Полный текст (8 396 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
قوله: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ [أَتَأْتُونَ الفاحشة]﴾، إلى: ﴿المجرمين﴾.
نصب ﴿لُوطاً﴾ على " وأرسلنا لوطاً "، أي على معنى: واذكروا لوطاً.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة﴾. أي: أتأتون الذكران.
﴿مَا سَبَقَكُمْ﴾، لفعل هذا أحد ﴿مِّن العالمين﴾.
﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً﴾ هذا توبيخ لهم وتقريع.
وقوله: ﴿شَهْوَةً﴾: مصدر، أي تشتهون ذلك شهوة.
стр. 2382
﴿بَلْ أَنْتُمْ/ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾. في فعلكم ذلك.
واللوطي يرجم عند مالك، أحصن أو لم يحصن. وكذلك قال أكثر العلماء.
وروي عنه أنه قال: يرجم إن كان مُحْصَناً، ويُحْبَس ويؤَدَّب إن كان غير محصن، وهو قول عطاء، والنخعي، والحسن، وابن المسيب، وقتادة.
стр. 2383
قال الأوزاعي، وأبو يوسف، وأبو ثور: إذا أتى الرجل المرأة في دبرها حُدَّ حد الزاني، وهو مروي عن الشافعي.
وقال النعمان والحكم: يُعَزَّرُ عقوبة.
وهذا إنما هو في المرأة التي ليست منه بزوجة ولا ملك يمين.
ثم أخبر، تعالى، عن جواب قوم لوط له إذ وبخهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ﴾ قولهم: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾، أي: قال بعضهم لبعض ذلك، أخرجوا آل لوط وابنتيه، ولذلك جمع في ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾.
وقيل المعنى: أخرجوا " لوطاً " ومن كان على دينه.
стр. 2384
ومعنى: ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾، أي: يتنزهون عن فعلنا.
وقال السدي: معناه: يتحرجون.
وقال مجاهد معناه: يتطهرون من أدبار الرجال [وأدبار] النساء.
وقيل: معنى ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾، أي: يتنزهون عن أعمالكم.
قال الله : ﴿ فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾، يريد ابنتيه، ﴿إِلاَّ امرأته﴾، لم تنج؛ لأنها كانت خائنة للوط كافرة، ﴿كَانَتْ مِنَ الغابرين﴾، أي: من الباقين
стр. 2385
في الهالكين.
وقيل المعنى: ﴿مِنَ الغابرين﴾، [أي: من الغائبين] عن النجاة.
قال حذيفة: إنما حق القول على قوم لوط حين استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء.
وقال [أبو] عبيدة: المعنى: ﴿كَانَتْ مِنَ الغابرين﴾، أي: من المُعَمَّرِينَ أي: قد هَرِمَت.
стр. 2386
قال حذيفة: رفع جبريل ﵇ مدينتهم ثم قبلها، فسمعت الوَجْبَةَ امرأَتُهُ، فالتفتت، فأهلكت معهم.
ورُويَ أن جبريل، ﵇، اقتلع مدائنهم وهي ست فأهوى بها حتى بلغ بها السماء بجناح واحد، حتى سمع أهل السماء نُهَاق الحمير، ونُبَاح الكلاب، وصُرَاخ الديوك، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، وتبعت الحجارة من كان خارج المدائن منهم.
والغابر في اللغة: من الأضداد هو الباقي، والذاهب.
وذَكَّرَ هذا الجمع؛ لأنه غَلَّبَ فيه المذكر [على المؤنث].
وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾.
стр. 2387
أي: أمطرت عليهم حجارة من سَجَّيلِ بعد قلب مدائنهم عاليها سافلها فأهلكت من كان خارجاً من المدينة، من مسافر وغيره، ﴿فانظر﴾، يا محمد، ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المجرمين﴾.
قوله: ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾، إلى: ﴿الحاكمين﴾.
المعنى: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً.
وكان شعيب زوج بنت لوط.
ومدين: قبيلة.
وقيل: هو اسم أرض.
стр. 2388
وقال مقاتل: هو اسم رجل جعل اسماً للأمة.
وقيل هم أمة بعث إليهم، فقال لهم: ﴿اعبدوا الله﴾، ليس لكم (من يحب) أن تعبدوه إلا هو.
