← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فهو قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾ [البقرة: ٨٣] إلى ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]. ولو أخذوه أول مرة لأخذوه بغير ميثاق، ولكن عسروا فشدد الله عليهم ". والطور: الجبل. وقيل: هو اسم جبل بعينه معروف كلم الله سبحانه عليه / موسى ﷺ . وقيل: هو ما أنبت دون ما لم ينبت من الجبال. وقال السدي: " لما نظروا إلى الجبل فوقهم خروا سجّداً على شق، ونظروا إليه [بالشق الآخر فرحمهم] الله وكشف عنهم فهم يسجدون لذلك على شق ". / فقوله: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧١] وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ واحد.

стр. 247

ومعنى: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجد وعزيمة ورغبة وعمل، وهو التوراة. وروي أنهم قالوا: لا نقبل التوراة، فرفع الله فوقهم الطور كأنه ظلة، فأيقنوا أنه واقع عليهم، وبعث الله ناراً من قِبلِ وجوههم، وأتاهم بالبحر من خلفهم، فقال لهم موسى ﷺ : " إن أنتم لم تقبلوا التوراة بما فيها أحرقكم الله بهذه النار، وغرقكم في هذا البحر، وأطبق عليكم هذا الجبل ". فأخذوها كارهين، وعاهدوا الله ليعملن بما فيها وسجدوا لله وهم ينظرون إلى الجبل بعين واحد مخافة أن يقع عليهم فصارت سنة فيهم لا يُصَلّون إلا هكذا. ثم عصوا بعد ذلك وخالفوا العهد، فهو قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لعاجلهم بالعقوبة، فيخسرون دنياهم وآخراهم. قوله: ﴿واذكروا مَا فِيهِ﴾. أي أتلوه. وقيل: معناه: اذكروا ما فيه من أمر الآخرة وهو الثواب والعقاب لعلكم تتقون ما تعاقبون عليه.

стр. 248

وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت﴾. قال ابن عباس: " لم يبعث الله قط نبياً إلا عرفه فضل الجمعة وعظمها في السماوات وأن الساعة / تقوم فيها، وتشريف الملائكة لها. وبلغت الرسل أممها ذلك، فسمع أكثرهم وأطاع وعرف فضلها. فلما كان موسى أخبر بني إسرائيل بفضلها على الأيام فقالوا: يا موسى، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام، والسبت أفضل لأن كل شيء سبت لله مطيعاً يوم السبت، وخلق الله السماوات والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة. ويوم السبت كمل الأمر؟ وقالت النصارى لعيسى ﷺ إذ أمرهم بالجمعة وأخبرهم بفضلها: كيف تأمرنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها وسيدها، والله واحد، والواحد الأول، والأحد أول؟ فأوحى الله إلى عيسى ﷺ أن دَعْهُم والأحد، ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا فلم يفعلوا. وقال لموسى ﷺ كذلك في السبت. وأمرهم أن لا يصيدوا فيه سمكاً ولا غيره، ولا يعملوا فيه عملاً. فكان يوم السبت تظهر فيه الحيتان على وجه الماء فهو قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ثم إنهم تناولوها في السبت فلم ينكر بعضهم على بعض، ثم كفوا فلما رأوا العقوبة لا تنزل بهم عادوا وأخذوا. وكان موسى قد حذرهم

стр. 249

العقوبة إن تعدوا في السبت، فلما رأوا لا تنزل عليهم عقوبة ظنوا ما قال لهم موسى ﷺ باطلاً، فمسخوا قردة وحيوا ثلاثة أيام وماتوا ". قال ابن عباس: " لم يعش مسخ قط أكثر من ثلاثة أيام ولا يأكل ولا يشرب ولا ينسل. وكان الله تعالى قد خلق القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة [الأيام التي ذكر، فمسخ أولئك في صور] القردة ". قال الحسن: " كانت الحيتان تأتيهم يوم السبت / فتبطح بأفنيتهم كأنها المخاض ثم تذهب فلا ترى ". قال ابن عباس: " لما طال عليهم أمر الحيتان وإتيانها يوم السبت ولا تأتي في غيره، عمد رجل منهم فأخذ حوتاً يوم السبت فحزمه بخيط وأرسله في الماء وتّدَ له وتداً في الساحل فأوثقه، حتى إذا كان الغد أخذه فأكله، فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك، فوجد الناس ريح الحيتان، ثم علموا بما فعل ذلك الرجل ففعلوا مثل

