← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وحقيقة " المكر ": (الكيد)، والكيد من الله (سبحانه) عقوبة للعبد من حيث لا يعلم. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ﴾، المعنى: أو لم يهد الهدى، أي: يبين لهم الهدى. وقيل معنه: أولم يهد الله، أي: يبين لهم الله، أنه لو شاء أصابهم بذنوبهمه، كما فعل بمن كان قبلهم، الذين ورث هؤلاء الأرض عنهم. ﴿وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ﴾. أي: نختم عليها، فلا ينتفعون بموعظة.

стр. 2417

قال ابن عباس: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾، أو لم يستبن لهم. وقال ابن زيد: أو لم يتبين لهم. وأكثرهم على أن المعنى: أو لم يَبِنْ لهم؛ لأن أصل الهدى: البيان. قوله: ﴿تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا﴾، إلى قوله: ﴿لَفَاسِقِينَ﴾. والمعنى: تلك القرى، يا محمد، نقص عليك من أخبارها، وهو ما تقدم ذكره: من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب، لتعلم أنا ننصر رسلنا. ثم قال (الله) تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾. أي: ولقد جاءت أهل القرى رسلهم، بالحجج [البينات]. وقوله: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾.

стр. 2418

أي: فما كان هؤلاء المشركون الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم، ﴿بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾، أي: بما كذبوا يوم أخذ عليهم الميثاق حين أخرجهم من ظهر آدم، ﵇. قال مجاهد: المعنى: ليس يؤمنوا، ﴿بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾، أي: من قبل هلاكهم، أي: لو رُدُّوا إلى الدُّنيا بعد هلاكهم لم يؤمنوا بما كذبوا من قبل هلاكهم، مثل: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال الربيع بن أنس: كان في علمه يوم أقروا بالميثاق أنهم لا يؤمنون.

стр. 2419

وقال السدي: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرهاً، فلم يكونوا ليؤمنوا الآن حقيقة. وقوله: ﴿كذلك يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين﴾. أي: كما طبعنا على قلوب هؤلاء الذين أهلكوا ولم يؤمنوا، كذلك نطبع على قلوب المعتدين من أمتك يا محمد، أي: نختم عليها فلا يؤمنوا لما تقدم في عمله منهم. وهذا إخبار [من] الله (تعالى) لنبيه ﵇ عن قوم من أمته [أنهم] لا يؤمنون أبداً، كما قال لنوح ﵇: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وكما قال لمحمد ﷺ ،: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾. أي: ما وجدنا لهؤلاء المهلكين " عهداً "، أي: وفاء بما وصيناهم به، وما

стр. 2420

وجدنا أكثرهم فاسقين. مذهب الفراء: أنَّ ﴿إِنْ﴾ بمعنى: " ما "، و " اللام " بمعنى إلا. ومذهب سيبويه أنها " إنْ " المخففة [من الثقيلة)، ودخلت " اللام " لئلا تشتبه " إِنْ " التي بمعنى: ما. وقال بعض البصريين: دخلت " إنْ " و " اللام " على معنى التأكيد واليمين. وتدخل " إِنْ " هذه على الأفعال أيضاً، [تقول]: إِنْ ظَنَنْتُ زيداً لقائماً. ومعنى ﴿لَفَاسِقِينَ﴾،: خارجين عن طاعة الله.

стр. 2421

وقيل: العهد الذي لم يَفُوْا به، هو ما أخذ عليهم إِذْ أُخرجوا من ظهر آدم. قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى بآياتنآ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَظَلَمُواْ بِهَا﴾، إلى قوله: ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾. والمعنى: ثم بعثنا (من) بعد هؤلاء الذين ذكرنا من الأنبياء. ط وقيل: من/ بعد الأمم المذكورة، موسى. ﴿بآياتنآ﴾. أي: بحجتنا. ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَظَلَمُواْ بِهَا﴾. أي: فجحدوا وكفروا بها. ومات هارون ﵇، وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة، وعاش

стр. 2422

موسى ﵇ بعد ثلاث سنين، صار عمره بها مثل عمر هارون؛ لأن هارون كان أكبر من موسى بثلاث سنين، فصار عمر موسى وهارون سواء، مائة وسبع عشرة لكل واحد. وكان في وجه هارون شامة، وفي أَرْنَبَة موسى شامة، وعلى طرف لسانه شامة، وهي العقدة التي حلها الله ، له. قوله: ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين﴾. أي: فانظر، يا محمد، بعين قلبك، ﴿كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين﴾، يعني فرعون وملأه، إذ غرقوا في البحر جميعاً. وموسى، هو: ابن عمران بن ناهب بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن

стр. 2423

إبراهيم ﵇. وفرعون موسى هو فرعون يوسف، عَمِر أكثر من أربع مائة عام. وامسه: الوليد بن مصعب. (وقوله): ﴿وَقَالَ موسى يافرعون إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين * حَقِيقٌ عَلَى﴾. أي: خليق وجدير قول الحق على الله، . وقيل المعنى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ ترك القول على الله (سبحانه) إلا بالحق. فمن أضاف ﴿عَلَى﴾ فمعناه: واجب عليَّ قول الحق على الله (سبحانه).

стр. 2424

ومن لم يضعف فمعناه. حريص على قول الحق علىَّ الله (جلت عظمته). (وقيل) معناه: مَحْقوُقٌ عليَّ أن لا أقول على الله إلا الحق، وهو فعيل بمعنى مفعول، كقتيل. هذا في قراءة من لم يضف. قوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. أي بحجة. ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بني إِسْرَائِيلَ﴾. وكان بنو إسرائيل يؤدون الجزية إلى فرعون وقومه، فسأله موسى ﵇، أن يتركهم معه قال له فرعون: ﴿قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ﴾، فألفى موسى عصاه فإذا هي حية ظاهرة لمن يراها فَاغِرَة فَاهَا، فاستَغَاثَ فرعون بموسى، حين رآها قصدته، فَكَفَّها موسى ﵇، عنه.

стр. 2425

وقال الكلبي: بلغنا أن موسى ﵇، قال يا فرعون، ما هذه بيدي؟ قال: هي عصا. فألقاها موسى، فإذا هي ثعبان مبين، قد ملأت الدار من عِظَمِها، ثم أهوت إلى فرعون لتبتلعه، فنادى: يا موسى! (يا موسى)! فأخذ موسى بذنبها فإذا هي عصا بيده. قال فرعون: يا موسى، هل من آية غير هذه؟ قال: نعم، قال: ما هي؟ فأخرج موسى يده، فقال: ما هذه يا فرعون؟ قال: يدك. فأدخلها موسى ﵇، في جيبه ثم أخرجها، ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾، تغشى البصر من بياضها. قال وهب بن مُنَّبِه: أمر فرعون بموسى، فقال: خذوه! فبادره موسى ﵇، فألقى عصاه، فصارت ثعباناً، فحملت على الناس فانهزموا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً، قتل بعضهم بعضاً، وقام فرعون منهزماً حتى دخل البيت. وكان ما بين لَحْيَيْ الحية أربعون ذراعاً.

стр. 2426

قال ابن عباس: وضعت فُقْماً أسفل قبة فرعون، وفُقْماً فوقها، فاستغاث بموسى فَأَجَارَهُ، وَكَفَّهَا. وقوله: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾. أي: أخرجها (من جيب قميصه)، (بيضاء تلوح، (تدل) على صدقه فيما يقول، بياضاً من غير/ برص. ثم أعادها إلى موضعها، فرجعت كما كانت، وكان قد أخرجها من جيبه، فأخرجها بيضاء تلوح للناظرين. قال السدي: وضعت لَحْيَهَا الأسفل في الأرض، والآخر على أعلى سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه فَذُعِرَ منها، (ووثب) وأَحْدَثَ، ولم يكن

стр. 2427

يحدث (قبل ذلك)، إلا إلى مدة طويلة، فصاح: يا موسى! خذها، ونؤم بك. قوله: ﴿قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ (عَلِيمٌ)﴾ الآيات الأربع. من قرأ ﴿أَرْجِهْ﴾، بغير همز، احتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون على البدل للهمز، ثم حذف الياء؛ لأنه أَمْرٌ، كما أجازوا " أقرَ " يا هذا، بغير ألف ولا همز. والوجه الثاني: أن [يكون] على لغة من قال: " أَرْجَيْتُ "، وهي لغة: أسد،

стр. 2428

وتميم وعامة قيس. والوجه الثالث: قاله المبرد، قال: هو من: رجا يرجو، أي: اتركه يرجو وأَطْمِعْهُ. وقد أنكر جماعة النحويين: الإسكان في الهاء. وقد ثبت ذلك عن الأئمة من القراء.