﴿قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الكيل والميزان﴾.
أي: أوفوا الناس حقوقهم.
﴿وَلاَ (تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءَهُمْ﴾﴾.
أي: لا تنقصوهم حقوقهم) ولا تظلموهم.
стр. 2389
﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض﴾.
أي: لا تعملوا بالمعاصي في أرض الله، بعد أن أصلح الله (سبحانه) الأرض، بأن بعث فيها نبياً، يدل على الطريق المستقيم.
﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي: مصدقين، أي: هذا الذي أمرتكم به من إخلاص العبادة لله وأداء الحقوق، وترك الفساد في الأرض، خير لكم من غيره.
﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾.
/ أي: في كل صراط، أي: طريق.
﴿تُوعِدُونَ﴾.
стр. 2390
أي: تتهددون الناس ألا يؤمنوا، وتصدونهم عن سبيل الله، [أي: عن الإيمان].
﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾.
أي: تبغون لها عوجاً، أي: لا تقعدوا بكل طريق، توعدون المؤمنين بالقتل.
وكانوا يقعدون على طريق من يأتي إلى شعيب ليؤمن، يتوعدونه بالقتل ويخوفونه، ويقولون: هو كذاب، وهو قوله: ﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ بِهِ﴾،
стр. 2391
أي: تردون عن الإيمان من يريده، ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾، أي: تبغون للسبيل العِوَج، أي: تزيغون من أتى إليها عن الحق.
وقال السدي: هم العاشرون.
قوله: ﴿واذكروا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾. أي: كان عددكم قليلاً فكثركم.
стр. 2392
وقيل: المعنى: (كنتم) فقراء فأغناكم.
﴿وانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين﴾.
الذين أُهْلِكُوا من قبلكم، بعضهم أُهْلِكَ: بالصيحة، وبعضهم: بالحجارة، وبعضهم: بالغرق.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ﴾، أي: جماعة وفرقة، ﴿وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فاصبروا حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا﴾، أي: يقضي، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين﴾.
قوله: ﴿قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب﴾، إلى: ﴿الفاتحين﴾.
стр. 2393
المعنى: قال الملأ الذين استكبروا [عن الإيمان] من قومه: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب﴾، ومن آمن معك، ﴿مِن قَرْيَتِنَآ﴾، أو لترجعن إلى ديننا. قال شعيب لهم: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾، أي: تخرجوننا، ونحن كارهون لذلك.
وقوله: ﴿قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾.
أي: قال شعيب لقومه إذْ دعوه إلى ملتهم، وَتَوَعَّدوه بالطرد: ﴿قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً﴾، أي: أختلقنا على الله كذباً، وتَخَرَّصْنَا ذلك عليه، إن نحن ﴿عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾، أي: دينكم، بعد أن أنقذنا منها. وهذا من قول من آمن به وقد كان كافراً. فأما شعيب فلم يكن على ملتهم قط.
стр. 2394
ثم قال: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ﴾،: في ملتكم فندين الله بها ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا﴾، أي: إلا بمشيئة الله (سبحانه)، أي إلا أن يشاء ربنا أن يَتَعَبَّدَنَا بشيء مما أنتم عليه.
وقيل المعنى: إلا أن يشاء الله أن نعود، وهو لا يشاء ذلك أبداً بمنزلة قوله: ﴿حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠]. وقيل: هو استثناء من الأول.
﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: أحاط به، فلا يخفى عليه شيء [كان، ولا شيء هو كائن]، فإن سبق في علمه أنا نعود في شيء منها؛ فلا بد أن يكون.
стр. 2395
والله لا يشاء الكفر، أي: لا يُحِبُّه ولا يرضاه، وهو يشاؤه بمعنى: يُقَدِّره ويقضيه على من علمه منه. وقيل: المعنى: ملأ ربنا كل شيء علماً.
ثم قال: ﴿عَلَى الله تَوَكَّلْنَا﴾. أي: عليه نعتمد في أمورنا.
﴿رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق﴾. أي: احكم بيننا وبينهم.
стр. 2396
﴿وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين﴾. أي: الحاكمين.
قوله: ﴿وَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً﴾، إلى قوله: ﴿كافرين﴾.
