفواجًا، وكان كثيرٌ منهم مِن أهلِ الكتابِ، كنَصارى الشَّام، ويهودِ المدينةِ واليَمن؛ منهم مَن أدركَ النَّبي ﷺ ، فحَسُن إسلامُه، وانخرَط في سِلكِ الصَّحابة ﵃، منهم عبد الله بن سَلام، وتميمِ الدَّاري.
ومنهم مَن أدركَ الصَّحابةَ أو مَن دونهم: اشتغلوا بأخذِ علومِ الكتابِ والسُّنةِ عنهم، وأخَذَ بعضُ الصَّحابة عنهم تاريخَ الأوَّلين، وأخبارَهم ممَّا ورثوه مِن صحائِفِ أسلافِهم.
ولم يكُن إذَّاك إسلامُ هؤلاء ولا ما يُحدِّثون به مَثارَ رَيْبٍ وتَوَجُّسٍ عند مَن عاصَروهم مِن عمومِ المسلمين وعُلمائِهم، ولا عند مَن جاء بعدهم مِن أئمَّة العلمِ والدِّين، بل كانوا مُوَثَّقين في حديثِهم، عُدولًا في دينِهم، إلَّا مَن أبان منهم عن سُوءِ طَويَّته وجُرمِ فِعاله، كعبدِ الله بن سَبأ اليَهودي، لم يَلبثوا أن أمسكَ الصَّحابة مِن أقفائِهم يُحذِّرون النَّاس شرَّهم، ويشُرِّدون بقَمْعِهم مَن خلفَهم.
стр. 1612
إلى أن جاءنا في هذه العقودِ النَّحِساتِ! مَن صارَ شُغله إثارةُ الشُّكوكِ في مُسلمةِ أهلِ الكتابِ مِن رُواة الحديثِ بخاصَّة، وزَرعِ بذورِ الشُّبَهِ في عقولِ النَّاشئةِ المُثقَّفة مِن المسلمين؛ فلقد اتَّهمَهم المُستشرقون بالكذبِ على ذقونِ العلماء! وتَبِعهم أذنابُهم مِن بعض كُتَّاب العصرِ، إذ حَمَّلوهم تُهمةَ الدَّسِ في الدِّين خُرافاتِ الأقدمين، وحَبك أكاذيب على سُنَّةِ الصَّادقِ الأمينِ.
وقد بَلغت القِحةُ ببعضهم مَبلغًا عظيمًا تجرَّؤوا بها على الطَّعنِ في اثنين مِن أهلِ الكتابِ مِمَّن أسلموا على يَدِ النَّبي ﷺ : عبد الله بن سَلام ﵁، وتميم الدَّاري ﵁، فاتَّهمُوهما بالاحتيالِ على المُسلمين «بما أظهروه مِن كاذبِ الوَرعِ والتَّقوى .. وذلك بأن دَسُّوا إلى أصول الإسلام الَّتي قام عليها ما يريدون مِن أساطير وخرافاتٍ، وأوهامٍ وترَّهاتٍ، لكي تَهِي هذه الأصول وتضعُف» (١).
فلَإن كان هذان الصَّحابيان قد احتالا على المُسلمين في دعوى إسلامِهما، لتَوهين الدِّين -زَعموا-، فهل انطَلَت حِيلَتُهما ونِفاقُهما على النَّبي ﷺ طول تلك السِّنين؟ حتَّى أقرَّ بفضلِهما وتَصديقهِما بوَحيِ مِن رَبِّ العالمين؟! وانطلَى أمرُهم على الصَّحابةِ بعدَه أجمعين؟!
إنَّه -والله- لا يُسيء الظَّنَ بهذين «إلَّا جاهِلٌ أو مُكذِّب لله ورسولِه» (٢)؛ فلا داعي للإطالةِ في الذَّبِ عنهما ذاك التَّشغيب، وقد ثبتت صُحبَتُهما واستقرَّ فضلُهما عند سائرِ المؤمنين.
