← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين دراسة نقديَّة د. محمد بن فريد زريوح المجلد الأول

стр. 2

مقدمة أحْمَدُه -جَلَ ذِكْرُه- بجميعِ مَحامِدِه، وأُثْني عليه بتَواتُر فَواضِله ونِعَمِه، وأَستهديهِ سبيلَ الصَّواب في القولِ والعَمَلِ بمِنَنِه، وأُصلِّي على خيرِ خلقِه وأكْرمِ رُسلِه ﷺ ، وعلى أَصحابه وأهلِ بيتِه. أمَّا بعدُ: فإِنَّ مِن حِكْمةِ الله تعالى وجَسيمِ لُطفْهِ ورحمتِه بعِبادِه، أنْ ابْتعثَ إِليهم خيَر خَلْقهِ، وخاتَم رُسُلِهِ، محمَّدًا -صَلواتُ ربِّي وسلامُه عليه-، وجَعَله محْفوفًا ببُرهانِ الوحيِ، المُشتملِ على هدايةِ البَشريَّة مِن لُجَج الظُّنون، ونورًا للبَرِيَّةِ مِن مُدْلَهِمَّات الشُّبهات وغَسَقِ الفُتون، وافترضَ على العبادِ اتِّباعَ وَحْيِه كتابًا وحِكْمةً، تدَّفقت بها كلماتُه ﷺ ، واصطَبغت بها أفعالُه، فأَناطَ الفوزَ والسَّعادةَ الأبديَّة للمُتمسِّكين بها، الصَّادِرين عنها، المُدِيرين عليها أَقوالَهم وأَعمالَهم. فكان أَسعدَ الخَلْقِ بهذا النُّورِ، وأَحقَّ النَّاس به، وأَعلاهُم به عَيْنًا، وأَشدَّهم تعظيمًا واتِّباعًا له: هم أَهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ؛ لانطواءِ ضَمَائرِهِم على يَقينٍ كُلِّيٍّ بِصدْقِ ثلاثِ ضروراتٍ شرعيَّة: الضَّرورة الأُولى: قيامُ التَّلازُم بين نورِ الوحيِ وبَصَرِ العقلِ، وتَعذُّر الانتفاعِ بأَحدِهما دون الآخر؛ فنورُ الوَحيِ بلا بَصرِ العقل لا تَتحصَّل الاستفادةُ منه، إذْ بالعقلِ عُلِم صِدقُ الوحي، وأنَّه مِن لَدُن حكيمٍ عليمٍ؛ وبَصَرُ العقلِ بلا نورِ الوحي قضاءٌ على العقلِ بالضَّياعِ في مَنَادِح الأَهواء، ومَسَارِب العَماية.

стр. 3

والضَّرورة الثَّانية: امتناعُ جرَيَانِ التَّناقُضِ بين وَحْيِه تعالى المَشمولِ بالإِرادةِ الأَمريَّةِ الشَّرعيَّةِ، وبين العقلِ الَّذي تنتظِمُه إرادَةُ الربِّ الخَلقيَّة التَّكوينيَّة؛ ومَجْلى هذا الامتناع: أنَّ كِلا الوَحيِ والعقلِ مِن عند الله، فالأوَّل: أمرُه، والثَّاني: خَلْقُه؛ ولا تعارُضَ بين خَلْقِه وأمرِه، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. والضَّرورة الثَّالثة: أنَّ هذا الوحيَ بهذه الصِّفةِ الهاديَةِ، محفوظٌ مِن الرَّب ﵎ إلى قيامِ السَّاعةِ، حفظًا لأحكامِه ومَعانيه، كما هو حفظ لحروفِه ومَبانيه؛ وقد أوكَلَ الله مُهمَّة تبيِينِ القرآن وتَفصيلِه لنبيِّه ﷺ فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]؛ فإذا صحَّ المَنقول من سُنَّته ﷺ عند حَمَلة شرعِه، انتظَمَه الوَعدُ بحفظِ الذِّكر لزامًا؛ لسَبْقِ القضاءِ الكَونيِّ بِحفظِ الأُمَّة مِن نُفوقِ الخطأِ عليها. فهذه ثلاثُ ضروريَّاتٍ بُرهانيَّات، ينقشعُ بهنَّ عِثْيَرُ مُناقضةِ البراهين، ومُدافعة الدَّلائل بافتراعِ خُصومةٍ مُلدَّةٍ بين الدَّلائل الشَّرعية نَقْلِيِّها وعَقْلِيِّهِا؛ يتَوَلَّى كِبْرَ هذه الخصومةِ، ويَتقحَّمُ جراثيمَ هذه المُشاقَّةِ: طوائفُ في القديمِ والحديثِ، اجْتَوَت المنهلَ الرِّساليَّ الصَّافي بادِّعاءِ التَّعارُضِ بينها، وسَوْقِ أَوقارِ الشُّبُهاتِ في سُوقِ النِّكاية بالنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ. نَظَرتْ كلُّ فِرقةٍ منها إِلى تلك الدَّلائل نظْرةً مُبتَسرةً، تختزلُها في رؤيةٍ واحدةٍ تتَّسقُ مع أَصْلِها البِدْعيِّ الَّذي نصَّبَتْهُ مَركزًا تقْضي به على ما عَداه، كحالِ كثيرٍ من المدارسِ الكَلاميَّةِ المُتأخِّرة الَّتي استولَدت هذا النِّزاع، حتَّى انتهى الأمر بها إلى نَصْبِ نَزعاتها المُتمعقِلَة أصولًا يُقضَى بها على النَّقل، طَلبًا لتنزيهِ النَّقلِ عن مُناقضةِ العقل -زعمَت-، فكانوا كمَن ينقض رُكنًا في بيتِه، ليَرِمَّ صدْعًا في رُكنٍ آخرَ! ولئِنْ كانت هذه الَمدارس قد قنِعت بأوَّلِيةِ العقلِ عند التَّعارض، فإِنَّ طوائفَ أخرى مِن أبناء عصرنا قد ألقَت هذا القَيدَ على عواهِنه، لتبلُغَ بهم الخصومة

стр. 4

أَقصى دَرَجاتِها؛ فقد أطْلَقُوا العقلَ في مَسَارِحَ تنبو عن مَدْرَكِه، وتميلُ عن مَعْيَهه، ليعود حسيرًا مَسْلوبًا. ثمَّ جَروا بالأدلَّة النَّقليَّةِ ودَلالاتِها في مَهامِهِ التَّنكيرِ، والتَّحريفِ، والتَّفريغِ مِن مَضامينِها الحقَّةِ الَّتي رامَها الُمتكلِّمُ أوَّل مرَّة؛ مُسَلِّطةً عليها مَنَاهجَ استشراقِيَّةً كافرةً بالوَحيِ، تعامَلَت مع نصوصِه بحُسبانِها ظاهرةً تاريخيَّةً ماديَّةً خالصةً؛ مُتعامِيةً عن حقيقةِ مَصدرِها الإلهيِّ الَّذي لا يَتَطرَّق إليه باطلٌ. هذا التَّعامي عن دلائل الشَّرعِ والإذعان لمَخابِرها الحقَّةِ، مَردُّه -في الغالب- إلى عَمى قلب النَّاظر؛ ذلك أنَّ النُّفوسَ إذا استقَرَّت على حُكمٍ تَهواه، تكلَّفت له دليلًا مِن العقلِ أو النَّقل لدفعِ ما يُناقِضُه مِن أخبار، وتأويل ما يُضادُّه من مُحكَمات، وتَعَلَّق بما يسنُده من مُتشابِهات. فآلَت بذا الحالُ إِلى عَبَثيَّةٍ فكريَّةٍ مُمَزِّقةٍ، لا خلاصَ منها إلَّا بمنهجٍ يأبى الخصومةَ، ويكشِف عن الاتِّساق بين الدَّلائلِ النَّقليَّةِ والعقليَّةِ، ولا يَتَحقَّق ذلكَ إلا بلُزومِ سابِلةِ المنهجِ السُّنِّيِ المَعصومِ. فأين هذا المَنهج؟ .. ومَن يدَعُنا لحالِنا نسلُكه؟! .. لقد تَعرَّض أبناءُ هذا الجيلِ -ولا يزالون- لسَيْلٍ طاغٍ ومَوجاتٍ مُتلاحقة مِن التَّشكيكِ في دينِهم وتُراثِهم وأيَّامِهم؛ «فالشِّعرُ الجاهليُّ عندهم: غُموضٌ وانتحالٌ، وتفسيرُ القرآن: مَشحون بالإسرائيليَّات، والحديثُ النَّبوي: مَليءٌ بالوَضعِ والضَّعف، والنَّحو: تعقيدٌ وتأويلات، والتَّاريخ: صُنِع للحُكَّام والملوك، ولم يَرصُد نبضَ الشُّعوبِ وأشواقَها» (١). يَسمعُ شبابُنا هذا كلَّه عالِيًا مُدوِّيًا، تَتَجاوَب أصداُؤه المُترنِّحة مِن أحْلاسِ المقَاهي، وصفحاتِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ، إلى أروقةِ الثَّقافةِ، وقاعاتِ الدِّرسِ الجَامعيِّ، ولا يَستطيعُون لذلك دفعًا ولا رَدَّا؛ لغَرارَتِهم، وجَهلِهم، وقِلَّةِ حيلَتِهم.

стр. 5

ولأنَّ كلَّ هذه السُّموم إنَّما تُساق في ثيابٍ مُزركشَةٍ، مِن مصطلحاتِ (المنهجيَّةِ)، و (المَوضوعيَّة)، و (التَّنوير)، و (التَّفكيرِ العقليِّ)، و (البحث العِلميِّ)، مَصبوغٍ ذلك بخِطابٍ أخَّاذ؛ فلا يَعرِفُ أثَرَ هذه الزَّخارفِ الخدَّاعةِ إلَّا مَن ابتُليَ بشَرِّها، وصَلَى جمْرَتَها؛ والنَّاس إذا كانوا في طَراوةِ الصِّبا وأوائلِ الشَّباب، تَسْتَهوِيهِم مثلُ هذه الأضاليل، وتَتلاعبُ بهم تَلاعُبِ جاريةٍ حسناءَ بذِي صَبْوةٍ. وأحسبُ أنَّ كثيرًا مِن أبناءِ جيلي، قد وَقعوا في هذا المَهْوى السَّحيق. وكنتُ أجدُ -ولازلتُ- أكثرَ تلك الأصواتِ دَويًّا، وأشدَّها فتكًا وأذيَّةً، تلك الصَّارخة في وجهِ السُنَّةِ الشَّريفة، مُشكِّكةً في ما توارثته الأمَّة مِن أخبارها، مُزريةً بجهودِ المُحدِّثين فيما أُودِعَتْه من أسْفارها. وهذا أمر لا شكَّ جَلَل؛ فإنَّ تلك السُّنةَ وما تفتقِرُ إليه مِن معرفةِ أحوالِ رُواتها، ومَعرفةَ العربيَّة، وآثارَ الصَّحابةِ والتَّابعين في التَّفسير وغيره، وبيانَ معاني السُّنَن والأحكام وغيرها، والفقهَ نفسَه، إنَّما مَدارُ هذا كلِّه على النَّقلِ، ومَدارُ النَّقلِ على ما ارتضاه أولئك المُحدِّثون وأضرابُهم مِن مناهجَ في الرَّوايةِ والنَّقدِ والتَّوثيق. فكان الطَّعنُ فيهم طعنًا في المَنقولِ كلِّه، بل في الدِّين مِن أصلِه (١)! «حتَّى تصيرَ دِيانةُ المسلمين إلى ما صارَت إليه ديانةُ اليهود والنَّصارى المَطعونِ في كُتبِهم، ويَصيروا يَطعنُون دينَهم بأيْدِيهم! وليس لذلك مِن فائدةٍ سِوى شِفاء صدورِ أعداءِهم، حتَّى صاروا يقولون لنا: نحن وإيَّاكم في الهَوَى سَوَا!» (٢). هذه -والله- الحقيقة المُرَّة الَّتي يَتكَشَّف عنها الزَّمان بين الفَينة والأخرى، يشهَدُ عليها مَن ذاقَ مَرارَتها، وعَلِمَ دَواخِل أصحابِها.

