← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تمهيد

стр. 37

المَبحث الأوَّل مفهوم مُفرَدات العنوان المُحدِّدَة لنطاقاتِ البحث أمَّا المعارضُ الفكريُّ: فمُركَّبٌ تقيِيديٌّ، يَتَحصَّل إدراكُه بإدراكِ مُفْرَدَيْه: فالمُعارِض: مُفَاعِل، أصْلُ مادَّتِه مِن (عَرَضَ)، وهذه المادَّة تدور في اللِّسان على عِدَّةِ مَعانٍ؛ ترجع -مع كثرتها- إلى أصلٍ واحدٍ؛ وهو: «العَرْض الَّذي يُخالف الطُّول» (١)؛ ومِن مَعانيها الَّتي لها عُلْقة بهذه المُقدِّمة: مَعْنيانِ، هما: المَنْعُ، والمُقَابَلةُ. فالأوَّل، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤]، أي: لا تجعلوا الحَلِفَ بالله مُعترضًا مانِعًا لكم أن تَبرُّوا، فالعُرْضَة هنا بمعنى: المُعترِض (٢). والمعنى الآخر، فمن قولهم: عارَضَ الشَّيءَ بالشِّيءِ مُعارَضةً، أي: قَابَلَه، وعارَضتُ كتابي بكتابِه؛ أي: قابلتُه (٣). ومِن هذين المَعْنَيين يَستمِدُ «المُعارِض» معناه الاصطلاحيَّ، والَّذي يُقصَدُ به: تَقابُل الدَّليلين على سَبيلِ المُمانعة والمُدَافَعَةِ (٤).

стр. 38

وأمَّا الفِكر: فأصل مادَّته يُفيد تَردُّدَ القلبِ في الشَّيء، فيُقال: تَفكَّرَ، إذا رَدَّدَ قلبَه مُعتَبِرًا (١)، أو: هو إعمالُ الخاطِر في الشَّيء (٢). وأمَّا في الاصطلاح: فعَرَّفه الجُرجانيُّ بأنَّه: «ترتيب أمورٍ مَعلومةٍ لتُؤدِّي إلى مَجهولٍ» (٣). وقال الأصفهانيُّ: «قوَّةٌ مُطرِقةٌ للعلمِ إلى المَعلومِ، والتَّفَكُّر: جَوَلَان تلك القُوَّة بحسبِ نَظَرِ العقلِ» (٤). وإن حاوَل بعض المُعاصرين تجديدَ التَّعريفِ له بما يُوائم حادثاتِ العصر، فلم يَعدُ جُهدُه أنْ مَطَّطَ تعريفَ المُتقدِّمين (٥)؛ ولا شكَّ أنَّ في ذاك التَّعريف القديم نوعَ تَعميمٍ لموضوعِ الفِكرِ وكيفيَّتِه، لا يُناسبُ استعمالاتِنا المُعاصرة لهذا المُصطلحِ، وفي بحثنا هذا بخاصَّة. فكان الأقرب عندي في تعريف الفِكر هنا أن يُقال: هو إعمالُ الذِّهن في مَعلوماتٍ مَخصوصةٍ، للوصولِ بها إلى نَظريَّاتٍ أو أحكامٍ كُليَّةٍ تَتَعلَّق بمُختلفِ مَناحي الحياة الإنسانيَّة. فظاهرٌ مِن هذا التَّعريف للفِكرِ: أنَّه مُستلزمٌ للتَّرابُطيَّةِ في مَنهجيَّتِه لا عَبثيًّا، وشُموليًّا في رُؤيتِه، لا مَحصورًا في جُزئياتٍ دقيقة؛ ويتركَّز استعمالي للتَّعريف في شَطْرِه الثَّاني على وجهِ الخصوص، أعني نفسَ النَّظريَّاتِ، والأفكار الكُليَّةِ، والتَّصوُّرات القِيمِيَّة التَّي تَصدُر مِن فِئةٍ ما، نحو أيِّ مَلْمَحٍ رَئيسٍ مِن مَلامِح الحياةِ الإنسانيَّةِ.

стр. 39

وبهذا يُمكِّنُني هذا المُصطلح بهذا الاعتبارِ أن أُدخِل في أصحابِ الفكرِ من كان مُنتسِبًّا منهم لطائفةٍ عَقديَّةٍ، أو مذهبٍ فقهيٍّ، أو تيَّارٍ فَلسفيٍّ ونحوه. فعلى هذا يتبيَّن مُرادي بـ «المُعارضات الفكريَّة»: أنَّها المُقابلة بين دَليلين على وجهِ المُمانعةِ، حاصلٌ بإعمالِ الذِّهنِ فيهما، واردٌ مِن فئةٍ تجمعها مَنظومةُ أفكارٍ مُشتَرَكة، سواء ابتَنت أفكارَها هذه على أصولِ دينٍ أوْ لا؛ وذلك لتشملَ المُعارضاتِ الصَّادرةَ عن التَّيارات الَّتي تنتسِبُ في أصلِ وجودِها إلى الإسلام: كالعقلانيَّة الإصلاحيَّة، والشَّيعة الإماميَّة، والقرآنيَّة مُنكري السُّنة، والإباضيَّة، ونحوها؛ أو عمَّن كان أصلُ نشأتِها مِن خارجِه: كالعَلمانيَّة، والحَداثة التَّنويريَّة، ونحوها. وأمَّا تَقْيِيدي لهذه «المُعارضاتِ الفكريَّةِ» بوصفِ «المُعاصرِة»: فأصلُ هذه الكلمة مُشتقٌ مِن (العَصْرِ)، ولها عِدَّة مَعانٍ، ومُرادنا من ذلك ما كان بمعنى: الدَّهْر (١)، ومجيئها هنا على وزنِ مُفاعِلة، أخذًا مِن (التَّعاصُر): وهو التَّشارُك بالعَيْشِ في عصرٍ واحدٍ (٢). والَّذي أعنيه بالعَصْرِ في بحثي هذا: الحِقبة الزَّمنية الحديثَة الَّتي تمتَدُّ لقُرابةِ قرنٍ أو يَزيد بقليل، تبدأُ عندي مِن عَهْدِ انبعاثِ محمَّد عبدُه (ت ١٣٢٣ هـ) -إذ كان أوَّلَ مُفكِّرٍ شرعيٍّ وازِنٍ بَدَأت مَوجةُ الاستنكارِ لصِحاحِ السُّنة تَتَعالى بعده تِباعًا- إلى زمَن رَقَمي لهذا البحث. فعِنايَتي إذن ستنصبُّ على نَقْدِ المُعارضاتِ الفِكريَّةِ الصَّادِرةِ مِن كُتَّابِ هذه الحِقبةِ الزَّمنيَّةِ أصالةً؛ فإن رأيتني نقدتُ ما صَدَر عَمَّن قبلَهم، فإنَّما ذلك تَبَعًا وتكميلًا لِما هو أصيلُ البحث. أمَّا علَّة اختيارِي لمُعارضاتِ المُعاصرين دون مَن سبق: فلِأنَّ مُعارَضاتِ المُعاصِرين قد احتَوَت ضِمنًا شُبهات الأوَّلين، ثمَّ زادوا عليها مِن شُبهاتِهم

стр. 40

المُستَحْدَثَةِ ما لم يخطُر على بالِ الأقدمين، وعَرَضوها على النَّاسِ بأسْلوبٍ عَصْريٍّ حَديثٍ، بلغةٍ قَريبةٍ مِن أفهامِهم، «فربَّما كان المُتأخِّرُ بهذا أضْرَى بالشَّرِ مِن المُتقَدِّم! لتَمَكُّن داعيةِ الشَّر مِن نفسِه بالوَراثة والقُدوةِ جميعًا» (١). ولأجل أنَّ كلَّ عصرٍ له طائفةٌ مِن أهلِه يُنافحون فيه عن الحقِّ، ويَذودون عنه ما استحدثَه أقوامُهم مِن أباطيل، مِصداق قولِ مَولايَ ﷺ : «يحمِلُ هذا العِلمَ مِن كلِّ خَلَفٍ عُدولُه، يَنفونَ عنه تحريفَ الغالِين، وانتحالَ المُبطِلين، وتأويلَ الجاهِلين» (٢) أحببتُ أنْ أُحشَر في زُمرة عدولِ هذا الخَلَف الَّذي أنا فيه. هذا؛ ولم يكُن لي أن أسوق تلك المُعارضاتِ للمُعاصِرين على «الصَّحيحين» على وجهِ الاستيعابِ، فهذا أمرٌ شاقٌ جدًّا بعيد المَنال لكثرتها، وكثيرٌ من هذه الكثرةِ يَستكثِرُ العاقلُ مُجرَّدَ النَّظَرِ إلى آحادِها، لسَخافةِ من انطوت عليه من جهالاتٍ. وفي الإشارةِ إلى هذه المَنهجيَّة النَّافعةِ في الجَدليَّات، يقول ابن تيميَّة: « .. لو قال قائلٌ: هذه الأمورُ المَعلومة لا تَثبُت إلَّا بالجوابِ عمَّا يُعارِضها مِن الحُجَج السُّوفسطائيَّة (٣)، لم يَثبُت لأحدٍ علمٌ بشيءٍ مِن الأشياء! إذْ لا نهايةَ لمِا يقوم بنفوسِ بعضِ النَّاس مِن الحُجَج السُّوفسطائيَّة» (٤). فليس -إذن- مِن وُكدِي تَتبُّع جميعِ ما فَرَّخَتْهُ عقولُ هؤلاءِ المُعترِضين على السُّنَنِ، بل يكفينا بيانُ تساقُطِ أصولِهم الكُليَّة الَّتي تَفرَّعت عنها تلك المُعارَضات، ثمَّ التَّوجُّه إلى دفعِ أصولِ الاعتراضاتِ الجزئيَّة وأشهرِها وأكثرِها حُضورًا في

стр. 41

السَّاحةِ الفكريَّةِ، فإنَّها إن أسقطت في أيديهم، عَلِموا أنَّ ما دونَها في الشُّهرةِ والتَّأثيرِ أوْلى بالسُّقوطِ. فعلى هذا الأساس تَمَّ اختيار الأحاديث المُعارضَة من قِبَل المُعاصرين في هذا البحث، ومُهِّدَ لها بنقدِ أصولِ المُعترِضين عليها. وأمَّا قولي: «لأحاديثِ الصَّحيحين»: فالأحاديث: جَمعُ حَديثٍ، وهو اسمٌ مِن التَّحديث، بمعنى: الإخبار، وجَمْعُه ذاكَ على خِلاف القِياس (١). وأمَّا في الاصطلاح: «فهو عندَ الإطلاق يَنصرِفُ إلى ما حُدِّثَ به عن النَّبي ﷺ بعد النُّبوة، مِن قولِه وفعلِه وإقرارِه؛ فإنَّ سُنَّتَه ثَبَتَت مِن هذه الوجوهِ الثَّلاثة» (٢). وبذا يظهرُ مَقصودي بالأحاديثِ: أنَّها المتونُ نفسُها الَّتي وَرَدَت عبر سَلاسِل الإسناد، فإنَّه غالبًا إذا قيل: المُعارَضات أو الإشكالات على الحديث، فالمَقصود بهذا التَّركيبِ: متنُه؛ فضلًا عن كون أسانيد «الصَّحيحين» ورجالهما، قد كَفانا أسلافُنا الكلامَ في ذلك تمحيصًا وتنقيدًا، كما ترى تجلِّياتِ ذلك في ما كَتَبه ابنُ الصَّلاحِ في كتابِه «صيانة صحيح مسلم»، وابنُ حَجرٍ في مُقَدِّمة شَرْحِه للبُخاريِّ «هُدَى السَّاري»، وكتابِه «تغليق التَّعليق» (٣). والَّذي أعنيه من هذه الأحاديث في الصَّحيحين تحديدًا: ما كان منها مرفوعًا مُسندًا على شرط الشَّيخين؛ فأمَّا المعلَّقات أو المُرسلات أو البلاغات أو المَوقوفات ونحوها مِمَّا هو خارج عن موضوع الكتابين وليس على شرط الشَّيخين في الصِّحة، فلستُ أعنى بدراستها.

