← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

على الباء، فصارت ذوات / الواو والياء بلفظ واحد، وهي اللغة المشهورة المستعملة. ولك أن تشم القاف والياء بالضم الذي هو أصلها، وقد قرئ به. ولك في غير القرآن أن تقول: " قُوْل ": فتسكن الواو استثقالاً للكسر عليها، وتترك القاف على ضمتها، وكذلك يجوز لك فيما كان عينه ياء، نحو: " بُوع المتاع "، فيصير ذوات الواو والباء بلفظ واحد، كما صار في اللغة الأولى المستعملة بالياء فيهما. قوله: ﴿لاَ تُفْسِدُواْ﴾. أي: لا تعبدوا إلا الله، وعبادة غير الله من أعظم الفساد. وحكى الكسائي " اللَّرض " بتشديد اللام وعوض من الهمزة لاماً، وإدغامها في لام التعريف. وقال الفراء في هذه اللغة: " إن لام التعريف لما ألقي عليها حركة الهمزة استكره ذلك فيها إذ أصلها السكون، فزيد بعدها لام أخرى وأسكن الأولى فردها إلى أصلها وأدغمها في اللام المزيدة، فرجعت لام التعريف إلى

стр. 107

أصلها وهو السكون ". قوله: ﴿قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. هذا قولهم على دعواهم وليسوا كذلك، لأن من أبطن الكفر وأظهر الإيمان فهو من أعظم المفسدين. وهذا كله خبر عن المنافقين. قال مجاهد وغيره: " أربع آيات من أول سورة البقرة / نزلت في نعت المؤمنين وآيتان بعد ذلك في نعت الكافرين، [وثلاث عشرة] آية بعد ذلك في نعت المنافقين. وقال مقاتل بن سليمان: " الآيتان الأوليان من سورة البقرة اللتان آخرهما ﴿يُنْفِقُونَ﴾ نزلتا في المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ المهاجرين. والآيتان اللتان آخرهما ﴿المفلحون﴾ نزلتا في المؤمنين من أهل التوراة، والآيتان اللتان بعدهما، اللتان آخرهما ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ نزلتا في الكفار. [وثلاث عشرة] آية بعدهما نزلن في

стр. 108

المنافقين من أهل الكتاب ". قوله: ﴿نَحْنُ﴾. هو اسم مضمر يقع للواحد الجليل القدر، وللاثنين وللجماعة. وحقه البناء على السكون لأنه مضمر، والمضمرات كلها مبنية؛ وإنما بنيت لأنها مشابهة للحروف، إذ لا تخص شيئاً بعينه، ولأنها تكون على حرف واحد، وحرف واحد لا يعرب. وإنما حرك " نحن " وحقه السكون لأن قبل آخره ساكن يحرك الآخر لالتقاء الساكنين. واختير لها الضم في قول المبرد لأنها مشبهة بِ " قَبْلُ " و " بَعْدُ "، وذلك لأنها تتعلق بالإخبار عن اثنين فأكثر. وقال هشام الكوفي: " أصل " نَحْنُ ": نَحُن، فردت حركة الحاء على النون بعدها ".

стр. 109

وقال أحمد بن يحيى: " ضمت " نحن " لقوتها لأنها تضمنت التثنية [والجمع]، وقد تكون للواحد فأعطيت أقوى الحركات وهي الضم ". وقيل: إنما ضمت لتضمنها تثنية وجمعاً، فصارت مشبهة بـ " حيث " لانها تضمنت مكائن. وقال الزجاج: " لما كانت الواو من علامات الجماعة واحتيج إلى حركة النون من " نحن " لسكونها وسكون ما قبلها، حركت بما يشبه الواو وما هو منها، وهي الضمة. ولهذا ضموا واو الجمع إذا احتاجوا إلى حركتها في نحو قوله: ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: ١٦]. وقال علي بن سليمان: " نحن " من علامات المضمر المرفوع فلما احتيج إلى

стр. 110

حركته حركوه بأخت الرفع وهو الضم ". ومعنى قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي هذا الذي تسمونه / فساداً هو صلاح عندنا. وقيل: إن معناه: [أنهم قالوا]: نريد الإصلاح بين المؤمنين وأهل الكتاب. وعن سلمان الفارسي أنه قال: " لم يجىء هؤلاء بعد ". وأكثر المفسرين على أن هذا نزل في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ . وقيل: معنى قول سلمان: " لم يجئ هؤلاء بعد " أي لا يأتون لأنهم قد انقرضوا.