المعنى: قال بعض من كفر بشعيب لبعض: ﴿لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾، أي لمغبونون في فعلكم.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة﴾. أي: فأخذت الكفار منهم الزلزلة.
﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. أي: باركين على ركبهم. وقيل: خامدون.
وكان قوم شعيب أصحاب " لَيكَة "، وهي: الغَيْضَة من الشجر. وكانوا مع
стр. 2397
كفرهم/ يبخسون الناس في الوزن والكيل، فدعاهم إلى الله ، فكذبوه، وسألوه العذاب، ففتح (الله) عليهم باباً من أبواب جهنم، فأهلكهم الحَرُّ منه، ولم ينفعهم ظل ولا ماء. ثم بعث الله سحابة فيها ريح طيبة، فوجدوا (فيها) بَرْدَ الريح، فتنادوا: " الظُّلَّة، عَلَيْكُمْ بها "،! فلما اجتمعوا تحت السحابة، انطبقت عليهم فأهلكتهم، فهو ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظلة﴾ [الشعراء:: ١٨٩].
ونجى الله شعيباً والذين آمنا معه، فسكنوا مكة حتى ماتوا (بها).
وقوله: ﴿الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾.
стр. 2398
أي: لم ينزلوا فيها، ولم يقيموا. و " المغَانِي ": المنازل؛ لأنها يقام بها. وقال المفسرون: كأن لم يعيشوا بها.
﴿الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الخاسرين﴾. أي: الهالكين.
﴿فتولى عَنْهُمْ﴾.
стр. 2399
أي: أدبر وخرج عنهم، وقال: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رسالات رَبِّي﴾، فلم تؤمنوا بها، ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾، فلم تقبلوا، ﴿فَكَيْفَ ءاسى على قَوْمٍ كافرين﴾، أي: كيف أَحْزَنُ عليهم وقد كفروا بآيات الله.
وقرأ طلحة بن مُصَرِّف، ويحيى بن وَثَّاب، والأعمش: (إِيسى "، بكسر الهمزة، (وهي لغة تميم).
قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ﴾ إلى: ﴿يَشْعُرُونَ﴾.
هذه الآية تحذير لقريش، ومن كفر بالنبي ﷺ ، وإعلام من الله
стр. 2400
لنبيه ﷺ ، سُنَّتَهُ فيمن خَلاَ من الأمم الكافرة.
و ﴿بالبأسآء﴾. البؤس وضيق العيش.
﴿الضرآء﴾، النصر.
﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾، أي: فعل ذلك بهم، ليتضرعوا إلى الله ويخشعوا، وينيبوا عن الكفر.
قال السدي، ﴿بالبأسآء والضرآء﴾: الفقر والجوع.
وقال ابن مسعود: ﴿بالبأسآء﴾، الفقر، و ﴿والضرآء﴾، المرض.
وقيل: ﴿بالبأسآء﴾، المصائب في المال، و ﴿والضرآء﴾، المصائب في البدن.
стр. 2401
وقوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة [حتى عَفَوْاْ]﴾.
سمي [الضرر والفقر سيئة، لأنه يسوء صاحبه.
و ﴿الحسنة﴾: الرخاء والصحة. سمي] ذلك حسنة، لأنها تحسن عند من حلت به، فبدل الله لهم مكان الضرر والفقر، الرخاء والصحة، ﴿حتى عَفَوْاْ﴾ أي: تضاعف أعدادهم بالتناسل، وهو من الأضداد، يقال: " عفا ": كثر، و " عفا ": درس.
ومن الكثرة قوله ﵇: " أَخْفُوا الشَّوَارِبَ واعْفُوا اللِّحَى "، أي: وفروا [اللحى] حتى يكثر شعرها.
стр. 2402
فمعنى ﴿عَفَوْاْ﴾ على هذا، أي: كثروا.
قال ابن زيد: معناه، بدلنا مكان ما كَرِهُوا ما أحَبُّوا.
وعن مجاهد: ﴿عَفَوْاْ﴾، كثرت أموالهم وأولادهم.
وقال قتادة: ﴿عَفَوْاْ﴾، سُرُّوا.
