← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بلسان عربي مبين. فقيل لهم: كلامكم فيه البيان، وهذا القرآن فيه البيان فأتوا من كلامكم بسورة مثل القرآن في البيان، فأما التأليف والمعاني والرَّصف، فهي معان، بَايَن القرآن فيها المخلوقات، فلا مثل له في ذلك، يضاف إليه فاعلمه. وفي اشتقاق السورة أربعة أقاويل: - قيل: / سميت سورة لأنها يرتفع بها من منزلة إلى منزلة، ويشرف فيها / قارئها وحافظها على ما لم يكن عنده من العلم كإشرافه على سور البناء، فهي [منزلة رفعة]. كما قال: ألَمْ تَرَ أنَّ الله أعْطَاكَ سورة. أي منزلة في الشرف. - والثاني: إنما قيل لها سورة: لتمامها وكَمَالِهَا. يقال للناقة التامة: السورة. - والثالث: إنما سميت سورة لشرفها وارتفاعها في القَدْرِ، كما يقال لما ارتفع من البناء على هيئة سور.

стр. 142

- والرابع: إنما سميت سورة لأنها بقية من القرآن وقطعة منه: يقال: " أَسْأَرْتُ في الإناء سُؤراً، أي أبقيت فيه بقية، " ودخل فلان في سائر الناس " أي في بقاياهم. فيكون أصله على هذا القول الرابع الهمز. قوله: ﴿وادعوا شُهَدَآءَكُم﴾. أي ادعوا آلهتكم للمعونة على الإتيان بسورة من مثل القرآن. وقيل: شهداءكم. معناه: أعوانكم على ما أنتم عليه. وقيل: معناه: ادعوا شهداءكم إذا أتيتم بالسورة يشهدون لكم أنها مثل القرآن. ومعنى ادعوهم: استعينوا بهم. وقيل: الشهداء / العلماء، أي استعينوا بهم على ذلك، وواحد الشهداء شهيد، وواحد الشهود شاهد، وواحد الأشهاد شهيد وشاهد أيضاً، وهو من نوادر الجموع. فإن قيل لك: قد قال الله تعالى لهم في موضع آخر: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]

стр. 143

وهم قد عجزوا عن الإتيان بسورة، وإنما يطالب من عجز عن الشيء بأقل منه لا بأكثر. - فالجواب عن ذلك أن قوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، نزل قبل: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ﴾ لأن الأول مكي وهذا مدني، فلما عجزوا عن عشر سور، قيل لهم: فأتوا بسورة. وقيل: إنما طولبوا في البقرة بسورة من مثله غير محدودة / في مدح و [لا] ذم ولا تعظيم ولا غيره، بل تجمع معاني كما تجمع ذلك سور القرآن، وكلفوا في العشر السور أن تكون مفتريات، ومن كلف معنى واحداً أخف ممن كلف معاني لا تحصى ولا تدرك. فالتكليف في سورة البقرة أثقل وأضعف، وإن كانت سورة واحدة،

стр. 144

وهو في هود أخف، وإن كان بعشر سور لأنها في معنى واحد وقع بها التكليف في هود، وفي معان كثيرة وقع بها التكليف في البقرة. قوله: ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾. أعلمهم الله أنهم لا يقدرون على ذلك، فهو رد ونفي لما كلفوا، أي إن كنتم صادقين. ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ أي لن تطيقوا ذلك أبداً. فعلى هذا التأويل لا يحسن الوقف على " صادقين ". قوله: ﴿التي وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾. و" الوقود " بفتح الواو: الحطب، وبضم الواو: التوقد. وحكى الأخفش عن بعض العرب أن الفتح والضم معاً بمعنى الحطب. وقال الكسائي: " الفتح هو الحطب، والضم هو الفعل "، يعني المصدر. فعلى هذا لا تحسن القراءة إلا بفتح الواو لأنه تعالى أخبر أن الذي تتوقد

стр. 145

به النار هو الناس أعاذنا الله منها ووفقنا لما ينجينا منها، وختم لنا بخير يبعدنا منها. ﴿والحجارة﴾. قيل: يعني حجارة الكبريت. وقيل: هي حجارة من كبريت خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض. وعن النبي [﵇] أنه قال: " هِيَ حِجَارَةٌ مِنْ كِبْرِيتٍ أَسْوَدَ فِي النَّارِ ". وروى أصبغ بن الفرج " أن عيسى بن مريم ﵇ بينما هو في سياحته إذ سمع أنيناً فمضى إليه يؤمه حتى انتهى إليه، فإذا هو حجر يبكي، فقال له عيسى: ألا أراك تبكي وأنت حجر؟ قال: نعم يا روح الله إني أسمع الله يقول:

стр. 146

﴿نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [التحريم: ٦] / فادع [لي الله] يا روح الله ألا يجعلني منها ". وعلى ذلك أكثر أهل اللغة أن " الوَقُود " بالفتح الحطب، وبالضم التلهب. وقد روي عن الحسن وطلحة بن مصرف ومجاهد أنهم قرأوا بالضم فيكون ذلك على اللغة التي حكاها الأخفش أن الفتح والضم بمعنى الحطب. قوله: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ﴾. البشارة والبشرى في اللغة من البشرة؛ فإذا قيل: استبشر فلان، فمعناه ظهر أمر في بشرته. وسميت الجنة جنة لأنها تجن من دخلها، أي تستره أشجارها وثمارها. والجنة عند العرب البستان ذو النخل والشجر. وقوله: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾.