стр. 2429

ووجه ذلك: أن " الهاء " هي الاسم، و " الياء " والواو إنما هي صلة " للهاء " وليسا من الاسم؛ وإنما زيدت عند الخليل؛ لأن [الهاء] خفية، فقويت بحرف جلد تباعد منها وهو " الواو "، لا يأتي بها فمن أسكن هذه " الهاء " أسكنها على أصلها، وردها إليه. وفيها علة أخرى، وذلك أن هذه " الهاء " صارت في موضع اللام. وكان من حق اللام لو كان من حروف السلامة أن يسكن. والهاء من حروف السلامة فسكنت، إذ حلت محل اللام، فصارت بمنزلة ميم " أكرم ". وفيها علة أخرى، وهي أن " الواو " جائز حذفها بعد " الهاء " فصارت بمنزلة

стр. 2430

الواو في " عليهمو "، [في جواز حذفها، فلما كانت " الميم " من عليهم] تسكن إذا حذفت الواو ويحسن سكونها، كان (مثل) ذلك في الهاء، إلا أن الميم أحسن من الهاء في السكون لخفاء الهاء. وفيها علة رابعهة، وذلك أنهم قد شبهوا هاء السكت بهاء الإضمار، فأثبتوها في الوقف. وبعضهم وصلها بياء كهاء الإضمار، فلما شبهت بهاء، جاز تشبيه هاء الإضمار بهاء السكت في السكون؛ لأن من حق هاء السكت السكون فشبهت بها، فجاز إسكانها. ومعنى الآية: قال أشراف قوم فرعون من القبط: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، أي عليهم بالسحر، ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾، أي: أرض مصر، ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، أي: أي شيء تأمرون أن يفعل في أمره؟.

стр. 2431

وقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، من كلام فرعون لا من كلام الملأ. فأشار عليه الملأ أن: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أحسبه وأخاه. و " الإرجاء ": التأخير. ﴿وَأَرْسِلْ فِي المدآئن حَاشِرِينَ﴾.

стр. 2432

أي: مدائن مصر، من يجمع لك السحرة العلماء. قوله: ﴿وَجَآءَ السحرة فِرْعَوْنَ قالوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾ الآيات الثلاث. في هذا الكلام اختصار وحذف. والمعنى: فأرسل فرعون ﴿فِي المدآئن حَاشِرِينَ﴾، فحشروهم، فجاء السحرة فرعون. ومعنى الآية: قال ابن عباس: قال فرعون: لا نغالبه، يعني موسى، إلا بمن هو مثله، فأعد غلماناً من بني إسرائيل، فبعث بهم إلى قرية، يقال لها: " الفَرَمَاء "، يعلمونهم السحر، كما يعلم الصبيان في الكتاب، فعلموا سحراً كثيراً. وواعد موسى فرعون موعداً، فلما كان في ذلك/ الموعد، بعث فرعون فجاء بهم، وجاء بمعلميهم معهم فقال لهم ماذا صنعتم، قالوا قد علمناهم سحراً لا يطيقه سحر أهل الأرض، إلا أن يكون أمر من السماء، فإنهم لا طاقة لهم به، فلما جاء السحرة

стр. 2433

قالوا لفرعون: ﴿لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين﴾، أي: لكم الأثرة والقرب مع ذلك. رُوِي: أن السحرة كانوا سبعين ألفاً. وقيل: خمسة عشر ألفاً. وقال ابن المُنْكَدِرُ: كانوا ثمانين ألفاً. وقال كعب: أثنى عشر ألفاً.

стр. 2434

وقوله: ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾. إذا كان في الكلام مع " إما " معنى الأمر، فلا بد من دخول " أَنْ " بعدها، وتقديره: اختر أن تلقى، كقولك للرجل: " إِمّا أَنْ تمضي وإِمَّا أَنْ تقعد ". فإِنْ كان الكلام خبراً ليس فيه معنى الأمر، لم يجز دخول " أَنْ " البتة، كقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٦]، وكذلك ما كان في معنى الجزاء، وهي مكسورة في كل ذلك. و" أَنْ " عند الكسائي في موضع نصب. قوله: ﴿قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سحروا [أَعْيُنَ الناس]﴾، الآية. والمعنى: قال لهم موسى: ألقوا فلما ألقوا (سحرهم) سحروا أعين الناس،