стр. 111

فإن قيل: ما على من لم يعلم أنه مفسد من الذم، فقد أخبر الله عنهم أنهم لا يعلمون أنهم مفسدون / فالجواب أن القوم كانوا يبطنون الفساد وهم يعلمون به، ويظهرون / الصلاح الذي ادعوا، وهم لا يشعرون أن الله يظهر ما يبطنون، فإنما معنى ﴿ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾: أي لا يعلمون أن الله يظهر ما يبطنون من النفاق والكفر. والهاءات من: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ إلى ﴿يَشْعُرُونَ﴾ يعدن على " من " في قوله: ﴿مَن يَقُولُ آمَنَّا﴾ وهم المنافقون. وعلى هذا أكثر الناس. ودخلت الألف واللام في (المُفْسِدينَ)، لأنه جواب كلام سبق منهم إذ قالوا: محمد وأصحابه مفسدون في الأرض. فأخبر الله أنهم هم المفسدون، ولو كان على غير جواب لم يدخله الألف واللام. ألا ترى لو أنك قال لك قائل: " أنت ظالم "، فأردت أن ترميه بغير الظلم لقلت: " أنت كاذب أنت فاسق "، ولا تقوله بالألف واللام، لأنه غير جواب قوله. فإن أردت أن ترميه بمثل ما رماك به، قلت له: " أنت الظالم "، ولو أضمرت / لقلت: " أنت هو ". ولو رميته بمثل ما رماك به لم يجز الإضمار في جوابك،

стр. 112

إنما تضمر إذا رميته بمثل ما رماك به، لأنه معرفة، فالجواب معرف أبداً إذا كان رد اللفظ / الأول. قوله: ﴿كَمَآ آمَنَ السفهآء﴾. أصل السفه قلة الحلم، فقيل للجاهل سفيه لقلة حلمه يقال: ثوب سفيه، أي بال رقيق. قول: ﴿ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء﴾. ردَّ الله عليهم قولهم وأعلم المؤمنين أنهم أحق بهذا الاسم، ولا عذر لهم فيما وصفهم الله به من السفه لأنهم إنما لحقهم ذلك إذ عَابوا الحق وخالفوه، وسفهوا المؤمنين واستحقوا هذا الاسم لفعلهم، وكانوا به أولى من المؤمنين. قوله: ﴿ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾. معناه [أنهم لا يعلمون] أنهم أولى بهذا الاسم وهو السفه، وأن الله يطلع المؤمنين على ما يبطنون. قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ﴾ الآية.

стр. 113

أصل " لَقُوا ": " لقيُوا "، فألقيت حركة الياء على القاف، وحذفت الياء لسكونها وسكون الواو بعدها. [وهذه] صفة المنافقين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر. قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ﴾. يعني أصحابهم، وقيل: رؤساؤهم في الكفر قال الله: ﴿شياطين الإنس﴾ [الأنعام: ١١٢] فسمى أهل الفسق من الإنس شياطين. وقيل: الشياطين هنا الكهان. وقيل: هم الكفار والمنافقون إذا لقوهم قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي على دينكم. و" إلى " بمعنى " مع "، كما قال: ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، أي مع أموالكم.

стр. 114

وقيل: إلى على بابها. [والعرب] تقول: " خلوت به "، و " خلوت إليه ومعه "، لكن الباء يجوز أن تدل على أن معنى " خلوت به " من السخرية و " إلى " لا تدل إلا على " خلوت إليه " في أمر ما. والآية ليست / على معنى السخرية، فلذلك لم يأت بالباء لما فيها من الإشكال إذ هي تحتمل معنى " إلى "، وتحتمل السخرية. وأيضاً فإن معنى " إلى " أنه على معنى: [وإذا صرفوا] إلى شياطينهم / قالوا: إنا معكم، أي على دينكم [فالجالب لِ إلى "] الانصراف الذي دل عليه الكلام، والباء لا تدخل مع الانصراف الذي دل عليه الكلام، فلذلك أيضاً لم تدخل مع " خلوا ". وفي اشتقاق " شيطان " قولان: - قيل: هو فعلان من " شيط " فلا ينصرف إذا سميت به في المعرفة للتعريف

стр. 115

والزيادتين كعثمان، وينصرف في النكرة، وذلك المستعمل فيه في الكلام والقرآن. أعني النكرة على أنه واحد من جنسه كَسِرْحَان اسم واحد " الذِّئَاب ". - وقيل: هو (فَيْعَال) من الشطن وهو الحبل، فيكون معناه أنه ممتد في الشر، ومنه " بِئْر شَطُونٌ "، إذا كانت بعيدة الاستقاء. وهو عند القتبي فَيْعال " من شطن " أي بَعُدَ من الخير يقال: " شطنت داره "، أي بعدت. فهو ينصرف على هذين القولين في المعرفة والنكرة. وتصغيره على القول الأول في المعرفة شيطان، ولا يجمع على شياطين إلا أن تجعله نكرة فيجمع على شياطين. " كسرحان، وسراحين، ووزنه فعالين على مذهب من جعله مِنْ " شَيَّطَ " ووزنه (فياعيل) على مذهب من جعله من " شطن " وتصغيره على القولين الآخرين " شييطين " في المعرفة والنكرة. قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. أي نستهزئ بالمؤمنين في قولنا / لهم: " آمنا ". وهمزة " مستهزئون " يجوز في تخفيفها وجهان: أحدهما: أن تجعلها بين الهمزة المضمومة والواو