стр. 6

يقول (لْيُوبلد فايْس) (١) إذ يبوح بنَوَايا قومِه مِن دندنتهم حول سُنَّة الإسلام: «لقد كان مِن أقوى الأسبابِ الَّتي جَعَلت أحاديثَ النَّبي ﷺ ، وجَعَلَت جميعَ نظامِ السُّنةِ معها لا تجدُ قبولًا في يومِنا هذا: أنَّ السُّنةَ تُعارض الآراءَ الأساسيَّة الَّتي تقوم عليها المَدَنيَّة الغربيَّة مُعارَضةً صريحةً، حتَّى إنَّ أولئك الَّذين خَلَبَتهم لا يجدون مخرجًا مِن مَأزقِهم هذا إلَّا برفضِ السُّنةِ، على أنَّها غيرُ واجبةِ الاتِّباع على المسلمين، ذلك لكونِها قائمةً على أحاديث لا يُوثَق بها أصالةً .. إنَّ العمَلَ بسُنَّةِ الرَّسول ﷺ هو عَمَلٌ على حِفظِ كيانِ المسلمين، وعلى تَقَدُّمِهم، وإنَّ تركَ السُّنة هو انحلالٌ عن الإسلام؛ لقد كانت السُّنة الهيكلَ الحديديَّ الَّذي قام عليه صَرحُ الإسلام، وإنَّك إذا أزَلت هيكلَ بناءٍ ما، أفيُدهِشُكَ أن يتَقَوَّض ذلك البناءُ كأنَّه بيتٌ مِن وَرَقٍ؟!» (٢). فكلُّ ما تسمَعه الآن مِن جَلَبةٍ وضوضاءَ حول توثيقِ الأحاديثِ وغَربلةِ مُتونِها، إنَّما غَرضُ أهلها ما ذَكرتُه مِن أساسِ القَضيَّة: انتقاضُ جِدارِ السُّنة، ليَصيرَ حِمَى الأمَّةِ مُستباحًا لكلِّ طامِعٍ في تَذيِيلِها أو إذلالِها؛ وذلك أنَّ أهلَ السُّنةِ هم الأُمَّة، وهم نَقاوَتُها على وجهِ الحقيقة، والسُّنَّة الَّتي يَنتِسبُون إليها هي الاستحكاماتُ الخارجيَّة حول أسوارِ القرآن، فإذا تَمَّ تدميرُها، فدَوْرُ القرآنِ آتٍ بَعدها لا مَحالة! وذاك أمَلُ المُستشرقين والمُستغرِبين، وسائرِ أعداءِ الدِّين. من شواهد هذه الحقيقة: ما صدر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، من مجموع دراساتٍ أمريكيَّة أعَدَّتها مؤسسَّة رَاند للأبحاث والتَّطوير - «العقلُ الاستراتيجيُّ الأمريكي»، و «الذِّراعُ البحثيُّ للبانتاغون»! - من ضمنها تقريرٌ بعنوان: «الإسلام الدِّيمقراطي

стр. 7

المَدنيُّ»، تضمَّن الخُطَّة الاستراتيجيَّة العامَّة الَّتي يَتعيَّن على الإرادة الأمريكيَّة تبنِّيها لأجل إعادة بناء الدِّين الإسلامي بما يَتوافق مع المَنظومة الفكريَّة الغربيَّة؛ خُطَّةً مَبنيَّةً أساسًا على «قطع مَوارد الأصوليِّين» -كما تُسمِّيهم- وإضعاف تأثيرِهم الدِّينيِّ في المُجتمعات الإسلاميَّة، ثمَّ «دعمِ الحَداثيِّين والعَلمانيِّين» مُقابل أولئك. حوى هذا التَّقرير فصلًا كاملًا عن ضرورة هدم (المنظومة الحديثيَّة!) لدى المُسلمين، أو تطويعِها -على الأقلِّ- لتَتَماها مع الفكر الغربيِّ، ضمانًا لنجاح الخُطَّة المُقترحة لتحديث الإسلام وعَلْمَنته؛ عَنْوَنت هذا الفصلَ كاتبتُه (١) بقولِها المُستفزِّ: «حروب الحديث»! فمِمَّا أثارَني فيه قولُها: «تتركَّز كثير من جهود إصلاح الإسلام حاليًا في الجدل الدَّائر حول أحكام وممارساتٍ معيَّنةٍ من صحيح الإسلام، والَّتي ينتقدها غير المسلمين، لكونها لم تعُد ملائمةً للعصر الحاضر؛ فالقرآن بوصفه الكتاب المُقدَّس -هو بوجه عامٍّ- .. فوق الانتقاد، لكنَّه مع ذلك قد ترك موضوعات كثيرةٍ لم يتناولها البتَّة، أو أشار إليها بشكلٍ مُجمل .. فلذا دأَبَ أصحابُ الآراء المتعارضة -منذ الأيَّام الأولى لامتداد الإسلام- على صياغة أقوالهم وتفسيراتهم استنادًا للحديث النَّبوي في المقام الأوَّل .. وعِوَضًا عن آراء العلماء، ينبغي لجمهور النَّاس تمحيص أقوال العلماء وادِّعاءاتهم! ومعرفة مدى صحَّة استدلالهم بحديث من الأحاديث؛ .. إنَّه ينبغي تشكيل لجنة «نقض الحديث» [!]، لأجل مَن يطمحون لمجتمعات أكثر تسامحًا، تقوم على المساواة والدِّيمقراطيَّة» (٢). وقبل هذا التَّقرير بعقودٍ مَضَت وَصاةُ مُفكِّري فرنسا مِن بعضِ يَساريِّيها لحكوماتِهم بضرورة نقلِ حربهم للمُسلمين إلى إشعال فتيل حرب فكريَّة بينهم!

стр. 8

بتحويل المعركةِ إلى داخلِ التُّراثِ الإسلاميِّ ذاتِه (١)، على أيدي مَن ينَتسِب إلى الإسلامِ نفسِه! فإنَّ شبهاتِ ذوي الجِلدة الواحدة أوقعُ في آذانِ المُخاطَبين مِن كلامِ عَدُوِّهم، وأقربُ إلى تَقبُّلِ أفكارِهم. اقرأ شاهدَ هذا المَكر الكُبَّار كيف اصبغت به كلماتٌ لـ (عابدٍ الجابريِّ)، يوصي فيها أرباب الحداثة بـ «إنَّ التَّجديدَ لا يُمكن أن يَتِمَّ إلَّا مِن داخلِ تُراثِنا، باستدعائِه واسترجاعِه استرجاعًا مُعاصرًا لنا؛ وفي الوقتِ ذاتِه، بالحفاظِ له على مُعاصَرتِه لنفسِه ولتارِيخيَّته، حتَّى نَتمَكَّن مِن تجاوزِه مع الاحتفاظِ به، وهذا هو التَّجاوز العلميُّ الجَدليُّ!» (٢). فعلى وِفق هذا الأسلوب صارَ الاتِّجاه السَّائد في الدِّراساتِ المُصادِمةِ للنَّصِ الشَّرعيِّ، يعتمِدُ على ذات النَّصِ للتَّخلُّصِ مِنه، يتظاهر تارةً بالشَّفقةِ مِن نسبتِه إلى الشَّارعِ لشناعتِه، وتارةً بلَيِّ معناه لعَصْرَنته؛ فأمَّا المُجاهرة برفضِ التَّحاكم إلى النُّصوصِ صراحةً، وإعلان المُحادَّاةِ التَّامةِ لأحكامِ الشَّريعةِ المُستخلصَةِ منها: فنهجٌ قد ضَعُف حضورُه كثيرًا في الآونةِ الأخيرة، لاستقباحِ العامَّةِ له، ومُصادمته المباشرة لفِطَرِهم. هي إذن حَربٌ بالوَكالة! قد نُصِبت فيها مَنابرُ مِن خُشُبِنا، يعتليها رجالٌ مِن جِلدتنا، يخطُبون بِأَلْسِنَتِنا، ويَهرفون في تُراثِنا بلُغةِ فُقهائِنا، هدمًا لدينِنا باسمِ دينِنا؛ وصدقًا قال عنهم ابن تيميَّة: «قد اتَّفق أهل العلم بالأحوال، أنَّ أعظمَ السُّيوف الَّتي سُلَّت على أهل القبلة: مِمَّن ينتسب إليها، وأعظمَ الفساد الَّذي جَرى على المسلمين مِمَّن ينتسب إلى أهل القبلة: إنَّما هو مِن الطَّوائف المُنتسبة إليهم! فهم أشدُّ ضررًا على الدِّين وأهله» (٣).

стр. 9

وطَعْنُ ذَوِي القُرْبَى أشَدُّ مَضرَّةً *** على الدِّينِ مِن حَربِ العُداةِ الأباعِدِ! هذا هو حال الأنفس البَشريَّة في كلِّ زمانٍ، كامِنٌ فيها الشَّر لا محالة، سابحٌ بين جَنَباتِها هَواها كلٌّ منها بحسَبِه، يحبِسُها عن إظهارِه: الفِطرةُ، والدِّين، وخَشيةُ النَّاس؛ فإذا ما غَلَبها هَواها، وأمِنَت معه عقوبةَ السُّلطان: تَشَجَّعَت بالبَوْحِ بشرِّها الكامن، وجهرت بالدَّعوة إليه. فلمثلِ هذه الحال النفسيَّة العجيبة الممزوجة بتخاليط الجهل ومُغالطات التَّفكير، يلتحقُ فِئامٌ مِن شبابنا بنابذي السُّنَن، مُناكفين لنَقَلتِها مِن أهلِ الفَضْلِ والمِنَنِ؛ «قد تَعالَوا علينا بضَخامةِ الألقابِ، مع فَراغ الوِطاب، يُوسِعون الدَّعاويَ العريضة، ويُجهِّلون العلماء الأُصَلاء، بآرائهم الهشَّةِ البتراء، وينصرون الأقوال الشَّاذة، لتَجانُسها مع عِلمِهم وفهمِهم، ويُناهِضون القواعدَ المُستقِرَّة، والأصولَ الرَّاسخة المُتوارَثة. لم يقعُدوا مَقاعِدَ العِلمِ والعُلماء، ولم يَتَذوَّقوا بَصارَة التَّحصيلِ عند القُدماء، ولكنَّهم عند أنفسِهم أعلَمُ مِن السَّابقين» (١)، لظنِّهم أنَّهم مِن جُملةِ المُفَكِّرين! فلقد جهِلَ المَساكينُ بأنَّ الثَّقافة والفِكرَ المُجرَّدَ لا يُخرِج الإنسانَ مِن الأُميَّةِ الشَّرعيَّة أبدًا؛ فإنَّما الفِكرُ تحليلُ المَعلوماتِ وتَقلِيبُها، فقليلُ العلمِ بمَ يُفكِّر أصلًا؟! وهل رزيَّتنا اليوم إلَّا مِن مُفكِّرٍ بلا عِلمٍ؟! إنَّ مَن يَقرأْ تاريخَ المَذاهِب والنِّحَل قراءةَ مُقارِن، يُدرِكْ أنَّ كلَّ ضَلالةٍ هوَّشَ بها هؤلاء (المُفكِّرون) المُتأخِّرون، أصلُها أو مِثلُها كانت في السَّابقين؛ تَعَلَّقت بالإسلامِ كما يَتَعلَّق قَذَى الأرضِ بالعَجَلةِ، ثمَّ تَطويه بسَيْرِها. لقد قَيَّد الشِّهرستانيُّ (ت ٥٨٤ هـ) (٢) لحْظَه لهذه العُلقةِ الفكريَّةِ قديمًا بين ما أُحدِث مِن مُعارَضاتٍ للنُّصوصِ الشَّرعيةِ في زَمنِه، وأصولِ المَقالاتِ المُبكِّرة في

стр. 10

الإسلام، منبِّهًا على أنَّ هذا التَّوارث لتحريفاتِ الضُّلَالِ عادة قديمةٌ قِدَم الأديان، فقال: «إنَّ الشُّبهات الَّتي وَقَعت في آخرِ الزَّمان، هي بعينِها تلك الشُّبهات الَّتي وَقَعت في أوَّل الزَّمان، كذلك يُمكن أن نُقرِّر في زمانِ كلِّ نبيٍّ، ودورِ صاحبِ كلِّ مِلَّة وشريعةٍ: أنَّ شُبهات أُمَّتِه في آخرِ زمانِه ناشئةٌ مِن شُبهاتِ خُصماء أوَّلِ زمانِه مِن الكُفَّار والمُلحِدِين، وأكثرُها مِن المُنافقين. وإنْ خَفِيَ علينا ذلك في الأمَمِ السَّالفةِ لتَمادي الزَّمان، فلَمْ يخفَ في هذه الأمَّة أنَّ شُبهاتها نَشأت كلُّها مِن شُبهاتِ مُنافقي زمنِ النَّبي ﷺ ؛ إذْ لم يرضوا بحُكمِه فيما كان يأمرُ ويَنهى، وشَرعوا فيما لا مسرحَ للفكرِ فيه ولا مَسرى، وسألوا عمَّا مُنِعوا مِن الخوضِ فيه، والسُّؤالِ عنه، وجادلوا بالباطلِ فيما لا يجوز الجدال فيه» (١). يُصدِّقُ هذا نصٌّ نفيس للشَّاطبيِّ (ت ٧٩٠ هـ) (٢)، ينعت فيه الزَّائغين القُدامىِ في «رَدِّهم للأحاديثِ الَّتي جاءت غيرَ مُوافقةٍ لأغراضِهم ومَذاهِبم، فيَدَّعون أنَّها مخالفةٌ للمَعقول، وغير جاريةٍ على مُقتضى الدَّليل، فيجب رَدُّها؛ كالمُنكرين لعذابِ القبر، والصراطِ، والميزان، ورؤيةِ الله في الآخرةِ، وكذلك حديث الذُّبابِ ومَقْلِه، وأنَّ في أحدِ جَناحَيْه داءٌ وفي الآخرِ دَواءٌ، .. وحديث الَّذي أخذَ أخاه بَطنُه، فأمَرَه النَّبي ﷺ بسَقْيِه العَسلَ، وما أشبهَ ذلك مِن الأحاديثِ الصَّحيحة المَنقولة نقلَ العُدولِ. فربَّما قَدَحوا في الرُّواةِ مِن الصَّحابة والتَّابعين ﵃، وحاشاهم، ومَن اتَّفق الأئِمَّة مِن المُحدِّثين على عدالتِهم وإمامتِهم، كلُّ ذلك ليردُّوا به على مَن خالَفهم في المذهبِ، وربُّما ردُّوا فتاوِيهم وقبَّحوها في أسماعِ العامَّة؛ ليُنفِّروا الأمَّةَ عن اتِّباعِ السُّنةِ وأهلِها» (٣).