стр. 2435

بسحرهم وخدعهم، فاسترهبوهم الناس، ﴿وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، أي: بتخييل عظيم. ق السدي: كانوا بضعة ومائتي ألف، ليس منهم رجل إلا [معه] حبل وعصا. قال ابن إسحاق: صَفَّ فرعون خمسة عشر ألف ساحر، مع كل واحد حباله وعصيه. وخرج موسى ﵇، معه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى الجمع فألقوا ما في أيديهم فإذا هي حيات كأمثال الجبال، قد ملأت الوادي يركب بعضها

стр. 2436

بعضاً، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى﴾ [طه: ٦٧]، أي: أحس خوفاً. قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾، [الآية]. قال ابن عباس: فألقى موسى عصاه فإذا هي حية فجعلت تلقف ما يأفكون لا تمر بشيء من حبالهم وخُشُبِهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا أمر من السماء، وأنه ليس بسحر فَخَرَّوا سُجَّداً، وقالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون. وقيل: إنهم ما رفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما. ومعنى: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾، ما يكذبون.

стр. 2437

وقيل: إنهم لما ألقوا حبالهم وعصيهم، خيل إلى موسى ﵇ أنها حيات، فألقى عصاه فإذا هي أعظم من حياتهم. ثم رقوا فازدادت حبالهم وعصيهم عِظَماً في أعين الناس، وجعلت عصا موسى ﵇، تعظم، فكلما رَقَوْا ازدادت حبالهم وعصيهم عِظَماً، وتزداد عصا موسى عِظَماً، حتى نفدت رَقَاهُم وسحرهم، وصارت عصا موسى ﵇، قد سدت الأُفُق. ثم فتحت فاها فابتلعت ما ألقوا، ثم أخذ موسى عصاه بيده، فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت. قال الكلبي: فقال السحرة بعضهم لبعض: لو كان هذا سحراً لبقيت حبالنا وعصينا. فَخَرُّوا عند ذلك ساجدين.

стр. 2438

قوله: ﴿فَوَقَعَ الحق (وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)﴾، إلى قوله: ﴿موسى وَهَارُونَ﴾. المعنى: وظهر الحق لمن شهد. وبطل سحرهم. ﴿وَأُلْقِيَ السحرة سَاجِدِينَ﴾، عند معرفتهم أن (ذلك) الذي أتى به موسى ﵇، ليس إلا من السماء، ﴿قالوا آمَنَّا بِرَبِّ العالمين﴾، أي صدقنا بما جاء به موسى وبربه وربِّ هارون. قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ﴾، إلى ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. المعنى: قال فرعون لهؤلاء الذين آمنوا: ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾، أي صدقتموه. قيل: " الهاء " لله. وقيل: لموسى، ﵇.

стр. 2439

وفي موضع آخر: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١، الشعراء: ٤٩]، أي: فعلتم الذي أراد، ﴿قَبْلَ/ أَن آذَنَ﴾ بذلك، ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ﴾، أي: تصديقكم إياه ﴿لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة﴾، أي: خدعة خدعتم بها من في مدينتنا، ﴿لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، أي: تعلمون ما اصنع بكم. قل ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما، من أصحاب النبي، ﷺ : التقى موسى وأمير السحر، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك تؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال الساحر: لآتين غاداً بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأؤمنن بك، ولأشهدن أنك نبي حق! وفرعون ينظر إليهما، فذلك قول فرعون: ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة﴾، إذ التقيتما لتتظاهرا فتخرجا منها أهلها. قوله: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [مِّنْ خِلاَفٍ]﴾، إلى: ﴿مُنقَلِبُونَ﴾.

стр. 2440

معنى: ﴿مِّنْ خِلاَفٍ﴾: أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. وقال ابن عباس: أَوَّلُ من صلب، وأَوَّلُ من قطع من خلاف فرعون. قالت السحرة لفرعون إذا توعدهم بالقطع والصلب: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ أي: صائرون وراجعون. قوله: ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ [إِلاَّ أَنْ آمَنَّا]﴾، إلى: ﴿قَاهِرُونَ﴾. المعنى: وما تنكر منا إلا إيماننا بربنا، إذ رأينا الآيات والحجج. ثم قالوا: ﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾، أي: أنزل علينا صبراً يشملنا فلا تُخْرِج عن الإيمان إلى الكفر بعذاب فرعون لنا، ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾، أي: أقبلنا إليك

стр. 2441

على الإسلام. قال السدي: فقتلهم وقطعهم. قال ابن عباس: كانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء. وقاله قتادة، وابن جريج. ثم قال تعالى مخبراً عنهم: ﴿[وَ] قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ﴾، أي: قال جماعة من أشراف قومه،: ﴿أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ﴾، أي: أتدع يا فرعون، موسى وقومه من بني إسرائيل، ﴿لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض﴾ أي: كي يفسدوا عليك خدمك وعبيدك في أرضك من مصر، ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، أي: ويدع خدمتك موسى وعبادتك وعبادة آلهتك.