стр. 116

الساكنة، وهو قول سيبويه. والوجه الثاني: أن تجعلها بين الهمزة المضمومة والياء الساكنة لأجل انكسار ما قبلها وهو قول الأخفش. وحكى بدلها بياء مضمومة وليس بقياس. قوله: ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾. معناه: الله يجازيهم على قولهم. والعرب تسمي جزاء الذنب باسمه. قال الله جل ذكره: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال: ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. فالأول من هذا استهزاء وسيئة، وعدوان، والثاني: جزاء عليه، فسمي باسمه اتساعاً لأن المعنى قد علم. وقيل: معنى ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾: أي يقطع عنهم نورهم يوم القيامة إذا أخلوا على الصراط [ويديم نور] المؤمنين وهو قوله: ﴿فالتمسوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣]، فهو يعطيهم يوم القيامة نوراً لا يتم لهم، ولا

стр. 117

ينتفعون به / لانقطاعه عنهم. وقال الحسن: " إن جهنم تجمد كما تجمد الإهالة في القدر، فيقال لهم: هذا طريق، فيمضون فيه فيخسف بهم إلى الدرك الأسفل من النار. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: " يقال لأهل النار يوم القيامة: أخرجوا من النار. وتفتح لهم أبواب النار فإذا رأوا الأبواب قد فتحت أقبلوا إليها، يريدون الخروج منها، والمؤمنون ينظرون إليهم من الجنة - وهم على الأرائك - فإذا انتهى أهل النار إلى أبوابها يريدون الخروج منها غلقت [أبوابها دونهم]، فذلك قوله: ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾، قال: ويضحك المؤمنون عند ذلك، وهو قوله: ﴿فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤]. وقيل معنى: ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ أي يظهر لهم من أحكامه في الدنيا في حقن دمائهم وسلامة أموالهم خلاف ما يظهر لهم من عذابه يوم القيامة جزاء على إظهارهم للمؤمنين في الدنيا خلاف ما يبطنون. وقيل: معناه: يُمْلي لهم، كما قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤].

стр. 118

/ قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. أي يطيل لهم في الأجل المكتوب لهم، وهم في طغيانهم يتحيرون. والطغيان والعتو والعلو بغير الحق، والعمه التحير. / وقيل: معنى ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يركبون رؤوسهم، فلا يبصرون رشدهم كما قال: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢] وهذا كله من صفات المنافقين عند أكثر المفسرين. وقال الضحاك: " هو في اليهود ". قوله: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ الآية. أي هؤلاء الذين تقدمت صفاتهم هم الذين باعوا الهدى بالضلالة لأنهم لَمَّا مَالُوا إلى الضلالة وتركوا الهدى، كانوا بمنزلة من باع شيئاً بشيء، فوصفوا بذلك. وأصل الضلالة الحيرة، ويسمى الهالك التالف ضالاً نحو قوله: ﴿أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض﴾ [السجدة: ١٠] أي هلكنا وتلفنا. ومنه قوله: ﴿أَضَلَّ أعمالهم﴾ [محمد: ١]، أي أتلفها

стр. 119

وأهلكها وأبطلها. ومنه قوله: ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] أي لن يبطلها ويتلفها ويهلكها. فكأن هؤلاء لما أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى كانوا بمنزلة من لم يربح في تجارته، وأضاف الربح إلى التجارة لأن المعنى مفهوم وهو من اتساع العرب ومجازه. وهو كثير في القرآن أي في كتاب الله، إذ هو من كلام العرب، والقرآن نزل بكلامهم فلا ينكر أن يأتي القرآن بما هو في كلام العرب معروف مشهور إلا من عدم حسه وفارق فطنته، ومثله قولهم: " نَهَارُكَ صَائِمٌ وَلَيْلُكَ قَائِمٌ "، / ومنه قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اليل والنهار﴾ [سبأ: ٣٣]. وهو كثير في الكلام والقرآن. وحركت الواو في " اشْتَرُوا " لسكونها، وسكون لام التعريف بعدها، وكان الضم أولى بها لأنها واو جمع، ولأن الضمة عليها أخف من الكسرة، ولأن لام الفعل المحذوفة قبلها كانت مضمومة. وأصله " اشتريوا " فقلبت / الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذفت الألف لسكونها وسكون الواو بعدها. وبقيت الفتحة تدل على الألف، ولم ترد الألف عند حركة الواو لأن حركتها عارضة ليست بلازمة. ويجوز في الواو الكسر والفتح. ويجوز الهمز، وهو بعيد جداً.