стр. 11

أفَلا تَرى أنَّ هذه المُناكفاتِ العِلميَّةِ للأخبارِ -مِمَّا ساق بعضَها الشَّاطبي- تَتكرَّر في زمانِنا هذا وزيادة، غير أنَّ أصحابَها يخدعون النَّاس بتجديدِ صِياغتِها وتجميلِ صُورَتِها في قَوالِب عَصريَّةٍ؟! وبنفسِ تلك الأساليب مِن الطَّعنِ في نَقَلَتِها ودَعاوي المُعارَضاتِ العقليَّة؟! ولِنَفسِ غَرَضِ النُّصرةِ للمَذهبِ أو الطَّائفةِ أوالتَّياراتِ الفِكريِّة؟! إنَّ ما يقولُه هؤلاء المُعاصرون في الدِّين يكاد يرجعُ في أصولِه ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون، «بفرقٍ واحدٍ فقط: أنَّ أولئك الأقدمين -زائغين كانوا أم مُلحِدين- كانوا عُلماءَ مُطَّلِعين، أكثرُهم مِمَّن أضَلَّه الله على عِلْمٍ؛ أمَّا هؤلاء المُعاصرون: فليس إلَّا الجهل والجُرأة! وامتِضاغُ ألفاظٍ يُحسنونها، يُقلِّدون في الكُفرِ، ثمَّ يَتَعالَوْن على كلِّ مَن حاوَلَ وضعَهم على الطَّريقِ القويم» (١). وهذه حالُ مَن لا يفهمُ شأنَ السُّنةِ وتصاريفَ أخبارِها، مِمَّن لم يُوتَوا الآلةَ الَّتي بها يَفهَمُ ذلك؛ فإنَّما يكون البَلاء إذا ظَنَّ العادِمُ لها أنَّه أُوتِيَها، وأنَّه مِمَّن يَكمُل للحُكمِ على أسانيدِها، ويَصِحُّ منه القَضاء على مُتونِها، فجَعَل يَقولُ القولَ لو عَلِم غِبَّه لاسْتَحى منه! فأمَّا الَّذي يُحسِن بالنَّقصِ مِن نفسِه، ويَعلمُ أنَّه قد عُدِمَ عِلْمًا بالأخبارِ وحَلًّا لعَويصِها قد أوتِيَهما مَن سِواه، فهذا «نحن منه في راحةٍ، وهو رَجلٌ عاقلٌ، قد حمَاه عقلُه أن يَعدُوَ طَوْرَه، وأنْ يَتَكَلَّف ما ليس بأهلٍ له» (٢). فالدَّاءُ كلُّ الدَّاء من هؤلاءِ المُتَعالِمين المُحْدَثين، الَّذين أعْدَوا بأمراض عقولِهم ما يُلامسون مِن آراء؛ بهَوى مُعدٍ يتمدَّد في الأفكارِ كتمدُّد العِلَل في الأبدان، يصير به صاحبه مُضطرِبَ المنهجِ، مُختلِطَ الطَّريقة، كثيرَ التَّناقُضِ فيما يُقرِّر؛ حتَّى يُوبِقه اضطرابُه هذا في مَهاوي الرَّدَى، وترمي به جهالاته في أوديةِ الباطِل.

стр. 12

ومع ما تخبَّط به القوم في نقداتهم للتراث الشرعي، فلقد مَضَت تلك الأزمانُ الَّتي كان فيها كلامُهم في السُّنةِ سَبَهْلَلًا! يَرمون الأخبارَ على اختلافِ مَصادِرها ودَرَجاتِها كيفما اتَّفَق؛ فإنَّهم صاروا إلى قناعةٍ متجذِّرةٍ بأنَّ أصلَ السُّنةِ ورُوحَها، وأصَحَّ ما جُمِع مِن حديثِها مرقومٌ بين جنبات «الصَّحيحين»، بما تناهى إلى سمعهم من كونهما الدَّرجة الثَّانية صِحةً وتشريعًا بعد كتابِ الله تعالى، وأنَّ عمومَ الأمَّة قد تَلقَّتهما بكمالِ الثِّقة، واعتبَرتهما مَدار العقائد لديها، فلا يَتمُّ تشريعٌ لفَقيهٍ دونهما، لعُلوِّ شروطِ الصِّحةِ في انتقاءِ أخبارهما، وللثِّقة العامَّةِ الحاصِلة لمُصنِّفيهما. هذان المَغبوطانِ اللَّذان بَذلا حياتَهما لخدمةِ سُنَّة نبيِّهما ﵇، واللَّذان تمنَّى ملوك الأرضِ وأشارف النَّاس التَّجمُّلَ بصِفاتهما، والتَّحلِّي بسِماتهما، وثنيَ الرُّكَب في مَجالِسِهما. فأمَّا أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ (ت ٢٥٦ هـ) (١): فالشَّمس تَلَأْلؤ في سَماءِ المَجد والشَّرف، العبقريُّ الآخذُ من كلِّ فضلٍ بطرفٍ، قد وَهَبه الله تعالى بصيرةً نافذةً تكاد تخترقُ حُجبَ الغيبِ، ونفسًا سَماويَّةً مَحَّصَتها الفضيلةُ، فلم تعلَق بها الرَّذائل، ولا طارَت حولَها المَفاسد والأطماع، وذِكرًا بعيدًا تُردِّدُه الأقطار، وتُغضي مِن مَهابتِه الأبصار، وجلالًا تُطأطئ له الهامات، وحُبًّا مُبرِحًا تنعقدُ عليه قلوب المَلايين مِن المسلمين في مَشارقِ الأرضِ ومَغارِبها. توجَّه البخاريُّ إلى طلب العلومِ في بُكورِه، فبَدَت عليه علائم الذَّكاء والبراعةِ في حذق ما يتلقَّاه؛ حتَّى إذا أكملَ حفظَ القرآن تَوجَّه إلى السُّنة ومَرويَّاتها، فاستَوْفى حفظَ حديثِ شُيوخِه البُخاريِّين، ونَظَر في الرَّأي، وقَرأ كُتُبَ عبد الله بن المُبارك (ت ١١٨ هـ)؛ كلُّ هذا ولم يُجاوز عُمره المُبارك

стр. 13

ستَ عشرة سنة! ليَرْحل بعدُ إلى مُحدِّثي الأمصار، تقيِيدًا للعلم عنهم بخُراسان والعراق والشَّام والحجاز ومصر وغيرها، فانكبَّ النَّاس يَسمعون منه، وليس في وجهِه شَعرة! بدا له بعد سنين التَّحصيل والتَّحديث أن يجمع الصَّحيح من الأخبار النَّبويَّة، لكلماتٍ مُقلقاتٍ تَدفَّقنَ من صدر شيخِه ابن راهوُيَه (ت ٢٣٧ هـ)، يقول فيهنَّ لتلاميذه: «لو جَمعتُم كِتابًا مُختصرًا لصحيحِ سُنَنِ النَّبي ﷺ .. » (١). هذه الحروف اليسيرات أوقعنَ في قلبِ البخاريِّ مِن الهِمَّة ما لأجلهنَّ صَنَّف كتابَه الأعجوبة «الجامعِ المُسندِ الصَّحيحِ المُختصر من أمورِ رسول الله ﷺ وسُنَنِه وأيَّامه»، مُزيِّنًا له بأحسنِ المتون، مُتخيِّرًا له أضبطَ الرِّجالِ العدول، مَرفوعًا بذلك في مِعراجٍ لا يُلحَق؛ كيف لا، وقد وَصَله بالصِّلةِ الَّتي لا تُبلى: وهي الصَّلاة؟! فكان لا يَضعُ فيه حديثًا حتَّى يُصلِّي له ركعتين. هذا؛ والعادة الغالبة جاريةٌ على أنَّ كلَّ مُصَنَّفٍ إذا كان الأوَّلَ في بابِه، جاء مَن بعده ليُصنِّفوا في ذاك الفنِّ، فيستدركوا ما أغفلَه الأوَّل، ويحسِّنوه، ويزيدوا عليه ما يُكمِل فائدتَه، حتَّى يكونَ أتَمَّ مِمَّا خَطَّه وأنفعَ؛ لكنَّ البخاريَّ -وإن كان أوَّلَ مَن صَنَّف الصَّحيحِ مُستقلًّا- لم يأتِ بعده مَن يُضاهيه، مع وَفرةِ مَن تَصدَّى لجمعِ الصَّحيحِ بعده. يقول أبو الحسن النَّدوي (ت ١٤٢٠ هـ): «لو زَعَم زاعم، أو ادَّعى مُدَّعٍ، أنَّه لم يُعتَنَ بكتابٍ بَشريٍّ في أيِّ مِلَّةٍ وديانةٍ، وفي أيِّ لُغةٍ وأدبٍ، وفي أيِّ مَوضوعٍ ومَقصدٍ، وفي أيِّ عصرٍ مِن العصور، مثل ما اعتُني بالجامعِ الصَّحيحِ للإمام البخاريِّ، لما كان مُجازفةً مِن القولِ، ولا مُبالغة في الدَّعوى، ولا إسرافًا في الحُكم، ولكن لهذا القول وَجاهةٌ علميَّةٌ، ودلائلُ تاريخيَّةٌ، قائمةٌ على استعراضٍ طويلٍ دقيقٍ مُحايدٍ أمينٍ للمكتبةِ العلميَّةِ العالميَّةِ، ونتاجِ العقولِ والأقلامِ، ومَحصول القرائحِ والهِمَم، مِن فجرِ التَّاريخ إلى يومِ النَّاس هذا» (٢).

стр. 14

وأمَّا تلميذه أبو الحُسين مسلم بن الحجَّاج النَّيسابوريُّ (ت ٢٦١ هـ) (١): فردفُ شيخه إمامًا في الحديث بلا مُدافعة، بالغًا فيه الذَّروة؛ قد كان أبو زرعة وأبو حاتم الرَّازيان -على جَلالةِ قدرِهما في الحديث وإمامتِهما في العِلَل- يُقدِّمانِه في معرفةِ الصَّحيح على مَشايِخِ عصرهِما (٢)؛ يكفيك شاهدًا على هذه الجلالة كتابُه «المُسند الصَّحيح» (٣)، حيث انتخب أحاديثَه مِن ثلاثمائةِ ألفِ حديثٍ مَسموعة لديه مُدَّة خمس عشرة سنة (٤). ومسلم -مع جلالته في هذا العلم- تلميذُ البخاريِّ وخرِّيجُه، قد كان يرفعُ شيخَه في هذا العلمِ على نفسِه؛ يُري النَّاسَ جِلسته «بين يَدَيْه كالصَّبيِ بين يَدَيْ مُعَلِّمِه» (٥)؛ فلا غروَ أن يكون صحيح البخاريِّ مُقَدَّمًا على كتابِه، فإنَّما بنى مسلمٌ صحيحَه عليه، فعَمِل عليه شِبْهَ مُستَخرَجٍ، وزاد فيه زيادات (٦). ولقد سيقَ في الثَّناءِ على مسلمٍ وكتابِه جملةٌ صالحةٌ مِن مَدائح أهل العلم، «بحيث إذا قوبِلَت بما قيل في البخاريِّ وفي كتابِه، كانت مُكافِئةً لها، أو راجحة عليها» (٧)! فلقد حصَل له «في كتابِه حَظٌّ عظيمٌ مُفرطٌ لم يحصل لأحدٍ مثلِه، بحيث أنَّ بعضَ النَّاسِ كان يُفضِّله على صحيح محمِّد بن إسماعيل .. وقد نَسَج على مِنوالِه خلقٌ مِن النيَّسابوريِّين، فلم يبلغوا شأوَه؛ فسبحان المُعطي الوَّهاب!» (٨).