стр. 42

فإذا رأيتَني أتَكَلَّمُ في عِلمِ الإسنادِ أحيانًا، واقتَحمتُ مَهامِه هذه الصَّنعةِ في بحثي هذا: فلِأجلِ ما يُحقِّقه مِن غَرَضِنا في تثبيتِ المتونِ، وبيانِ زَيفِ تعذُّرِ المُعترضِ عليها بوَهاءِ إسنادِها، فإنَّهم ينصبون هذه الدَّعوى لِئلَّا يستوحش النَّاظر مِن طعنهم في الحديث، وتكذيبهم له. وأمَّا «الصَّحيحان»: فقد أشرتُ في المُقدِّمة إلى أنَّ المَعْنِيَّ بهما كتاب محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ (ت ٢٥٦ هـ): «الجامعِ المُسندِ الصَّحيحِ المُختصر من أمورِ رسول الله ﷺ وسُنَنِه وأيَّامه»، المُسمَّى اختصارًا بـ «صحيح البخاريِّ»، وكذا كتاب مُسلمِ بن الحجَّاج (ت ٢٦١ هـ) «المُسند الصَّحيح» المَشهور بـ «صحيح مسلم». وكنتُ بيَّنتُ هناك سبَبَ اقتصاري عليهما دون غيرِهما مِن دواوين الحديث، بما أغنى عن إعادتِه. وأمَّا توصيفي لهذا البحث بأنَّه «دراسة نقديَّة»: فأمَّا النَّقد في اللُّغة: فيُقال: نَقَدْتُ الدَّراهم وانْتَقَدْتُها، إذا مَيَّزتُ جَيِّدَها مِن رَدِيئِها (١)؛ وعلى هذا المَعنى جَرَى عَمَلي في هذا البحث، بحيث أنِّي أدرسُ الأصولَ والأقوالَ المُعاصرةَ القاضِيةَ على متونِ أحاديث «الصَّحيحين» بالإبطال، فأُبينُ عن الجَيِّدِ المَقبولِ منها على أصولِ أهل العلمِ ومَناهجِهم القويمةِ، وأُفرِزُ الزَّائفَ الواهِيَ منها بدَليلِه. فليس البحثُ قائمًا على مُجرَّدِ دفعِ المُعارضات عن المَرويَّاتِ مطلقًا، بل إنِّي أُقِرُّ بعضها إذا بانَت لي وجاهتها، وإن كان ذا قليلًا في هذا البحث. وبالله التَّوفيق.

стр. 43

المبحث الثَّاني إشكاليَّة الاستشكالِ المُعاصِر للأحاديثِ النَّبويَّة معلومٌ أنَّ مُهمَّة الرَّسول ﷺ بيانُ ما نُزِّل إليه من الوحيٍ قولًا وعملًا وتقريرًا، ومِن أشدِّ الآفاتِ الَّتي تَتَعرَّض لها سُنَّته في كلِّ زمانٍ، وفي وقتِنا الرَّاهن على وجه الخصوص: أنْ يقرأ بعضُ النَّاسِ المُتعَجِّلين حَديثًا، يَتَوهَّم له معنًى في نفسِه يُفسِّره به، يُعارض عنده أصولًا قطعيَّةً مُقرَّرة، فيُبادر إلى رَدِّ متنِه وتكذيب نسبتِه إلى المُصطفى ﷺ ، لاشتمالِه على هذا المعنى المَرفوض. وما كان للبَيانِ أن يُناقِضَ المُبيَّن، ولا للفرعِ أن يُعارضَ الأصلَ، ولكنَّ كثيرًا مِن عَوامِل الثَّقافة المُعاصرةِ، تَستحوذُ على نَظرِ المُسلمِ إلى نصوصِ السُّنة بخاصَّةٍ، فتدفعُه إلى إرجاءِ كثيرٍ منها أو تأويلِه؛ ظنًّا منه أنَّ إثباتَها قد يُفضي بأقوامٍ من المُسلمين إلى التَّشكُّكِ في دينِهم، ويَأُزُّ آخرين من غيرهم إلى الطَّعنِ بصدق الرِّسالة، أو النُّفور مِن الدَّعوة. أو لكونِه يَرى أنَّ التَّمسُّكِ ببعض تلك النُّصوص الحديثيَّةِ قد يودي بصاحبِها إلى الانحرافِ السُّلوكي أو العَقديِّ. فانظر -مثلًا- إلى رشيد رِضا (ت ١٣٥٤ هـ)، كيفَ أعذَرَ أحدَ الأطبَّاءِ حَدِيثِي الإسلامِ في طعنِه بحديثٍ راسخٍ في الثُّبوت كحديثِ الذُّبابِ (١)! فتراه يقول: «إنَّ

стр. 44

ذلك المُسلمَ الغَيورَ لم يَطعَن في صِحَّة هذا الحديثِ كِتابةً، إلَاّ لعِلمِه بأنَّ تصحيحَه مِن المَطاعِن الَّتي تُنفِّر النَّاسَ عن الإسلام، وتكون سَببًا لرِدَّة بعضِ ضعفاءِ الإيمان، وقِليلي العلمِ» (١). فهذا قد رأى نفسَه مُضطرَّةً لدفعِ هذا الحديثِ في نحرِه، لمعنى مُنكر انقدح في ذهنِه، من غير أن يدريَ أنَّ ما تَعجَّل إليه مِن إنكارٍ آخرُ مَرحلةٍ يبلُغها النَّاقد الحصيف في مُعالجةِ مُشكلاتِ النُّصوص! و «لعلَّه لو أنصَفَ وتَأمَّل، وبحَثَ، لَعَلِم أنَّ مَعنى الحديثِ ليس كما فَهِم، وأنَّه فَرَضَ عليه معنًى مِن عنده، لم يجِئْ به قرآنٌ ولا سنَّة، ولا ألزَمَت به لُغة العَربِ، ولا قال به عالمٌ مُعتَبَر مِن قبلِه» (٢)، أو يكون الأصل الَّذي عارض به الحديثَ مَدخولٌ غير مُسَلَّمٍ. ولكنَّه لعَجزِه عن توْفِيَةِ هذا المَسلك النَّقديِّ حَقَّه مِن النَّظرِ المتدرِّج، مع سابق هيمنةٍ للثَّقافةِ الغربيَّة على نمطِ تفكيرِه! آثَرَ رَدَّ الثَّابت عند أهل العلم، مستعملًا شتَّى الدَّعاوي العقليَّة لتسويغِ ذلك. الشَّاهد مِن هذا التَّوصيفِ: أنَّ هذا الطَّاعنَ في الحديث الصَّحيح، إنَّما دخلت عليه مادَّة اشتباهٍ في متنِه، ترَامى إلى ذهنِه منه معنًى باطلٌ، فأدَّاه هذا الاشتباه إلى الإشكال عليه، ثمَّ أدَّاه الاستشكالُ إلى الاستنكار! وبهذا تتبيَّن العلاقة بين الاشتِباه والاستشكال، كما يظهر في التَّالي:

стр. 45

المطلب الأوَّل مفهوم الاستشكال والاشتباه لمعاني النُّصوص الشَّرعيَّة المُشكلُ من جِهة اللُّغة: المُختلِط والمُلتبِس (١). وأمَّا في رسمِ المُحدِّثين: فالحديث المَقبول إسنادُه، خَفِيَ المُراد مِن متنِه، لمُعارضته دليلًا آخرَ ثابتًا (٢)، فهو بهذا أعَمُّ مِن مُختلِفِ الحديثِ، فإنَّ هذا يختَصُّ بمُعارضةِ حديثٍ لآخر مثلِه (٣). فبهذا الاعتبارِ المَعنويِّ يكون المُشكل مُرادِفًا للمُتشابِه (٤)، وهو ما لم يَتضِّح معناه، لدِّقَّته وغُموضِه، بحيث يُحتاج في فهمِه وتحديدِ المُرادِ منه، إلى تَفكُّرٍ وتَأمُّلٍ في معناه، وفي التَّوفيقِ بينه وبين ما يُعارِضه. وفي تقرير هذه العلاقة في المَعنى بين المُصطلحين، يقول ابنُ قُتيبة: «مِثلُ المُتشابِه: المُشكِل، وسُمِّي مُشكِلًا: لأنَّه أشكَلَ، أي: دخَل في شَكلِ غيره،

стр. 46

فأشبَهه وشاكَله، ثمَّ قد يُقال لمِا غَمُض -وإن لم يكن غموضه مِن هذه الجهة-: مُشكِلٌ». وقال أيضًا: «وأصل التَّشابه: أن يُشبه اللَّفظُ اللَّفظَ في الظَّاهر، والمَعنيان مختلفان .. ثَّم قد يُقال لكلِّ ما غمُض ودَقَّ: مُتشابه، وإن لم تَقَع الِحيرة فيه مِن جهة الشَّبَه بغيره» (١).

стр. 47

المطلب الثَّاني مكانةُ علمِ مُشكلِ النُّصوصِ في الشَّريعة بهذا يتبيَّن بأنَّ علمَ «كشفِ مُشكلِ الحديث» مِن أجَلِّ العلومِ الإسلاميَّة وأخطرِها، وذلك لِمَسِيسِ حاجةِ المسلمين إليه، لكثرةِ بواعِثِه عندهم، وقِلَّة مَن يُتقِنُه، فـ «تضطَرُّ إليه جميعُ الطَّوائف مِن العلماءِ. وإنَّما يَكمُل للقيامِ به، مَن كان إمامًا جامِعًا لصِناعَتي الحديثِ والفقهِ، غائِصًا على المَعاني الدَّقيقةِ» (١)، قد اصطَفى ربُّنا ﵎ لأُمَّةِ نبيِّه ﷺ في كلِّ عصرٍ مَن كانت هذه صِفتُه، ليَذُبُّوا إشكالات العقولِ عن الشَّريعةِ بأحسنِ بيانٍ، ويُزيلوا عَوائقَ الفهمِ عنها بإتقانٍ. فكان منهم علماءُ فُهَماءُ مِلْءُ السَّمعِ والبَصَر، لم يَزل الحَيارَى يَستنجِدُون بفِقهِهم في هذا البابِ، وإنْ مَرَّ عليهم طولُ زَمانٍ، ليدفعوا به إشْكالاتِ الأذهان، ويُخرِسوا به لجاجَ أهلِ الكُفران، كالشَّافعيِّ في كتابِه «مُختلف الحديث» (٢)، وابنِ قُتيبة في «تأويلِ مُختلفِ الحديث» (٣)، والطَّحاوي في «شرح مُشكل الآثار»، وغيرهم.