стр. 250

ما [فعل وأكلوا زمناً طويلاً، ولم] يعجل الله عليهم بالعقوبة حتى صادوا علانية وباعوها في الأسواق. فقالت طائفة من أهل التقوى: " ويحكم اتقوا الله " ونهوهم عما يصنعون. وقالت طائفة أخرى لم يصنعوا مثل ما صنع أولئك: / ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ [الأعراف: ١٦٤]، فنجى الله الذين ينهون عن السوء ومسخ الفاعلين ". واختلف في الذين / لم يعملوا ولم ينهوا وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ الآية. قيل: إنهم نجوا مع الناجين. وقيل: مُسِخُوا مع مَن مسخ. [والسبت أصله] الراحة والهدوء. والسبت ضرب من السير. والسبت [الحلق؛ / يقال سَبَتَ رَأسَهُ] حَلَقَهُ. والسبت القطع. وجمعه: " أَسْبُتٌ " و " سَبَتَاتٌ " بالتحريك لأنه اسم. وفي الكثير السبوت والسبات. وقال السدي: / " كان الرجل منهم من شهوة الحوت يحفر الحفرة ويجعل نهراً إلى البحر، فيدخله الماء يوم السبت بالحوت، ثم لا يقدر الحوت أن يرجع إلى

стр. 251

البحر لقلة الماء، فيصبح يوم [الأحد ويأخذه]. فنهوهم علماؤهم عن ذلك فلم ينتهوا ". وروي عن مجاهد أنه قال: " مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله كمثل الحمار يحمل أسفاراً ". وجميع أهل التفسير على خلاف ذلك لأنهم مسخوا قردة حقيقة. وقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾. هو أمر، وتأويله الخبر. أي: فكوناهم قردة، وهذا هو الأمر الذي يكون به الخلق، فحولهم من خلقة إلى خلقة أخرى، فهو مثل قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. ﴿خَاسِئِينَ﴾. أي: مبعدين، أي مطرودين. هذا قول أهل اللغة. وقال مجاهد وقتادة: " خاسئين: صاغرين ".

стр. 252

وقال الربيع: " أذلة صاغرين ". وروي عن ابن عباس: " خاسئاً ذليلاً ". قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً﴾. أي: فجعلنا العقوبة نكالاً وهي المسخة، وعليه أكثر أهل التفسير. وقيل: الهاء للقردة. وقيل: للأمة الذين اعتدوا. وروي عن ابن عباس أنه قال: ﴿جَعَلْنَاهَا﴾ [الحج: ٣٦]. أي: جعلنا الحيتان نَكَالاً لأن العقوبة من أجلها كانت. فدل الكلام عليها نكالاً لا عقوبة " عن ابن عباس. ومعنى " نَكَّلْتُ به " عند أهل اللغة: فعلت به ما ينكل غيره أن يفعل مثله فيصيبه مثل ما أصابه. قوله: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أي: من بعدهم ليحذر ويتقي.

стр. 253

﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لمن بقي منهم عبرة. قاله ابن عباس. وقال الربيع: " لما خلا من ذنوبهم: أي عوقبوا [من أجل ما] خلا من ذنوبهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: أي: عبرة لمن بقي من الناس ". وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾: من / القرى ". وقال قتادة: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: مِن ذنوبها التي مضت، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: تعديهم في السبت وأخذهم الحيتان ". وكذلك قال / مجاهد. وقال السدي: " ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ ما سلف من ذنوبها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: للأمم التي بعدها ألا يعصوا فيصنع بهم مثل ذلك ". قوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾. أمة محمد ﷺ أن لا ينتهكوا ما حرم الله عليهم فيصيبهم مثل ذلك. قوله: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾. قالوا: إنما جاء الجواب بغير فاء لأنه تعالى إنما أذكرهم هذا الذي كان، فجعل