أي: سُرُّوا بكثرتهم، وذلك استدراج منه لهم؛ لأنه أخذهم بالشدة ليتعظوا فلم يفعلوا. ثم أخذهم بالرخاء لعلهم يشكرون، استدراجاً لهم، ف: ﴿وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء﴾، وهو الضيق في المعاش، ﴿والسرآء﴾: السرور والسعة، فنحن
стр. 2403
مثلهم، يصيبنا مثل ما أصابهم، ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: أخذناهم بالهلاك فجأة على غرة، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يدرون بذلك.
وقد كرر الله، ، قصص الأنبياء وأممها، في سور كثيرة بألفاظ مختلفة، ومعان متقاربة. ونحن نذكر علة تكرار ذلك في القرآن، بما حضرنا من أقوال العلماء، إن شاء الله.
стр. 2404
ذكر العلة
في تكرار الأنبياء والقصص
في القرآن
علة ذلك أن القرآن نزل شيئاً بعد شيء نُجُوماً، في ثلاث وعشرين سنة، فكانت العرب ترد على النبي ﷺ ، / من كل أُفُق فيقرئهم المسلمون السورة من القرآن، فيذهبون بها إلى قومهم.
وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة، بالسور المختلفة، فيبلغ إلى هؤلاء من القصص ما لم يبلغ إلى هؤلاء، فثنى الله القصص وكررها ليكون يبلغ إلى هؤلاء ما يبلغ إلى
стр. 2405
هؤلاء إشهاراً منه لهذه القصص ليتعظ بها من بلغته، ويعلم أنها دلالة على نبوة من أتى بها، ويعيها كل قلب، ويزداد الحاضرون السامعون لتكرارها تَفَهُّماً.
ولو نزل القرآن جملة واحدة لسبق حدوث الأسباب التي أنزله الله بها، ولثقلت جملة الفرائض على المسلمين، وعلى من أراد الدخول في الدين ولفسد معنى النَّسْخ، فإنما نزل فَرْضاً بَعْدَ فَرْضٍ، تدريجياً للعباد وتيسيراً عليهم إلى أن يكمل دين الله .
كل ذلك تثبيتاً لهم على الإسلام، قال الله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]، وهذا جوابهم إذا قالوا: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]، فإنما نزل متفرقاً ليثبتهم على الإسلام، إذ لو نزلت الفرائض مرة واحدة، لكان ذلك داعية إلى النقار
стр. 2406
والصعوبة عليهم.
فإن قيل: هلا كررت الفرائض كما كررت القصص؟
قيل: إن الفرائض كان رسول الله ﷺ يبعث بها إلى كل قوم ليعلمهم بها فرض الله عليهم، من الصلاة والزكاة، فكل المؤمنين يصل إليه ذلك ببعث رسول الله ﵇ إذ ذلك وجب عليه، وهو من تمام التبليغ.
والقصص ليست كذلك، إنما نزلت على طريق الاعتبار، فليس يقتص بها كل من آمن، فكررت لتشتهر عند المؤمنين.
فإن قيل: فلم كرر ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣، ٧٧]، و: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي
стр. 2407
وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦، ١٨، ٢١، ٣٠]، و ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١] وشبهه؟
فالجواب أن مذهب العرب: التكرار للتوكيد والإفهام، كما أن من مذابهم: الاختصار للتخفيف، فيقولون: " عجل عجل "، و " الزم الزم "، فكررون للتأكيد، ويقولون: " الهلال والله ". [أي: هذا الهلال]، فيختصرون للتخفيف.
وربما استوحشوا من الإعادة فغيروا اللفظة الثانية فيقولون: (هو) " عَطْشان نَطْشان " "، و " حَسَنٌ بَسَنٌ "، و " شَيْطَان [لَيْطان] "، أبدلوا الثاني وغيروه لئلا يعيدوه بلفظه إذ لم يكن (لهم) بد من التأكيد.
стр. 2408
وأما التكرير في ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾، فإن المشركين قالوا للنبي ﷺ : اعبد بعض آلهتنا، ونؤمن بإلهك، فأنزل الله : ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٢ - ٣] ثم أقاما مرة وقولوا (له): اعبد آلهتنا وقتاً من الزمان، ونعبد إلهك مثله، فأنزل الله : ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٤ - ٥].