стр. 147

أي من تحت شجرها ومساكنها، أي من دونها. يقال: داري / تحت دارك، أي دونها، أي بجوارها. / قوله: ﴿قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾. معناه: أنهم لما أتوا بِثِمارِ الجنة شبهوها بثمار الدنيا في المنظر، وهي مخالفة لها في الطعم والرائحة، فمعنى ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي في الدنيا. وقيل: المعنى: قالوا: هذا الذي رزقنا وعدنا به في الدنيا. وقيل: معناه: إنهم أتوا بثمار في الجنة فأكلوا، ثم أتوا بمثلها في المنظر ومخالفاً في الطعم، فقالوا عند نظرهم إلى الثانية: هذا الذي أكلنا من قبل، أي من قبل هذا الوقت في الجنة. فيخبرون أن الطعم مختلف. قوله: ﴿وَأُتُواْ بِهِ متشابها﴾. أي يشبه بعضه بعضاً في المنظر ويختلف في الطعم والرائحة، وذلك

стр. 148

أَجَلٌّ في الملك والنعيم. وهذا القول مروي عن ابن مسعود وابن عباس. وهو مرفوع إلى النبي ﷺ . وقيل: معنى ﴿متشابها﴾ أي أنه خيار حسن لا رذل فيه؛ يشبه بعضه بعضاً في الطيب والحسن. وهو قول الحسن. واحتج بأن ثمار الدنيا فيها الحسن والرذل والوسط، وثمار الجنة خيار كله. وقيل: معنى ﴿متشابها﴾: أي يشبه اسمه اسم ثمار الدنيا، إلا أنه لا يشبهه في الطعم ولا في اللون ولا في الرائحة، وهو قول مروي عن عبد الرحمن بن زيد وعن ابن عباس. قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أزواج مُّطَهَّرَةٌ﴾.

стр. 149

أي مطهرة من أوساخ بني آدم؛ لا يحضن ولا يتمخطن ولا يتغوطن ولا يبلن، فهن سالمات من جميع الأقذار ولا يلدن. قوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾. حكى الطبري أن " يستحيي " بمعنى " يخشى "، كما وقع " يخشى " بمعنى " يستحيي " في قوله: ﴿وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. أي وتستحيي من الناس. و" تستحيي " فعل عينه ولامه حرفا علة صحت عينه واعتلت لامه، فتقول في الاسم: " هو مُسْتَحِي " بحذف لام الفعل في الرفع والخفض كقاض، وإثبات عينه. وتثبت اللام مع الغين في النصب، وتقول في التثنية: " رأيتهما مسْتَحْيِيَيْن " بثلاث ياءات فإن جمعت قلت: " هَؤُلاَءِ مُسْتَحْيُونَ "، بياء واحدة في الرفع. وفي

стр. 150

النصب والخفض، " مُسْتَحْيينَ " بياءين. فالأولى عين الفعل، والثانية ياء الجمع، ولام الفعل محذوفة في الجمع المنصوب والمرفوع والمخفوض لأن العلة لحقتها، بأن استثقلت عليها الحركة وهي كسرة لأن أصلها " مُسْتَحْيُونَ ". فلما سكنت حذفت لسكونها وسكون الحاء قبلها. وبنو تميم يحذفون لام الفعل، ويعلون العين في الجمع، فيقولون: / هُمْ مُسْتَحُونَ ". ومن العرب من يحذف إحدى الياءين في الفعل / فيقول: " يَسْتَحِي "، فيلقي حركة الياء الأولى على الحاء، فيكسرها ويحذف الياء لالتقاء الساكنين. وقوله: ﴿أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾. معناه: إن الله جَلَّ ذكره لما ضرب المثل بالصيب وبالذي استوقد ناراً، قال المنافقون: " الله أعظم من أن يضرب مثلاً بهذا "، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ الآية. قال الربيع: " هو مثل ضربه الله للدنيا، وذلك أن البعوضة تَحْيَا ما جاعت، فإذا شبعت ماتت، فكذلك الكافر إذا امتلأ من الدنيا أخذه الله، كما قال: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ

стр. 151

مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤]. وقال قتادة: " معناه إن الله لا يستحيي أن يذكر شيئاً من الحق قَلَّ أوْ كَثُرَ ". وقيل: إن هذا المثل مردود على " ما " في غير هذه السورة، وذلك أن الله جَلَّ ذكره لما ضرب المثل بالعنكبوت والذباب تكلموا وقالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلاً، كما حكى الله تعالى عنهم فأنزل الله ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ الآية. واختار الطبري أن يكون مردوداً على إنكارهم للأمثال في هذه السورة دون غيرها. وقوله: ﴿مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾. " ما " و " ذا " اسم واحد للاستفهام في موضع نصب بـ " أراد " تقديره: أي شيء أراد الله. ﴿مَثَلاً﴾: نصب على التفسير. ويجوز أن [تكون " ما "] استفهاماً في موضع رفع بالابتداء. و" ذا " بمعنى " الذي "، " وهو " الخبر وصلته ما بعده. وأراد " واقع على هاء محذوفة، أي

стр. 152

أراده الله. ومعنى ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي دونها في الصغر. وقيل: معناه: فما أكبر منها، وهو اختيار الطبري، لأن البعوضة متناهية في الصغر، وإن كان ثم ما هو أصغر منها. قوله: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾. أي يعلمون أن هذا المثل حق. قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً﴾. أي يضل بهذا المثل خلقاً كثيراً، وهذا من قول المنافقين. وقيل: هو من قول الله جَلَّ ذكره، ودَلَّ عليه قوله: ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾، وهذا لا يكون من قول المنافقين لأنهم لا يقرون أن هذا المثل / يهدى به أحد، فهو من قول الله بلا اختلاف. وكذلك قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين﴾ هو من قول الله؛ إذ لا يجوز أن يكون من قول المنافقين، لأنهم قد ضلوا به، ولا يقرون على أنفسهم بالفسق. فكذلك يجب أن يكون الذي قبله. / ويدل على أنه كله من قول الله / قوله في

стр. 153

موضع آخر: ﴿وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المدثر: ٣١] يعني المنافقين ﴿والكافرون مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ﴾ [المدثر: ٣١]. فقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ يعني به مثل ما قالوا في سورة البقرة، كذلك قالوا في هذا. وقال القتبي: " لما ضرب الله المثل بالعنكبوت والذبابة، قالت اليهود: ما هذه الأمثال التي لا تليق بالله، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾ / الآية، فقالت اليهود: ماذا أراد الله بمثل ينكره الناس، فيضل به فريقاً، ويهدي به فريقاً، فقال الله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين﴾. فذكر الضلال والهدى في هذا القول من قول اليهود حكاه الله لنا عنهم. وأصل الفسق الخروج عن الشيء؛ يقال: " فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ " إذا خرجت عن قشرها. وقوله: ﴿الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه﴾. العهد هاهنا، هو ما أخذه الله عليهم إذ أخرجهم من ظهر آدم وبنيه

стр. 154

كالذر، ودليله قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. / وقيل: العهد هاهنا هو ما أخذه الله على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بمحمد ﷺ ودليله قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١]. قوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾. معناه: يقطعون أمر دينه لئلا يتبع فيوصل الإيمان به. وقيل: معناه: يقطعون الرحم والقرابة التي بينهم وبين النبي ﷺ وأصحابه، لأنهم إذا كذبوه فقد قطعوه. فَ " أَنْ " في موضع خفض على البدل من الهاء في " به " أو في موضع نصب على البدل من " ما " أو على أنه مفعول من أجله. قوله: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض﴾. الفساد في الأرض في هذا الموضع عبادة غير الله تعالى: [وهي أعظم الفساد]. وقوله: ﴿أولئك هُمُ الخاسرون﴾.

стр. 155

أصل الخسران النقص. والخاسر الناقص نفسه حظها من رحمة الله [ ] بمعصيته كما يخسر الرجل في تجارته. وقيل: معنى " الخاسرين " الهالكون. قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله﴾ الآية. أي من أين يتجه لكم الكفر بالله مع نعمه عليكم إذ كنتم أمواتاً فأحياكم. أي لم تكونوا شيئاً فأوجدكم. وفي " كيْفَ " معنى التعجب من فعلهم وليست باستفهام، ولكنها توبيخ / وتعجب. والعرب تسمي الشيء الممتنع ميتاً؛ يقولون: " هَذَا أَمْرٌ مَيِّتٌ " إذا كان ممتنعاً. وقيل: معناه كنتم تراباً، يعني به آدم ﷺ فجعلكم ذوي حياة. وقيل: معناه فأحياكم يعني في القبر للمساءلة ثم يميتكم في القبر بعد

стр. 156

المساءلة، ثم يحييكم يوم القيامة. ويلزم قائل هذا أن تكون الآية إنما خوطب بها أهل القبور، وذلك بعيد إلا أن يحمل على أنه [خطاب لمن حضر]. والمراد به آباؤهم وأسلافهم. ويكون " تكفرون " بمعنى في موضع " كفرتم " وفيه بعد. و " قد " مضمرة مع " كنتم " لأنه حال مما قبله. وقيل: المعنى أنهم كانوا أمواتاً في أصلاب الآباء ثم أحياهم في الأرحام، ثم يميتهم في الدنيا عند انقضاء آجالهم، ثم يحييهم يوم القيامة. وقيل: المعنى أنه أحياهم إذ أخرجهم من ظهر آدم لأخذ الميثاق، وقد كانوا أمواتاً لا حياة فيهم. وقيل: أيضاً: الموتة الأولى هي موتة النطفة في وقت خروجها من الرجل إلى الرحم لأن كل ما في الحي فهو حي حتى [يفارقه فيكون] في عداد الأموات،