стр. 2442

والنصب في ﴿وَيَذَرَكَ﴾ على الصرف، إن جعلت معنى الكلام: ليفسدوا في الأرض، وقد تركك وترك عبادة آلهتك. وإن جعلت المعنى ﴿لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ على التوبيخ لفرعون عن تركه موسى ﵇، فنصبه على العطف على ﴿لِيُفْسِدُواْ﴾. وقرأ ابن عباس، ومجاهد: " وَيَذَرَكَ وإلاَهَتَكَ ". أي عبادتك.

стр. 2443

وكان فرعون إذا رأى بقرة سمينة أمرهم أن يعبدوها. وقوله: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤]، يدل على أنهم كانوا يعبدون غيره، ممن هو دونه عندهم، فهذا يدل على صحة قراءة الجماعة: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾. قال ابن عباس حجة لقراءته (" وإِلاَهَتَكَ "): كان يعبد ولا يعبد. وبذلك قرأ مجاهد على معنى: وعبادتك. وبه قرأ الضحاك.

стр. 2444

ومن قرأ: " وَإِلاَهَتَكَ "، تَأَوّلَه أن فرعون لم يكن يَعْبُدُ شيئاً، إنما كان يُعْبَد من دون الله، . وقيل: إن قوم فرعون لهم أصنام يعبدونها، تقربهم إليه فما ترون. فأجابهم فرعون فقال: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾، أي: عالون عليهم بالملك والسلطان. ﴿وَآلِهَتَكَ﴾، وقف. قوله: ﴿قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله﴾، الآية. والمعنى: أن موسى ﵇، قال لقومه لما قال فرعون لقومه: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ﴾: ﴿استعينوا بالله﴾، على فرعون وقومه، ﴿واصبروا﴾ على ما نالكم من المكاره في أنفسكم وأبنائكم. وكان قد اتبع موسى، ﵇ من بني

стр. 2445

إسرائييل ست مائة ألف، غير السحرة. ثم/ قال لهم موسى، ﵇: ﴿إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ﴾، أي: لعلكم إن صبرتم، ترثون أرضه، فإن الأرض لله، ﴿والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: العاقبة المحمودة لمن اتقى الله وراقبه. ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾، [وقف]. وهذا يدل على أن ابن أدم غير مستطيع لشيء إلا بعون الله، (تعالى، له). وهو مذهب أهل السنة. ومثله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وله [في] القرآن نظائر كثيرة، تدل على أن الإنسان غير مستطيع لفعل شيء إلا بعون الله (جلت عظمته) له

стр. 2446

عليه. وعونه (سبحانه) إمَّا أن يكون توفيقاً لمؤمن، أو خذلاناً لكافر. قوله: ﴿قالوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾. الآية. المعنى: قال موسى ﵇، لموسى (صلوات الله عليه)، حين قال لهم: ﴿استعينوا بالله واصبروا﴾: ﴿أُوذِينَا﴾ يقتل أبنائنا، ﴿مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾ (برسالة الله ، ﴿ وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، بما توعدنا به من القتل لأبنائنا. وقيل معنى: ﴿وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، أي: بدركنا فرعون فيقتلنا، وذلك حين تراءى الجمعان. قال ابن عباس: أَسْرى موسى ﵇، يبني إسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فإذا هم بَرهَجِ دواب فرعون، فقالوا: يا موسى، ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾، أي: بذبح أبنائنا، وإحياء نسائنا، ﴿وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، هذا البحر أمامنا، وهذا

стр. 2447

فرعون قد رهقنا بمن معه؛ ﴿قَالَ عسى (رَبُّكُمْ) أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، من بعدهم فيجازيكم على ما وقع منكم وقد علم كيف تعلمون. و: " الأرض "، أرض الدنيا. وقيل: أرض الجنة. و: " الثانية " أرض الدنيا لا غير. و ﴿عسى﴾: تَرَجِ، وهي واجبة من الله، .

