← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

(قيّما) - بالتشديد - قوله: ﴿ذلك الدين القيم﴾ [التوبة: ٣٦، يوسف: ٤٠، الروم: ٣٠]، و ﴿دِينُ القيمة﴾ [البينة: ٥]، و ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣]، فأجمعوا على تشديد ذلك. ومن قرأ (قِيَماً) بالتخفيف، جعله مصدراً مثل: الصِّغَر والكِبَر. و ﴿حَنِيفاً﴾ حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾: هو نصب بإضمار " أعني ". ومعنى الآية: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء العادلين: ﴿إِنَّنِي هَدَانِي ربي﴾، أي: أرْشَدَني ودَلّني على الصراط المستقيم، أي: الطريق القويم، وذلك الحنيفية. قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ﴾ الآية.

стр. 2207

روى أحمد بن صالح عن ورش أنه فتح ﴿وَمَحْيَايَ﴾. وروى داود بن (أبي) طيبة وأبو الأزهر ويونس والأصبهاني عن أصحابه عن ورش بالإسكان. واختار ورش الفتح فيما روى هؤلاء عنه:

стр. 2208

روى أبو بكر الأدفوي عن أحمد بن إبراهيم عن بكر بن سهل الدمياطي عن أبي الأزهر عبد الصَّمَدِ عن ورش أنه اختار من نفسه الفتح. ومعنى الآية: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء العادلين، ﴿إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي﴾ أي: ذبحي، ﴿وَمَحْيَايَ﴾ أي: حياتي، ﴿وَمَمَاتِي﴾ أي: وفاتي، ﴿لِلَّهِ﴾ أي: ذلك كله له خالصاً. ﴿وبذلك أُمِرْتُ﴾ أي: أمرني ربي، ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين﴾ أي: أول من خضع وذل لربه.

стр. 2209

وقرأ ابن (أبي) إسحاق وعيسى وعاصم الجحدري (ومحييّ) بياءٍ شديدة من غير ألف، ووجه ذلك أن ياء الإضافة يكسر ما قبلها، فلما لم يكن سبيل إلى كسر الألف، غُيِّرت الألف إلى الياء وأدغمت في الياء التي بعدها، جعل قلبها عِوضاً من تغييرها إلى الكسر. والنُّسُك هنا: الذَّبْحُ في الحج والعمرة. قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي (رَبّاً)﴾ الآية. (و) المعنى: ﴿قُلْ﴾ (يا محمد لهم): ﴿أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً﴾، أي: طلب رباً ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: مالك كل شيء.

стр. 2210

وأصل " الرب " أنه مصدر " ربه يربه (رباً)، إذا قام بصلاحه. وإنما سمي به، كما قيل: " رجل عدلٌ " و " رضىً "، فرّبٌّ الدار، معناه: مالكها، وحقيقته ذو ملكها. ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا﴾ (أي لا تجترح (إثماً إلا) عليها)، أي: لا تؤخذ نفس إلاّ بما كسبت، ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ أي: لا يؤخذ أحد بذنب آخر، كل ذي إثم معاقب بإثمه. وحقيقة / معناه: أن الله أمر نبيه ﵇ أن يخبر المشركين أنهم مأخوذون بآثامهم، وأنّا لسنا مأخوذين بإجرامكم ولا معاقبين بها، ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. قوله: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرض﴾ الآية. " جعل " - هنا - بمعنى " صيّر "، فلذلك تعدت إلى مفعولين. وإذا كانت بمعنى " خلق " تعدت إلى مفعول واحد.

стр. 2211

ومعنى الآية: أنها خطاب للنبي وأمته، والمعنى: والله (الذي) جعلكم تخلفون مَن كان قبلكم من الأمم، والخلائفُ: جمع خليفة. وقيل: هذا لأمة محمد ﷺ ، لأنهم آخر الأمم، قد خلفوا في الأرض مَن كان قبلهم من الأمم، ومحمد ﷺ خاتم النبيين، وقيل: سموا (خلائف)، لأن بعضهم (يخلف بعضاً) إلى قيام الساعة. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أي: فضَّل هذا على هذا بسعة الرزق (و) بالقُوَّة، ﴿لِّيَبْلُوَكُمْ﴾ أي: (ليختبركم فيما) آتاكم من ذلك، فيعلم الشاكر من غيره، والمطيع من العاصي، ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب﴾ أي: لمن (لم) يتبع أمره و (ينته) عن نهيه. وإنما وصف عقابه بالسرعة من أجل أن الدنيا بعيدُها قريب.