стр. 48

فهذا الاستكناه مِن الأئمَّةِ للمُتشابهِ مِن النُّصوصِ الشَّرعيَّة، إنَّما هو سَعيٌ منهم لفهمِ مُراد الشَّارِع ابتداءً، ودفعًا لأيٍّ شُبهةٍ تَتطرَّق إلى الدِّين مِن خلالِها، لا ابتغاءَ درْكِ ما لا يُعلم تأويلُه بتكلُّف؛ فإنَّ مَن سَألَ عمَّا استَعجمَه فَهمُه مِن معنى آيةٍ أو حديثٍ التبسَا عليه، بُغيةَ رفعِ الجهل عنه، غيرَ قاصِدٍ للتَّشكيكِ في شيءٍ مِن ذلك: لم يكُن ذلك منه ولوجًا في مَن ذمَّهم الله في كتابِه باتِّباعِ المُتشابه. إنَّما ذاك عند ابن جريرٍ شأنُ مَن «ابتَدَع في دينِ الله بِدعةً، فمالَ قلبُه إليها، تأويلًا منه لبعضِ مُتشابه آيِ القرآن، ثمَّ حاجَّ وجادَل به أهلَ الحقِّ، وعَدَل عن الواضحِ مِن أدلَّةِ آيةِ المُحكَمات، إرادةً منه بذلك اللَّبسَ على أهلِ الحقِّ مِن المؤمنين، وطَلبًا لعلمِ تأويلِ ما تَشَابه عليه مِن ذلك» (١). فهذا عينُه المَذموم المُرادُ بقولِ النَّبي ﷺ : « .. فإذا رأيتَ الَّذين يتَّبعون ما تَشابه منه، فأولئك الَّذين سَمَّى الله، فاحذروهم» (٢)، يعني ﷺ قولَه تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].

стр. 49

المطلب الثَّالث حالُ السَّلف مع مُشكلاتِ النُّصوص الشَّرعيَّة فعلى ذاك الحالِ من السُّؤال المَشروعِ كان أصحابُ النَّبي ﵃، فإنَّهم مع ما أوتوه مِن عَقلِ رجيحٍ، ولسانٍ فصيح، كانوا يَستشكلون على النَّبي ﷺ ما التَبَس عليهم فهمُه مِمَّا أوحِي إليه. مِن مُثُل ذلك: ما ذَكَره عنهم ابنُ مسعود ﵁ مَرَّةً، لمَّا نَزَلَت آية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، أنَّهم سألوا رسولَ الله ﷺ ، فقالوا: أيُّنا لم يلبِس إيمانَه بظلمٍ! فقالَ رسول الله ﷺ : «إنَّه ليس بذاك، ألَا تسمَع إلى قولِ لقمان لابنِه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (١) وليس يخفى حرصُ أمِّ المؤمنين عائشةَ على سؤالِ زوجِها ﷺ عمَّا أشكلَ عنها من نصوصِ الشَّرع، حتَّى أنَّها حين سمِعَته يقول: «مَن نُوقِشَ الحسابَ عُذِّب»، لم تَهَب سؤالَه والمَقامُ مَقامُ خشوعٍ وتذكيرٍ بالآخرة، فقالت: يا رسولَ الله، جَعَلَني الله فداءَك، أليس يقول الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨]؟! فأجاب عن استشكالِها بقولِه: «ليس ذاك الحساب، إنَّما ذاك العَرض، مَن نوقِش الحساب يومَ القيامةِ عُذِّب» (٢).

стр. 50

فلِعلمِ أصحابِه ﵃ بمَوفورِ أجرِ مَن طَلَب ما غابَ عن عِلْمِه مِن مَعانِي الوَحْيِ، أقدموا على السُّؤال عن المُشكِلاتِ سُؤالَ المُتعلِّم لا المُتعنِّت، فإنَّ أحدًا مِن أصحابِه ﵃ لم يَقُل «إنَّ عقلَه مُقَدَّم على قولِ رسولِ الله ﷺ ، وإنَّما كان يُشكِلُ على أحدِهم قولُه، فيسأل عمَّا يزيل شُبهَته، فيَتَبيَّن له أنَّ النَّصَّ لا شُبهة فيه» (١)، وإن كان مِثلُ هذا «لم يَقَع مِن الصَّحابةِ إلَاّ قليلًا، مع تَوجُّهِ السُّؤال وظهوره» (٢). أمَّا إن كان النَّص مُتَوقَّفًا في ثُبوتِه، مُحتمِلًا للخطأ في نقلِه، فإنَّ السَّلَف «الَّذين يَروُون الخبرَ على اشتمالِ أمرٍ باطلٍ، تارةً يَردُّونَه، ولا يَقبلون أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَه، وتارةً يُفسِّرونَه، ويتأوَّلونه بأمورٍ أخرى، وإن خَالَف الظَّاهرَ؛ فهذا القَدْرُ قد وَقَع مِن بعضِ الصَّحابةِ في مَواضع، ومِن التَّابعين أكثر، وكُلَّما تأخَّرَ الزَّمان كان وُقوعه أكثر. لكنْ إذا تَأمَّل العالمُ ما وَقَع مِن الصَّحابة والتَّابعين، وَجَد الصَّواب والحقَّ كان في الخَبرِ الصَّحيحِ، وأنَّ الَّذي غَلَّط راويَه برأيِه، كان هو الغالِطَ، وإنْ كانَ عظيمَ القدرِ، مَغفورًا غلطُه، مُثابًا على اجتهادِه» (٣). والحقُّ؛ أنَّه لم يكُن في علماءِ الأمَّةِ المَرضيِّين، مَن يَردُّ حديثًا بَلَغه مِن وجهٍ صحيحٍ، إلَّا لعُذرٍ يحتمِلُه له أكثرُ أهلِ العلمِ على الأقلِّ (٤)، وهذه الأعذار الأصوليَّة نفسُها، يكون العالِم في بعضِها مُصيبًا، وفي بعضِها الآخر مُخطِئًا (٥). يقول ابن تيميَّة: «لم يكُن في أئمَّةِ المسلمين مَن يقول: هذا خبرٌ واحدٌ في المسائلِ العِلميَّة، فلا يُقبَل، أو هذا خبرٌ واحدٌ مُخالفٌ للعقلِ، فلا يُقبَل، ومَن

стр. 51

قال شيئًا مِن هذا، عَدُّوه مِن أهل البِدَع، لكونِه يُعارض السُّنةَ الصَّحيحةَ، بما لم يَجِئ عن الرَّسولِ، وكلامُ الرَّسول لا يُعارضِه إلَّا كلامُ الرَّسول» (١). لكنْ معارضة الخبرِ المنفرِدِ إمَّا بظاهرٍ مِن القرآن، وإمَّا بما يَعتقِدُه مِن الإجماعِ، ونحوِ ذلك مِن الأدلَّةِ الشَّرعيَّة، قد كان يَقَع هذا مِن بعضِ السَّلفِ، كقولِ عمر ﵁ مثلًا: «لا ندعُ كتاب ربِّنا، وسنَّة نبيِّنا، لقول امرأةٍ، لا ندري هل حفِظت أو نَسيِت» (٢). وكذا ما ذُكر عن عائشة ﵂ في مَواضع، مِن رَدِّ بعضِ الحديثِ بظاهرٍ مِن القرآن (٣)؛ وكذلك ما يوجَد في مَذهبِ أهلِ المدينة مِن تقديمِ العَملِ، الَّذي يجعلونه إجماعًا على الخَبرِ، ويَستدلُّون بذلك على نَسْخِه؛ فهذا ونحوُه قد كان يَقَع مِن بعضِهم.

стр. 52

المَطلب الرَّابع نِسبيَّة الاستشكالِ للنُّصوص الشَّرعيَّة قد اقتَضَت حِكمةُ الشَّارعِ ونصحُه، ألَّا يوجَد في نصوصِه ما لا يُمكِن لأحدٍ مِن الأمَّة مَعرفة مَعناه، فالدَّلائل الكثيرة توجِب القطعَ ببُطلانِ خلافِ هذا، حتَّى ما تَعَلَّق منها بالغَيْبيَّاتِ، كنصوصِ الصِّفات، وحقيقة البرزخِ وما بعده، ممَّا يعجزُ العقلُ عن إدراكِه، إنَّما يُجهَل منها الكَيفيَّة والحقيقة لا المَعنى، «إذْ يبعُد أن يخاطِبَ الله تعالى عبادَه بما لا سبيلَ لأحدٍ مِن الخلقِ إلى معرفتِه، .. بل يستحيلُ أن يتكلَّم بما لا يُفيد» (١). فإذا تَقرَّر هذا؛ عَلِمنا أنَّ استشكالَ النَّاسِ للنُّصوصِ النَّبويَّة -كما هو آيُ القرآنِ- أمرٌ نِسبيٌّ إضافيٌّ، قد تشتبِه أفرادُه على بعضِ النَّاسِ دون بعضٍ، يُشكِلُ على هذا ما يعرفه هذا، بحسبِ اختلافِ مَدارِكِهم وأفهامِهم وآرائِهم (٢)، لا سِيَما ما يَتَعلَّق منها بالأمورِ الغَيبيَّة، لقصورِ عِلمِ النَّاس في جانبِ علمِ الله تعالى وحِكمتِه (٣). فمَن خَفِيَ عليه المَعنى المُراد، فهو مُتشابهٌ ومُشكِلٌ عنده، ومَن عَلِمَ المُرادَ منه، زالَ عنه الإشكالُ، وانتفى التَّشابه، وصارَ مُحكمًا عنده.

стр. 53

المطلب الخامس أسباب استشكالِ الأحاديثِ النَّبويَّة لا شَكَّ أنَّ استشكالَ النّص الشَّرعي بعامَّةٍ راجع إلى أسبابٍ مَوضوعيَّة كثيرةٍ، مردُّهما إلى أصْلَين رَئِيسين، هما: الغلطُ في الفهمِ، والغلَط في ثبوتِ النَّص. وإليهما أشارَ ابن تيميَّة في قولِه: « .. إمَّا فسادُ دلالةِ ما احتجَّ به مِن النَّص، بأنْ لا يكون ثابتًا عن المعصوم، أو لا يكون دالًّا على ما ظَنَّه، أو فساد دلالة ما احتجَّ به مِن الميزان بفسادِ بعضِ مُقدِّماتِه أو كلِّها» (١). الفرع الأوَّل: السَّبب الأوَّل لاستشكال النُّصوص: الغَلَط في الفَهْمِ. حُسن الفهم عن الله ورسولِه أصل كلِّ استقامةٍ وهدايةٍ في الدِّين والدُّنيا، وسوء الفهم عن الله ورسولِه، سببُ كلِّ انحرافٍ وضلالةٍ نشأت عبر عصورِ الإسلام؛ ومُعظم الفِرق الضَّالة، والجماعات البدعيَّة، إنَّما أهلكها سوء الفهم عن الله، فإذا انضمَّ إليه سوء القصد، صار حالقةً للدِّين بالتَّحريفِ والتَّبديل. ولابن القيِّم كلمةٌ مضيئةٌ في ضرورةِ حسن الفهمِ لسُنَّة رسول الله ﷺ ، يحضُّ فيها على أن يُفهَم عن الرَّسولِ مُراده، من غير غُلوٍّ ولا تقصير، فلا يُحمَل كلامُه مالا يحتمله، ولا يقصَّر به عن مُراده وما قَصَده مِن الهدُى والبَيان.