стр. 15

والَّذي تُحصِّله مِن جملة ما تطالعه من ترجمةِ هذين الإمامين: أنَّهما بحقٍّ في الحديثِ فَرَسا رِهانٍ، وأنْ ليس لأحدٍ بمُسابَقَتِهما ولا مُساوَقَتِهما يَدَان! قد تَمَّ لهما في كتابَيهما أوفرُ النَّصيبَيْن، وانعقدَ الإجماعُ على تَلقيبِهما بـ «الصَّحِيحَيْن»؛ فجزاهما الله عن الإسلام أفضلَ الجزاء، ووَفَّاهما مِن أجرِ مَن انتفَعَ بكِتابَيهما أفضلَ الإِجزاء. فلمَّا كان للشَّيخينِ هذه القَدَم الرَّاسخة في التَّحديث، وكان لكِتابَيهما الحظوةُ العُظمى فوق كلِّ مُصَنَّف في الحديث، توجَّه إليهما بالعداوة مَن في صدرِه حرجٌ مِن السُّنَة، لعلمِهم بأنَّ نَقضَهما نَقضٌ لسَائِر دواوينِ الحديثِ تَبعًا، وأنَّ إسقاطَ المنهجِ النَّقديِّ الَّذي ابتنياه عليه إسقاطٌ لمنهج المُحدِّثين رأسًا. فاسمع أحدَ أعدائِهما يُحرِّض عليهما الدَّهماءَ فيقول: «إنَّ استبعادَ أيَّ حديثٍ في البخاريِّ، يعني استبعادَ عشرة أحاديث موضوعةٍ موجودةٍ ومُثبتةٍ في كتبِ السُّنة الأخرى! وبعضها أسوأُ بكثيرٍ ممَّا جاء في البخاريِّ وأكثر انتشارًا؛ إنَّ استبعادنا لأحاديث أقوى منها، يستتبِعُ بالتَّبعيَّةِ استبعادَها، وسيُمهِّد عَمَلُنا هذا الطَّريقَ لأنْ يأتي بعدنا مَن يَتَقصَّى كتبَ السُّنة الأخرى، ويُجهز على البقيَّةِ الباقية» (١). وأشاح آخرُ عن وجهِ تقصُّدِه لنقضِ صرحِ هذين الكِتابين، بأن قال: «أصبحَ صحيح البخاريِّ وصحيح مسلم مَدار العقائد عند أهل السُّنة، وهذه الأمور هي الَّتي دَعَتْنا إلى البحثِ والتَّنقيبِ في الصَّحيحين، وكشفِ حقيقتِهما وماهيَّتِهما» (٢). بل صرَّحَ رافضيٌّ آخرُ بنتيجةٍ أخطَر تَعقُب استهدافَ «الصَّحيحين»، حيث بَشَّرَ أهلَ مِلَّتِه «بأنَّ هذين الكِتابين إذا سَقَطا، لم يبقَ لأهلِ السُّنة إلَّا اتِّباعَ مَذهبِ الشِّيعةِ الإماميَّة»! (٣)

стр. 16

وأمَّا عَلمانيُّو العَرب: فلأنَّهم جَهَلةٌ بدَقائقِ علمِ الحديث، وقواعدِ الجرحِ والتَّعديل، عَجَزةٌ عن فقهِ أسبابِ صحَّةِ الحديثِ أو ضعفِه، وسلوكِ مَضايقِ علومِ الإسناد، لم يَعُد لهم مِن خَيارٍ للخروج مِن هذه التَّراتيب المُعقَّدة إلَّا الولوغ في حِياضِ متونِ «الصَّحيحين»؛ وذلك -حسب ما يقولُ (عبد الجواد ياسين) - «لأنَّ البخاريَّ ومسلمًا يجُبَّان ما دونهما مِن الكُتب في مفهومِ أهل السُّنة، سوف نُحاول التَّركيز على مَرويَّاتهما فى هذا الصَّدد» (١). والَّذي يظهر لكلِّ مَن تتبَّع إنتاجات هؤلاء في غارتهم على السُّنة، أنَّ اشتدادَ مُحاولاتِ التَّطويرِ واستهدافِ «الصَّحيحين» في ظروفِنا الرَّاهنةِ «يُمثِّل عَمَلًا مُنَظَّمًا تكمُن خلفَه قِوىً مُعيَّنة؛ فقد تَتابَعت المُؤلَّفات في هذا الموضوع» (٢)، وتواترت المَرئيَّات فيه على وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ. فمن قريبٍ فوجِئنا بمُؤسَّسة أمريكيَّة رَسميَّة كبيرةٍ بحجمِ (الكونْغرس) تُهاجِم «صحيحَ البخاريَّ» عبر عُملائها العرب، في مَقطعٍ مَرئيٍّ صفيق أسمته «حقائق صادمة عن البخاريِّ»! مُنتِنٍ بالأغاليطِ الكاذبةِ عبر مِنْبرِها الإلكترونيِّ (أصوات مَغاربيَّة) (٣). وهي أيضًا مَن يدعمَ برنامجين تلفزيَّين على قناتِها (الحُرَّة)، أوَّلهما باسم «إسلام حرٌّ» لإسلام بحيري المصريِّ! الوالهِ بغمز البخاريِّ والطَّعن بأهل الحديث؛ وثانيهما «مُختلَف عليه»، يقدِّمه الإعلاميُّ إبراهيم عيسى! ليس له همٌّ فيه إلَّا إسقاط الرُّموز وتوهين الثَّوابت الإسلاميَّة؛ قد خصَّص منه حلقةً كاملةً للتَّشكيك في مصداقيَّة البخاريِّ وجدوى «صحيحِه».

стр. 17

وتلك مَحكمةٌ رُوسِيَّةٌ تَتَريَّة، أصدرت قبل بضع سَنواتٍ حُكْمًا يُصنِّف «صحيح البخاريِّ» ضمنَ الكُتبِ المُتطرِّفة المَحظورة! بدعوى «أنَّ أحاديثَه مُثيرةٌ للكَراهيَّةِ العِرْقيَّةِ والدِّينيِّة، ومَنَعَت تَداوُلَه» (١). بل والمَلاحِدة الصُّرحَاء! لم يتركوا «الصَّحيحين» لحالِهما شأنًا خاصًّا بالمُسلمين، حتَّى زاحموا مَن مَضى ذكرُهم على رَميِ سهامِ التَّشكيك صوبَهما؛ كحالِ (إسماعيل أدهم) (٢) المُجاهر بإلحاده بعد إسلامه، حيث أطلق دعوى عريضةً في حقِّ الصَّحيحين، يتَّهم مرويَّاتهما بأنَّها «ليست ثابتةَ الأصولِ والدَّعائم، بل هي مَشكوك فيها، ويغلبُ عليها صِفةُ الوَضع!» (٣). الأعجبُ مِنه: غلامٌ مُلحد (٤) يخرج مِن بَلدِ الأزهرِ في تسجيلٍ مَرئيٍّ، انتشرَ على وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ انتشارَ النَّار في الهَشيم؛ يُبشِّر الغِرُّ فيه المُسلمين بانقضاءِ عهدِ البخاريِّ؛ فلقد حَشَر أنفَه فيما لا يفهَم، فأتى بطَوامٍ عن البخاريِّ وسيرتِه بما لم يُحسِن فيه نُطقَ اسمِه كاملًا نُطقًا سليمًا! فوا أسَفي على كثرة مَن يغترُّ بمثل هذا الكذوب من مُراهقي الفكر في أيَّامنا النَّحسات؛ ترى أحدَهم مُتذبذبًا بين مواقع الشَّبكاتِ، فارغَ القلبِ، مهزوز النَّفس، قابلًا للتَّشكيكِ في ثوابتِ أمَّته، في علمِ الصَّحابةِ ﵃ وأئمَّةِ العلمِ، في نَسْفِ جهودِ الأمَّة عبر تاريخها المديد، لمُجردِّ دقائقِ معدودةٍ قضاها في استماعِ مثل هذا السَّفه!

стр. 18

أهذا إنسان يحترم عقْلَه؟! أمَا كان الأجدَرَ بمثلِه أن يخلعَ لبوسَ الغُرورِ والاعتداد بعقله قبل أن يَتعَلَّم -هذا إن تَواضَع وقَبِلَ التَّعلُّم-؟ فإنَّ هذا الغرورَ الَّذي فَشا في شَبابِنا اليوم، فأباحَ لهم الكلامَ في كلِّ شيءٍ، هو حقًّا كالخَمْرَةِ! قد غيَّبت عقولَهم عن رؤيةِ الحقائق والتَّريُّثِ في استصدارِ الأحكامِ. لكنْ لا والله ما رأيت هؤلاء المَلاحِدة يتجرَّؤون على أن يَسخروا جِهارًا بالصَّحيحين، أو يَستَفِزُّوا المُسلمِين بشَتْمِ الشَّيخين كما رأيته من بعض مَن يَنسِب نفسَه إلى الإسلامِ، بل إلى العلمِ الشَّرعيِّ! خطيبِ مُعمَّمٍ يُلزقُ نفسَه الأمَّارةَ بالأزهر، يجهر بكلِّ قِحةٍ على قنواتِ الإفك بقوله: «إنَّ البخاريَّ مَسْخَرةٌ لا مَفْخَرة» (١)! لكن الأزاهِرةُ الشُّرفاء مِن مثل هذا الدَّعِيِّ بَراءٌ، بل والمِصْرِيُّون الأفاضل كلُّهم، فقد نَبَذوه بخِزْيٍ في آخرِه نَبْذَ الحِيَضِ (٢). الأدْوَى عندي مِمَّا مَضى؛ أن أرى عَدْوى الاستطالةِ على «الصَّحيحين» تفشو بين المُنتَسِبين للسُّنَّةِ أنفسِهم، تحت وَطْأةِ الضُّغوطِ النَّفسيَّة، والإِرجافِ الأَثيم الَّذي يُجابِهُ أَهل السُّنة، بوَصفِهم بِشِنَعِ التَّعيِير، وسَيِّئِ الألقابِ؛ من مثلِ رَمْيِهم بالتَّخلُّفِ، والرَّجعيَّة، وعبادةِ البخاريِّ، والبَداوَةِ الفكريَّةِ، والنُّصوصيَّةِ، والظَّلامِيَّةِ، والسَّلفَوِيَّة، والأصوليَّة .. إلخ تلك الشِّنَعِ الفَجَّةِ، والأَوصافِ الأثيمَةِ، التي أَجلبَ بها أَهلُ الأَهواء على السَّائرين على السَّنَنِ الأَبْينِ في الاعتقادِ والسُّلوك، ورَاوَدُوا بها أَهلَ الحقِّ عن اعتقادِهم المُنبعِثِ عن يقينٍ بصِحَّةِ أصولهِم. فكان مِن جرَّاء هذه الوطأةِ الأثيمة، أَنْ وَقَعَ في شِراكِ إِجْلابهم فِئامٌ، وصُرِعَ في زَوْبعةِ خَوضِهم أَقوامٌ؛ اقتَضى بيانَ أنَّ ذلك الإِجلابَ إنَّما هو جَوْلةُ باطلٍ، متى لَقِيَ في طريقِه الحقائقَ تكتنفُها البراهين زالَ واضْمَحلَّ.

стр. 19

ولولا أنَّ الحقَّ لله ورسولِه، وأنَّ كلَّ ما عَدا الله ورسوله فمَأخوذٌ مِن قولِه ومَتروك، وعُرضَةٌ للوَهمِ والخطأِ، لمَا اعترَضْتُ في هذا البحثِ على مَن لا ألحقُ غُبارَهم، ولا أجري معهم في مِضمارهم مِن بعضِ علماء عصرِنا ودُعاته الفُضلاء مِمَّن نَقَدْتُّهم في هذا البحث، فبيَّنتُ بعضَ خطلِهم في تعليلِ ما هو أصيلٌ في الصِّحة. فوالله إنِّي لأتعقَّبهم في بعضِ تلك الهَنات، وإنِّي لأراهم فوقي في أعلى المَقاماتِ، ومَنازل السَّائرين كالنُّجومِ اللَّامِعات؛ فمعاذَ الله أن أسوِّيهم بالمُبتدعة الضُّلال المُناوئين للأحاديث النَّبويَّة! غير أنِّي رأيتُ القدحَ في الصِّحاحِ ليس أمرًا هَيِّنًا، والذَبَّ عنها لازِمًا مُتعيِّنًا؛ على سَنَن الحكماءِ في أنَّ «حِراسةَ العِلْمِ، أوْلى مِن حِراسةِ العالِم» (١). فإنَّ في السُّكوتِ عن مثلِ أولئك الأفاضِل إجلالٌ، نعم؛ لكن خيانةٌ للعلم! فلم يكُن بدٌّ «مِن وجودِ نِيَّةِ تَتَبُّعِ السَّقْطاتِ والأخطاءِ في هذا المجالِ، بل لعلَّه مُثابٌ صاحبُه عليه، لأنَّه مُنافَحةٌ عن الحقِّ» (٢). أَهمية الموضوعِ، ودوافعُ اختيارِه: فلأجل ما تَقَدَّم سَوقُه مِن مَخاطر تُحدق بالسُّنةِ عبر استهدافِ «الصَّحيحين»، رأيتُ مِن واجبِ الوقتِ، وحَقِّ الدِّيانةِ: النُّهودَ إلى مُراغَمَةِ تلك الأَهواءِ المُضَلِّلةِ، والفِتَنِ المُتماحِلةِ؛ بِنُصرةِ السُّنَن الهادِيات، ودفْعِ ما يُعارضُها مِن شُبَهِ المَعقولاتِ، وإِزهاقِ ما يُناقضها مِن أَغاليطِ السَّفسطات، وتقويم مَن زلَّ فيها مِن ذَوي الهَيئات. فإنِّي لازلتُ -بفضلِ الله تعالى- مُذ قَرَّت عَيْني بسلوكِ طريقِ العلم ودُروبِ الإصلاح على ثَلَجٍ من أنَّ الفاشلَ في تأمينِ حدودِه الفكريَّة، هو لتأمينِ حدودِه الجُغرافيَّة أفشلُ! وأنَّ حمايةَ الثُّغورِ العَقَديَّةِ والفِكريَّةِ الَّتي يُحاصِرُها الأعداءُ، خَيرٌ