стр. 120

وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾. أي لم يكونوا في علم الله السابق ممن يهتدي فيؤثر الهدى على الضلالة. قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً﴾ الآية. معناه مثل هؤلاء المنافقين في حقنهم دماءهم بما أظهروا من الإيمان وَسِتْرِهم على غير ذلك، كمثل الذي استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، ذهب الله بنورهم. فضياء ما حولهم هو ما حقن إقرارهم من دمائهم ومنع من أموالهم في الدنيا. وقوله: ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾. هو ما يجدون يوم القيامة من عدم نورهم لأنهم لا ينتفعون بما أظهروا من الإيمان إذ كان باطنهم خلاف [ما أظهروا]. وقوله: ﴿استوقد نَاراً﴾. أي استوقدها من غيره. وقيل: معناه: أوقد، أي أوقدها هو. واستفعل في كلام العرب يأتي على وجهين: - يكون بمعنى استدعى الفعل من غيره نحو قوله:

стр. 121

﴿وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠]. أي استدعى أن يسقوا. - ويكون بمعنى فعل، نحو قوله: ﴿واستغنى الله﴾ [التغابن: ٦] فلم يستدع غني من واحد، وبعده: ﴿والله غَنِيٌّ﴾ [التغابن: ٦] يدل على ذلك. و" ما " في قوله: ﴿أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ في موضع نصب بِ " أَضَاءَتْ ". وقيل: هي زائدة / لا موضع لها من الإعراب. والمعنى: " فلما أضاءت النار، الموضع الذي بحوله. " فما " غير زائدة. قال قتادة: " هي لا إله إلا الله، قالوها بأفواههم فَسَلِمُوا بها من القتل حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم ". قال مجاهد: " هو إقبالهم على المؤمنين والهدى. وذهاب النور، هو إقبالهم على الكفار. وقيل: ذهب الله بنورهم، أي أظهر المؤمنين على ما أبطنوا من الكفر والنفاق.

стр. 122

فبعد أن كان لهم عند المؤمنين نور بما أظهروا من الإيمان صاروا لا نور لهم عندهم، لما أعلمهم به من سوء / ما أبطنوا. والقول الأول عليه أكثر المفسرين؛ أن ذهاب نورهم إنما يكون يوم القيامة وهو الذي ذكره الله في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. والهاء والميم تعود على " الذي " لأنه بمعنى " الذين كما قال: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ أولئك هُمُ المتقون﴾ [الزمر: ٣٣]. وفي هذا اختلاف ستراه في موضعه إن شاء الله. ومنه قول الشاعر: إنَّ الَّذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هُمُ الْقَوْمُ كُلَّ الْقَوْمِ يَا وأُمَّ خَالِدِ وقيل: تعود على المنافقين المتقدمي الذكر. وجواب " لما " محذوف تقديره: فلما أضاءت ما حوله طفئت، ذهب الله بنورهم. قوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ﴾. هذا تمثيل للكفر الذي هم فيه يسيرون.

стр. 123

وقيل: هو شيء يكون في الآخرة، وهو قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣]. فظلمات جمع ظلمة، ويجوز إسكان اللام من " ظلمات " استخفافاً، ومن العرب من يبدل من الضمة فتحة، فيقول ظُلَمَات. وقال الكسائي: " من قال: ظُلَمَات بفتح اللام فهو جمع " ظُلَم "، و " ظُلَم " جمع " ظُلْمَة ". ولا يجوز الفتح في مثل هذا في الحرف الثاني مما لامه واو ونحو خطوات. إنما / يجوز الإسكان لا غير. فإن كان اللام ياء لم يجز فيه إلا الإسكان نحو [كُلْيَةٍ وَكُلْيَاتٍ]. قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. أي هم صم عن الحق وسماعه، وهم بكم عن قول الإيمان وهم عمي عن النظر / إلى الآيات الدالات على الإيمان بالله ورسوله. وإنما وصفوا بذلك، ولم يكونوا صماً ولا بكماً وعمياً، لأنهم لَمَّا لم ينتفعوا بهذه الجوارح كانوا بمنزلة من عُدِمها، / فلم ينتفع بها. وقوله: ﴿فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ أي لا يرجعون عن ضلالتهم.

стр. 124

قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء﴾ الآية. الصَّيِّب: المطر، وأصله " صَيْوِبٌ " عند البصريين من " صابَ " يَصُوبُ "، والصَّوْبُ: نزول المطر. يقال: " صَابَ المطر " إذا نزل. وقال الكوفيون: " أصله صَوِيب على فعيلٍ كَرَغِيفٍ، ويلزمهم ألا يعلوه كما لم يعلوا " طويلاً ". واعتل عند البصريين لأن الياء إذا أسكنت وأتت بعدها واو، قلب من الواو ياء وأدغمت الأولى في الثانية " كَمَيِّتٍ " و " هَيِّنٍ ". وقيل: الصَّيِب: السحاب الذي فيه المطر، لا المطر، روي عن ابن عباس. ومعنى: صاب: نزل وقصد. والمعنى أن الله جل ذكره أباح للمؤمنين

стр. 125

أن يمثلوا المنافقين بالذي استوقد ناراً أو بالصيب. و " أو " للإباحة. وجمع " صيب ": صيائب. والرعد: مختلف فيه، فقال مجاهد: " هو ملك يزجر السحاب بصوته، فالمسموع صوته ". وقال شهر بن حوشب: " الرعد ملك يتوكل بالسحاب / يسوقه كما يسوق الحادي الإبل يسبح كلما خالفت سحابة صاح بها، فإذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه فهي الصواعق ". وقال ابن عباس: " الرعد ريح "، قيل: إنها تختنق تحت السحاب، فتتصاعد فيكون منه ذلك الصوت. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: " الرعد اسم ملك، وصوته هذا تسبيحه، فإذا اشتد زجره بالسحاب، اضطرم السحاب من خوفه فيحتك، فتخرج الصواعق