стр. 254

" قالوا " كالجواب لقوله على انقطاع الكلام وتمامه. فهو حكاية كانت من كلامين: أحدهما جواب للآخر، وليس أحدها محمولاً على الآخر. ولو أتى بالفاء لحسن. ولو قلت: " قُمْتُ قامَ زيْدٌ "، لم يجز إلا بالفاء، لأنه كلام واحد، الثاني محمول على الأول، فلم يتصلا إلا بحرف فاء أو واو، وليس مثل الآية فافهمه. قوله: ﴿قَالَ أَعُوذُ بالله﴾. ذكر السدي أنه كان رجل من بني إسرائيل مكثراً من المال وله ابنة، وله ابن أخ فقير من المال، فخطب إليه، فأبى أن يزوجه، فعمل على قتله، وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته. فلما قتله ليلاً جعله في بعض السكك وأصبح يطلب عمه، فوجد أهل ذلك الموضع قياماً عليه فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدوا ديته وجعل يبكي [فرفعهم إلى موسى ﷺ ] فقضى عليهم بالدية، فقالوا: يا نبي الله ادع لنا ربك يبين لنا مَن صاحبه. فقال: اذبحوا بقرة. فقالوا: نحن نسألك عن القتيل، وأنت تأمرنا بذبح البقرة أتهزأ بنا؟ فقال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ".

стр. 255

قال ابن عباس: " فلو اعترضوا بقرة ما، فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم ". وقيل: [إنه أخو المقتول كان]. وقيل: كانوا جماعة ورثة استبطوا موته ليرثوه فقتلوه. وقال مقاتل: " كان القاتلان اثنين قتلا ابن عم لهما وطرحاه بين قريتين، فطولب أهل القريتين بالدية فحلفوا أنهم ما قتلوه ". قوله: ﴿لاَّ فَارِضٌ﴾: أي: لا هرمة. ﴿وَلاَ بِكْرٌ﴾: أي: لا صغيرة. ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾: أي: هي بين الصغيرة والكبيرة. ﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾: أي: صاف تعجب من ينظر إليها. و" ذلك " موحد يراد به بين ذلك الوصف الذي / ذكرنا.

стр. 256

والصفراء السوداء عند أبي عبيدة، ومثله: ﴿جمالت صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] أي: سود. وقال الحسن: " صفر الظِلف والقرن ". وقال ابن زيد: " هي صفراء كلها ". وقال / القتبي: " لا يقال صفراء بمعنى سوداء في البقر. إنما يقال ذلك في نعوت الإبل ". قوله: ﴿فَاقِعٌ﴾ يدل على أنها غير سوداء لأنه لا يقال أسود فاقع ويقال أصفر فاقع. وقيل: كانت صفراء كلها حتى الظلف والقرن ".

стр. 257

وقرأ يحيى بن وثاب: " إن الباقر " بألف. " يشَّابه " بالياء والرفع والتشديد؛ جعله فعلاً مستقبلاً. قال الأصمعي: " الباقر جمع باقرة "، قال: " ويجمع بقر على باقورة ". وقيل: كانت صفراء كلها حتى / القرن والظلف. ﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ لم يذللها العمل فتثير الأرض، ولا تعمل في الحرث. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: أي: من العيوب. ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: أي: لا بياض. ولولا قولهم: ﴿إِن شَآءَ الله﴾ ما اهتدوا إليها أبداً، فوجدوا البقرة عند عجوز عندها يتامى فأضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى ﷺ فأخبروه. فقال لهم: أعطوها / رضاها، ففعلوا وذبحوها. وأمرهم موسى ﷺ بعضو منها يضربوا به القتيل ففعلوا. فرجع إليه روحه وسمَّى قاتله ومات فقُتل قاتله، وهو الذي أتى إلى موسى ﷺ يشتكي ويطلب الدية. وروي أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل كان له ابن صغير وله عجلة فأتى

стр. 258

بالعجلة إلى غَيْضةٍ وقال " اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر. فشبت العجلة في الغيضة. وكانت ترعى فيها فلا يقدر عليها أحد؛ تثب على من رامها [فيهرب منها]. فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل إليها، فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان براً بها. فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك البقرة فاشتروها منه بملء جلدها دنانير. وعن ابن عباس قال: ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياض فيها ولا سواد، ولا حمرة " أي: لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة. قيل: كانت صفراء حتى ظلفها وقرنها أصفران. قال: " وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وأن رجلاً مر به ومعه لؤلؤ. يبيعه، وكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح. فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ألفاً.