стр. 20

وأوجَبُ مِن تحقيقِ كثيرٍ من المسائل الخِلافيَّةِ الَّتي يَسوغُ فيها الاجتهادُ، وأهَمُّ مِن استغراقِ الأوقاتِ في دراسةِ جُزئيَّاتٍ ضَعيفةِ الثَّمرةِ في واقِعنا المَرير، لا يكادُ يُخرَجُ منها بجديدٍ مُبتَكَر، أو مُفيدٍ مُعتبَر، مِمَّا يَدخلُ أكثرُه في بابِ التَّرَفِ العِلميِّ. واختيارُ المَرءِ دليلٌ على عقلِه، وأمارة على صائب نَظَرِه. لكن الحالُ أنَّ الحروب الفكريَّة التَّي يُراد للشَّبابِ الغَيورِ خوضَها في هذا الزَّمانِ أكثرُها على مَن لا يختلِفون معهم في أصولِ مُعتَقدٍ، ولا كُلِيَّات منهجٍ؛ بل كثيرًا ما نَرى راياتِ الجهادِ بينهم تُقام على تفاريعَ لن يَزولَ الخلافُ عنها إلَّا بنزولِ المسيح ﵇! قد وَسَّعَ الله في أَخذ ما اطمأنَّت إليه النَّفسُ من غير عَصَبيَّةٍ تُفضي إلى ظُلمٍ أو خُصومةٍ. أو نراهم يُطيلون في بحثِ موضوعاتٍ مَطروقةٍ حدَّ الإملال، لا تُعايش هموم زمانِنا، فيُعيدون مَسائلَها جَذَعَة، وهُم يَتغاضَون عن عشرات النَّوازل المُوَلَّدة المُهِمَّة، يتركونها تندبُ حَظَّها الذَّليل، غُفلًا عن التَّحقيقِ والتَّعليل. ثمَّ بلَغَ الانحرافُ بسبيلِ الفكرِ والعلمِ مَداه حين صار التَّدابر بين المُتشَرِّعةِ والتَّرامي بينهم بالرُّدودِ لأجل وفاقِ شيخٍ أو خِلافِه! .. وهكذا فلْتُسنزفْ طاقاتُ شبابنا وأعمارُهم في المعركةِ الخطأ! مع العَدوِّ الخطأِ! في الوقتِ الَّذي نرى فيه عدوَّنا الحقيقيَّ الأكبرَ ينهَشُ جسَدَ أمَّتِنا مِن جميعِ أطرافِها وأطيافِها. فلأجل ما آلمني من هذا المُصاب كلِّه: أتيتُ بهذا المَرقومِ تَأخِّيًا لتلك المَقاصِد الكُبرى، أتَغيَّا به لَبِنةً مُتواضِعةً مِن لَبِناتِ النِّزَالِ مع الباطل، وحَلْقةً تَتَّصِلُ أَسبابُها بأسبابِ تلك الصَّحائف المُباركةِ الَّتي خَطَّها أَئمَّةُ أهل السُّنَّة، باستحياءِ مَناهجِهم، وتوظيفِ كُلِّياتِ طَرائقِهم، قد وَسَمتُه بـ: «المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لأحاديثِ الصَّحيحين - دراسة نقديَّة». رأيتُ أن أنقُدَ في طيَّاته ما يَزعُمه بعضُ أهلِ عصرنِا مِن تَوغُّلِ الكذبِ في هذين الثَّقَلَيْن، عَصَبيَّةً لهما لا تُخِلُّ بدينٍ ولا مُروءةٍ، وحَميَّةً لصاحِبيهما لا تُعَدُّ -بحمدِ الله- مِن حَميَّةِ الجاهليَّة.

стр. 21

فما عَليَّ مِن حَرجٍ في هذا المبدأِ أنْ استصحبه في ثنايا البحث، فإنَّ «الخُلوَّ مِن المُسلَّماتِ في أيِّ مَجالٍ أمرٌ مُتعذِّر» (١)، و «كلُّ العُلومِ لا بُدَّ للسَّالكِ فيها ابتداءً مِن مُصادراتٍ يأخذها مُسَلَّمةً، إلى أنْ تَتبَرْهنَ فيما بعدُ» (٢). وبِهذا الَّذي تَقدَّم جميعُه، أستطيع أن أُجلِيَّ أَهمِّيةَ الموضوعِ المَطروقِ في هذا البحث في الأمورِ التَّالية: الأول: أنَّ في دراسةِ هذا الموضوعِ إعلاءً للسُّنَّةِ، وإحْلالًا للتَّعزيرِ لها والتَّعظيمِ مكانَ الرَّدِّ لها والتَّحطيم، ودَفْعًا في صدورِ الَّذين يَتناولون سُنَّة المُصطفى ﷺ ومُصنَّفاتِها بِنَفَسٍ مَشُوبٍ بمَرضِ التَّجهيلِ والتَّعطيلِ. فكان هذا البحث تحقيقًا لهذه النُّصرةِ، وحِياطةً لمَعاقِل الاعتقادِ ودلائل الشَّريعةِ مِن أنْ تُكَدَّر بما هو في حقيقتِه أَجنبيٌّ عنها، محبَّةً منِّي في مُعايشةِ السُّنةِ والتَّفيُّؤِ بظِلِّها الوارِف، والتَّشرُّفِ بالذَّودِ عنها، وسَوْءِ مَن أرادَ حدِيثَها بسُوءٍ، على قولِ الحُميديِّ -شيخِ البخاريِّ-: «والله لأَنْ أغزُوَ هؤلاء الَّذين يَردُّون حديثَ رسولِ الله ﷺ ، أحبُّ إليَّ مِن أنْ أغزُوَ عِدَّتَهم مِن الكُفَّار!» (٣). وفي هذا البحثِ مِن السَّابغاتِ الرَّادِعاتِ عن حِمى السُّنة، ما أرجو أن أبلُغَ به نزرًا يسيرًا من هِمَّةِ الحُمَيديِّ (ت ٢١٩ هـ)، يقينًا منِّي بـ «أنَّ بيانَ العِلمِ والدِّينِ عند الاشتباهِ والالتباسِ على النَّاسِ، أفضلُ ما عُبِدَ الله به» (٤). الثاني: دَفْعُ عجَلةِ الرُّقيِّ الحضاريِّ للأُمَّةِ عامَّة؛ فإنَّه مَتى اطمأنَّت القلوبُ بسَلامةِ ما انعقَدَت عليه، انبعَثَتْ الجوارحُ إلى إِعمارِ الأَرضِ على وِفقِ ما يُرضِي الله تعالى؛ ذلك أنَّه «متى زاغَت العقائدُ، كانت أَعمالُ صاحبِها بمَنزلةِ مَن يَرْمي عن قَوسٍ مُعوَجَّةٍ، أو يَرمي برُمحٍ غيرِ مُستقيم» (٥).

стр. 22

وإذا كان في الأنابيبِ خُلفٌ *** وَقَعَ الطَّيشُ في صُدورِ الصِّعادِ الثالث: أَنَّ فيه تجليةً للحقِّ، وإِمعانًا في تحقيقِ إحدى كُليَّاتِ الاعتقادِ الَّتي لَهَج أهلُ السُّنة بتقريرِها: مِنْ أنَّ الرُّسل قد تأتي بِمحاراتِ العقول لا بمُحالاتِها، وتوظيفًا للأُصولِ الرَّاسخةِ المُحْكَمةِ الَّتي قَرَّرها أئمَّةُ السَّلَف الصَّالحين ﵏، وذلك بتخريجِ آحادِ وأعيانِ النُّصوصِ المُدَعَّى مُعارضُتها للضَّرورة العقليَّةِ أو العِلميَّة أو التَّاريخيَّة، على تلك القواعدِ والأُصول، وذلك مِن الأَهميَّة بمَكان! إذْ القواعدُ لا تُتَصَوَّرُ إلَّا في الأَذهانِ، وإِعمالُها على آحادِ النُّصوص هو المَقصود. الرابع: بيانُ أنَّ حَظَّ أَهلِ السُّنة مِن مَوارِدِ العقولِ أَتَمُّ الحظِّ وأَعلاه، وأَنَّ مَن خَالَفَهم إِنَّما يرتكزُ على جَهالاتٍ يَظُنُّها مَعقولاتٍ، وشُبهات يَحسِبُها حقائقَ جليَّاتٍ، فدعوى مُعارضة الضَّرورة العقليَّةِ للدَّلائل النَّقلية أَشْبَهُ بالظَّرْف الخالي، كوَميضِ برْقٍ يخطِفُ أَبصارَ مَن أَراد اللهُ فِتنتَه؛ حتَّى إذا قَرَّت الأُمورُ قرارَها، وعَطفتِ الفروعُ على أُصولِها؛ أَلفَيْتَها مُطَّرَحةً مع نظائِرها مِن أَصنافِ الباطل؛ لنتيقَّن أنَّ كلَّ دَعيٍّ في هذا الدِّين مُفتضَح، والله لا يأتَمِن المُفلِسين على وَحْيِه. الخامس: المُساهمة في حلِّ مشاكِلنا الفكريَّة الواقعيَّة، لا مشاكل افتراضيَّةً بعيدٌ زمانُها أو حصولها؛ فَوَا فَرَحي حين أرى «حُجَّةً تتبختَرُ اتِّضاحا، وشُبهةً تَتَضاءلُ افتِضاحًا» (١)؛ على أنِّي لا أدَّعي تقصُّدي فيه لرؤوسِ أهلِ الانحرافِ المعاصرين أصالةً، بقدرِ ما أحنو إلى تحصينِ أهلِ السُّنةِ أنفسِهم، واستتابةِ ذيولِ الباطلِ الوالِغة في الوَحيِ بجَهالةٍ وتقليدٍ، ونفضِ غُبارِ الشَّكِ والتَّردُّد عن بَصائرِ الحيارَى مِن شبابِ المُسلمين. السادس: أنَّ تَعلُّم الأفكارِ الدَّخيلة في الدِّين، والأصول الهدَّامة له، مع علمٍ يُحصِّن مِن عَدواها: واجبٌ لحمايةِ العامَّة، فإنَّ أكثرَ النَّاس حصانةً في دينِه

стр. 23

وفكرِه، مَن عَرف فِكرَ المُخالفين كما يعرفُ فِكرَ المُآلِفين، كي لا تشتبِه عليه السُّبُل. فكذا كان الأمر معي! فإنَّ هذا البحثَ -بفضل الله- ممَّا قد زادَني الله به هُدًى وإيمانًا بصِحَّةِ أصولِ أهلِ السُّنةِ، إذ «أنَّ فسادَ المُعارِضِ مِمَّا يُؤيِّد معرفةَ الحقِّ ويُقوِّيه، وكلُّ مَن كان أعرفَ بفسادِ الباطلِ، كان أعرفَ بصِحَّةِ الحقِّ» (١). السابع: التَّحذيرُ مِن أنَّ وقوعَ الطَّعنِ فيما هو في أَعلى مَراتبِ الصِّحةِ مِن الأخبارِ النَّبوية، مُمثَّلًا ذلك في «الصَّحِيحَين»، مُؤْذِنٌ بخَطَرٍ عظيمٍ على مَعاقِد الدِّين وأُصولِه، ودليلٌ على شِدَّةِ انحرافِ الخائِضين فيهما، وعدمِ مُبالاتهم بما هو في مَنأى عن الطُّعونِ عند علماءِ الأمَّة. الثامن: وجودُ مَن يبعثُ الحياةَ في رُفاتِ هذه الوَساوِس على «الصَّحيحين» في عَقدِنا هذا؛ باتِّخاذِ قنواتٍ شَتَّى، ووسائلَ عديدةٍ؛ مِمَّن يَتربَّعون على كراسي التَّدريسِ في الجامعات، أو يتَصدَّرون برامجَ الإرشادِ في القَنوات بخاصَّة، ومِن أشدِّ ذلك كيْدًا: تَوافُر نَفَرٍ مِن الطَّاعنين على مَشَاريعَ تُبذَل فيها أَعمارُهم، وتُقضَى فيها أنفاسُهم، وتُحقَرُ فيها مَلذَّاتُ الدُّنيا في سبيلِ تفكيكِ الدِّين وهَدمِه. الآلَم مِن ذلك: اتخاذُ الجامعاتِ مَسَاجدَ ضرارٍ لتفريغِ هذا الفِكر الماديِّ، مُتمثلًا ذلك بسِلسلةٍ مِن الأَطاريحِ الجامعيَّة الَّتي يُشرِف عليها أولئك المُستغرِبون، مُتناولةً السُّنةَ وعلومَها بأَقلامٍ حِدادٍ، حتَّى أضْحَت نَهْبًا لهذا الفريقِ المَسلوبِ، الخائضِ بهَوًى جامحٍ، وشَكٍّ مُغْرِقٍ. ومع أنِّي قد ذكرتُ أنَّ كثيرًا مِن مُعارضاتِ المُعاصرين مسوخٌ عن شبهاتِ الأقدمين، لكنَّها تتجدَّد في هذه السَّنوات الخدَّاعات بتنوُّع مواردها في شتَّى الصُّور! حيث استدعى أصحابُ الغارة على السُّنة علومًا أخرى، كعلوم التَّاريخِ والطَّبيعة والطِّب والفَلَك، وسائرِ العلومِ الحديثة؛ فكان واجبًا على المُتِّبع المُنافح عن دينِه تجديد النَّظر في شُبهاتهم، لتجديد الرَّد عليها وبيانِ زيْفِها.