стр. 126

من بينه ". ومعنى الآية عند ابن عباس أنه مثل ضربه الله في المنافقين، فالظلمات ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل على ما أبطنوا. ومعنى: ﴿يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم﴾ أي يكاد الحق الذي دعوا إليه فخالفوه أن يهلكهم. وقوله: ﴿مُحِيطٌ بالكافرين﴾ أي جامعهم بقوة. قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾. هو مثل لما أظهروا من الإيمان الذي حقن دماءهم ومنع من أموالهم. ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾: أي ثبتوا على ما أبطنوا من كفرهم. وقال ابن مسعود: " كان رجلان من المنافقين هربا من النبي ﷺ إلى المشركين فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله، واشتد عليهم البرق والصواعق وأيقنا بالهلاك، فقالا: ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمداً ﷺ ، نضع بأيدينا في يده،

стр. 127

فأصبحا فأتياه، وحسن إسلامَهُما. فضرب الله شأنهما وما نزل بهما مثلاً للمنافقين الذين كانوا بالمدينة. وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي ﷺ جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقاً مما ينزل على النبي ﷺ فيهم من نفي أو قتل كما فعل الرجلان خوفاً من صوت الصواعق ". ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٤]. وعن ابن مسعود أيضاً في الآية أن قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ معناه: إذا كثرت أموالهم وغنموا ودامت سلامتهم قالوا: إن دين محمد ﷺ دين صدق وتمادوا على إظهار الإيمان وهو قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ أي تمادَوْا على حالهم، فإذا أحربوا وهلكت أموالهم، قالوا: هذا من أجل دين محمد ﷺ ، وهو قوله: ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ أي رجعوا إلى كفرهم ونفاقهم.

стр. 128

وقال الحسن: " معنى المثل الأول في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً﴾ أنه تعالى مثل المنافقين كمثل رجل يمشي في ليلة مظلمة وفي يده شعلة من نار فهو يبصر بها موضع قدميه، فبينا هو كذلك أحوج ما كان إلى الضياء طُفئت ناره / فلم يبصر كيف يمشي. وإن المنافق تكلم بـ " لا إله إلا الله " فناكح بها المسلمين وحقن دمه وأحرز ماله. فلما كان عند الموت والحاجة / إليها سلبه الله إياها إذ لم تكن حقيقة، فبقي لا شيء معه كما بقي ذلك الرجل في ظلمة لا ضوء معه ". وقيل: هي مثل في اليهود إذ في كتابهم ذكر محمد [﵇] وصفته، فرأوه وعلموه فلم ينفعهم ذلك وكفروا به على علم منهم أنه نبي حق ". وعلى أن الأمثال ضربها الله في المنافقين أكثر أهل التفسير. قال الربيع بن أنس: معنى ذلك مثلهم كمثل قوم صاروا في ليلة مظلمة فيها رعد ومطر وبرق على جادة ظلماء، فإذا [أبرق أبصروا] ومشوا، / وإذا أظلم

стр. 129

تحيروا وشكوا في الجادة. وكذلك المنافق؛ إذا تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له الأمر، وإذا شك تحيَّر وانتكس فصار في ظلمة من أمره ". قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبصارهم﴾ الآية. / خص الله جل ذكره ذكر السمع والبصر [لتقدم ذكرهما] قبل ذلك، ووحَّد السمع لأنه مصدر يدل على القليل والكثير من جنسه. وقيل: معنى الآية: " لو شاء الله لأطلع نبيه ﷺ على نفاقهم وكفرهم فيستحلَّ دماءهم وأموالهم وأولادهم، وفيه تهديد ووعيد. واختلف في البرق؛ فروي عن علي رضي الله عن هـ أنه قال: " هو مخاريق الملائكة ". وعنه أنه قال: " يحدث من ضرب الملك السحاب بمخراق من حديد " وقال " الرعد صوت الملك ".

стр. 130

وعن ابن عباس: " أن البرق سوط من نور يزجي به الملك السحاب " يريد أن البرق نور السوط إذا ضرب به. وقال مجاهد: " البرق مصع الملك " والمصع الضرب، والمصاع عند العرب المجالدة بالسيوف والمخاريق السياط، واحدها مخراق وهو السوط. وروى مجاهد عن ابن عباس " أن البرق ملك يتراءى ". وفي يَخْطَفُ " أوجه وقراءات أفصحها " يخطف " بفتح الطاء مخففاً. ولغة أخرى بكسر الطاء مخففاً، وبه قرأ علي بن الحسين وابن وثاب، فدل ذلك على أنه يقال: خَطَفَ، يَخْطَفُ، وَخَطِفَ يَخْطِف لغتان فيه.