ومن العلة في التكرار ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، أن الله ﵎، عَدَّدَ في " الرحمن " ألاءه ونعمه، ونبههم على ما أعد للمؤمنين من نعمة، فأتبع كل نعمة ذكرها الاستفهام بمعنى: التوبيخ، والسؤال لهم بأي نعمة يكذبون، لتكون فاصلة بين [كل نعمة] ذكرها وبين ما بعدها من نعمة أخرى، ليفهموا كل نعمة على
стр. 2409
انفصالها. وهذا كقول العرب للرجل: ألم أطعمك وأنت جائع؟ أفتنكر هذا؟ [ألم أكسك وأنت عريان؟ أفتنكر هذا؟، ألم أغنك وأنت فقير؟ أفتنكر هذا؟] وشبهه.
ومثل: هذا تكراره: ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥، ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠، ٥١] في سورة: " اقترتب "؛ لأنه يذكر/ لهم آياته، وَعِبَر ما يعتبرون به، ثم نبههم على الاعتبار والادكار بذلك، فإذا ذكر آية وعِبَراً نبههم على الاعتبار بها، وكرر ذلك عليهم، ليكون أَفْهَم لهم.
وقد يأتي تكرار المعنى بلفظين مختلفين، وذلك للاتساع في المعنى واللفظ، نحو قولك: " آمرك بالوفاء، وأنهاك عن الغدر "، والأمر بالوفاء هو النهي عن الغدر.
ومثله: " آمرك بالتواصل، وأنهاك عن التقاطع ".
وكقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، والنخل والرمان من الفاكهة، فَأُفْرِدَا عن
стр. 2410
الجملة، لفضلهما.
ومثله قوله: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وهي منها، فأفردها بالذكر ترغيباً فيها، كما تقول العرب: " إيتني كل يوم (ويوم) الجمعة.
ومنه قوله: ﴿لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ [الزخرف: ٨٠]، والنجوى هو السر.
وقد يكون " السر ": ما أسروا في أنفسهم، و " النجوى ": ما تَسَارَوُا به سِرّاً، وهذا كما قال ذو الرُّمة:
لَمْيَاءُ فِي شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لعَسُ ... وَفِي اللِّثاتِ وَفِي أَنْيَابِهَا شَنَب
стр. 2411
واللَّعسُ: حُوَّة.
وقريب من هذا: الزيادة للتأكيد، كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]؛ لأن الرجل قد يقول بالمجاز: كتاباً ورسالة، وعلى لسان غيره.
ومنه قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]؛ لأن الرجل قد يضاف إليه الكتاب، والكاتب غيره. يقول الأمي: كتبت إليك، وإنما كُتِبَ له، وكتب الأمير كتاباً، وإنما أمر بِكِتُبَتَهِ، فَبَيَّنَ بقوله: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾، أنهم بأنفسهم كتبوه على الحقيقة.
стр. 2412
وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿تَحْمِلُهُ الملائكة﴾ [البقرة: ٢٤٨]، وإنما أُمِرَتْ بحمله، كقولك: " حملت إلى بلد كذا بُرّاً وقمحاً "، وإنما [تريد] أمرت بحمله.
وقال تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين﴾ [الصافات: ٩٣]، فذكر اليمين؛ لأن فيها القوة وشدة البطش، فأخبر بذلك عن شدة الضرب.
ومثله: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فأكد بذلك، كما تقول: رَأْيُ عَيْنِي وسَمْعُ أُُذنيِ].
стр. 2413
ومنه قوله: ﴿ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦]، هذا مثل قولهم: نفسي التي بَيْنَ جَنَبيّ.
ومثله قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١ ٩٦] .
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرىءَامَنُواْ (واتقوا)﴾، إلى قوله: ﴿فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾.
المعنى: ولو أن أهل القرى الذين أرسل إليهم الرسل آمنوا، لنزل مطر السماء عليهم. وأنبتت الأرض، فذلك " البركات ".
стр. 2414
وأصل " البركة ": المواظبة على الشيء. يقال: بارك فلان على فلان، أي: واظب عليه.
فمعنى: ﴿بركات مِّنَ السمآء﴾. أي: ما يتتابع من [خير] السماء والأرض.