стр. 24

التاسع: أنَّ استعانةَ المُعترضين على السُّنَن بهذه العلومِ الحديثة، استدعى منِّي نَظرًا آخرَ يَنضافُ إلى ما سَبَق مِن أَنظارِ العلماءِ السَّالِفين، وتسلُّحًا بمُعطياتِ العلوم الإنسانيَّة والتَّجريبيَّة المختلفةِ، وفي هذا توسيعٌ لمَداركي المَعرفِيَّة الحديثة، بما يجعلُني مُواكبًا لعصري، فاهمًا لتَحدِّياتِه، حَلَّالًا لمُشكلاتِه. فضلًا عن كونِ هذه المُعارضاتِ لأحاديث «الصَّحيحين» لا تتعلَّق بمَوضوعٍ محدودٍ بعَينِه، فرِماحُ شُبهاتِها مُسلطة على أحاديثِ التَّفسير، والعقيدة، والفقه، وغيرها مِن علوم الشَّريعة، مِمَّا تَطَّلب مِنِّي فهمًا جيدًا لهذه العلوم، وإلمامًا مَقبولًا بمُصَنَّافتِها، مَطبوعِها ومَخطوطِها. فكان هذا النَّجيز -وإن بَدا للوهلةِ الأولى مُتخصِّصًا في الحديثِ وعلومِه- قد عالجتُ فيه لزامًا مِن علومِ الشَّريعةِ الأخرى وأصولِ فقهِها ولُغتِها، والعلومِ المنطقيَّة والتَّجريبيَّة، ما أمكنني به رَدّ الإشكالاتِ عن دَلائلِها. وهذا مَكسبٌ لي أيّ مَكسب! فلقد حملني مِن مَضايِق التَّخصُّصاتِ الجُزئيَّة إلى فسيح المَعارِف الشُّموليَّة؛ ولا ريبَ «أنَّ الانتقال من فنٍّ إلى فنٍّ أقدر على البحث وأسلطُ، والانتقال من نوعٍ إلى نوعٍ أنشطُ للمُطالعة وأبسط، ولا يُصلح النَّفسَ إذا كانت مُدبرةً إلَّا التَّنقُّل من حالٍ إلى حالٍ» (١). العاشر: ليس هُناك -بحسب اطِّلاعي- مَن قامَ بمُعالجةِ المُعارَضاتِ الفكريَّةِ المُدَّعَاة على أحاديثِ «الصَّحيحين» على جهةِ الخصوصِ، في دراسةٍ جامعةٍ مُتقنةٍ، تتَّسِم بالإيعابِ إلى حَدٍّ ما؛ فكلامُ أَهلِ العلمِ في هذا البابِ الخاصِّ بالكِتابينِ نُتَفٌ مُتفرِّقةٌ في مَنَاجِمِ زُبُرِهم، وأُمَّاتِ أَسفارِهم. ومع تحقُّقي بما قرَّره الجُوينيُّ (ت ٤٧٨ هـ) من أنَّ «على كلِّ مَن تَتَقاضاه قَريحتُه تأليفًا، وجمعًا، وتَرْصيفًا، أنْ يجعلَ مَضمونَ كتابِه أمرًا لا يُلْفى في مَجموعٍ، وغَرَضًا لا يُصادَف في تَصنيفٍ» (٢).

стр. 25

إلَّا أنِّي بعد أن سَجَّلتُ عنوانَ بحثي أطروحةً للدُّكتوراه، وشَرَعتُ في تَلمُّسِ مَراجِعِه وتَتبُّعِ مُتعلِّقاته، علِمتُ ببَحثٍ للدُّكتوراه نوقِشَ قريبًا من ذلك سنةَ ١٤٣٣ هـ ٢٠١٣ م بجامعةِ الملك سعود بالرِّياض، بعنوان: «المَطاعن المُعاصرة في متون الصَّحيحين»؛ وهذا عنوان كان كفيلًا أن يُسيلَ لُعابي حينَ قرأتُه! إذْ له عُلقةٌ شديدةٌ ببحثي بل يكاد يُماثله. فكان أن تَجشَّمتُ وسائلَ الحصول عليه، مُتلهِّفًا إلى النَّظر في مَكنوناتِه، حتَّى تَكرَّم عليَّ أحدُ مُدرِّسي هذه الجامعةِ المُوقَّرةِ بإرسالِه إليَّ مَشكورًا؛ فما أنْ وَقَفتُ عليه وتأمَّلتُ أوراقَه، تَحقَّقتُ قولَ العَربيِّ القديم: «تَسمَعَ بالمُعَيْديِّ خَيرٌ مِن أنْ تَراه»! ذلك أنَّ الضَّعفَ في الكتابِ ظاهرٌ للنَّاظر مِن حيث مَتانَتُه العِلميَّة، وتماسكه المَنهجيُّ، وصِياغتُه اللُّغويَّة. فضلًا عن ضَعفِه في دَفعِ كثيرٍ مِن المُعارَضات نفسِها الَّتي تخيَّرَها للرَّد؛ يُقسِّم فيها جوابها على فقراتٍ قصيرةٍ، لا تجد أحيانًا بينها ذاك التَّرابط المَنطقيَّ الكافي لإظهارِها كُتلةً مُتماسكةً واحدة. لكن البحث حَقًّا ما قام به بَلَديُّه (عيسى النُّعيمي) في رسالتِه الماجستير، المُناقشةِ بجامعةِ أمِّ القُرى بمكَّة سنة ١٤٣٠ هـ ٢٠٠٩ م، بعنوان: «دفع دعوى المُعارض العقليِّ عن الأحاديث المُتعلِّقة بمسائل الاعتقاد، دراسة لِما في الصَّحيحين»، فلقد راقَني جهدُه جدًّا، حيث جمَّله بجودة السَّبك، وحُسن العرض، ومادة علميَّةٍ دسِمة، استفدتُ منه في مواضع كثيرةٍ؛ قبل أن يطبع من قريب سنة ٢٠١٣ م. إلَّا أنَّ راقِمَه قد حَصَرَه في أحاديثِ خاصَّة ببعض أُصول الإيمان وأَركانه، واستثنى أَحاديثِ الرُّبوبيَّة والأسماء والصِّفات؛ وكذا لم يُعرِّج على المَسائل الحديثيَّة الَّتي تنبني عليها أصول تلك المُعارَضات. ثمَّ وقفتُ على مجموعةٍ مِن رسائل جامعيَّة قُدِّمت في الجامعة الأردنيَّة بعَمَّان، نوقِشت في هذه السَّنوات القريبة في شكلِ رسائل ماجستير، قُسِّمت عليها

стр. 26

مَواضيع الطُّعونِ على أحاديث «الصَّحيحين»؛ منهم مَن أخذَ -مثلًا- الأحاديث المُتعلِّقة بالجِّن، ومَن أخذَ المُتعلِّقة بالمرأة، ومن أخذَ المُتعلِّقة بأسباب النُّزول (١)، ومَن أخذ المُتعلِّقة بالعلوم الطَّبيعيَّة، وهكذا. فكانت -في مُجملِها- جيَّدة من حيث المادَّة العلميَّة، مُتوسِّطة المُستوى مِن حيث التَّحقيق والتَّحرير تكتنفُها بعض العيوب الَّتي ذكرتها على البحثِ الأوَّل آنفًا. ثمَّ صَدر جمعٌ مطبوعٌ لبحوث «مؤتمر الانتصار للصَّحيحين» الَّذي أقيم بعاصمة الأردن سنة ٢٠١٠ م جزاهم الله خيرًا، خليطٌ بين الجيِّد والمُتوسِّط، لم يستوعب كثيرًا من مفاصل هذا الموضوع، بحكم طبيعة المؤتمرات وضِيق وقتِ عُروضِها. فكانت الحاجةُ باقيةً إلى دراسةٍ جامعةٍ تُحقِّق قدْرًا مِن دراسة أهمِّ ما يكتنِف موضوعَ متونِ «الصَّحيحين» مِن مُشكلاتٍ مُتنوِّعاتٍ مُعاصرات، حتَّى تُدحَضَ أتَمَّ دحضٍ وأنسبَه وأشمَله، لتكون مَرجعًا يستجيرُ به القارئ من رمضاءِ الشُّبهات على السُّنة. وبعدُ: فلم أزل على بالٍ مُنذ خمَّرتُ فكرةَ البحثِ في ذِهني قبل أن أُقدِّمه مشروعًا واضحَ المَعالِم لجامِعَتي «ابن طُفيل» بالقُنيطرة -نفع الله بها-: أنَّ الزَّلَل إذا وقَع في ما تَقصَّدتُه مِن دفعِ هذه المُعارضاتِ المُناكِفةِ لـ «لصَّحيحين»، تكون فتنتُه على النُّفوسِ المَريضةِ أو الجاهلةِ، أشَدَّ مِمَّا لو تركتُ تجشُّمَ ذلك بالمرَّة، فرَكنتُ إلى السَّلامةِ. ذلك أنَّ الإضرارَ بالحقِّ لا ينحصر في نَشرِ الباطلِ فحسب، ولكنْ بعَرضِ الحقِّ في صورةٍ ضعيفةٍ ناقصةٍ في أدلَّتِها، هزيلةٍ في أسلوبِها، وما أكثرَ أن تكون

стр. 27

هذه الرَّزيَّة أشدَّ فتنةً وأكثرَ ضَررًا على أهلِ الحقِّ، وأعْوَنَ للمُبطلين على التَّمسُّكِ بباطِلهم! فلطالَما رأيتُ مِن أهلِ السُّنةِ مَن يتَعنَّى هذا النَّوعَ مِن الجِهادِ العِلميِّ، ثمَّ تراه يُمَكِّن لأهلِ الباطلِ ويُحرِّضُ على التَّنفيرِ مِن أهلِ الحقِّ، مِن حيث أرادَ الحقَّ ونُصرةَ أهلِه! وهذا حالُ كلِّ مَن يدخُل غِمارَ مَعركةٍ لا يُحسِنُ نِزالَها، يَصِير فيها سيفُه نكالًا على المُسلمين! وهذه من البصائر الَّتي أُلهِمها الغزاليُّ (ت ٥٠٥ هـ) في قوله: «ضرر الشَّرع مِمَّن ينصره لا بطريقه، أكثر من ضرره مِمَّن يطعن فيه بطريقه!» (١). فكان لا بُدَّ للمُحامِي عن السُّنَنِ، الذَّابِ عن حِماها، أن يستحضرَ كونَه كالمجاهدِ في سبيلِ الله تعالى؛ فيُعِدَّ للجِهادِ ما اسْتطاعَ مِن الآلَاتِ، وَالْقُوَّة، والخُطَطِ المُحكمَةِ كي ينتصِر، امتثالًا لأمر ربِّه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. فاللهَ أسألُ أن يُوفِّقني في بحثِي هذا لحُسْنِ النِّزالِ، ويَعقُب لي فيه حُسنَ المآل، إنَّه جوادٌ كريمٌ مُتَعالٍ.

стр. 28

خُطَّة البحث قد انطَوَت هذه الرِّسالةُ على تمهيدٍ، في تَضاعيفِه ثلاثةُ مَباحث، يتلوه ثلاثةُ أَبوابٍ، مَدارُ الأوَّلَيْن حول الجانبِ التَّأصيلي للبحث، حيث تطرَّقتُ إلى دراسة أصول الفِرق المُعاصرةِ في اعتراضِهم على أحاديث «الصَّحيحين». فكان بدء توجُّهي إلى نقدِ كُليَّاتهم وبيان ما فيها مِن فسادٍ، ليبطُل معها تبعًا لها ما ابتُنِيَ عليها مِن جُزئيَّاتٍ تتعلَّق بأفراد الأحاديثِ المَردودة. وأمَّا الباب الثَّالث: فمخصوصٌ للجانبِ التَّطبيقيِ، درستُ فيه اعتراضاتِهم الجُزئيَّة على آحادِ الأخبار في «الصَّحيحين»، تكملةً للجانب التَّأصيلي، وبرهنةً على صِحَّة ما كنتُ ضمَّنته مِن أحكام. وفيما يلي بيان خُطَّة البحثِ -على وجهِ الإِجمال-: * التَّمهيد: ويندرج تحته ما يلي: * المبحث الأوَّل: مفهوم مُفردات العنوان المُحدِّدَة لنطاقاتِ البحث. * المبحث الثَّاني: إشكاليَّة الاستشكالِ المُعاصِر للأحاديثِ النَّبويَّة. * المبحث الثَّالث: الأصل العقلي الجامعِ لمُخالفي أهلِ السُّنةِ في رَدِّهم للدَّلائلِ النَّقليَّة. * الباب الأوَّل: الفِرَق المُعاصِرة الطَّاعِنة في أحاديثِ «الصَّحيحين»، ونقدُ أصولِها وأبرزِ كِتاباتِها في ذلك. * الفصل الأوَّل: الشيعة الإماميَّة، ومَوقِفهم مِن «الصَّحيحين». * الفصل الثَّاني: القرآنيُّون مُنكِرو السُّنة، ومَوقفهم مِن «الصَّحيحين».