стр. 131

- ووجه ثالث: قرأ به الحسين وقتادة وعاصم الجحدري وهو كسر الخاء والطاء والتشديد، وأصله، " يَخِطِّفُ "، فأدغم التاء في الطاء بعد أن أسكنها وكسر الخاء لالتقاء الساكنين. - ووجه رابع: وهو فتح الخاء وكسر الطاء مشدداً وأصله أيضاً " يَخْتَطِفُ "، ثم ألقى حركة التاء [على الخاء]، وأدغم التاء في الطاء، وهو مروي أيضاً / عن الحسن. وحكى الفراء إسكان الخاء، والتشديد عن بعض أهل المدينة. كأنه أدغم التاء في الطاء، وترك الخاء على سكونها في " يختطف "، وهو بعيد، لأنه جمع بين ساكنين ليس أحدهما حرف لين. - ووجه سادس: ذكره الأخفش والكسائي والفراء، وهو كسر الياء والخاء والتشديد، وهو كالوجه الثالث إلا أنه كسر الياء للاتباع. - ووجه سابع: قرأ به أُبَيٌّ، وهو " يَتَخَطَّفُ " على " يَتَفَعَّلُ " مثل

стр. 132

" يَتَغَسَّلُ ". ومعنى يخطف يأخذ بسرعة. وفي " أضاء " لغتان: ضاء وأضاء بمعنى حكاهما الفراء. قوله: ﴿يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ﴾ الآية. قال ابن مسعود: " كل شيء في القرآن، ﴿يا أيها الناس﴾ فهو مكي، وكل شيء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ فهو مدني ". وقاله عروة بن الزبير والضحاك. قال أبو محمد: وهذا القول إنما هو على الأكثر وليس بعام، لأن البقرة والنساء مدنيتان وفيهما ﴿يا أيها الناس﴾. وفي كثير من السور المكية ﴿يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ [البقرة: ١٠٤] ومعنى الآية يا أيها الناس، أخلصوا العبادة لربكم الذي خلقكم، وخلق الذين كانوا من قبلكم، وإنما خاطب الله الكفار بهذا لأنهم كانوا مقرين بأن الله

стр. 133

خالقهم، دليل ذلك قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزخرف: ٨٧]. فقيل لهم: إذا كنتم مقرين بأن الله خالقكم فاعبدوه، ولا تجعلوا له شركاء، ومعنى الخلق الاختراع. وقيل: هو التقدير، تقول: " خلقت الأديم " إذا دبرته وقدرته. / والخلق الذي هو الاختراع والابتداع على أربعة أوجه: - الأول: خلق ما لم يكن كخلق الله العالم من غير شيء. - والثاني: قلب عين إلى عين، كقلب الله النطفة علقة والعلقة مضغة، والمضغة عظاماً / فالثاني غير الأول. - والخلق الثالث: تغيير العين وهي موجودة كرد الله الصغير كبيراً، والأبيض أصفر، فالعين قائمة والصفة تغيرت. - والرابع: تغير الحال والعين كما هو، نحو كون القائم قاعداً، والعاجز قادراً، فلم تتغير العين ولا الصفة، إنما تغيرت الحال.

стр. 134

قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. أي تتقون ما نهاكم الله عنه. وقيل: معناه لعلكم تتقون " الذي جعل ". " فالذي " في موضع نصب بـ ﴿تَتَّقُونَ﴾. و " لعل " مردودة إلى المخاطبين. والمعنى اعبدوه واتقوه على رجائكم وطمعكم. وحكى الزجاج: أن " لعل " بمعنى " كي " في هذا الموضع، وهو بعيد. قوله: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فراشا﴾. أي بساطاً، وإنما سميت الأرض أرضاً لارتعادها عند الزلازل. يقال: " رجل ما روض " إذا / كانت به رعدة، " وأرض ماروضة " إذا كانت كثيرة الزلازل. وقوله: (مهاداً) هو خصوص مهد الله من الأرض ما بالناس إليه حاجة ومنفعة. وإلا ففيها السهل والوعر والجبال والأودية والهبوط والصعود. قوله: ﴿والسماء بِنَآءً﴾. أي مرتفعة عليكم. والسماء تذكر وتؤنث. وقال المبرد: " السماء هنا جمع [سماوة] (*) [كتمرة وتمر]، ودليله قوله:

стр. 135

﴿فسواهن﴾ [البقرة: ٢٩]. ولم يقل " فسواها ". وتجمع السماء / إذا كانت واحدة على ستة أبنية: - جمعان مسلمان، تقول: سماوات وسماءات. - وجمعان مكسران لأقل العدد، تقول: سماء واسم وأسمية. - وجمعان مكسران لأكثر العدد، تقول سماء وسمايا وسمي، وإن شئت كسرت السين في " سمي ". وقد جاء في الشعر " سَمَاءِيَا ". وفيه اتساعات ثلاثة. قال: / الشاعر: سَمَاءُ الإلهِ فوقَ سَبْعِ سَمَاءِيَا. ... فعلى هذا يجوز أن تجمع سماء على سماء كصحار. فالشاعر شبه سماء برسالة لأن السَّمَاءَ فَعَالٌ، ورِسَالَةٌ فِعَالَةٌ، وهما أختان في عدد الحروف والحركات. - والثالث فيها ألف بعدها كسرة، فكان يجب أن تقول " سمايا "، كما تقول: " رَسائِلٌ " و " خطايا "، فأتى به على الأصل، فقال " سمائي "، ثم لحقته ضرورة أخرى