стр. 157

وكذلك الأعضاء إذا فارقت الحي فهي ميتة، فكل ما في الإنسان من أعضائه وما يلزم جسده حي حتى يفارقه فيكون ميتاً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: " أماته ثم أحياه في قبره - يعني لِلْمُسَاءَلَةِ - ثم أماته، ثم أحياه يوم القيامة ". وهذا قول قد تقدم نظيره. وقال ابن مسعود: " هي مثل قوله: ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين﴾ [غافر: ١١] ". وسترى تفسير هذا في موضعه. / وقد قيل: إن معنى الآية: وكنتم أمواتَ الذِّكْرِ، فأحياكم حتى ذكرتم، ثم يميتكم، أي يردكم رفاتاً لا تذكرون، ثم يحييكم للحساب والجزاء فتذكرون. وهو مروي / عن ابن عباس. وهو اختيار الطبري. والهاء في ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تعود على الله . وقيل: تعود على الأحياء للخلود في الجنة، أو في النار، أي ثم إلى الأحياء

стр. 158

ترجعون. والأول أحسن. قوله: ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء﴾. معناه: أقبل عليها. تقول العرب: " فلان مقبل على فلان، ثم استوى إليَّ يمشي "، أي أقبل إليّ. وقيل: معناه / تحول أمره وفعله إلى السماء. وقال القتبي: " استوى، عمد إليها ". وقال ابن كيسان: " استوى قصد ". قال غيره: " معناه قصد إلى خلقها بالإرادة لا بالانتقال ". يقال: " لما استويت إلى موضع كذا، ظهر لي كذا "، / أي لما قصدت بإرادتي إلى أمر كذا، ظهر لي كذا. وقيل: استوى: استولى. تقول العرب: " استوى فلان على المملكة ". أي استولى عليها واحتوى عليها.

стр. 159

واختار الطبري وغيره أن يكون " استوى " بمعنى " علا " على المفهوم في لسان العرب. قال أبو محمد: وليس: " علا " في هذا المعنى أنه تعالى علا من سفل كان فيه إلى علو، ولا هو علو انتقال من مكان إلى مكان، ولا علو بحركة تعالى الله ربنا عن ذلك كله، لا يجوز أن يوصف بشيء من ذلك، لأنها صفات توجب الحدوث للموصوف بها، والله جَلَّ ذكره أول بلا نهاية / لكن نقول: إنه علو قدرة واقتدار ولم يزل تعالى قادراً له الأسماء الحسنى والصفات العلا. فإنما دخلت " ثمَّ " في قوله: ﴿ثُمَّ استوى﴾ بمعنى القصد لخلق ما أراد أن يخلق على ما تقدم في علمه قبل، بلا أمد. والهاء في ﴿فسواهن﴾ تعود على السماء لأنها جمع سماوة. وقيل: السماء تدل على الجمع. وقيل: لما كانت السماء واسعة الأقطار، يقع على كل قطر منها اسم سماء جمع على هذا المعنى. والمعنى فَسَوَّى منهن سبع سماوات.

стр. 160

وقيل: سبع سماوات بدل من الهاء والنون، فلا تقدير حرف جر على هذا محذوف منه. وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهم في تفسير ذلك: " أن الله جَلَّ ذكره كان عرشه على الماء كما أخبرنا به في كتابه. قالوا: ثم أخرج من الماء دخاناً، فارتفع الدخان فوق الماء، فسما الدخان على الماء فَسَمَّاه سماء. ثم إنه تعالى بقدرته أيبس الماء، فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين وذلك في يوم الأحد ويوم الاثنين، وجعل الأرض على حوت وهو النون، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفا، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة على الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان، فهي ليست في الأرض، ولا في السماء، فتحرك الحوت واضطرب، فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال، فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١]. وخلق الجبال في الأرض وجعل فيها أقوات أهلها وشجرها ومصالحها في يومين، الثلاثاء والأربعاء، ودل على ذلك قوله: ﴿خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العالمين * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ٩ - ١٠]- يعني اليومين الأولين والآخرين -، ثم قال:

стр. 161

﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]. فجعل / الدخان سماء واحدة، ثم فتقها سبع سماوات، وذلك في يومين الخميس والجمعة، ولذلك سمي يوم الجمعة لأنه اجتمع فيه تمام خلق السماوات والأرضين ". وقال مجاهد: " خلق الله الأرض قبل السماء، فثار منها دخان، فخلق منه السماوات ". وقد ذكر الله خلق الأرض قبل السماء في سورة السجدة، ثم ذكر في " والنازعات " دحو الأرض بعد السماء، فقال: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، فقال ابن عباس في معنى ذلك: " إنه تعالى خلق الأرض بأقواتها قبل السماء غير أنه لم يدحها، ثم خلق السماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك ". وقال ابن سلام: " بدأ الله الخلق يوم الأحد /، فخلق الأرضين يوم الأحد