стр. 29

* الفصل الثَّالث: العَلمانيُّون، ومَوقفهم من «الصَّحيحين». * الفصل الرَّابع: العقلانيُّون الإسلاميُّون، ومَوقفهم مِن «الصَّحيحين». * الباب الثَّاني: المُسوِّغات العلمية المُتوهَّمة عند المُعاصرين للطَّعنِ في أحاديث «الصَّحيحين». * الفصل الأوَّل: دعواهم الخَلل التَّوثيقي في تَصنيفِ «الصَّحيحين» وتَناقُلِهما. * الفصل الثَّاني: اعتقادهم بظنيَّة آحاد «الصَّحيحين» مطلقًا. * الفصل الثَّالث: توهُّمهم إغفالَ الشَّيخين لنقدِ معاني المتونِ. * الفصل الرَّابع: الاحتجاج بسَبْقِ نقد العلماءِ «للصَّحيحين» قديمًا وحديثًا. * الباب الثَّالث: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لأحاديث «الصَّحيحين». وفيه ثمانية فصول: * الفصل الأوَّل: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالإلهيَّات. * الفصل الثَّاني: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالتَّفسير. * الفصل الثَّالث: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالغَيبيَّات. * الفصل الرَّابع: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالنَّبي ﷺ . * الفصل الخامس: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بباقي الأنبياء. * الفصل السَّادس: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالطَّبيعيَّات.

стр. 30

* الفصل السَّابع: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالمرأة. * الفصل الثَّامن: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُدَّعاة أنَّها مِن الإسرائيليَّات. ثمَّ الخاتمة بنتائجها وتوصياتها. وبعدُ: فإنِّي -أنا العبدُ الضَّعيف- لأرجو في قَرارةِ نفسي أنِّي قد قَصدتُ وجهَ الله تعالى في هذا البحثِ بالذَبِّ عن السُّنَنِ النَّبوية وتثبيت الأصولِ الحديثيَّة. وليس يَضُرُّني بعدُ وقوفُ أهلِ المَعرفةِ على ما لي فيه مِنَ التَّقصير، ومَعرفِتهم أنَّ باعيَ في هذا الميدانِ قصيرٌ، لاعترافي أنِّي لستُ مِنْ نُقَّادِ هذا الشَّان، ولا مِنْ فُرْسَان هذا الميدان؛ غير أنِّي لم أجِد في الأسفارِ ما يجمعُ شتاتَ الرَّدِ على كثيرٍ مِمَّا أحدثه أهل زمانِنا مِن مُعارضاتٍ لأحاديث «الصَّحيحين»، فتَصدَّيتُ لذلك مِن غيرِ إحسانٍ ولا إعجابٍ، ومَنْ عُدمَ الماءَ تَيمَّم التُّراب! عالمًا بأنِّي لو كنتُ باريَ قوْسِهَا ونِبالها، وعَنترةَ فوارِسها ونِزالها، فلن يخلوَ كَلامي مِنَ الخطأِ عند الانتقادِ، ولن يَصفو جوابي مِنَ الغَلطِ عند النُّقاد؛ «فالكلامُ الَّذي لا يأتيه الباطل مِنْ بين يَدَيْه ولا مِنْ خَلْفِهِ، هو كلامُ الله في كتابِه العزيزِ الكريم، وكلامُ مَنْ شَهِد بعِصمَتِه الذِّكرُ الحكيم، وكُلُّ كلامٍ بعد ذلك، فله خَطأٌ وصَواب، وقِشْرٌ ولُباب» (١). ولو أنَّ طَلبةَ التَّعليمِ العالي مِن أمثالِي تَركوا الذَّبَّ عن الحقِّ استعجالًا في طَلبِ الرُّتَب الجامعيَّة وشَواهدِها، واستثقالًا للذَّبِ عن أصولِ المِلَّة وقواعِدها، لكانوا قد أضاعُوا كثيرًا، وطَلَبوا -والله- حقيرًا! لكنْ حَسبيَ الله، وأنِّي مَحفوفٌ بثُلَّة عالِمةٍ مُبارَكة مِن علماء المغربِ والمشرق -حَرسَهم الله مِن كلِّ سوء-

стр. 31

يُصَوِّبون فيه خَطَلي، ويُقوِّمون فيه زَلَلي، فلا عدِمناهم -حفظهم المَولى، وبارك فيهم-. وكنتُ مُتردِّدًا أوَّل أمري في كيفيَّةِ نقدِ تلك المُعارضاتِ المُترامِيةِ على «الصَّحيحين» بين الإيجازِ فيها والإطناب، إذْ كان في كلٍّ منهما مَحامِد، ولكلٍّ فيها مَقاصد؛ ففي الإيجازِ تأليفُ النُّفوس، وفي الإطنابِ توسيعُ دائرةِ الفوائد! لكن صَدَّني عن التَّوسيعِ والتَّكثيرِ، خشيةُ التَّنفير والتَّأخير. فأمَّا التَّنفير: فلأنَّه يُمِلُّ الكاتبَ والمَكتوبَ له، والمُتطلِّع إلى رؤيةِ البحث، والوقوفِ عليه، «مع أنَّ القليلَ يكفي المُنصِفَ، والكثيرَ لا يكفي المُتعَسِّف» (١). وأمَّا التَّأخير: فلأن التَّوسيعَ يحتاجُ إلى تمهيلِ عَرائِس الأفكارِ، حتَّى يستكملَ البحثُ الزِّينة، ومُطالعةِ نفائسِ الأسْفارِ الحافلةِ بالأنظارِ الرَّصِينَةِ والنُّقولاتِ المَتينة؛ وقد شارفَتْ مُدَّة تحضيري لهذا البحث على الانتهاء! فمِنْ أين يَتأتَّى جمعُ كلِّ ذلك أو يتهيَّأ لي، وأنا بريفِ المغرب؟! فَتَمَصَّصْتُ مِنْ بَلَلِ أفكاري برَمَق، وتوجَّهتُ إلى معارض الكُتب أقتني ما لزمني مِن مَراجع تَعِزُّ في بَلدي ممَّا لم أجِده مُصَوَّرًا على الشَّبكة، إذْ كانَ كثيرٌ من مَطبوعات الطُّعون في الصَّحيحين نادرَ الوجودِ عندنا في المغرب -ولله الحمد-! حتَّى استقرأت منها الشَّيءَ الكثير على مكرهةٍ! وإنِّي لأحبُّ أن أعلِمَ القارئ الكريم: إن كان قد استكثر صفحات هذا الكتاب؛ فإنَّه بحثٌ أكاديميٌّ مُتخَصِّص، «أردتُّ جهدَ طاقتي أنْ يكونَ تفصِيليًّا؛ قد يَعيبُ هذا عَليَّ مَن يُخالفني في ذلك، ويُوافِقُني عليه آخرون، وعُذرِي في هذا التَّفصيل: أنَّني أكتبُ للمُتَتبِّعين والمُتخَصِّصين، وأنَّني أريدُ تمهيدَ الجادَّةِ لِمن يأتي بعدي، فيرغبُ في التَّأليف في هذا المَوضوع» (٢)، حتَّى يكونَ كتابي له شِبهَ

стр. 32

موسوعةٍ! يفزعُ إليها كلُّ مَن أزعجته ضوضاءُ الشُّبهات على حديثٍ آمن به في «الصَّحيحين»، ليَرى فيه تَتْبيرَها لَبِنةً لَبِنةً. فلا ينبغي لطالبِ التَّنقيح والتَّحقيق، ومُبتغي الإتقان والتَّدقيق، أن يلتفتَ إلى سآمة ذَوي البطالة، وأصحاب الكسل والمَلالة، بل يفرح بما يجده في هذا الكتابٍ من العلم مَبسوطًا، وما يصادفه مِن حلِّ المُشكلات واضحًا مضبوطًا، ويدعُو لكاتبه بالخيرِ. فلقد عشتُ معه في جنَّة مشاعر لا أحسبُ غيري عاشَها من أترابي، أعدُّها من أفضل سنين عمري؛ مع ما كنت أعانيه وقتها من قلَّة ذات اليد، وصعوبةٍ في رقمه على حاسبي العَيِيِّ المُتعطِّل مرارًا! وفتور كان ينتابُني قليلًا أثناء ذلك، لا يلبث أن ينقشع عن نفسي بمجرَّد نظرة منِّي إلى ورقة ألصقتها قصدًا على باب مكتبتي! عليها كلمةُ حبيبي البخاريِّ لتلميذه محمَّد بن أبي حاتم الورَّاق حين أملى عليه يومًا حديثًا كثيرًا، فخافَ مَلاله، فقال له: «طِب نفسًا، فإنَّ أهل الملاهي في مَلاهيهم، وأهلَ الصِّناعات في صناعاتهم، والتُّجار في تجاراتهم، وأنتَ مع النَّبي ﷺ وأصحابه!» (١). فأرجو أنِّي قد سلكتُ في هذا البحث من مسَالكَ الجَدليِّينَ فيما يُلْزِمُ الخصمَ على أصولِه؛ فكَّكتُ فيه معارضاته للأحاديثِ وقسَّمتها في أفكارٍ مُنفردةٍ مُستقلَّة، تستبطنُ كلُّ فكرةٍ منها أصلًا عقديًّا أو فكريًّا تَستمدُّ منه قُوَّتَها، ثمَّ أجبتُ على كلٍّ منها على سبيلِ السَّبرِ والتَّقسيمِ، لم أكد أدعُ شُبهةً تُثار على الحديثِ أُراها مُؤثِّرةً، إلَّا أوردتها ومعها ما يَكشِفُها. وكأنِّي بهذه الطَّريقةِ أعرِضُ من خلالها على القارئِ خارطةً ذهنيَّةً لتفريعاتِ المُعارضةِ، وطُرقِ الجوابِ عليها، حتَّى تكون الصُّورة في ذهنِه واضحةً مُتكامِلةً، فيسهُل عليه الاستيعابُ لأصولِ الشُّبهةِ وطَرائقِ كَشْفِها.

стр. 33

وكذا اعتمدتُ فيه على المنهجِ الاستقرائيِّ التَّحليليِّ، محاولةً للكشف عن أهمِّ أسباب انحرافِ الفِرق الفكريَّة المُعاصرة عن السُّنة، وذلك بتتبُّعِ إنتاجاتِهم العلميَّة، واستخلاصِ أصولهم الَّتي تَوسلُّوا بها إلى الطَّعنِ في صِحاحِ الأخبار النَّبويَّة، وحصرِ أُمَّاتِ شُبهاتهم المُثارة على «الصَّحيحين» بخاصَّة، مُعزِّزًا كلَّ هذا بنماذج وتطبيقاتٍ واقعيَّةٍ مُتعدِّدة مِن كتابات المُعاصرين أنفسِهم، فضلًا عن نَتاجِهم الإعلاميِّ، بعضُها جديدٌ لم يلتفت إليه الدَّارسون بعدُ؛ والفضل لله وحده. وبعد تجاوزي لجلسة مناقشة هذا البحث، حاولت أثناء مراجعتي له الانفكاكَ عن الأسلوب الرِّياضيِّ المباشر في صياغته قدرَ الإمكان، وإطلاق عنان قلمي للتَّعبير عن مكنونات صدري من عواطف استثقلُ كتمها بدعوى (الأكاديميِّة)! فلا يقع القارئ في المَلل مِن جفاء قلمي وصرامته؛ فكما عرضتُ على القُرَّاء عقلي في ثناياه لينقُدوه، فهذه روحي معه قد بثثتُها في طيَّاته ليحيا طويلًا حسًّا ووجدانًا. والله المُوفِّق للقَبول لا إله إلَّا هو.