стр. 136

فأجرى المعتل مجرى السالم فقال: سمائي، وكان [حقه إذ] أتى به على الأصل أن يقول " سماء " كجوار وقاض لكنه أجراه للضرورة مجرى ما لا ينصرف من السالم ففتح، ثم أطلق الفتحة فصارت ألفاً، فقال " سماءيا ". ففيه ثلاثة اتساعات. وفي الوقف على السماء المنصوبة خمسة أوجه: -[أولها: أن تَقِفَ] على همزة ساكنة بعد مدة. - والثاني: أن تروم حركة الهمزة وتمد. - والثالث: أن تجعل الهمزة بين بين، وتروم الحركة وتمد. - والرابع: أن تبدل من الهمزة أيضاً ثم تحذفها لسكونها وسكون الألف التي قبلها ولا تمد. - والخامس: أن تبدل أيضاً وتحذف وتمد لتدل المدة على الأصل لأن الحذف عارض. وفي الوقف على بناء المنصوب أوجه: - " بناء " بهمزة مفتوحة بعدها ألف، وقبلها ألف، فتمد قبل الهمزة مداً مشبعاً، وبعدها مداً ممكناً، وعليه أكثر القراء. - والثاني: أن تجعل الهمزة بين بين، وتمد. وهو مذهب حمزة في الوقف. - والثالث: أن تحذف الهمزة، وتحذف الألف لالتقاء ألفين، ولا تمد، فيصير بلفظ المقصور لغة للعرب، لم يقرأ به أحد. - والرابع: أن تحذف الهمزة والألف على ما ذكرنا، وتمد لتدل على أن أصله المد.

стр. 137

- والخامس: أن تبدل من الهمزة ياء، فتقول " بنايا " لغة للعرب لم يقرأ بها أحد / حكى عن العرب: " اشتريت مايا "، يريدون ماء يشبهونه بـ " خطايا ". وقد كان أصل خطاياءا، منقول من خطائي، ثم أبدلوا من الهمزة ياء. وقد قال ابن كيسان: " لا يكتب هذا المثال إلا بألفين، وإن شئت بثلاث ألفات وهو الأصل فيها. وكتب في المصاحف بألف واحدة اختصاراً ". وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرض فراشا﴾. أي مهاداً، لا حزنة كلها، ولا جبال كلها. وقال بعض الصحابة في قوله: ﴿والسماء بِنَآءً﴾، " بني السماء على الأرض / كهيئة القبة، فهي سقف على الأرض ".

стр. 138

وقوله: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء﴾ الآية. في الوقف على " السماء " المخفوض و " ماء ". كالذي في الأول. " وبناء " مثل " ماء " في النصب. وقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات﴾. " مِنْ " للتبعيض. و " السماء " في هذا الموضع يراد بها السحاب، لأن الماء منها ينزل كما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً﴾ [النبأ: ١٤]. والمعصرات السحائب وكل ما علا فوقك فهو سماء. وسقف البيت سماؤه، وهو سماء لمن تحته. وقوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾. أي أمثالاً. ونِدُّ الشيء مثله، والند خلاف الضد. وقيل: شركاء. وقيل: أشباها. وقيل: أكفاء. وروى ابن مسعود " أنه سأل النبي [﵇] أي الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: [أنْ تجعلَ] للهِ نِداً وَهُوَ خَلَقَكَ " الحديث.

стр. 139

وقال عكرمة: " هو قولهم: لولا كلبنا لدخل علينا اللص ". وقال أبو عبيدة: " الند الضد ". وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون أن الله خلقكم وخلق السماوات والأرض. وقيل: معناه: وأنتم تعلمون أن الله لا شبيه له في التوراة والإنجيل، فيكون الكلام مخاطبة لأهل الكتاب على هذا التأويل. وعلى القول الأول هو مخاطبة لجميع الكفار. ومعنى العلم الذي نسبه إليهم أنه علم تقوم به عليهم الحجة، وليس بالعلم الذي هو ضد الجهل؛ دليله قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون﴾ [الزمر: ٦٤]. فثبت جهلهم لأنهم علموا أن الله خالقهم، وجعلوا له أنداداً. فأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]. فهذا هو العلم الذي هو ضد الجهل. قوله: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ الآية. أي إن كنتم أيها الناس في شك من القرآن أنه ليس من عند الله فأتوا بسورة

стр. 140

من مثل القرآن. وقيل: من مثل محمد ﷺ في صدقه وأمانته. وقال ابن كيسان: " معناه أنهم زعموا أن محمداً شاعر وأنه ساحر، فقيل: إيتوا بسورة من مفترٍ أو من شاعر أو من ساحر. وقيل: معنى: " من مثله " من مثل التوراة والإنجيل. والاختيار / عند الطبري أن يكون معناه من مثل القرآن في بيانه، دليله قوله تعالى في موضع آخر: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]. ولا يحسن هنا إلا مثل القرآن. فحمل الآيتين على معنى واحد أولى. ولم يعن بقوله: ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ إذا جعلت / الهاء للقرآن في التأليف والمعاني لأنه لا مثل للقرآن إنما عني ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ في البيان لأن الله أنزله