стр. 162

والاثنين، وخلق الأقوات والجبال في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات في الخميس والجمعة وخلق آدم ﷺ في آخر ساعة من يوم الجمعة ". قال أبو محمد: ولو شاء تعالى ذكره لخلق ذلك كله في أقل من طرف عين، يفعل ما يشاء لا إله إلا هو، لا معقب لحكمه. قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ /. أي عليم بكل شيء قبل خلقه له، وقبل حدوثه، لا أنه علم محدث مع حدوث المعلومات تعالى عن ذلك، قد علم المعلومات كلها قبل حدوثها وكونها. قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة﴾. معناه: واذكر يا محمد إذ قال ربك. وقيل: معناه: ابتدأ خلقكم ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة﴾ لأنه ذكر معنى ذلك قبل / هذا فقال: ﴿الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] أي خلقكم إذ قال ربك. ودخلت الواو في " إذ " عطفاً على ما قبلها لأنه تعالى ذكر خلقه نعمه في إحيائهم بعد الموت، وأنه [خلق لهم] ما في الأرض جميعاً، وسوى لهم السماوات وغير ذلك من نعمه فعدد على خلقه نعمه. ثم قال: واذكروا فعلي بأبيكم آدم إذ قلت للملائكة اسجدوا له

стр. 163

تفضيلاً له وابتلاء للملائكة. وإلى هذا المعنى ذهب الطبري في هذه الواو، [وفي و " إذا "]. وقوله: ﴿للملائكة﴾، اختلف في اشتقاق " ملك " وتقديره ومعناه. فقيل: واحدها مَلَكٌ، وأصله " ملأك " على وزن " مَفْعَل "، والهمزة بعد اللام وهي عين الفعل فجمع على الأصل على مفاعل، فقيل: " مَلائِكٌ " وزيدت الهاء للمبالغة. وقيل لتأنيت الصيغة. وقال ابن كيسان: " هو مشتق من " ملكت "، والهمزة في " مَلأْك " زائدة كزيادتها في شَمْأَلٍ، إذ هو من " شملت الريح " أي عمت ".

стр. 164

وقال غيره: هو مشتق من الأُلُوكَةِ، وهي الرسالة بالهمزة بالفعل لكن قلبت همزته وهي فاء، فصارت عيناً فأخرت بعد اللام وأَصْلُها " مَأْلَكٌ " ثم نقلت الهمزة بعد اللام فصارت " مَلَكاً "، وجمع على ذلك، ولم يرد إلى أصله وكان حقه / أن يرده الجمع إلى أصله، [فخرج عن الأصل في الجمع]. وقيل: هو مشتق من المَلأَكَةِ وهي الرسالة أيضاً حكاها أبو عبيد، يقال: " لأَكَ إِليهِ يَلأَكُ مَلأَكَةً " إذا أرسل إليه رسالة. ويقال في لغة أخرى: " أَلَكَْتُ إِلَيْهِ أَألْكُ مَأْلَكَةً " إذا أرسلت. فعلى / القول الأول من هذين القولين يكون " مَلَكٌ " مخفف الهمزة، ألقيت حركة الهمزة على اللام وأصله " مَلأَكٌ "، وجمعه " مَلاَئِكَةٌ ". والهمزة عين الفعل ولا قلب فيه، إنما فيه في الواحد تخفيف الهمزة [بنقل

стр. 165

حركتها] إلى الساكن قبلها وهو اللام. وعلى القول الثاني يكون " مَلأَكٌ " مقلوباً وأصله: " مَأْلَكٌ "، والهمزة فاء الفعل، ثم قلبت الهمزة، فصارت بعد اللام، ثم خففت الهمزة فألقيت حركتها على اللام قبلها كالأول فصار ملكاً، فجمع على قلبه، ولم يرده الجمع إلى أصله لقلة استعماله بالهمز في الواحد. ولو جمع على أصله لقال: " مَآلِكَة "، ولكن لم يسمع جمعه على الأصل. قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾. معناه: إني جاعل في الأرض خلقاً يخلف بعضهم بعضاً لا بقاء لهم. وقيل: معناه: إني جاعل في الأرض خلقاً يخلفون من كان فيها ممن هلك، وذلك أن أهل التفسير ذكروا أنه روي أن الأرض كان فيها خلق من الجن فأفسدوا فيها فأهلكهم الله. والهاء في " خليفة " للمبالغة. وقيل: دخلت لأنه بمعنى داهية في المدح والذم، بمعنى بهيمة. قاله الفراء. وقيل: الهاء / [لتأنيث الصيغة]، وهي بمعنى فاعلة على هذا القول كرحيم بمعنى راحم. وعلى القول الأول يكون خليفة: فعيلة، بمعنى مفعولة أي مخلوقة؛