стр. 54

يقول: « .. وقد حَصَل بإهمالِ ذلك، والعدول عنه مِن الضَّلال والعُدول عن الصَّواب، ما لا يعلمه إلَّا الله، بل سوء الفهم عن الله ورسولِه أصلُ كلِّ بدعةٍ وضلالةٍ نَشَأت في الإسلام، بل هو أصل كلِّ خطأٍ في الأصول والفروع، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد! فيتَّفق سوءُ الفهم في بعض الأشياء مِن المَتبوع مع حُسن قصدِه، وسوءُ القصدِ مِن التَّابع، فيا مِحنة الدِّين وأهلِه! والله المستعان» (١). وسُوء الفهم الَّذي نعنيه هنا ينقسِمُ إلى قِسمين، أو يشمل نِطاقَين: الأوَّل: غَلَطٌ في فهمِ الحديثِ المُعارَض. والثَّاني: غَلَطٌ في فهمِ الأصلِ المُعارَض به. القِسم الأوَّل: الغلط في فهمِ الحديثِ المُعارَض: وذلك أنَّ كثيرًا مِن النَّاسِ يُشكِلون على أحاديث لا يَفهمونها على وَجهِها، فيَحملونها على غير مُرادِ المُتكلِّم بها، ومِن ثَمَّ يُعارِضونها بدليلٍ آخرَ مُخالفٍ في حقيقتِه لفهمِهم ذاك للحديث؛ فتارةً يكون سوء الفهمِ هذا لغرابةِ اللَّفظِ في المتنِ، وتارةً لاشتباهِ المعنى بغيرِه، وتارةَّ لعدمِ التَّدبُّر التَّام، وتارةً لشُبهةٍ في نفسٍ الإنسانٍ تمنعه مِن مَعرفةِ الحقِّ (٢). وعليه، كان من أعظمِ أسباب انحسارِ هَيبةِ الأخبار النَّبويَّة في القلوب، وتوليدِ المُعارضات عليها إحدى فاقِرَتين: الأولى: إمَّا سُقمٌ في فقه دلالات الحديث، فينشأ لدى الغالِط معنًى شائِهٌ، يكون لازمُه مُعارضة البراهين القطعيَّة، ويكون سبب ذلك: أن يَقع النَّاظر في الحديث في مَزلَّةِ التَّجزيءِ في القراءة والتَّعضية للنَّص، وذلك -مثلًا- بأن يَقرأ حديثًا ويُغفل آخر، أو يقرأ شطرًا من الحديث ويترك بعضَه.

стр. 55

أو: بأن يُهمل سياقَ الحديثِ ومُراعاةَ سَببِ ورودِه. أو: بأن يُفرِطَ في الأخذِ بالظَّاهر، والَّذي يُفضي إلى الفصل بين النُّصوص الجزئيَّة، والمَقاصد الكليَّة للأحاديث، مِمَّا يُفسد تناسق الشَّريعةِ وترابطها (١). والفاقرة الثَّانية: استبطان بِدعةٍ تكون هي الأصل، والأحاديث تَبعًا لها؛ فيحصُل من ذلك التَّجاسُر عليها بالتَّأويل المُتعسِّف، أو التَّأبِّي عن قَبولِها. وهذا مَزْلَقٌ خَفِيٌّ مِن مَزالِق الفهمِ عن الله ورَسولِه، تَنَبَّه إليه ابنُ القَيِّم بشُفوفِ نَظَرٍ آتاه الله إيَّاه في النَّفسِ الإنسانيَّة، قد صاغه في جميل قولِه: «إذا امتلَأ القلبُ بشيءٍ، وارتفَعت المُباينة الشَّديدة بين الظَّاهر والباطنِ: أدَّت الأُذُن إلى القلبِ مِن المَسموع ما يُناسِبُه، وإنْ لم يَدُلَّ عليه ذلك المَسموع، ولا قَصَده المُتكلِّم! ولا يختصُّ ذلك بالكلامِ الدَّالِ على معنى، بل قد يَقَع في الأصواتِ المُجرَّدة» (٢) فكان على هذا أخطر ما يقترِفُه مَن تَلَبَّس بشيءٍ مِن هذه المَوانع، أن يسارع المسارعة إلى إنكارِ نسبةِ النَّصِ إلى النَّبي ﷺ لوقوفه على تأويلٍ ضَعيفٍ مُتعسِّف له، يحسِبُه الظَّاهرَ مِن الحديثِ! فيَستدِلُّ على بُطلانِه لأجل ذلك الظَّاهر المُتوهَّم؛ فإنَّه لا أقلَّ مِن أن يُقدِّرَ إمكانَ أن يكون للحديثِ معنى صحيحٌ لم يُدركه، فإنَّ مُنتَهى الأمرِ أنَّه طَلَب فلَمْ يَجِدْ، وعَدمُ الوِجدان، لا يدلُّ على عدمِ الوجود. هذا إن تَجشَّم الطَّلبَ أصلًا! وما أقلَّ هذا الصِّنف من النَّاس في زَمانِنا. يقول ابن الوزيرِ اليَمانيُّ (ت ٨٤٠ هـ) في تقعيدٍ بَهيٍّ لهذا الباب: «إذا وُجِد بعضُ شُرَّاحِ الحديثِ .. قد يُؤَوِّل الحديثَ بتأويلٍ فيه تَعسُّفٌ، لم يُقطَع برَدِّ

стр. 56

الحديثِ، لأنَّه يجوز أنَّ القولَ بأنَّ ذلك تأويلُه قولٌ باطِلٌ، وأنَّ ذلك المتأوِّلَ إنمَّا صارَ إليه لقُصورِه في العِلمِ. وإنَّما يُحكَم برَدِّ الحديثِ، متى علِمنا أنَّه لا تأويلَ له صَحيحٌ، وأنَّه لا يدخل في مَقدورِ أحدٍ مِن الرَّاسخين أن يَهتدِي إلى معنى لطيفٍ في تأويلِهِ، ولكنَّ العلمَ بهذا صعبٌ عَزيزٌ، والدَّليل على صعوبتِه: أنَّ النَّاظرَ في الحديثِ لا يخلو: إمَّا أن يكون مِن الرَّاسخين في العِلم، الَّذين قيل: إنَّهم يعلمون التَّأويل، أم لا. إن لم يكُن منهم: فليس له أن يَحكُم بقُصورِهم وعجزِهم عن تأويلِه، لأنَّه لم يرتَقِ إلى معرفةِ التَّأويل الصَّحيح، ومَن لم يعرِفِ الشَّيء، كيف يحكُم بنفيِه أو ثبوتِه؟! وما أمَّنه أنَّه موجودٌ؟ لكن لعدمِ مَعرفتِه له جَهِلَهُ. وأمَّا إنْ كان النَّاظر في الحديث مِن الرَّاسخين: فإنَّه أيضًا يجوز عليه أن يجهَل التَّأويل» (١). فإذا كان مِن هؤلاءِ الرَّاسخين في علومِ الشَّريعةِ، الغائِصين في بحارِ التَّأويل -كما يقول- مَن قد يتبادر إلى ذهنِ أحدِهم معنى باطل مِن الحديث، فيَعجزُ عن فهمِه على وجهِه الَّذي أرادَه منه قائله ﷺ ، ويَعجزُ عن إيجادِ ما يُوائم الحديث مِن معنى مَقبول، فلا يُعفِيه عِلمُه الرَّسيخ أن يُبادِرَ إلى ردِّ الحديثِ؛ فكيف بمِن كانت سِلعَتُه في علوم الوَحيِ بائرةً؟! لا يَفتأُ يُنكِر الصِّحاحَ بنفسٍ جائِرةٍ، وفَهمٍ سَمِجٍ جعلَه هو ظاهرَ الحديثِ؟! وما أكثرَ ما يكون هذا الخَطلُ في أحاديث العَقائدِ، والمُتعلِّقة بصِفاتِ الله تعالى وأفعالِه بخاصَّة.

стр. 57

يقول ابن فورك (ت ٤٠٦ هـ) (١): «ما اتَّفقَ أهلُ النَّقلِ على صِحَّته، وانتشَرَ فيهم، ولم يوجد له مُنكرٌ ولا مُفسِد، وذلك نحو حديثِ الرُّؤيةِ، ووَصفِ الله باليَدِ والنُّزولِ، وما جَرى مَجراه: فهذا البابُ مُنتشرٌ مُشتهرٌ لا دافع له، بل الكلُّ مِن أهلِ النَّقلِ مُجتمعون على صِحَّته، ولا يَطعنُ عليه إلَّا مُبتدعٌ يَرى رأيًا فاسِدًا، يَتَوهَّم أنَّه إذا قيل ذلك أدَّى إلى تشبيهِ الله بخَلقِه! وقد قُلنا: إنَّه لا طريق لأحدٍ إلى إنكارِ الخَبرِ لأجلِ ما يتَوهَّمه مِن الفسادِ في معنى متنِه، وإنَّما يَتَطرَّق إلى إبطالِه بما يرجعُ إلى سَندِه: بكونِهِ مُنقطعًا، أو بأن يَرويه مجهولُ العدالة، أو مجروحٌ ظاهرُ الأمرِ في الكذب. فأمَّا ما يَتَوهَّمه مُبتدعٌ -بفسادِ رأيِه، ونقصِ معَرفتِه- أنَّ ذلك يُؤدِّي إلى الكذبِ، مِمَّا يُنزَّه بالله سبحانه عنه، فلا يَبطُل الخبرُ بمثلِه، ولا يَبقى إلَاّ الكشفُ عن فسادِ ما يَتَوهَّمه، وإبانةُ وجهِه على الصِّحة، مِن حيث لا يؤدِّي إلى تشبيهٍ ولا إلى تعطيلٍ» (٢). فكانت على ذلك الإبانة عن النَّظرةِ المُهترئة إلى ظواهرِ الأحاديثِ في علاقتها بالبراهين العقليَّة والعِلميَّة عند المُخالفين، تُحتِّم الكشفَ عن حقيقةِ العلاقةِ الاتِّساقيَّة بين دلالةِ العقلِ والعلمِ وبين هذه الظَّواهر، فنقول: أوَّلًا: العَلاقة التَّوافقيَّة بين ظواهر النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ، وبراهينِ العقلِ القطعيَّة: العلاقة بين العقل وبَراهين العلمِ، وبين ظواهرِ النُّصوصِ عند المُخالفين لأهلِ السُّنة والجماعةِ، علاقةٌ تؤول -في الحقيقةِ- في كثيرٍ مِن حالاتِها إلى غايةٍ

стр. 58

واحدةٍ، تنصِبُ (العقلَ المَدْخول) حَكَمًا في فهمِها؛ ذلك أنَّهم كثيرًا ما يجعلون المعنى الفاسدَ هو الظَّاهرَ مِن الدَّليل السَّمعي، فيتسلَّطون بذا عليه إمَّا: بالتَّأويل، طلبًا لأنْ تكون معاني ما دَلَّت عليه البراهين الشَّرعيَّة مُوافقةً لُمرادِهم وأصولهِم، لا لمُراد المُتكلِّم بها أصالةً (١). وإمَّا برَدِّه جُملةً إن لم يُسعِفهُم تأويلُه، بدعوى أنَّ ظاهرَه مُناقضٌ لمُقرَّرات العقلِ ومُسلَّمات الواقع. وعلى مثل هذا المهيع جرى الفَخرُ الرَّازي (ت ٦٠٦ هـ) (٢) في مَقاماتِ التَّعارض بين ظواهر النُّصوصِ والعقليَّات، بحيث «يقطَعُ -بمُقتضى الدَّلائلِ العقليَّةِ القاطعةِ- بأنَّ هذه الدَّلائل النَّقليَّةُ إمَّا أن يُقال: إنَّها غير صحيحةٌ، أو يُقال: إنَّها صحيحة، إلَاّ أنَّ المُراد منها غير ظواهِرها» (٣). وجاء بعده السَّنوسي (ت ٩٨٥ هـ) (٤) وتبِعَه الصَّاوي (ت ١٢٤١ هـ) (٥) ليعُدَّا التَّمسُّكَ بظواهرِ الأدلَّةِ النَّقلية مِن أصولِ الكُفرِ! كما تراه في قول الاخير: «أصولُ الكفرِ والبدعةِ سبعةٌ .. منها: التَّمسُّك في عقائدِ الإيمانِ بمُجرَّد ظواهرِ الكتابِ والسُّنة، مِن غير عَرضِها على البراهينِ العقليَّة، والقواطع الشَّرعيَّة» (٦).