стр. 2212

﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾ أي: غفور لمن تاب وأطاعه، و ﴿رَّحِيمٌ﴾ بترك عقوبته على سالف ذنوبه.

стр. 2213

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الأعراف مكية قوله: ﴿المص﴾. قال الكسائي المعنى: هذا كتاب أنزل إليك.

стр. 2214

وقال الفراء المعنى: الألف واللام والميم والصاد، كتاب. ويلزم الفراء أن يكون بعد هذه الحروف - أبداً - كتاب وليس الأمر كذلك، ويلزمه ألاّ تكرر. وقال ابن عباس معناه: أنا الله الملك الصادق. وعنه معناه: أنا الله أفصِلُ.

стр. 2215

وَرُوِيَ عنه: أنه اسم من أسماء الله، أقسم ربنا به. وعن قتادة: هو اسم من أسماء القرآن. قوله: ﴿وذكرى﴾. في موضع رفع على العطف على: ﴿كِتَابٌ﴾ عند الكسائي. و ﴿كِتَابٌ﴾ مرفوع بإضمار مبتدأ، أي: هذا كتاب.

стр. 2216

وقيل: ﴿ذكرى﴾ مرفوعة على إضمار مبتدأ، وهو قول البصريين. وقيل: هو في موضع نصب على العطف على المعنى؛ لأن المعنى: كتاب أنزلناه إليك، فعطف على " الهاء " المقدرة، وهو قول الكسائي أيضاً. وقيل: نصبه على المصدر، وهو قول البصريين أيضاً. وقيل: هو في موضع خفض على العطف، على معنى ﴿لِتُنذِرَ﴾؛ لأن معناه للإنذار وللذكرى. و" الهاء " في: ﴿مِّنْهُ﴾، تعود على الكتاب.

стр. 2217

وقيل: على الإنذار. وقيل: على التكذيب الذي دلَّ عليه المعنى. و ﴿لِتُنذِرَ بِهِ﴾، يراد به التقديم؛ أن " اللام " متعلقة بـ: ﴿أُنزِلَ﴾. ومعنى الآية: هذا يا محمد، كتاب أنزلناه إليك، ﴿لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: يذكرون به الآخرة، فلا يكن في صدرك ضيق منه.

стр. 2218

قال قتادة، ومجاهد الحرج هنا: الشك، المراد به المرسل إليهم لا النبي، وهو قول ابن عباس، وغيره. وذكر الزجاج، وغيره: أن النبي، ﷺ ، قال: " إني أخاف أن يثلغوا رأسي

стр. 2219

فيجعلوه كالخبزة ". فالله أعلم نبيه، ﷺ ، أنه في أمان منهم، فقال: ﴿والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾ [المائدة: ٦٧]. وكان منه هذا الخوف بمكة. ومن رفع " الكتاب " بإضمار مبتدأ، أجاز الوقف على ﴿المص﴾. ومن رفعه بـ: ﴿المص﴾، لم يقف عليها.

стр. 2220

ومن رفع الكتاب بإضمار مبتدأ، أضمر للهجاء ما يرفعه، كأنه قال: هذه الحروف، هذا ﴿كِتَابٌ﴾. قوله: ﴿اتبعوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية. فمعنى الآية: قل، يا محمد، [لهم]: ﴿اتبعوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، وهو القرآن. ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾، أي: أمر أولياء يأمرونكم بالكفر. و" الهاء " في ﴿دُونِهِ﴾ للرب. وقيل: ل ﴿مَّا﴾. ونصب قوله: ﴿قَلِيلاً﴾، على معنى يذكركم تذكيراً قليلاً، أو وقتاً قليلاً تذكركم.

стр. 2221

وفي هذه الآية، دليل على ترك اتباع الآراء مع النص. قوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ الآية. ﴿كَم﴾ في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن تكون في موضع نصب، بإضمار فعل يفسره: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾، ولا يقدر إلا بعدها، وهو بمنزلة: أيّهم ضربته. ومعنى الآية: أنها تحذير للكافرين، أن ينزل بهم من البأس، ما نزل بمن كان قبلهم بتكذيبهم. ومعنى الكلام: أنه إخبار عن إهلاك القرى، والمراد أهلها؛ لأن القرى إنّما هي/

стр. 2222

بأهلها، فإذا هلكت هلك أهلها، ودل على ذلك قوله: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾، فرجع إلى الإخبار عن الأهل. وقيل المعنى: وكم من أهل قرية. وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾، ثم قال: ﴿جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ﴾ [الأعراف: ٥]، إنما معناه أردنا إهلاكها، فجاءها البأس.