стр. 166

أي يخلف بعضهم بعضاً لا بقاء لهم، فكل واحد مخلوف، لأن من يأتي من بعده يخلفه، فهو كجريح وقتيل، بمعنى مجروح ومقتول. ومعنى " جاعل " خالق ومستخلف. قال ابن عباس: " أخرج الله آدم ﷺ من الجنة قبل أن يخلقه، وقرأ ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾. يريد أنه [قدَّر ذلك وعلمه وشاءه] قبل أن يخلق آدم. قوله: ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ الآية. روى كثير من المفسرين أن الملائكة علمت بفساد من سكن الأرض من الجن وسفكهم للدماء، فقالوا على طريق الاسترشاد وطلب الفائدة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ﴾؛ أي أيكونون مثل أولئك الذين أفسدوا؟، فسألوا مسترشدين لا منكرين، إذ لا علم عندهم بما يكون من أمر الخليفة التي أعلمهم الله أنه خالقها. وقيل: إنهم قالوا ذلك / على طريق التعجب كما تقول العرب " أتحسن إلى فلان وهو يسيء إليك! ".

стр. 167

وقيل: إن الله جَلَّ ذكره أذن لهم في السؤال عن ذلك. وقيل: إن الله تعالى ذكره / أعلمهم أنه يجعل في الأرض خليفة فسألوا على طريق الاسترشاد: ما يكون ذلك الخليفة؟ فقال: تكون له ذرية يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. فقالوا عند ذلك على طريق الاستعظام والاستثبات لا على طريق الإنكار: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ الآية. [قيل: قالوا] ذلك على التعجب مما أعلمهم الله به من إفساد ذرية الخليفة في الأرض وسفكهم للدماء. والله أعلم بأي ذلك كان. فالألف في ﴿أَتَجْعَلُ﴾ لفظها لفظ الاستفهام ومعناها الاسترشاد أو التعجب على قول من رأى ذلك على ما ذكرنا. وعن ابن عباس أنه قال: " كان إبليس من / حي من أحياء الملائكة، يقال لهم الجن وهم من الملائكة. خلق الله ذلك الحي من نار السموم، وخلق سائر الملائكة غير هذا الحي

стр. 168

من نور، وخلقت الجن غير هذا الحي الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، والمارج هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت. وخلق الإنسان من طين. فأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة وهم هذا الحي الذين في الأرض فقتلوا وطردوا حتى لحقوا بالبحار وأطراف الجبال فلما فعل إبليس ذلك اعتدَّ في نفسه وقال: قد صنعت ما لم يصنع غيري، وكان من خزان الجنة. فاطلع الله على ذلك منه فقال: إني جاعل في الأرض خليفة. فقالت الملائكة غير إبليس وحيه: أتجعل فيها من يفسد فيها كأولئك، على طريق الاسترشاد. أي هل يكونون مثل أولئك المفسدين أو يكونون مصلحين ". وقيل: " قالوا ذلك على طريق التعجب، فقال الله لهم: ﴿إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي إني اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطّلعوا أنتم عليه. فخلق آدم ﷺ من طين لازب، واللازب اللزج الملتصق من الحمأ المسنون، والمسنون ذو الرائحة صار حمأ

стр. 169

حمأ بعد أن كان طيناً لزجاً. فلما خلقه تعالى مكث آدم أربعين ليلة جسداً ملقى، فكان إبليس اللعين يأتيه فيضربه برجله فيصلصل ويصوت، فهو قول الله : ﴿ خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ [الرحمن: ١٤]. ثم كان إبليس اللعين يدخل في في آدم [﵇] ويخرج من دبره، ثم يقول: لشيء ما خلقت، لئن سلطت عليك لأهلكنك. فلما نفخ فيه الروح، أتت النفخة من قبل رأسه فلا تصل إلى شيء، إلا صار لحماً ودماً /. فلما انتهت النفخة إلى سرته، نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من حسنه، فذهب لينهض فلم يقدر فهو قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾ [الإسراء: ١١] و ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] /. فلما تمت النفخة في بدنه عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين، بإلهام الله له. فقال له الله: يرحمك ربك يا آدم، ثم قال الله تعالى لإبليس وحيِّه من الملائكة خاصة دون غيرهم: اسجدوا لآدم فسجدوا كلهم إلا إبليس تكبراً وعزة فأبلسه الله، أي

стр. 170

أيأسه من الخير كله، وجعله شيطاناً رجيماً عقوبة له بالمعصية، ثم عَلَّم الله آدم الأسماء كلها. قال المفسرون: عَلَّمه اسم كل شيء حتى الضرطة. وقال الله للملائكة - جند إبليس -: أنبئوني بأسماء هؤلاء: فقالوا لا علم لنا. فقال يا آدم: أنبئهم بأسمائهم، فأنبأهم آدم بأسمائهم. وقيل: إنما عني بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة﴾ الملائكة الذين كانوا في الأرض بعد هلاك من كان فيها دون غيرهم من ملائكة السماوات. والله أعلم بأي ذلك كان، واللفظ على عمومه حتى [يأتي دليل تخصيصه]. قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]. معناه: أعلم ما أسر إبليس في نفسه من الكِبَرِ والعزة. وهذا التأويل يدل على أن الخطاب الذي تقدم في قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ إنما كان من هذا / النوع من الملائكة الذين حضروا مع إبليس قتال المفسدين في الأرض دون غيرهم من الملائكة. وهو قول الطبري.