стр. 59

وهذا المُستبشَع من الكلام مهما قُلنا في توجيهِ عبارتِه بما يَليق بمَقام هذين العَلَمَيْن، فإنَّ عِلَّة الوقوعِ في مثل هذا الغلط: اعتقادُهم أَنَّ ظواهرَ النُّصوصِ قد تَدلُّ على ما لا يَليقُ نِسْبتُه إلى الشَّرعِ لا بحسبِ الواقعِ! وهذا مَعلومٌ فَسادُه مِن شَريعتِنا؛ يتبيَّن بتحديدِ معنى الظَّاهرِ مِن النَّصِ الشَّرعيِّ، فنقول: الظَّاهر إذا أُطلِق قُصَد به: ما يَسبِقُ إلى العقلِ الفِطريِّ لمِن يفهم بتلك اللُّغة المُخاطَب بها؛ وهذا الظُّهور قد يكون بمُجرِّد الوَضْعِ، وقد يكون بدلالة السِّياقِ والقرائن المُحتَفَّة به (١). ولا ريبَ عند المُتحقِّقين بالوَحي الرَّاسخين في العلم: أنَّ النَّصَّ الشَّرعي لا يُمكن بحالٍ أن يكون غُفْلًا عما يُبِينُ عن مُراد الشَّارع، فإنَّ هذا مُمتنعٌ على مَن قَصَد بِشَرْعِهِ أن يكون هِدايةً للخلقِ، وعِصْمةً لهم مِن الضَّلال. وإحرازُ هذا الظَّاهرِ الحقيقيِّ للنَّصِ، يَستلزمُ لحْظَ معهودِ العَربِ في أسلوبِ تخاطُبِهم، وذلك أنَّ الألفاظَ قوالبُ المعاني، فاللَّفظ -مثلًا- قد يكون له مَعنى مُعجَميٌّ إذا تجرَّد عن التَّركيب، وقد يكون له مَعانٍ أخرى تظهرُ حين الاستعمالِ، فلا يَستبينُ مَدلُولُه إلَّا مِن خِلالِ تَركِيبهِ. ومَعرفةُ معاني الألفاظِ عِلمٌ برأسِه، يَفتقِرُ إلى مَعرفةٍ واسعةٍ باللُّغةِ، وأساليب العَرَبِ في الخطاب (٢). ثمَّ إنَّ الظَّاهرَ الحقيقيَّ في بعضِ المَوارِد لا يُقتصَرُ في تحصيلِهِ على نصٍّ واحدٍ، بل النَّظرُ مُتَّجهٌ إلى جُملةِ الدَّلائلِ الشَّرعية؛ فإنَّ الوحيَ كالكَلِمة الواحدةِ، يصدِّقُ بعضُه بعضًا. وفي تقرير هذا الأصل في تلقِّي معاني الوَحي، يقول الشَّاطبيُّ (ت ٧٩٠ هـ): «مَأخذُ الأدلَّةِ عند الأئمَّة الرَّاسخين، إنَّما هي على أن تُؤخَذ الشَّريعة كالصُّورة

стр. 60

الواحدة، بحسبِ ما ثبَت مِن كُليَّاتها وجزئيَّاتها المُرتبَّة عليها، وعامِّها المُرتَّبِ على خاصِّها؛ ومُطلقِها المحمولِ على مُقيَّدها، ومُجملها المُفسَّر بمُبيِّنها، إلى ما سِوى ذلك مِن مَناحيها؛ فإذا حَصَل للنَّاظر مِن جُملتها حكمٌ مِن الأحكام، فذلك هو الَّذي نطَقت به حين استُنطِقَت» (١). فلِذا كان مِن الغَلَطِ المُحَقَّق حين تَناول النَّص تجريدُ اللَّفظِ مِن تركيبِه وسِياقِه ومَذهبِ المُتكلِّم به، ثمَّ قَصْرُ الظَّاهرِ على ما يَتبادَرُ مِن اللَّفظ مُجرَّدًا عن هذا كلِّه؛ هذا -بلا ريبٍ- قصورٌ في تحصيلِ الظَّاهر. والأنكى من ذلك: أن تجِدَ المُخالِفَ يَبْني على مثل هذا القصورِ في نَظَرهِ إلى النَّص مُعاندةَ ما يَراه قطعيًّا للظَّاهِر الشَّرعيِّ! وكثيرًا ما يجري هذا الخطلُ المنهجيُّ على تفهُّم الأحاديثِ النَّبويَّة؛ والحقيقة: أنَّ المُناقضَةَ إنَّما هي واقعةٌ بين العقلِ، وما تَوهَّمه أنَّه ظاهِرُ النَّصِ، لا ظاهرَ النَّصِ في نَفْسِ الأَمر. والَّذي نعتقده الحقَّ في ذلك: أنَّ البراهينَ إذا كانت قائمةً على صِدقِ الرَّسولِ ﷺ ، وصِحَّةِ ما تَقبَّلته العلماء عنه مِن أخبارٍ، لَزِمَ الإيمان بها على مُرادِه هو ﷺ ، ولا نَتَكلَّف فَهمَ ما لا نقدرُ على فهمِه، ولا نَرُدَّ ما لم نُحِط به خُبْرًا، فرُبَّ حقيقةٍ واقعةٍ لا نَفهمُها. ولعَلَّ ما عجزنا عن إدراكِه اليومَ، نُدرِكُه غدًا على وجهِه، أو يُدرِكُه غيرُنا؛ فلا أضَلُّ مِمَّن ذَهبَ يَرُدُّ ما لم يَقدِر على فَهمِه، ولا أجهلُ مِمَّن كذَّب بالشَّيءٍ، لأنَّ الله لم يَشأ أن يُفهِمَه إيَّاه. ثانيًا: نماذج مِن غَلَطِ المُعاصِرين في فهم الحديثِ المُعارَض. قد كثُر مِن مُنكِري السُّنَن المُعاصِرين الغَلطُ في فَهمِ الأخبار النَّبويَّة على وَجهِها الصِّحيحِ، وذلك منهم لضَعفِ عَربِيَّتِهم تارة، وعَدمِ إدراكِهم لسِياقاتِ النَّصِ، أو لمُجرَّد هَوىً تارة، يحمَلُ به الحديثُ على تأويلٍ مُتعسِّفٍ، أقربَ ما

стр. 61

يكون إلى الغَباوة، فضلًا عمَّا إذا حُمل لفظُه على معنًى يُخالف أصلًا مِن الأصولِ المَقطوعِ بها، ومِن ثَمَّ يُرَدُّ من أجلِه. فلذا كان مِمَّا يَجتثُّ دعوى التَّعارض بين الدَّلالة العقليَّة القاطعة وظَوَاهرِ الصِّحاحِ مِن جَذْرِها: ما تَراه مِن انعدامِ المِثالِ الصَّادقِ عليها، والصَّورةِ الصَّحيحة لذلك، فإنَّ كثيرًا مِمَّا يُمَثِّل به الطَّاعنون على ذلك مِمَّا هو في «الصِّحيحين»، يَكشفُ عن خَللٍ كبير في التَّنظير، جَرَّهم إلى أَخطاءٍ في التَّخريج والتَّطبيق. وليس مِن حظِّ هذه المَباحثِ استيفاءُ أمثلةِ ما غَلِطوا في فهِمه مِن الحديثِ فأهوَى بهم إلى إنكارِه؛ ولكنْ الكفاية حاصلةٌ للمُنصف الفهيمِ بمِثالَين لكلِّ قِسْمٍ من أسباب استشكال النُّصوص، فأقول: المثال الأوَّل: حديثُ النِّيل والفُراتِ مِن الجَنَّة: وهو ما جاء في مسلم مِن حديث أبي هريرة ﷺ يرفعه: «سَيْحان، وجَيْحان، والفُرات، والنِّيل، كلٌّ مِن أنهار الجنَّة» (١). وكذا قول النَّبي ﷺ بعد عودِه مِن مِعراجِه، في حديثِ مالك بن صَعْصعة ﵁ عنه قال: « .. ورُفعت لي سِدرة المُنتهى، فإذا نَبقها كأنَّه قِلال هَجَر، وورقُها كأنَّه آذان الفيول، في أصلِها أربعة أنهار: نهران باطِنان، ونهران ظاهِران، فسألتُ جبريل، فقال: أمَّا الباطِنان ففي الجنَّة، وأمَّا الظَّاهران: النِّيل والفُرات» (٢). فيَحكِي مُصطفى الزَّرقا (ت ١٤٢٠ هـ) (٣)، أن أستاذًا كبيرًا مِن أعلامِ القانون الوَضعيِّ في مصر والعَالم العربيِّ، قال له: «إنَّه اشترَى كتاب «صحيح البخاريِّ»،

стр. 62

ثمَّ فَتَحه مرَّةً، فوَقَع نَظرُه على هذا الحديث .. فلمَّا كان ذاك الأستاذ يَراه مُخالفًا للواقعِ -إذْ أنَّ مَنابعَ هذه الأنهار مَعروفةٌ لكلِّ دارسٍ، فهي نابعةٌ مِن الأرضِ، وليست مِن الجنَّة- أعرَضَ عن صحيح البخاريِّ كلِّه، ولم يُفكِّر في مُجرَّدِ تصَفُّحِه بعدُ! (١) فلو حمَلنا هذا الحديثَ على ما حَمَله عليه هذا القانونيُّ مِن كونِ الأنهار المذكورة تخرج الآن مِن الجنَّة، وتَنصبُّ منها، ولم نعبَأ أن نُنازعَ المُشاهَد في ذلك: حينئذٍ جاز لنا أن نستريب في الحديثِ حقًا! لأنَّ هذه الأنهار الأربعة مَوجودة في الأرض، مَعروفةٌ للنَّاس مِن مَبدئِها إلى مُنتهاها، مَشهودة لهم مَنابِعُها الأساسة، ومَصادرها الأوَّلِيَّة، ولكنَّ الأمر -ولله الحمد- على غيرِ الوَهمِ الَّذي استقرَّ في رأسِه، جرَّاء عُسرِ فهمِه للحديث. فأمَّا الحديثُ الأوَّل: حديث الأنهار الأربعةِ مِن أنهار الجنَّة: فالأمرُ فيه بيِّنٌ يَسير، وليس يُغاير المُشاهَد كما ادُّعِي، بل «المُراد به: أنَّ في الأرضِ أربعةَ أنهارٍ أصلُها مِن الجنَّة» (٢). أو يُقال: «إنَّ الله أنزَلهُنَّ مِن الجنَّة قديمًا بعد أن كُنَّ فيها، لمنفعةِ النَّاسِ، وجَعَلهُنَّ في أماكنِهنَّ الآن مِن الأرض» (٣). ويؤيِّد هذا المعنى: رِوايةٌ أخرى للحديث جاءت بإسنادٍ حسنٍ عن أبي هريرة ﵁: «فُجِّرت أربعةُ أنهارٍ مِن الجنَّة: الفرات، والنِّيل، وسيحان، وجيحان» (٤).