стр. 34

نَفْحاتُ شُكرٍ فإنَّ هذا النَّجيزَ الَّذي تراه بين يَديك، ما كانت قُطوفُه لتدنوَ لولا تَواترِ رَحماتِه ﷻ ، وتَوالي سَوابغِ مِنَنِه وأَفضالِه؛ فاللَّهم لك الحمدُ ربِّي أوَّلًا وآخِرًا، ولك الحَمدُ ربِّي ظاهرًا وباطنًا، ولك الحَمدُ حتَّى ترضى، ولك الحَمْدُ إذا رَضيتَ، ولك الحَمدُ بعد الرِّضى. وإِنَّ مِن أَحقِّ الخلقِ بالشُّكرِ بعد شُكرِ الله تعالى، مَنْ قَرَن حقَّه بحقِّهما: والدَيَّ الكريمين، وبخاصَّة والدتي الكريمة جزاها الله عنِّي خير الجزاء. كما أُهدي أعبقَ باقاتِ الوَردِ العطوفِ لزَوْجتي (سميرة)؛ فلكَم صَبَرت على تقصيري في حَقِّها، وآثرَتْ إتمامَ هذه الرِّسالةِ على نَفسِها، فأسألُ البَرَّ الرَّحيم أَن يَجزيَهما خيرَ ما جَزَى مُحْسِنًا على إِحسانِه، وأن ترَى رِدْأَها لي بَركةً لها في نفسِها ودينِها وأولادِها؛ اللَّهم آمين. ثمَّ أَنظِمُ قلائدَ مِن الشُّكرِ والامتنانِ، لفضيلةِ أستاذي الدُّكتورِ (حسن العَلَميِّ) المُشرفِ على هذه الرِّسالةِ؛ فلَقد عَبَبتُ مِن بِحارِ فضلِه، واسترشدتُ بدَقيقِ رأيِه، واستهطلتُ سَحائبَ عِلْمِه، و «مَن يُرِدْ مَواطِرَ مِن غيِر السَّحائبِ يَظْلِمِ» (١)! فإِنِّي أَشكرُه أَوَّلًا: على ما نَهَج لي بعِلمِه السَّبيلَ، ومَهَّدَ بِحِكمتِه الحَزَن. وأَشكره ثانيًا: على تَفضُّلِه بالإشرافِ على هذه الرِّسالة ورِعايتِه لها، لأَقبضَ يدَ الشُّكرِ تفاديًا مِن تَزاحمِ العَجْزِ، وأَلوِيَ لسانَ الثَّناءِ، تحامِيًا لِخطَّةِ العِيِّ

стр. 35

والإعياء؛ وأَطوي ذلك، لأُترْجِمَ ما أُضمِرُه له إِلى دعواتٍ في ظهرِ الغَيبِ، بأنْ يُضاعِفَ الله له الأَجرَ والمَثوبة على ما يَبذُله لطُلَّابِه، وأنْ يُباركَ في عِلمِه وعَمَلِه وإيمانِه، وأَن يَعْمُرَ وقتَه بالطاعةِ والعافيةِ. كما أشكر كلَّ مَن أَعانَ برأيٍ أو نَظَرٍ صوابٍ، أو إعارةٍ لكتابٍ، جعلَه الله له ذُخرًا يومَ الحساب. وخِتامًا: فقد بَذلتُ في هذه الرِّسالة وَقْتِي، واستخلصتُها مِن وُكْدي، فليستْ هي مُبَرَّأةً مِن الزَّلَلِ والقُصور، فما عَمَلٌ بخالٍ مِن وَهْنٍ، ولا جهدٌ خالصٌ مِن وَهْيٍ، ولكنْ «أرجو أنْ لا يَطَّلِعَ ذَوُو النُّهى مِنِّي على تَعمُّدٍ لتَمويهٍ، ولا إيثارٍ لهَوى، ولا ظُلمٍ لخَصمٍ» (١). والمَسئول من النَّاظر في بحثي هذا إسبالُ ذيل السَّتر على ما خُطَّ فيه من مَقصوراتٍ في الخِيام، وصون مَقاصدها الحسنة عن مَلام بعض مفاهيم الكلام؛ ضارِعًا إلى مَولاي أَن يجعلَ هذا العمَلَ مُخلَّصًا مِن كَدَرِ التخْليطِ، مُرادًا به وجهَه، مُزْلِفًا إلى أَعالي جِنانِه، وأَن يغفرَ لي فيه الخطأَ والزَّللَ، إِنَّه خَيرُ مَأْمولٍ، وأكرم مَسئولٍ. ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٨]. وصلَّى الله وسلم على نَبِيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِه وأصحابه أجمعين. وكتبه محمد بن فريد زريوح يوم السبت ٢٩ من ذي الحجة ١٤٤٠ بمدينة النَّاظور شمال المغرب الأقصى dr.mohamed.zeriouh@gmail.com

стр. 36

تمهيد

стр. 37

المَبحث الأوَّل مفهوم مُفرَدات العنوان المُحدِّدَة لنطاقاتِ البحث أمَّا المعارضُ الفكريُّ: فمُركَّبٌ تقيِيديٌّ، يَتَحصَّل إدراكُه بإدراكِ مُفْرَدَيْه: فالمُعارِض: مُفَاعِل، أصْلُ مادَّتِه مِن (عَرَضَ)، وهذه المادَّة تدور في اللِّسان على عِدَّةِ مَعانٍ؛ ترجع -مع كثرتها- إلى أصلٍ واحدٍ؛ وهو: «العَرْض الَّذي يُخالف الطُّول» (١)؛ ومِن مَعانيها الَّتي لها عُلْقة بهذه المُقدِّمة: مَعْنيانِ، هما: المَنْعُ، والمُقَابَلةُ. فالأوَّل، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤]، أي: لا تجعلوا الحَلِفَ بالله مُعترضًا مانِعًا لكم أن تَبرُّوا، فالعُرْضَة هنا بمعنى: المُعترِض (٢). والمعنى الآخر، فمن قولهم: عارَضَ الشَّيءَ بالشِّيءِ مُعارَضةً، أي: قَابَلَه، وعارَضتُ كتابي بكتابِه؛ أي: قابلتُه (٣). ومِن هذين المَعْنَيين يَستمِدُ «المُعارِض» معناه الاصطلاحيَّ، والَّذي يُقصَدُ به: تَقابُل الدَّليلين على سَبيلِ المُمانعة والمُدَافَعَةِ (٤).

стр. 38

وأمَّا الفِكر: فأصل مادَّته يُفيد تَردُّدَ القلبِ في الشَّيء، فيُقال: تَفكَّرَ، إذا رَدَّدَ قلبَه مُعتَبِرًا (١)، أو: هو إعمالُ الخاطِر في الشَّيء (٢). وأمَّا في الاصطلاح: فعَرَّفه الجُرجانيُّ بأنَّه: «ترتيب أمورٍ مَعلومةٍ لتُؤدِّي إلى مَجهولٍ» (٣). وقال الأصفهانيُّ: «قوَّةٌ مُطرِقةٌ للعلمِ إلى المَعلومِ، والتَّفَكُّر: جَوَلَان تلك القُوَّة بحسبِ نَظَرِ العقلِ» (٤). وإن حاوَل بعض المُعاصرين تجديدَ التَّعريفِ له بما يُوائم حادثاتِ العصر، فلم يَعدُ جُهدُه أنْ مَطَّطَ تعريفَ المُتقدِّمين (٥)؛ ولا شكَّ أنَّ في ذاك التَّعريف القديم نوعَ تَعميمٍ لموضوعِ الفِكرِ وكيفيَّتِه، لا يُناسبُ استعمالاتِنا المُعاصرة لهذا المُصطلحِ، وفي بحثنا هذا بخاصَّة. فكان الأقرب عندي في تعريف الفِكر هنا أن يُقال: هو إعمالُ الذِّهن في مَعلوماتٍ مَخصوصةٍ، للوصولِ بها إلى نَظريَّاتٍ أو أحكامٍ كُليَّةٍ تَتَعلَّق بمُختلفِ مَناحي الحياة الإنسانيَّة. فظاهرٌ مِن هذا التَّعريف للفِكرِ: أنَّه مُستلزمٌ للتَّرابُطيَّةِ في مَنهجيَّتِه لا عَبثيًّا، وشُموليًّا في رُؤيتِه، لا مَحصورًا في جُزئياتٍ دقيقة؛ ويتركَّز استعمالي للتَّعريف في شَطْرِه الثَّاني على وجهِ الخصوص، أعني نفسَ النَّظريَّاتِ، والأفكار الكُليَّةِ، والتَّصوُّرات القِيمِيَّة التَّي تَصدُر مِن فِئةٍ ما، نحو أيِّ مَلْمَحٍ رَئيسٍ مِن مَلامِح الحياةِ الإنسانيَّةِ.

стр. 39

وبهذا يُمكِّنُني هذا المُصطلح بهذا الاعتبارِ أن أُدخِل في أصحابِ الفكرِ من كان مُنتسِبًّا منهم لطائفةٍ عَقديَّةٍ، أو مذهبٍ فقهيٍّ، أو تيَّارٍ فَلسفيٍّ ونحوه. فعلى هذا يتبيَّن مُرادي بـ «المُعارضات الفكريَّة»: أنَّها المُقابلة بين دَليلين على وجهِ المُمانعةِ، حاصلٌ بإعمالِ الذِّهنِ فيهما، واردٌ مِن فئةٍ تجمعها مَنظومةُ أفكارٍ مُشتَرَكة، سواء ابتَنت أفكارَها هذه على أصولِ دينٍ أوْ لا؛ وذلك لتشملَ المُعارضاتِ الصَّادرةَ عن التَّيارات الَّتي تنتسِبُ في أصلِ وجودِها إلى الإسلام: كالعقلانيَّة الإصلاحيَّة، والشَّيعة الإماميَّة، والقرآنيَّة مُنكري السُّنة، والإباضيَّة، ونحوها؛ أو عمَّن كان أصلُ نشأتِها مِن خارجِه: كالعَلمانيَّة، والحَداثة التَّنويريَّة، ونحوها. وأمَّا تَقْيِيدي لهذه «المُعارضاتِ الفكريَّةِ» بوصفِ «المُعاصرِة»: فأصلُ هذه الكلمة مُشتقٌ مِن (العَصْرِ)، ولها عِدَّة مَعانٍ، ومُرادنا من ذلك ما كان بمعنى: الدَّهْر (١)، ومجيئها هنا على وزنِ مُفاعِلة، أخذًا مِن (التَّعاصُر): وهو التَّشارُك بالعَيْشِ في عصرٍ واحدٍ (٢). والَّذي أعنيه بالعَصْرِ في بحثي هذا: الحِقبة الزَّمنية الحديثَة الَّتي تمتَدُّ لقُرابةِ قرنٍ أو يَزيد بقليل، تبدأُ عندي مِن عَهْدِ انبعاثِ محمَّد عبدُه (ت ١٣٢٣ هـ) -إذ كان أوَّلَ مُفكِّرٍ شرعيٍّ وازِنٍ بَدَأت مَوجةُ الاستنكارِ لصِحاحِ السُّنة تَتَعالى بعده تِباعًا- إلى زمَن رَقَمي لهذا البحث. فعِنايَتي إذن ستنصبُّ على نَقْدِ المُعارضاتِ الفِكريَّةِ الصَّادِرةِ مِن كُتَّابِ هذه الحِقبةِ الزَّمنيَّةِ أصالةً؛ فإن رأيتني نقدتُ ما صَدَر عَمَّن قبلَهم، فإنَّما ذلك تَبَعًا وتكميلًا لِما هو أصيلُ البحث. أمَّا علَّة اختيارِي لمُعارضاتِ المُعاصرين دون مَن سبق: فلِأنَّ مُعارَضاتِ المُعاصِرين قد احتَوَت ضِمنًا شُبهات الأوَّلين، ثمَّ زادوا عليها مِن شُبهاتِهم

стр. 40

المُستَحْدَثَةِ ما لم يخطُر على بالِ الأقدمين، وعَرَضوها على النَّاسِ بأسْلوبٍ عَصْريٍّ حَديثٍ، بلغةٍ قَريبةٍ مِن أفهامِهم، «فربَّما كان المُتأخِّرُ بهذا أضْرَى بالشَّرِ مِن المُتقَدِّم! لتَمَكُّن داعيةِ الشَّر مِن نفسِه بالوَراثة والقُدوةِ جميعًا» (١). ولأجل أنَّ كلَّ عصرٍ له طائفةٌ مِن أهلِه يُنافحون فيه عن الحقِّ، ويَذودون عنه ما استحدثَه أقوامُهم مِن أباطيل، مِصداق قولِ مَولايَ ﷺ : «يحمِلُ هذا العِلمَ مِن كلِّ خَلَفٍ عُدولُه، يَنفونَ عنه تحريفَ الغالِين، وانتحالَ المُبطِلين، وتأويلَ الجاهِلين» (٢) أحببتُ أنْ أُحشَر في زُمرة عدولِ هذا الخَلَف الَّذي أنا فيه. هذا؛ ولم يكُن لي أن أسوق تلك المُعارضاتِ للمُعاصِرين على «الصَّحيحين» على وجهِ الاستيعابِ، فهذا أمرٌ شاقٌ جدًّا بعيد المَنال لكثرتها، وكثيرٌ من هذه الكثرةِ يَستكثِرُ العاقلُ مُجرَّدَ النَّظَرِ إلى آحادِها، لسَخافةِ من انطوت عليه من جهالاتٍ. وفي الإشارةِ إلى هذه المَنهجيَّة النَّافعةِ في الجَدليَّات، يقول ابن تيميَّة: « .. لو قال قائلٌ: هذه الأمورُ المَعلومة لا تَثبُت إلَّا بالجوابِ عمَّا يُعارِضها مِن الحُجَج السُّوفسطائيَّة (٣)، لم يَثبُت لأحدٍ علمٌ بشيءٍ مِن الأشياء! إذْ لا نهايةَ لمِا يقوم بنفوسِ بعضِ النَّاس مِن الحُجَج السُّوفسطائيَّة» (٤). فليس -إذن- مِن وُكدِي تَتبُّع جميعِ ما فَرَّخَتْهُ عقولُ هؤلاءِ المُعترِضين على السُّنَنِ، بل يكفينا بيانُ تساقُطِ أصولِهم الكُليَّة الَّتي تَفرَّعت عنها تلك المُعارَضات، ثمَّ التَّوجُّه إلى دفعِ أصولِ الاعتراضاتِ الجزئيَّة وأشهرِها وأكثرِها حُضورًا في
следующие страницы →