стр. 171

وقد روي عن ابن عباس أنه قال: " إن هذه القبيلة من الملائكة سميت الجن لأنهم كانوا من خزان الجنة ". وهو من الاستجنان؛ وهو الاستتار. وإنما سميت الجنة جنة لأنها تَجن مَنْ دَخَلَها؛ أي تستره بشجرها وثمارها وعروشها. وروي عنه أيضاً أنه قال: " إن إبليس كان ملك سماء الدنيا، وكان خازناً للجنة مع ذلك. فلما تمكن دخله العجب والكبر، وقال: لم أُعط هذا إلا ولي مزية على الملائكة. فاطلع الله على ما في سرِّه فقال: إني جاعل في الأرض خليفة، فسألت الملائكة عن الخليفة فقال: تفسد ذريته في الأرض فتعجبوا وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء﴾. فبعث الله جبريل ليأخذ من طين الأرض، فاستعاذت منه فرجع ولم يأخذ شيئاً إجلالاً لحق من استعاذت به، ثم بعث الله ميكائيل فاستعاذت، فرجع ولم يأخذ شيئاً. فبعث الله ملك الموت فاستعاذت منه، فاستعاذ هو منها، وأخذ ما أراد من تربة بيضاء وحمراء وسوداء، فلذلك بنو آدم مختلفو الألوان ".

стр. 172

ثم مضى الحديث كالأول أو قريب منه، غير أن فيه: " فكان آدم جسداً من طين أربعين سنة، ففزعت منه الملائكة وكان أشدهم فزعاً إبليس / وفيه: أن آدم ﵇ لما دخل الروح رأسه، قال: الحمد لله. فقالت له الملائكة / رحمك ربك يا آدم. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه ". وهذه الرواية تدل على أن المخاطبين المأمورين بالسجود لآدم ﷺ هم الملائكة كلهم، وهو ظاهر القرآن. وقد قيل: إن معنى قوله تعالى: ﴿إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم أنه سيكون من ذرية آدم أنبياء ورسل وصالحون وعباد وأخيار وساكنو الجنة. قوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾. معناه: نعظمك بالحمد والشكر.

стр. 173

وقيل: التسبيح الصلاة. وروي عن النبي [﵇] أنه قال: " إِنَّ للهِ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْع / مَلاَئِكَةً يُصَلُّونَ، وإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله: مَا صَلاتُهُمْ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئاً، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ لَهُ: يا نَبيَّ الله: سَأَلَكَ عُمَرُ عَنْ صَلاَةِ أَهْلِ السَّمَاءِ. قَالَ: نَعَمْ، فَقال لهُ: أَقْرِئْ عَلَى عُمَرَ السَّلامَ وأخْبِرْهُ أنَّ أَهْلَ السَّماءِ الدُّنْيَا سُجُودٌ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ، يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي المُلْكِ وَالمَلَكُوتِ. وإنَّ أهْلَ السَّماءِ الثَّانِيَةِ رُكُوعٌ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذي العِزَّةِ وَالجَبَرُوتِ، وأَهْلِ السَّماءِ الثَّالثَةِ قِيَامٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، يَقُولُونَ: سُبْحَانَ الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ ". وأصل التسبيح لله عند العرب التنزيه والتبرئة له سبحانه من إضافة ما ليس من

стр. 174

صفته إليه. وقوله: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. أصل التقديس التطهير. ومعناه نطهر أنفسنا لك. وقيل: التقديس الصلاة. وروي ذلك عن قتادة. وروي عن أبي صالح: " ونقدس لك، نعظمك ونمجدك. قوله: ﴿إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. قد تقدم بيانه. وقد قيل فيه: إن معناه إني اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطّلعوا عليه، إني علمت ما أضمر إبليس في نفسه من ترك السجود لآدم ﷺ [ ومن] عداوته له ولذريته. وقيل: معناه إني عليم من آدم المعصية ثم التوبة عليه / وإهباطه إلى