стр. 2223

وقيل المعنى: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ بمنعنا إياها التوفيق إلى الطاعة، فجاءها البأس. وقيل: إن الهلاك هو البأس بعينه، ففي كل واحد معنى الآخر، وسواء بدأ بالبأس أو بالهلاك، وهو كقولك: " زرتني فأكرمتني "، إذا كانت " الزيارة " هي " الكرامة "، فسواء عليك ما قدمت أو أخرت. وقيل: الفاء هنا بمعنى الواو فلا يلزم الترتيب. و ﴿أَوْ﴾ هنا للإباحة. وكان يجب أن يقول: أَوْ وهم قائلون، إلا أنه إذا كان في الجملة عائد لم يُحْتَج

стр. 2224

إلى الواو. وقد قال الفراء: " الواو " محذوفة. وقال غيره: حذفت " الواو " لئلا تجمع بين حرفي العطف، وهي: " واو الوقت " عند بعض النحويين. ولو جعل مكان ﴿أَوْ﴾ " الواو " لفسد المعنى؛ لأنه يصير المعنى: أن البأس جاءهم في الليل، وهم قائلون، وهذا لا يمكن؛ لأن القائلة إنما هي نصف النهار، والبيات فعل في الليل.

стр. 2225

قوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ [إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ]﴾، الآية. المعنى: فما كان دعوى أهل القرية التي جاءها البأس إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا ظالمين. و" الدَّعْوَى " في كلام العرب، على وجهين. تكون: " الدُّعَاء "، تقول: " اللَّهُمَّ أَشْرِكْنَا فِي صَالِحِ دَعْوىَ مَنْ دعاك، قال الله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾، أي: دعاؤهم. وقال: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: ١ ٥] ، أي:

стр. 2226

دعاؤهم. والوجه الآخر: الإدعاء للحق. و ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ هنا، إنما قالوه حين عاينوا البأس، لا قبله ولا بعده. وذلك أن الرسل كانت تعدهم بالسطوة من الله وتخبرهم بأمارة ذلك وعلامته ليزدجروا، فلما عاينوا علامات ما أوعدوا به، أقروا بالظلم على أنفسهم. قوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية. المعنى: فلنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي: ماذا عملت فيما بلغتها الرسل من أمري ونهيي؟ [﴿وَلَنَسْأَلَنَّ المرسلين﴾، أي]: ولنسألن الرسل: هل

стр. 2227

بلغت وأدت ما أرسلت به. فسؤال الأمم سؤال توبيخ وتقرير، وهو عالم بما عملت، (وسؤال الرسل) سؤال تحقيق على الأمم؛ لأن الأمم قالت: ﴿مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] فأخبرت الرسل عند السؤال أنها قد بلغت، وأن الأمم التي أنكرت كاذبة في قولها. فسؤال الرسل، إنما هو على وجه الاستشهاد على الأمم. وسؤال [الأُمَمِ] المرسل إليهم على وجه التقرير بما عملوا، لا أنه تعالى يسأل مسترشداً مستثبتاً؛ لأن هذا صفة من لا علم عنده، بل هو لا إله إلا الله، عالم بتبليغ الرسل، وبما أجابتهم به الأمم. وهذا يدل على أن الكفار يحاسبون ويسألون.

стр. 2228

قوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ﴾ الآية. والمعنى: فلنخبرنَّ الرسل والمرسل إليهم بعلم يقين عما عملوا في الدنيا. قال ابن عباس معنى ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ﴾: أنه ينطق عليهم كتاب عملهم. ﴿وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾. أي: عن أعمالكم وأفعالكم. قوله: ﴿والوزن يَوْمَئِذٍ الحق [فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ]﴾ الآية. والمعنى: ووزن الأعمال يومئذ الحق. ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾. أي: من كثرت حسناته. قاله مجاهد.

стр. 2229

وقيل المعنى: فمن ثقلت موازين حسناته. وهو " ميزان " له لسان وكِفَّتَانِ، كالذي يعرفه الناس. قال عبيد بن عمير: يجعل الرجل العظيم الطويل/ في الميزان، فلا يزن جناح بعوضة. ووزن الأعمال في الميزان، هو نظير إثباتُ الله إياها في أُمِ الكتاب، واستنساخه ذلك في الكتب من غير حاجة إلى ذلك، وهو العالم بكل ذلك، وإنما فعل ذلك تعالى، ليكون

стр. 2230

حجة على خلقه، فيحتج عليهم بما عاينوا وفهموا وعرفوا من ذنوبهم. قال تعالى: ﴿هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]، فكذلك وزن أعمال العباد حجة عليهم، ليعلموا التضييع الذي فعلوا، أو يفهموه عن قرب على ما عملوا. فأما وزن الأعمال وهي أعراض، فإنما يحدث الله خفة في جانب السيئات، وثقلاً في جانب الحسنات، على ما يشاء لمن أراد، كل ذلك احتجاج منه على خلقه، وتقريع لهم بما عملوا، وهذا مثل استنطاق أيديهم وأرجلهم بما عملوا في الدنيا، حجة منه عليهم، وقد تظاهرت الأخبار بذلك عن النبي ﷺ .