ثمَّ لم تَنَل تلك التُّهَم العُضالُ أحدًا ممَّن أسلَم مِن أهلِ الكتاب مِن بعد هذين كما نالَتْ كعبَ الأحبار (٣). . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1613
ووهب بنَ مُنبِّه (١)؛ كونهما أشهرَ مَن حَدَّث منهم عن الأقدمين، وأكثرَ مَن سِيقت أقوالهم في كُتبِ التَّفسير والحديث، فشمَلهما ذلك الحكمُ الاستشراقيُّ الظَّالم، وطَفَق المَفتونون بهم يكيلونهما قناطيرَ اللَّعنِ، ويَرمونهما بسهامِ الطَّعنِ، يُلزقون بهما كلَّ ما استقبحوه مِن الحديث، أو استنكروه مِن المَرويَّات، وهم لا يَفتؤون يُمثِّلون بهما في مَعرضِ التَّحذير مِن كَيدِ الأعادي بالإسلام، والتَّباكي على ما دَسَّوه في الرِّواية من مَعايب وأوهام.
فتناوَلَ الكُتَّاب النَّاقمون على كُتب الأخبارِ هذا التَّابعيَ بكثيرٍ مِن الإسهاب والتَّفصيل، حتَّى عَدُّوه زنديقًا قد حَقَن الدِّين بإبَرِ الخرافةِ والتَّضليلِ! مُتلاعبًا في ذلك بالصَّحابةِ ثمَّ تابعيهم بإحسان، إلى أن منَّ الله عليهم باكتشاف كذبِه في هذه الأعصُر المتأخرة!
وقد كان (رشيد رضا) -للأسفِ- أطولَ هؤلاء الكُتَّاب المُعاصرين نَفسًا في الطَّعنِ بكعبِ الأحبار، قد أسالَ في ظُلمِه الكثيرَ مِن المِدادِ، سَواء في «تفسيرِه» (٢) أو في مجلَّتِه «المنار» (٣)، ولو جُمِع كلامُه فيه لوحده مَا وسِعَه سِفرٌ واحد!
فلذا انكَبَّ الطَّاعِنون في كعبٍ بعده يَستشهدون بكلامِه فيه والإشادةِ به، قد جعلوا ذلك مطيَّةً لرَميِ أهلِ الحديثِ بالغَفلةِ وتَبخيسِ كلامِهم في الرُّواةِ؛ كما تراه
стр. 1614
-مثلًا- في قول (أبو ريَّة): «لم نَجِد في هذا العصرِ، بل في العصورِ الأخيرة، مَن فَطِنَ لدهاءِ كعب ووَهبٍ وكيدهِما، مثلَ الفقيه المحدِّث محمَّد رشيد رضا .. » (١).
ومع أنَّ الاتِّهام الَّذي وُجِه إلى كعبٍ بالزَّندقةِ تُهمة خطيرة، مُعرَّضٌ صاحبُها للعذابِ الشَّديدِ -والعياذ بالله-، فقد كان أغلبُ مَن رَماه بذلك البُهتان مُجرَّدَ مُنساقٍ وراء ما سَاقَه (رشيد رضا) مِن شُبَهٍ يَراها دلائلَ على ثبوتِ دعاوي المُستشرقِين عليه، ولم يَزيدوا على ما ذَكر رشيدٌ غيرَ تقميشِ رواياتٍ مُعضَلةٍ لا خِطام لها ولا أزِمَّة.
وكان حاصلُ احتجاجِ (رشيد رضا) علي كَعبِ الأحبارِ راجعًا إلى دليلين:
أوَّلهما: أثرٌ لمعاوية بنِ أبي سفيان ﵁، فَهِمَ منه تكذيبَه لكعبٍ.
والثَّاني: أنَّ ما جاء به مِن الإسرائيليَّات لا توجد في نُسَخِ التَّوراة الَّتي بين أيْدِينا.