стр. 175

الأرض، وما يكون من ذريته إلى يوم القيامة ومن هو سعيد، ومن هو شقي منهم. وروي أن إبليس اللعين لما رأى صورة آدم وحسنها قال للملائكة: إني أرى صورة مخلوق يكون له نبأ. أرأيتكم إن فضل عليكم ماذا تفعلون؟ قالوا: نطيع أمر ربنا، ونفعل الذي يأمرنا به. فهذا قوله: ﴿مَا تُبْدُونَ﴾. وقال إبليس في نفسه: " لئن فُضِّل علَيّ لا أطيعه، ولئن فُضِّلتُ عليه لأهلكنَّه، وهذا قوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، فلما نفخ الله / في آدم ﷺ الروح جلس فعطس، فقال آدم: الحمد لله رب العالمين فكان ذلك أول ما تكلم به آدم / ﵇ فردَّ الله عليه: يرحمك الله لهذا خلقتك "، فهو قوله: ﴿ولذلك خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩]، أي للرحمة خلقهم. وقال مجاهد: " علم الله من إبليس المعصية وخلقه لها ". تم الجزء [الأول]

стр. 176

قوله: ﴿وَعَلَّمَءَادَمَ الأسمآء﴾ الآية. اختلف في اشتقاق آدم؛ فقال فيه ابن عباس: " سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض ". وقال قطرب: " آدم أفعل من الأدمة ". وقيل هو أفعل من " أدمت بين الشيئين " أي خلطتهما. وقال الطبري: " هو فعل ماض رباعي سمي به الشخص ". وقال قطرب: " من قال هو من أديم الأرض، يلزمه صرفه لأنه فاعل ". وذكر النحاس أنه أفعل من أديم الأرض وأدمتها، وهو ظاهر وجهها، ومنه سمي الإدام لأنه وجه الطعام وأعلاه والعرب تسمي الجلد الظاهر أدمة، والباطن بشرة. وحكي عن الأصمعي أن باطنه الأدمة وظاهره البشرة، وهو أولى من

стр. 177

الأُولى. ويجمع آدم إذا كان صفة كحُمْر، وأوادم إذا كان اسماً " كأحامدٍ ". قوله: ﴿الأسمآء﴾. قيل: " وعلمه أسماء كل شيء حتى القصعة والفسوة ". قاله قتادة. وقيل: " علمه أسماء الملائكة خاصة " قاله الربيع بن خثيم. قال مجاهد: " علمه الله اسم كل شيء: هذا جبل، هذا بحر، هذا كذا، هذا كذا، لكل الأشياء ". قال ابن جبير: " علمه اسم كل شيء حتى البعير والبقرة والشاة ". قال عكرمة: " علمه اسم الغراب والحمامة وكل شيء ". وقال غيرهم: " علمه أسماء الأجناس والأنواع ".

стр. 178

وقال ابن زيد: " علمه أسماء ذريته كلهم ". واختار الطبري أن يكون علمه أسماء ذريته والملائكة لقوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ ولم يقل " عرضها " ولا " عرضهن " / الذي هو لما لا يعقل. وقيل: علمه اسم كل شيء ومنفعته ولماذا يصلح. وقال القتبي: " علمه أسماء ما خلق في الأرض ". وفي قراءة أُبي: " ثُمَّ عَرَضَها "، " يريد عرض الأسماء ". وقوله " عَرَضَها " ولم يقل " عرضهم " يدل على أن الاسم هو المسمى، وهو مذهب أهل السنة. وفي قراءة عبد الله " ثُمّ عَرَضَهُنَّ " على التأنيث لما لا يعقل من الموات والأجناس. / وقال ابن عباس: " إنما عرض الأسماء على الملائكة ". وعن ابن مسعود: " أنه إنما عرض الخلق ".

стр. 179

فعلى الأول يكون " عرضها ". وعلى الثاني يكون " عرضهم ". قال مجاهد: " عرض أصحاب الأسماء على الملائكة ". وقال ابن زيد: " عرض أسماء ذريته كلها، أخذهم من ظهره، ثم عرضهم على الملائكة ". وقال ابن الأنباري: الهاء في " كلها " تعود على / الأسماء، والهاء في " عَرَضَهم " تعود على الأشخاص. والهاء في " أنبِئهم " وفي " بأسمائهم "، وفي " أنبأهم " وفي " بأسمائهم " كلها تعود على الملائكة على قول من قال: إن الله تعالى علمه أسماء الملائكة، ويعود على الأشخاص على القول الآخر. قوله: ﴿إِن كُنْتُمْ صادقين﴾. جوابه عند المبرد محذوف، معناه: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في

стр. 180

الأرض ويسفكون الدماء فأنبئوني. قوله: ﴿إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات﴾. هو ما غاب عن الملائكة مما سبق في علمه مما ذَكَرَهُ في كتابه: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾. هو قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾. و ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: هو ما أضْمَر إبليس في نفسه من الكبر والعز. روي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة والتابعين. وقال سفيان: " ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ هو ما أسر إبليس في نفسه من ترك السجود لآدم [والكبر] ". وقال قتادة: " كتمانهم هو قولهم فيما بينهم: يخلق الله ما يشاء، فلن يخلق خلقاً إلا ونحن أكرم منه ".
следующие страницы →