стр. 2448

﴿وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، وقف. قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بالسنين﴾، إلى: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾. لام ﴿وَلَقَدْ﴾، لام توكيد تؤكد الكلام بمعنى القسم. والمعنى: ولقد ابتلينا تُبَّاعَ فرعون: ﴿بالسنين﴾، أي: بالجدوب سنة بعد سنة، ﴿وَنَقْصٍ مِّن الثمرات﴾، اختبرناهم بذلك، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون﴾، بتوبة أو رجوع، فيعتبرون. قيل: إِنَّ ثمارهم نقصت حتى كانت النخلة تحمل تمرة واحدة.

стр. 2449

وقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الحسنة﴾. أي: (إذا) جاءهم الخصب والعافية وكثرة الثمار، ﴿قَالُواْ لَنَا هذه﴾، ونحن أولى بها، ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، أي: قحط ومرض، ﴿يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ﴾، أي: تشاءموا بهم، فقالوا: هذا بشؤم موسى ومن معه. قرأ طلحة، وعيسى بن عمر: " تَطَيَّروا "، على أنه ماض.

стр. 2450

وقرأ الحسن: " أَلاَ إنَّما طَيْرُهُمْ عِنْدَ الله "، بغير ألف. قال الله : ﴿ ألا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله﴾. أي: ألا إنما نصيبهم من الرخاء والجدب، وغير ذلك عند الله، . قال ابن عباس، المعنى: ألا إن الأمر من قِبَلِ الله، . وقال مجاهد، المعنى: ألا إنما الشؤم فيما يلحقهم يوم القيامة مما وُعِدُوا به من الشر.

стр. 2451

﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: لا يعلمون أن ما لحقهم من القحط وشدة، أنه من عند الله ، بذنوبهم. ﴿لَنَا هذه﴾، وقف. ﴿وَمَن مَّعَهُ﴾، وقف. قوله: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ﴾، إلى: ﴿مُّجْرِمِينَ﴾. ﴿مَهْمَا﴾ عند الخليل: أصلها " ما " للشرط، زيدت عليها " مَا " للتوكيد، وأبدل من ألف " مَا " الأولى " هاء ".

стр. 2452

وقال غيره: الأصل: " مَهْ " بمعنى: أكفُفْ، و " مَا " للشرط بعد ذلك. وحكى الكوفيون: " مهما " بمعنى: " مهما ". والمعنى: وقال (آل) فرعون لموسى: ما ﴿تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا﴾، فنؤمن (ربك)، وندع دين فرعون، ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 2453

قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم﴾. " فالطوفان ": الماء. قاله الضحاك، / وأبو مالك. قال ابن عباس: هو الغرق. قال مجاهد: هو الموت. قال قتادة: سال عليهم [الماء] حتى قاموا [فيه قياماً]، فسألوا موسى، ﵇، أن

стр. 2454

يسأل الله ، ليكشف عنهم ففعل. قال الضحاك: جاءهم من المطر شيء كثير، فسألوا موسى ﵇، أن يدعو الله ليكشفه عنهم، ويرسلوا معه بني إسرائيل، فدعا الله، فكشف عنهم وأخصبت البلاد، فعادوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فصب الله على زُرُوعهم الجراد فأكله، فسألوا موسى فدعا، فكشف عنهم. ثم عادوا إلى كفرهم. وروت عائشة عن النبي، ﷺ ، أنه قال " ﴿الطوفان﴾: الموت ". وعن ابن عباس قال: هو أَمْرٌ من (أمر) الله ، طاف (بهم)، وقرأ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ [القلم: ١٩]. و: ﴿الطوفان﴾: مصدر كالنقصان، لا يجمع.

стр. 2455

وقال الأخفش: هو جمع، واحدة: طوفانة. وقوله: ﴿والجراد والقمل﴾. أرسل الله عليهم الجراد والقمل، وهو: الدَّبَى، فأكل زرعهم وثمارهم. ثم أكل الشجر والأبواب وسقوف البيوت. وابتلي الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع. قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: إن ذلك " الجراد "، كان يأكل المسامير، فَعَجُّوا إلى موسى، ﵇، وصاحوا وقالوا: يا موسى، هذه المرة! ف: ﴿ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز﴾، وهو العذاب، ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بني إِسْرَآئِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، فدعا لهم، فكشف عنهم بعدما
следующие страницы →