стр. 63

ثمَّ لْتَلْحَظ أنَّ الرَّوايةَ المُستشكلَة لم تقُل: إنَّ الأنهارَ في الجنَّة، بل فيها: « .. مِن الجنَّة»، ولا يخفى ما في العِبارتين مِن اختلاف في المعنى. وأمَّا الحديث الآخر: «في أصلِها أربعة أنهار، .. أمَّا الظَّاهِران فالنِّيل والفُرات»: فالجادَّة أن يُحمَل على معنىٍ لا يُخالف الواقع، فيُقال مثلًا: إنَّ نهرا النِّيل والفُراتِ المُسَمَّيَان في الحديثِ، هما على ما عُرِفا بأعيانِهما في الدُّنيا، وتكون مَادَّتهما ممَّا يَتنزَّل مِن السِّدرة، بطريقةٍ يعلمُها الله وتخفَى علينا (١). وهذا ما قَرَّره النَّووي من معنى الحديث فقال: « .. إنَّ الأنهارَ تخرُج مِن أصلِها، ثمَّ تَسِير حيث أرادَ الله تعالى، حتَّى تخرُج مِن الأرض وتَسيرَ فيها، وهذا لا يَمنَعُه عَقلٌ ولا شرعٌ، وهو ظاهرُ الحديث، فوَجَب المصيرُ إليه» (٢). وجائزٌ أيضًا أن يُحمل هذا الحديث على ما حَمَلنا عليه الحديث الأوَّل، بأن يكون مَبدأ هذين النَّهْرين ومصدرهما الأوَّلَ كان مِن الجنَّة، فتكون العبارة مِن بابِ إطلاقِ اسمِ الشَّيء على مَبادِئِه، فإنَّ للنِّيلِ والفُراتِ مَبْدآن في عالم الغَيب، فأطلقَ الوحيُ أساميَ الظَّاهر مِنهما في الدُّنيا، على مَبادئِهما المُغَيَّبة عنَّا (٣). فهذه أوجه المَعاني الَّتي يُفهَم عليها الحديث، لا تَرى فيها أحدًا مِن أهلِ العلمِ أخَذَ الحديثَ على معنى المَصدَرِيَّة المُباشرةِ لتلك الأنهار؛ ولذا نرى العلماءَ قد تَعَقَّبوا القاضي عِياضًا (ت ٥٤٤ هـ) ظَنَّه أنَّ النِّيل والفُرات ما داما مِن سِدْرة المُنتهى، فأصلُ السِّدرة في الأرض (٤)! وليس هذا بلازمٍ، فإنَّ كونَهما يَخرُجان مِن أصلِها شيءٌ، وخروجَهما بالنَّبعِ مِن الأرضِ شيءٌ آخر -كما قد مَرَّ قريبًا-؛ وإلَّا لَرُئيَتِ السِّدرةُ عند محلِّ خروجِهِما (٥).

стр. 64

فالحاصِلُ: أنَّ البراهين قد قامَت على صِحَّةِ هذين الَخبرين عن النَّبي ﷺ ، فلزِم أن نُؤمِن بذلك على مُرادِه ﷺ ، ولا يُحمَل حديثُه على معنى يُخالف الواقعَ والمُشاهدَ مخالفةً تامَّة، مع أنَّ له معنى آخر يُوافقه، أو لا يخالفه على أقلِّ تقديرٍ. فإن قبِلنا هذا المنهج في اعتبار ظواهر الأخبار، وإلَّا فلا نُكلِّف أنفسَنا فَهْمَ ما لا نقدِرُ على فهمِه! ولا نَرُدَّ ما لم نُحِط به خُبرًا، ولنحترِم عقولَ الصَّحابةِ وتابعيهم، فإنَّهم مهما أخطؤوا في الرِّوايةِ، فلن تبلُغَ بهم السَّفاهةُ والحُمق -وحاشاهم مِن ذلك- أن يَرْوُوا للنَّاس شيئًا يخالف ما يُشاهدونه ضرورةً! ورُبَّ حقيقةٍ واقعةٍ لا نفهمُها. والمثال الثَّاني: حديث « .. إن يَمُت هذا الغُلام، قامَت ساعَتُكم». وأعني به ما اتُّفِق عليه مِن حديثِ عائشة ﵂ وغيرِها: أنَّ رجالًا مِن الأعرابِ جُفاة كانوا يأتون النَّبيَّ ﷺ فيسألونه: متى السَّاعة؟ فكان ينظُر إلى أصغرِهم فيقول: «إن يَعِش هذا، لا يُدركه الهَرم حتَّى تقومَ عليكم ساعَتُكم» (١). فقد ادَّعى جمعٌ مِن المعاصرين ظُلمًا افتراءَ الخبرِ على النَّبي ﷺ ، لدعوى مُخالفتِه ما هو مَعلوم بالضَّرورةِ والحِسِّ عَدمُ تحقُّقِه، ذلك أنَّهم فهموا ربطَ الخبر لقيامِ السَّاعِةِ بوفاةِ الغلام! ما يستلزم قيامَها من أمَدٍ بعيد! تَرى هذا الفَهمِ العِوَجِ بارزًا لك في مثلِ قولِ (سامِر إسلامبولي): «المُلاحَظ مِن الحديث، أنَّ الجوابَ قد حَدَّد قيامَ السَّاعة خلالَ فترةٍ زمنيَّةٍ لا تتَجاوز أن يبلُغ الغلامُ سِنَّ الهَرم، أي ما يُقارب السِّتين عامًا، وقد مَضى على قولِ الحديث ألفٌ وأربعمائة عامٍ، ولم تَقُم السَّاعة! فهناك احتمالان: إمَّا أنَّ الغلامَ لم يبلُغ إلى الآن سِنَّ الهَرم، أو أنَّ السَّاعة قد قامَت ولم نَدرِ نحن! ونكون قد نَفذنا مِن الحساب!» (٢).

стр. 65

ونحن -بدَوْرِنا- نسألُ هذا الفَهيم قائلين: متى كان سيظهر تكذيبُ الواقعِ لمثلِ هذا الخَبر الَّذي تحمِله على فهمِك هذا؟ فلا بدَّ أن يقول: مثلُ هذا الأمرِ الجَليِّ الواضحِ في المخالفةِ للواقعِ، لابدَّ أن يكون قد ظَهَر لِمن قَبلنا بداهةً، وتحديدًا بعد هَرمِ الغُلامِ ومَوتِه، يعني بعد مائةِ سنةٍ على موتِ النَّبي ﷺ ، وذلك على أقصى تقدير. فنقول له: قد وَجَدنا المُحدِّثين مع ذلك يُصحِّحون هذا الحديث، ولو بعد مرورِ هذه المُدَّة الَّتي ذكرتَ! فقد رَواه التَّابعون وأتباعُهم في كُتبِهم، ولا يزال علماء الإسلامِ يتناقلونه من ذاك الوقتِ إلى يومِنا هذا، مع ظهورِ كذبِه للأعمى كما تَدَّعي! فلا يبقى لنا في الحكمِ على هؤلاء المُحدِّثين حسبَ فهمِك إلَّا أحدُ احتمالين: أوَّلهما: إمَّا أنَّهم مجانين كلُّهم! يُصحِّحون ما يَظهرُ كذبُه لأغبى الخليقةِ، ويَلحقُهم في هذا الجنونِ عَوَام المسلمين، حين أقرُّوا عُلماءهم على تلك الغَباوة المُفرطة، وصدَّقوهم في مثل هذه الأخبار. وثانيهما: أنَّهم لم يجدوا في هذه الأخبارِ ما يُخالف الواقعَ بحالٍ! فلذلك قَبلوها. فظنِّي بهذا المُعترض -إن كان مُنصفًا- أنَّه مهما خالفَ البخاريَّ ومُسلمًا وسائر أهل الحديث في منهج النَّقد، فإنَّه لن يَبلُغَ به الشَّطَط في الخصومةِ أن يعتقد فيهم الجنونَ والتَّغابي إلى هذه الدَّرجةِ مِن البَله. فعليه أن يُقرِّر لزامًا: أنَّ لهؤلاء تفسيرًا للحديثِ يَدفعُ ما فهمه من مُعارضته للشَّرع والواقعِ؛ فلينظُر إذن في تفسيرِهم للحديثِ، ثمَّ لينقُده بعدُ إذا شاءَ أن يَنقُد، لكن لا يحِقُّ له بحالٍ أن يَتوهَّم في مَن صَحَّح الحديث مِن سادات الأمِّةِ، أنَّهم كانوا في غفلةٍ عمَّا ينقِمُه هو وأمثالُه من مُتعجِّلة من مُشكل الحديث.

стр. 66

وسيأتي بيانُ المعنى السَّليم للحديث، والمُوافق للعقلِ والواقع، ويلحقُه الجوابُ على جُملةِ المُعارضاتِ المُوجَّهة له، وذلك في الباب الثَّالث مِن هذا البحث. وأمَا القِسم الثَّاني من قِسْمَي سوء الفهم الحاصلِ من المُعترضِ على صِحاحِ الأخبار: الَغلَط في فهمِ الأصلِ المُعارَضَ به: وذلك بأن يَجعلَ المعنَى الَّذي قرَّره الحديث، هو الظَّاهرَ الَّذي لا يُمكن أن يكون مُرادًا، لمُناقضتِه أصولًا قطعيَّة عنده (١). فيكون فهمُ المُعترِضِ للحديثِ صحيحًا في ذاتِه، لكن عارَضَه في ذهنِه فهمٌ آخرُ لمِا تَوهَّمه أصلًا مِن الأصول القطعيَّة، ويكون ما اعتقَدَه أصلًا هو -في حقيقتِه- ناشئًا عن فهمٍ مغلوطٍ، أو مُخِلًّا ببعضِ مُقدِّماته ونتائجِه؛ فتَراه يُقدِّم هذا الفهمَ الخاطئَ لمِا يَراه كُليَّةً في الدِّين، أو يَظنُّه أمرًا مَقطوعًا به في علمٍ ما، يُقدِّم هذا على فهمِه الصَّحيحِ لإحدى أفرادِ النُّصوصِ الحديثيَّةِ. وهذه مَزَلَّة غير سهلةٍ، قد أوْقَعَت أكثرَ أهلِ المَقالاتِ البِدعيَّةِ في مُستنقَعِ الاستشكالاتِ، ورَدِّ المُحكاتِ بالمُتشابهات، وإليها إشارة المُعلِّميِّ (ت ١٣٨٦ هـ) في قولِه: « .. للاستشكالِ أسبابٌ، أشدُّها استعصاءً: أن يَدُلَّ النَّص على معنى هو حَقٌّ في نفسِ الأمر، لكن سَبَق لك أن اعتقَدْتَ اعتقادًا جازِمًا أنَّه باطل!» (٢). والقرآن أكثرُ الأصولِ النَّقليَّةِ الَّتي يُساء مُعارضة الصِّحاحِ من الأحاديث بها: وأظهرُ ما يَقَع به المُعارضةُ للأحاديثِ مِن الأصولِ، مِمَّا يُسيء المُعترِضُ فهمَها على وجهِها: القرآن الكريم؛ فإنَّ اتِّفاقَ الطَّوائف الإسلاميَّة كلِّها حاصلٌ على قُدسِيَّتِه، وقَطعِيَّةِ نقلِه، وعُلوِّه على كلِّ مَقالٍ.