стр. 2231

ومعنى: ﴿[وَ] مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾. أي: من خفت موازين أعماله الصالحة، فلم تثقل بالتوحيد لله، والإيمان برسوله. ﴿فأولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُم﴾. أي: غبنوا أنفسهم حظوظها من الثواب. ﴿بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾. الظلم هنا: الجحود لآيات الله. قال سلمان الفارسي: يوضع الميزان يوم القيامة، ولو وضع في كفَّته السموات والأرض لوسعتها، فتقول الملائكة: ربنا ما هذا؟ فيقول تعالى: أَزِنُ به لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: ربنا ما عبدناك حق عبادتك.

стр. 2232

وقال مجاهد، " الميزان ": هنا: الحسنات والسيئات نفسها. وقيل: " الميزان ": الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. والذي جاءت به الآثار أنه " الميزان " المعروف. ﴿يَوْمَئِذٍ الحق﴾، وقف حسن. قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرض﴾. لام ﴿لَقَدْ﴾ لام توكيد. روى خارجة عن نافع أنه قرأ: ﴿مَعَايِشَ﴾، بالمد والهمز،

стр. 2233

وكذلك روي عن عبد الرحمن الأعرج - ولا يجوز ذلك عند جماعة النحويين، لأن الياء أصلية، وإنما تهمز الزائدة. وروى الأصبهاني عن أصحابه عن ورش: ﴿مَعَايِشَ﴾ الياء ساكنة - وهو غلط؛ لأنها غير " مفاعل " والميم زائدة؛

стр. 2234

لأنها من " العيش ". ومعنى الآية: ولقد جعلنا لكم في الأرض قراراً ومهاداً، وجعلنا لكم فيها ﴿مَعَايِشَ﴾ أي: ما تعيشون به. وقيل المعنى: وجعلنا (لكم) فيها ما تتوصلون به إلى المعيشة. شكراً قليلاً تشكرون على هذه النعم.

стр. 2235

و ﴿مَعَايِشَ﴾ وقف. قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ الآية. قوله: ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. قال الأخفش، وقطرب: ﴿ثُمَّ﴾ هنا بمعنى " الواو ". ومنع ذلك سائر البصريين. والمعنى عندهم فيه: ولقد ابتدأنا خلق آدم، ثم

стр. 2236

صورناه، ﴿ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا﴾ له بعد تمام خلقه. ودليله قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن [فَيَكُونُ]﴾ [آل عمران: ٥٩]. وقيل المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أيها الناس في ظهر آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾، يعني ذريته، في أرحام النساء في صورة آدم. قاله ابن عباس وغيره. وقال السدي المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾، أي: خلقنا آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ يعني: ذريته في الأرحام. وأخبر عن خلق آدم بلفظ الجماعة؛ لأنه الأصل/ للجميع، فكأن (خلقه)

стр. 2237

خلق الجميع. والعرب تجعل مخاطبة الرجل لأبائه المعدومين، ومنه قول الله تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ [البقرة: ٦٣]، فالخطاب لمن كان على عهد النبي ﷺ ، والمراد به من تقدم من آبائهم. فكذلك هذا الخطاب للمؤمنين، والمراد به الخبر عن أبيهم آدم، صلوات الله عليه. وكذلك قال قتادة. وقال عكرمة المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أيها الناس نطفاً في أصلاب آبائكم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ في الأرحام.

стр. 2238

وكذلك روى سفيان عن الأعمش أنه فسره كذلك. وقال مجاهد المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ يعني: آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ في ظهر آدم. وقيل المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ في بطون أمهاتكم، يعنى: النطفة والعلقة، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ بعد ذلك في البطون.