﴿ولكن كَذَّبُواْ﴾، بالرسل. ﴿فأخذناهم﴾. أي: عجلناهم العقوبة. ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. أي: بعملهم الرديء.
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى﴾، [أي] المكذبون، ﴿أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾، أي: عقوبتنا، ﴿بياتا﴾، أي: ليلاً، ﴿وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾، أو يأتيهم ﴿ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. يقال لكل من عمل
стр. 2415
عملاً لا يجدي عليه نفعاً، إنما أنت لاعب.
﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ/ الله﴾.
أي: أستدراج الله إياهم بما أنعم عليهم في دنياهم من الصحة والرخاء، فليس بأمن استدراج الله ﴿إِلاَّ القوم الخاسرون﴾، أي: الهالكون.
وقيل: هو توعد لمن كذب بمحمد، ﵇.
وقيل: ﴿مَكْرَ الله﴾ : عذابه.
стр. 2416
وحقيقة " المكر ": (الكيد)، والكيد من الله (سبحانه) عقوبة للعبد من حيث لا يعلم.
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ﴾، المعنى: أو لم يهد الهدى، أي: يبين لهم الهدى.
وقيل معنه: أولم يهد الله، أي: يبين لهم الله، أنه لو شاء أصابهم بذنوبهمه، كما فعل بمن كان قبلهم، الذين ورث هؤلاء الأرض عنهم.
﴿وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ﴾. أي: نختم عليها، فلا ينتفعون بموعظة.
стр. 2417
قال ابن عباس: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾، أو لم يستبن لهم.
وقال ابن زيد: أو لم يتبين لهم.
وأكثرهم على أن المعنى: أو لم يَبِنْ لهم؛ لأن أصل الهدى: البيان.
قوله: ﴿تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا﴾، إلى قوله: ﴿لَفَاسِقِينَ﴾.
والمعنى: تلك القرى، يا محمد، نقص عليك من أخبارها، وهو ما تقدم ذكره: من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب، لتعلم أنا ننصر رسلنا.
ثم قال (الله) تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾.
أي: ولقد جاءت أهل القرى رسلهم، بالحجج [البينات].
وقوله: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾.
стр. 2418
أي: فما كان هؤلاء المشركون الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم، ﴿بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾، أي: بما كذبوا يوم أخذ عليهم الميثاق حين أخرجهم من ظهر آدم، ﵇.
قال مجاهد: المعنى: ليس يؤمنوا، ﴿بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾، أي: من قبل هلاكهم، أي: لو رُدُّوا إلى الدُّنيا بعد هلاكهم لم يؤمنوا بما كذبوا من قبل هلاكهم، مثل: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨].
وقال الربيع بن أنس: كان في علمه يوم أقروا بالميثاق أنهم لا يؤمنون.
стр. 2419
وقال السدي: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرهاً، فلم يكونوا ليؤمنوا الآن حقيقة.
وقوله: ﴿كذلك يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين﴾.
أي: كما طبعنا على قلوب هؤلاء الذين أهلكوا ولم يؤمنوا، كذلك نطبع على قلوب المعتدين من أمتك يا محمد، أي: نختم عليها فلا يؤمنوا لما تقدم في عمله منهم. وهذا إخبار [من] الله (تعالى) لنبيه ﵇ عن قوم من أمته [أنهم] لا يؤمنون أبداً، كما قال لنوح ﵇: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وكما قال لمحمد ﷺ ،: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦].
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾.
أي: ما وجدنا لهؤلاء المهلكين " عهداً "، أي: وفاء بما وصيناهم به، وما
стр. 2420
وجدنا أكثرهم فاسقين.
مذهب الفراء: أنَّ ﴿إِنْ﴾ بمعنى: " ما "، و " اللام " بمعنى إلا.
ومذهب سيبويه أنها " إنْ " المخففة [من الثقيلة)، ودخلت " اللام " لئلا تشتبه " إِنْ " التي بمعنى: ما.
وقال بعض البصريين: دخلت " إنْ " و " اللام " على معنى التأكيد واليمين. وتدخل " إِنْ " هذه على الأفعال أيضاً، [تقول]: إِنْ ظَنَنْتُ زيداً لقائماً.
ومعنى ﴿لَفَاسِقِينَ﴾،: خارجين عن طاعة الله.
следующие страницы →