فأمَّا دليله الأوَّل: فيعني به ما أخرجه البخاريُّ في «صحيحه»، عن معاوية بن أبي سفيان ﵁، أنَّه كان يُحَدِّث رهْطًا مِن قريشٍ بالمدينة، وذُكِر كعبُ الأحبار، فقال: «إنْ كان مِن أصدقِ هؤلاء المُحدِّثين الَّذين يُحدِّثون عن أهلِ الكتاب، وإنْ كُنَّا مع ذلك لنَبلُو عليه الكذِبَ» (٢).
يقول (رشيد رضا): «إنَّ قولَ معاوية .. طعنٌ صريحٌ في عدالتِه، وفي عدالةِ جمهورِ رُواةِ الإسرائيليَّات، إذ ثَبَت كذبُ مَن يُعَدُّ مِن أصدقِهم» (٣).
والجوابُ عليه في هذا الاستدلال أن يُقال: إنَّ فهمَه مِن كلامِ معاوية ﵁ تكذيبًا للهجةِ كعبٍ، وطعنَه في عدالته، فهمٌ بعيدٌ عن مُرادِ قائِله! يظهر وَهاؤُه إذا عَلِمنا أنَّ أحدًا مِن العلماءِ المتُقدِّمين قبلَه لم يَفهم هذا مِن كلامِه، وكانوا أعلمَ مِن رَشيدٍ باللِّسانِ، ومَعاني الكلام، وأجمعَ منه لمِا يحتَفُّ بالقَضايا العِلميَّة المَبحوثِ فيها مِن قرائن وأدلَّة.
стр. 1615
ومُحصَّل تَوجيهِهم المُعتبَرِ لكلامِ معاوية ﵁: أنَّه كان يَقَع من كعبٍ الكذبُ مِن غيرِ قَصدٍ، والكذبُ في اللُّغة قد يأتي بمعنى الخَطأ (١)، لأنَّه يُشبهه في كونِه ضدَّ الصَّواب، كما أنَّ الكذب ضدُّ الصِّدق، وإنْ افترقا مِن حيث النِّية والقَّصد (٢).
يقول ابن حبَّان: «أرادَ معاوية أنَّه يُخطئ أحيانًا فيما يُخبر به، ولم يُرد أنَّه كان كَذَّابًا» (٣).
فلِأنَّ كعبًا كان يُحدِّث عن صُحفٍ فيها أشياءُ مكذوبةٌ -إذ لم يَكُن في مِلَّتِهم حُفَّاظ مُتقنون يَذبُّون عنها كما في الأمَّةِ المحمَّدية- «كان يَقع بعضُ ما يُخبرنا عنه بخلافِ ما يُخبرنا به، .. وهذا نحو قولِ ابنِ عبَّاس في كعبٍ المَذكور: بَدَّلَ مَن قَبله، فوَقَع في الكذبِ» (٤).
ويقول ابن الجوزيِّ في شرحِ عبارةِ معاوية: «يعني أنَّ الكذبَ فيما يُخبر به عن أهل الكتاب لا منه، فالأخبارُ الَّتي يحكيها عن القومِ يكون بعضها كذبًا، فأمَّا كعب الأحبار فمِن كبارِ الأخيار» (٥).
فهذه أعدَلُ التَّأويلاتِ لكلامِ معاويةِ ﵃ في حقِّ كعبِ الأحبار.
ومهما يكُن؛ فإنَّ جميعَ العلماءِ يَشرحونه بما يُبعِد هذه الوصمةَ الشَّنيعةَ عنه، ولا أحدَ مِن أئمَّة الجرح والتَّعديل فهِم مِن كلام معاوية ما فهِمه (رشيد رضا)، «والكلامُ مِن معاوية له وزنُه، فهو رجلٌ داهيةٌ، لا تخفى عليه الرِّجال ولا دَسائسهم، ومعاويةُ لا يخشى كعبًا، ولا يُعقَل أن يَتمَلَّقه، ولو يعلمُ فيه أكثرَ مِن ذلك لقالَه» (٦).