стр. 67

فكثيرًا ما نسمع مِن المُعترضين المُعاصرين مَن يحتجُّ على أنَّ الحديثَ يُعارض ظاهرَ القرآن معارضةً لا مندوحة معها مِن ردِّه، وعند التَّفتيشِ في معاني الآية المُعارَض بها، نجِدها تخلو مِن مُوجبٍ لردِّ الحديث. يحكي لنا ابن القيِّم (ت ٧٥١ هـ) حجمَ القصور الَّذي وقعت فيه هذه الطَّائفة في نظرها للقرآنِ، فقال: « .. رَدُّوا الحديثَ إذا خالَف ظاهرَ القرآن بزعمِهم، وجَعَلوا هذا مِعيارًا لكلِّ حديثٍ خالَفَ آراءَهم، فأخَذوا عمومًا بعيدًا مِن الحديثِ لم يُقصَد به، فجعلوه مُخالفًا للحديثِ، وردُّوه به» (١). أمَّا عندنا أهل السُّنة، فإنَّ الحديث إذا صَحَّ وتَلَقَّته الأمَّة بالقَبول، كجمهورِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، كان مِن أشدِّ الأمورِ إحالةً أن يُعارِض القرآنَ، بل هو شاهِدٌ له ومُبَيِّن؛ على ما قَرَّره ابن عبد البرِّ (ت ٤٦٣ هـ) ونَقَل عليه اتِّفاقَ العلماءِ، فقال: «ليس يَسوغُ عند جماعةِ أهلِ العلمِ، الاعتراضُ على السُّنَنِ بظاهرِ القرآنِ، إذا كان لها مخرجٌ ووَجهٌ صحيحٌ، لأنَّ السُّنةَ مُبيِّنة للقرآنِ، قاضيةٌ عليه، غير مُدافعة له» (٢). هذا الخطلُ في دركِ آياتِ القرآن، كان واقعًا قَديمًا منذ عهدِ الصَّحابِة ﵃، يَتأوُّلها كثيرٌ مِن النَّاسِ على غيرِ ما أُرِيدَ بها، فيأتي أهلُ العِلم بالقرآن والسُّنة، ليُبيِّنوا مُرادَ الله منها، مُستَرشِدين في ذلك بسُنَّةِ نبيِّهم ﷺ وسِيرَتِه؛ كان أوَّلهم أبو بكر ﵁ في خُطبةٍ له يُرشد النَّاس بقوله: «يا أيَّها النَّاس، إنَّكم تَقرَءون هذه الآيةَ، وتَضَعونها على غيرِ مَواِضعها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإنَّا سمِعنا النَّبي ﷺ يقول: «إنَّ النَّاس إذا رَأوا الظِّالم، فلم يأخذوا على يَديه، أوشَكَ أن يَعمَّهُم الله بعقابٍ» (٣).

стр. 68

ولأنَّ السُّنَن الصِّحاح على حالٍ مِن التَّوافق مع القرآنِ عند مَن أعطى كلَّ واحد منها حقَّها مِن النَّظر المنهجيِّ السَّليم، نجِد اللَّاهِجين بدَعوى المُعارضةِ يَتَخبَّطون في أخذِ الآياتِ على مَحامِل عِدَّة لا تستقيم على وزانٍ مُنتظِم، فلا نراهم يُبرِزون ضابِطًا مَوضوعيًّا دقيقًا للمُخالفةِ القرآنيَّة، حتَّى صار هذا البابُ خاضِعًا في مُجملِه للاستشكالِ الشَّخصي القائمِ في ذهنِ أحدِهمِ، أدَّى بهم -في واقعِ الحالِ- إلى اضطرابٍ وتَبايُنٍ، مِن مُوجِباتِه النِّزاعُ والخِلافُ النَّاتِجَين عن نِسبيَّة التَّطبيقِ. وعلى مثلِ هؤلاءِ المُغتَرِّين بفُهومِهم النَّائيةِ عن مُرادِ الوحي، تَصدُق كلماتُ ابنِ القَيِّم: «لو ساغَ رَدُّ سُنَنِ رسول الله ﷺ لمِا فَهِمَه الرَّجلُ مِن ظاهرِ الكتابِ، لرُدَّت بذلك أكثرُ السُّنَن، وبَطُلت بالكُليَّة؛ فما مِن أحدٍ يُحتَجُّ عليه بسُنَّة صحيحةٍ تخالف مذهبَه ونِحلتَه، إلَاّ ويُمكنه أن يَتشبَّث بعمومِ آيةٍ أو إطلاقِها، ويقول: هذه السُّنَّة مُخالفةٌ لهذا العمومِ والإطلاقِ، فلا تُقبَل! حتَّى أنَّ الرَّافضةَ -قَبَّحهم الله- سَلَكوا هذا المسْلكَ بعَيْنِه في رَدِّ السُّنَنِ الثَّابتةِ المُتواترةِ، فرَدُّوا قوله ﷺ : «لا نورِّث، ما تركنا صَدقةٌ»، وقالوا: هذا حديث يُخالف كتابَ الله، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]! ورَدَّت الجهميَّة ما شاء الله مِن الأحاديثِ الصَّحيحةِ في إثباتِ الصِّفاتِ بظاهرِ قولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. ورَدَّت الخوارج ما شاء الله مِن الأحاديثِ الدَّالةِ على الشَّفاعةِ، وخروجِ أهل الكبائرِ مِن المُوحِّدين مِن النَّار، بما فهِموه مِن ظاهرِ القرآن. ورَدَّت الجهميَّة أحاديثَ الرُّؤيةِ -مع كثرتِها وصِحَّتِها- بما فهِموه مِن ظاهرِ القرآن، في قولِه تعالى: ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]» (١).

стр. 69

نعم؛ إنَّ مَسلك ردِّ الحديثِ لمُخالفةِ القرآنِ ليس مَنهجُا بِدْعيًّا في حدِّ ذاتِه، بل مَنهجٌ أصيلٌ مُعتَبر إذا تحقَّق مُوجِبُه، لا يَلزَمُ مِن تخبُّطِ مَن سَلَكه أنْ يكون باطلًا في نفسِ الأمرِ، فإنَّ المُتقرَّر عند أهل التَّحقيق في النَّقد، أنَّ «الأصلَ المَعلومَ بالكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، لا يُعارِضُه خبرٌ واحدٌ رواه الثِّقات، بل يُنسَبون في ذلك إلى الغَلط» (١). لكن الشَّأن في تَحقُّقِ هذه المُخالفةِ أصالةً، وذلك لا يتحقَّق إلَّا: بأنْ يكون المعنى الَّذي نَسَبه المُعترِضُ لظاهرِ الآيةِ -مِمَّا يزعُم مُناقَضَتَه للحديثِ- تحتمِله الآيةُ حقًّا مِن غير تَكلُّفٍ. وكان مَسبوقًا في هذه النِّسبة مِن أهلِ التَّأويل. مع انعدامِ أوجهِ التَّأويلِ لدَرءِ ما يَظهَر مِن تَعارضٍ. أو لم يكُن للآيةِ وجهٌ مُعتَبرٌ آخرُ يُوافق الحديثَ عند ثلَّةٍ من أهلِ العلم. فأمَّا أن تُحمَل الآيات على معنى لا يوائم لُغة العَرب، أو كان خِلاف الظَّاهر منها، مُخالفًا لِتفسيرِ السَّلَف لها: فهذا أصلُ الخَلَلِ في هذا الباب. يقول الحجويُّ الفاسيُّ (ت ١٣٧٦ هـ) (٢): «قول النَّاقلِ عن الشَّيخ عبدُه، أنَّ العلماء اتَّفقوا على أنَّ الحديث إذا خالَف القرآنَ يُنبَذ، فهذا الكلامُ اتَّفَق كلُّ مَن نقلَه على أنَّه مُقيَّد، وليس على إطلاقِه، فقد زادوا شَرطين: الأوَّل: أن تكون الآية صريحةً قطعيَّةَ الدَّلالة، والحديث ليس بمُتواتر،

стр. 70

بل خبر آحاد مَظنونٌ، فتُقدَّم الآية عليها لأنَّها قطعيَّةٌ من جهة تواترها، وجِهة دلالتها القطعيَّة. الثَّاني: أن لا يُمكن الجمع بين القرآن والسُّنة، أمَّا إذا أمكنَ الجمع بينهما، فإنَّه لا يحلُّ لأحدٍ أن يدَّعي التَّعارض، ويعرض عن سُنَّة المُصطفى ﷺ » (١). والحاصِلُ: أنَّ هذا المَسلك في مُقابلةِ الأحاديثِ بالقرآنِ -لا شكَّ- مَسلكٌ وَعِرٌ، يُحذِّر العلماء مِن الولوغ فيه من غير سَنَدٍ علميٍّ متين، إذْ ليس «كلُّ النَّاسِ يَقدِرُ أن يَعرضِها على القرآنِ، فيعرِفَ ما وافَقَه منها ممَّا خالَفه، إنَّما ذلك إلى الفقهاءِ، العُلماءِ، الجهابذة، النُّقادِ لها، العارِفين بطُرقها ومَخارجها» (٢). وبهذا تَعلمُ غَلَطَ مَن توسَّع في هذا البابِ مِن بعض فضلاءِ عصِرِنا، فاستعجَلَّ ردَّ بعضِ الأخبارِ النَّبويَّة الصَّحيحةِ لما انقدح في ذهنِه من ظاهرِ المُعارضة للقرآن، دون استقراء لتوجيهاتِ العلماءِ المَاضين لهذا، وهذا السُّلوك المَنهجيُّ الخاطئ، قد فَتَح البابَ واسِعًا أمامَ المُتطفِّلين ليعبَثوا في أدلَّةِ الشَّرع، فينكبُّوا على جَلْدِ كلِّ حديثٍ لا يَروق لهم بسِياطِ القرآن. والقرآن مِن هذه الجهالاتِ بَراءٌ؛ حتَّى بَلَغَ السَّفَه بأحدِ أولاءِ الرُّوَيبضة أن يُطالِبَ «باستبعادِ قُرابةِ ألفَيْن إلى ثلاثةِ آلافِ حديثٍ، نِصفُها على الأقل ممَّا جاءَ في الصَّحيحين، لأنَّها تَتَعارض مع القرآن» (٣)! وهذه بعضُ أمثلةٍ لأحاديثَ في «الصَّحيحين»، ردَّها المُعاصِرون لفهمِهم الخاطئِ لآيِ القرآن، فنقول: الِمثال الأوَّل: أحاديث الآياتِ الحِسِّيةِ للنَّبي ﷺ : حيث ادَّعى قومٌ بُطلانَ الأحاديثِ الواردةِ في إتيانِ النَّبي ﷺ لبعضِ الآياتِ الحِسيَّةِ، كانشقاقِ القَمر، وجَريانِ الماء مِن بين أصابِعه الشَّريفة، بدعوى أنَّ