стр. 141

بلسان عربي مبين. فقيل لهم: كلامكم فيه البيان، وهذا القرآن فيه البيان فأتوا من كلامكم بسورة مثل القرآن في البيان، فأما التأليف والمعاني والرَّصف، فهي معان، بَايَن القرآن فيها المخلوقات، فلا مثل له في ذلك، يضاف إليه فاعلمه. وفي اشتقاق السورة أربعة أقاويل: - قيل: / سميت سورة لأنها يرتفع بها من منزلة إلى منزلة، ويشرف فيها / قارئها وحافظها على ما لم يكن عنده من العلم كإشرافه على سور البناء، فهي [منزلة رفعة]. كما قال: ألَمْ تَرَ أنَّ الله أعْطَاكَ سورة. أي منزلة في الشرف. - والثاني: إنما قيل لها سورة: لتمامها وكَمَالِهَا. يقال للناقة التامة: السورة. - والثالث: إنما سميت سورة لشرفها وارتفاعها في القَدْرِ، كما يقال لما ارتفع من البناء على هيئة سور.

стр. 142

- والرابع: إنما سميت سورة لأنها بقية من القرآن وقطعة منه: يقال: " أَسْأَرْتُ في الإناء سُؤراً، أي أبقيت فيه بقية، " ودخل فلان في سائر الناس " أي في بقاياهم. فيكون أصله على هذا القول الرابع الهمز. قوله: ﴿وادعوا شُهَدَآءَكُم﴾. أي ادعوا آلهتكم للمعونة على الإتيان بسورة من مثل القرآن. وقيل: شهداءكم. معناه: أعوانكم على ما أنتم عليه. وقيل: معناه: ادعوا شهداءكم إذا أتيتم بالسورة يشهدون لكم أنها مثل القرآن. ومعنى ادعوهم: استعينوا بهم. وقيل: الشهداء / العلماء، أي استعينوا بهم على ذلك، وواحد الشهداء شهيد، وواحد الشهود شاهد، وواحد الأشهاد شهيد وشاهد أيضاً، وهو من نوادر الجموع. فإن قيل لك: قد قال الله تعالى لهم في موضع آخر: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]

стр. 143

وهم قد عجزوا عن الإتيان بسورة، وإنما يطالب من عجز عن الشيء بأقل منه لا بأكثر. - فالجواب عن ذلك أن قوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، نزل قبل: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ﴾ لأن الأول مكي وهذا مدني، فلما عجزوا عن عشر سور، قيل لهم: فأتوا بسورة. وقيل: إنما طولبوا في البقرة بسورة من مثله غير محدودة / في مدح و [لا] ذم ولا تعظيم ولا غيره، بل تجمع معاني كما تجمع ذلك سور القرآن، وكلفوا في العشر السور أن تكون مفتريات، ومن كلف معنى واحداً أخف ممن كلف معاني لا تحصى ولا تدرك. فالتكليف في سورة البقرة أثقل وأضعف، وإن كانت سورة واحدة،

стр. 144

وهو في هود أخف، وإن كان بعشر سور لأنها في معنى واحد وقع بها التكليف في هود، وفي معان كثيرة وقع بها التكليف في البقرة. قوله: ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾. أعلمهم الله أنهم لا يقدرون على ذلك، فهو رد ونفي لما كلفوا، أي إن كنتم صادقين. ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ أي لن تطيقوا ذلك أبداً. فعلى هذا التأويل لا يحسن الوقف على " صادقين ". قوله: ﴿التي وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾. و" الوقود " بفتح الواو: الحطب، وبضم الواو: التوقد. وحكى الأخفش عن بعض العرب أن الفتح والضم معاً بمعنى الحطب. وقال الكسائي: " الفتح هو الحطب، والضم هو الفعل "، يعني المصدر. فعلى هذا لا تحسن القراءة إلا بفتح الواو لأنه تعالى أخبر أن الذي تتوقد

стр. 145

به النار هو الناس أعاذنا الله منها ووفقنا لما ينجينا منها، وختم لنا بخير يبعدنا منها. ﴿والحجارة﴾. قيل: يعني حجارة الكبريت. وقيل: هي حجارة من كبريت خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض. وعن النبي [﵇] أنه قال: " هِيَ حِجَارَةٌ مِنْ كِبْرِيتٍ أَسْوَدَ فِي النَّارِ ". وروى أصبغ بن الفرج " أن عيسى بن مريم ﵇ بينما هو في سياحته إذ سمع أنيناً فمضى إليه يؤمه حتى انتهى إليه، فإذا هو حجر يبكي، فقال له عيسى: ألا أراك تبكي وأنت حجر؟ قال: نعم يا روح الله إني أسمع الله يقول:
следующие страницы →