стр. 2239

واختار الطبري، قول من قال: (معناه): ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صورناه. قال: لأن بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ﴾، ومعلوم أن الله (تعالى) قد أمر الملائكة بالسجود لآدم ﵇، قبل أن يصور أحداً من ذريته في بطون أمهاتهم. و ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي فيما بين ما بعدها وما قبلها. وقال بعض أهل النظر: إن في الكلام تقديماً وتأخيراً؛ وإن ترتيبه: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ثم صورناكم. وهذا بعيد عن النحويين؛ لأن " ثم " لا يجوز أن يراد بها التقديم على ما قبلها من الخبر. فقد أنكر هذا القول النحاس، وغيره.

стр. 2240

وقوله: ﴿ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ﴾. فعل تعالى ذلك بعد خلق آدم ﵇ ابتلاء منه لهم، واختباراً لِتَتِمَّ مشيئته التي تقدمت في إبليس، فيعلم ذلك طاهراً وظهوراً يجب عليه العقاب (لهم] والثواب، فسجد جميعهم إلا إبليس. وقال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة، وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وسلطان الأرض، فعصى، فمسخه الله (سبحانه) شيطاناً رجيماً. قال ابن جريح: ومن يقل من الملائكة إني إله من دونه، لم يقله إلا إبليس

стр. 2241

دعا إلى عبادة نفسه، فنزلت هذه الآية. قال قتادة: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله [مِّن دُونِهِ]﴾ [الأنبياء: ٢٩]، هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس (اللعين) لما قال ما قال، لعنه الله وجعله رجيماً. قال ابن عباس: لما قتل إبليس الجن الذين عصوا الله في الأرض، وشردهم، أعجبته نفسه، فلذلك [امتنع] من السجود واستكبر على ربه [سبحانه]. قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ الآية.

стр. 2242

هذا السؤال من الله (تعالى) سؤال تقرير وتوبيخ؛ لأنه، تعالى، قد علم ذلك منه. و" لا " زائدة مُؤكَّدة. والمعنى: ما منعك أن تسجد. وقيل: إن " لا " غير زائدة وإن في الكلام حذفاً. والمعنى: [ما منعك] من السجود وأحوجك ألا تسجد؟ فحذف " أحوجك " لدلالة الكلام عليه. وهو اختيار الطبري. وقيل المعنى: (إن) المنع هنا بمعنى " القول " و " لا " غير زائدة،

стр. 2243

والتقدير: من قال لك ألا تسجد إذ أمرتك بالسجود: ودخلت " أن " كما تدخل في كلام هو بمعنى القول، ولفظه مخالف للفظ القول كقولهم/ " ناديت أن لا تقم "، و " حلفت ألا تجلس " فلما كان المنع بمعنى القول، وليس من لفظه دخلت " أن ". وقيل: إن المنع لما كان معناه الحول بين المرء وبين ما يريده، فالممنوع مضطر إلى خلاف ما منع منه، فلما كان معنى المنع هذا، كان تقدير الكلام: ما اضطرك إلى أن لا تسجد. وقوله: ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾. هذا خبر من الله عما قال إبليس، إذ قال له الله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾، فقال إبليس: أنا أفضل منه؛ لأني من نار، وهو من طين، ففضل عليه كفضل النار على الطين. فجهل عدو الله الحق، وأخطأ طريق النظر، إذ كان معلوماً أن من جوهر النار الخفة والطيش والاضطراب، والارتفاع والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حمل الملعون بعد الشقاء الذي سبق له من الله على الاستكبار. وكان معلوماً أن

стр. 2244

من جوهر الطين الرزانة والأناة، وذلك الذي حمل (آدم [﵇]) بعدما سبق له عند ربه على الندم على الذنب والتوبة منه. ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان: " أول من قاس إبليس "، يعنيان أنه أخطأ في قياسه في تفضيل النار على الطين؛ وأنها أقوى من الطين. وقول إبليس: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ ليس بجواب في الظاهر لمن قال: " ما منعك أن تفعل؟ "؛ وإنما هذا جواب من قال: " أيكما خير؟ "؛ ولكنه جواب محمول على المعنى

стр. 2245

لا على ظاهر السؤال؛ كأنه لما قيل له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾، قال: فضلي عليه أني من نار؛ وأنه من طين، فأخبر الملعون عن نفسه بخبر فيه معنى الجواب. قوله: ﴿قَالَ فاهبط [مِنْهَا]﴾ الآية. المعنى: قال الله لإبليس عندما صنع: ﴿فاهبط مِنْهَا﴾، أي: من الجنة. ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾. أي: ليس لك أن تستكبر في الجنة عن أمري وطاعتي. أي: لا يسكن في الجنة من يتكبر عن أمري. فأما غير الجنة فالمستكبر يسكنها، وغيره.
следующие страницы →