стр. 71

القرآنِ دلَّ على قَصْرِ ما اختَصَّ به النَّبيُّ ﷺ مِن المُعجزات في القرآنِ وحدَه، وأن ليس مِن اختصاصِه الإتيانُ بآياتٍ خارقةٍ للعادةِ. ترى هذا الاعتراضَ ماثلًا في دعوى (عابدٍ الجابريِّ): «نحنُ نُؤكِّد -فعلًا- أنَّ الشَّيء الوحيدَ الَّذي يُفْهَم مِن القُرآن بأكملِه، أنَّه معجزةٌ خاصَّةٌ بالنَّبي محمَّد ﷺ : هو القرآن لا غير، فالقُرآن يَكفي ذاته بذاتِه في هذا الشَّأن .. » (١). واستدَلَّ بقولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١]. وكان (رشيد رضا) مِن السَبَّاقِين قبلَه للاستدلالِ بهذه الآيةِ على نفيِ الآياتِ الحِسيَّة (٢). وليس فيما استَدَلَّ به ولا الجابِريُّ مُستمسَكٌ، ولا في الآيةِ ما يَدلُّ على دعواهما، فإنَّ الإغلاقَ واقعٌ في الآيةِ لإجابةِ أهلِ مكَّةَ فيما اقترحوه مِن آياتٍ بعينِها، لا في مُطلقِ الآياتِ، وذلك لكونِ التَّكذيب بعد وقوعِ الخارقِ المَطلوبِ يوجِبُ هلاكَ المُكذِّبين، كما في قولِه تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَاّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، فلذا لم يُجِبهُم الله إلى طَلبِهم تلك الآياتِ بأعيانِها، رحمةً منه بقَومِ نبيِّه ﷺ . فعلى هذا، تكون (الـ) التَّعريفِ في ﴿الآيَاتِ﴾: عَهْدِيَّة؛ وإلَّا فحصولُ الكفايةِ بالقرآن هو حَقٌّ لا نُمارِي فيه، فهي الآيةُ الكُبرى للنَّبي ﷺ ، لكنْ هذا لا يَقتضي نفيَ ما عداه مِن الآيات الحِسيَّة، والَّتي تَواترت عنه في الجُملةِ (٣).

стр. 72

المثال الثَّاني: حديث سِحر النَّبي ﷺ . فقد شَنَّع (محمَّد الغزالي) على أهلِ الحديثِ روايَتهم لحديثِ سِحْرِ لَبيدِ اليهوديِّ للنَّبي ﷺ ، مع كونِه مُتَّفقًا على صِحَّتِه (١)، حيث قال: «إذا صَحَّ هذا، فلِمَ لا يَصِحُّ قولُ المُشركين: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ [الفرقان: ٨]؟!» (٢). ومَعلوم أنَّ المَنزع القُرآنيَّ لهذه الشُّبهةِ اعتزاليٌّ قديمٌ، لا يَكاد يخلو منه كلامُ مَن رَدَّ الحديثَ مِن الأقدَمِين، وتوارَثه المُنكِرون المُتأخِّرون، كـ (محمَّد عبده) الَّذي احتجَّ بالآيةَ، ليرُدَّ على بعضِ الأزاهرةِ الَّذين أنكروا عليه نُكرانَه للحديث (٣). والآيةِ على غير ما أرَادا، فإنَّ المشركين إنَّما ابتغوا بقولهم: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾: أنَّ أمرَ النُّبوة كلُّه سِحْرٌ، وأنَّ ذلك ناشِئٌ عن أنَّ الشَّياطين استَولوا عليه -بزَعمِهم- يُلقون إليه القرآن، ويَأمرونَه، ويُفهِمونه، فيُصدِّقهم في ذلك كلِّه، ظانًّا أنَّه إنَّما يَتَلقَّى مِن الله ومَلائكتِه. ولا ريبَ أنَّ الحال الَّتي ذُكِر في الحديثِ عُروضُها له ﷺ لفترةٍ خاصَّةٍ، ليست هي هذه الَّتي زَعَمَها المُشركون، ولا هي مِن قِبَلِها في شيءٍ مِن الأوصافِ المَذكورة (٤). الفرع الثاني: مِن أسبابِ استشكالِ الأحاديثِ النَّبويَّة ضَعفُ النِّسبة. كثيرًا ما يُستشكَل حديثٌ تَلوح منه مَعالم المُخالفة الصَّريحة لصحيحِ المَنقول، أو صريح المَعقول، فيُتَّخذُ وسيلةً في تشكيكِ جَهلةِ المسلمين في سُنَّة نبيِّهم، ثمَّ يتَبيَّن بعد التَّفتيشِ عدم ثبوتِه عن النَّبي ﷺ .

стр. 73

أو يكون ما يُدَّعَى أصْلًا يُدفَعُ به في نحرِ الحديثِ هو الضَّعيفَ مِن حيث الثُّبوتِ، كأن يأتي المُعترضِ إلى واقعةٍ تاريخيَّة ما، فيرُدّ بها حديثًا ثابت الإسناد، بدَعوى أنَّه يخالف ما أثبتَته تلك الواقعة، مع أنَّ الواقعةَ ظَنِّية الثُّبوت! لا يجوز أن يُدفعَ بها حديثٌ قد صُحِّحَ لو فرضنا كونَه ظنيًّا أيضًا، فكيف إذا كان في «الصَّحيحين»؟ والطَّامةُ إذا كانت الواقعةِ التَّاريخيَّة المُعارَض بها مَكذوبةً مِن الأساسِ! وهذا السَّببُ في الاستشكال كسابقه مُتفرِّع إلى قِسمَين: القسم الأوَّل: أن يكون الحديثُ المُعارَضُ غيرَ ثابتِ النَّقلِ أصلًا. وذلك بأن يُستشكَلُ خبرٌ مَرويٌّ في بعضِ مُصَنَّفات الحديث، ويكون مَعناه باطلًا مُعارِضًا لأصلٍ قَطعيٍّ مِن الأصول، فإمَّا: أن يتَكَلَّف ناسٌ مِمَّن لا خبرةَ لهم في الحديثِ تأويلَه على أوجهٍ مُتعَسِّفة (١). أو يَرميَ به آخرونَ أهلَ الحديثِ بتَقبُّلِ الأباطيل، ويتنقَّصون به السُّنة وأهلَها؛ مع أنَّ الحديثَ في الأصلِ لو فَّتشوا إسناده، لوَجدوه ساقط الاعتبار. يقول ابن تيميَّة: «لا يُعلَم حديثٌ واحدٌ يُخالف العقلَ أو السَّمعَ الصَّحيحَ إلَاّ وهو عند أهلِ العلمِ ضعيفٌ، بل مَوضوعٌ .. فآخرون مِن الزَّنادقةِ والمَلاحِدة كَذَبوا أحاديثَ مُخالفةً لصريحِ العقل، ليُهجِّنوا بها الإسلام، ويجعلوها قادِحةً فيه» (٢).

стр. 74

فهذا النَّوع مِن الواهياتِ لا وجود له في «الصِّحيحين» -ولله الحمد- فنُمثِّل بشيءٍ منهما. القسم الثَّاني: أن يكون الأصلُ المُعارَضُ به غير ثابت. وذلك بأن يُأتى إلى حديثٍ صحيحٍ، فيُستَنكرَ متنُه، لأنَّه في زَعْمِ المُعترضِ يُخالفُ ما يعتقده حقيقةً، سواءٌ كانت تاريخيَّة أو عِلميَّة تجريبيَّةً أو نحو ذلك؛ وعند عَرضِ ما ادَّعاه تحت عَدَسة التَّحقيقِ، نجده مُجرَّد ظنونٍ لم تثبُت أصلًا، ولم ترقَ إلى القطعيَّات. وأضربُ مِثالًا لهذا القِسم يَكثُر الزَّلل فيه في زمانِنا المُتأخِّر على وجه الخصوصِ، فأقول: الفرع الأوَّل: مثال هذا القسم: الأحاديث المُدَّعاة مُخالفتها لمُقرَّرات العلومِ الحديثةِ. المُتَقرَّر مِن منهجِ أهلِ السُّنةِ في هذا البابِ مِن التَّعارضِ بين الأحاديثِ الصَّحيحةِ ومُكتشفاتِ البَشَر في شتَّى العلومِ العصريَّة: أنَّ الكَلِمةَ العُلْيا فيه للنُّصوصِ الشَّرعيَّة الَّتي تَلقَّتها العلماءُ بالقبول، من غير إنكارٍ للعلمِ الحديثِ بوَسائِله المُبتَكرة النَّافعة، بل واستخدامِ نتائجِه القَطعيَّةِ في تعزيزِ مَكانةِ النُّصوصِ نفسِها. والفتنةُ الكبرى الواقع فيها كثيرٌ مِن المُتشرِّعةِ في هذا الباب: سَعيُهم إلى التَّوفيق بين الأخبار النَّبويَّة وبين العلوم الحديثة في النَّتائجِ، لكنْ بمبدأِ سِيادةِ الثَّانية على الأولى! وقد يُعاد تفسيرُ الآياتِ القرآنيَّة، وتأويلُ الأحاديثِ بما يُوافِق تلك النَّتائج العِلميَّة، ولو ضُرِب بقواعد التَّفسير عرضَ الحائط، وإلَّا فما أسهل إبطال الأحاديثِ إذا خالَفت عندهم تلك المُكتشفات، ولو رَوَاها الثِّقات المُتثبِّتون.

стр. 75

وهذا الاتِّجاه في النَّقد غير مَقبولٍ شرعًا ولا عقلًا، فإنَّ جوهرَ الدِّين يَقوم على كونِه مَتبوعًا لا تابِعًا، ولا يُمكن أن يُعَطَّل حديثٌ نَبويٌّ قد أخَذَت به الأمَّة قرونًا مُتطاولةً، بدَعوى مُعارضتِه لنَظريَّاتٍ أو مُكتشفاتٍ عِلميَّة، تُقدَّم هي نفسُها للتَّجربةِ لتُمتَحَن، بل قد تُعَدَّل إلى فروضٍ أخرى، لتُقدَّم للتَّجربةِ مرَّةً أخرى! (١) فإنَّه كيْ «يُقال: إنَّ هذه حقيقةٌ عِلميَّةٌ، لا بُدَّ مِن أمرَين: إقامةُ دليلٍ دامغٍ على صِحَّتها، ثمَّ إقامةُ دليلٍ آخرَ على استحالةِ غيرِها» (٢)؛ فرُبَّ حديثٍ صَحيحٍ، ظُنَّ ردحًا مِن الدَّهرِ أنَّه مُخالفٌ لمُقرَّراتِ العِلم، وبالبحثِ تَبيَّن أنَّ ما ظُنَّ مِن مُقرَّراتِ العلوم، ما هو إلَّا نظريَّات ظَنيَّة، أو آراء افتراضيَّة، بل أوهام باطِلة! ولعلَّ أجلى مِثالٍ على ذلك: نَظريَّةُ «دارْوِن» في النُّشوءِ والارتقاء (٣). وها هُم علماء الغَربِ أنفُسهم، نراهم يعجزون عن إدراكِ حقائقِ الغَيبِيَّات الَّتي يجزم الإنسان بوُجودِها، وعن تفسيرِ كثيرٍ مِن الظَّواهرِ المُحَسَّة (٤)، وعن الوصولِ إلى اليَقينِ في كثيرٍ مِن القضايا المَبحوثة، بل عَجَزَ كثيرٌ منهم عن تَفادي جُملةٍ مِن الأخطاءِ البَشريَّة في استنتاجاتِه المخبَريَّة، بل منهم من يَتعمَّد الكذب فيها! ومِمَّن شَهد على شيءٍ من هذه البَوائقِ في تقرير مُخرَجات العلوم عند الغَرْبيِّين:
следующие страницы →