стр. 259

قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً. وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده. فسألوه بيعها فأبى فرفع في سومها فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع. فقال: يا نبي الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه. فاشتروها منه بوزنها عشر مرات ذهباً ". وقيل: ضرب بفخذ البقرة الأيمن. وقيل: ضرب بعظم من عظامها. وقيل: بذنبها.

стр. 260

وقيل: بلسانها. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى﴾. في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته فاعتبروا. واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة [بهذا القتيل المذكور / ضربوه] ببعضها فحيي وقال: " فلان قتلني "، فَقُتِلَ، بقوله. قال مالك: " فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه ".

стр. 261

وروي أنه قال: " ابن أخي قتلني " ومات، فَقُتِلَ به ولم يرث عمه. قال عبيدة السلماني: " فسقط ميراث القاتل عمداً ممن قتل [من حينئذ] ". وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: " فلان قتلني "، ويقسم على قوله الأولياء. قوله: ﴿الآن جِئْتَ بالحق﴾: أي: بينت لنا. وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق. ولم يريدوا أنك لم تأت بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم.

стр. 262

قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾. أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله لغلائها وكثرة قيمتها. وقيل: أرادوا / أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من قال: كانوا ورثة. وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة. وروي عن ابن عباس أنه قال: " مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة " وقال طلحة بن مصرف: " لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء ". قوله: ﴿فادارأتم فِيهَا﴾. أي: اختلفتم وتدافعتم في الحكومة. وقيل: في النفس. وقيل: في القتلة. ورجوعها على النفس أولى لتقدم

стр. 263

ذكرها. / قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك﴾. روي عن ابن عباس أنه قال: " لما أخبر / المقتول بمن قتله مات، فأنكروا أنهم فعلوا بعد إخباره عنهم، فكذبوا ما رأوا. فذلك قساوة قلوبهم ". قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. " أَوْ " [للتخيير أي: شبهوهم بقساوة] الحجارة / أو بأشد منها، لأنهم جحدوا بعدما عاينوا، فأنتم مخيّرون في تشبيههم. وقيل: معنى ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، أي: هو أقسى من الحجارة لأن الحجارة ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله . روي أن عيسى ابن مريم مر بجبل فسمع منه أنيناً فقال: " يا رب ائذن لهذا الجبل حتى يكلمني ". فأذن الله للجبل فكلمه، فسأله عيسى [ ﷺ ] عن أنينه فقال: سمعت الله يقول: ﴿فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [البقرة: ٢٤] فخفت أن

стр. 264

أكون من تلك الحجارة ". وقيل: معناه: فقلوبهم مثل الحجارة أو أشد أي: منها ما هو مثل الحجارة، ومنها ما هو أشد كأنها لا تخرج من هذين القسمين. وقيل: " أو " بمعنى الواو. وقيل: بمعنى: " بل ". قوله: ﴿لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار﴾. هو حجر موسى ﷺ الذي [انفجرت منه] [اثنتا عشرة] عيناً. قوله: ﴿لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله﴾. هو الجبل الذي جعله الله دكاً إذ تجلى إليه، خرَّ لَهُ. قوله: ﴿لَمَا يَشَّقَّقُ﴾. هو العيون التي تخرج من سائر الجبال. قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾. يعني ما أراهم من إحياء الميت ومن العصا والحجر والغمام والمن والسلوى

стр. 265

والبحر والطور وغير ذلك. فلم يكونوا قط أعمى قلوباً، ولا أشد قسوة وتكذيباً لنبيهم منهم في ذلك الوقت. قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾. يخاطب المؤمنين بمحمد. والذين لا يؤمنون هم اليهود أعداء [الله. وهو استفهام فيه معنى الإنكار فأيأسهم من إيمان] اليهود ثم أخبر عن أسلافهم وما كانوا يفعلون كأنه يقول تعالى: إن كفر هؤلاء فلهم سابقة في ذلك؛ وهو أن فريقاً منهم كانوا ﴿يَسْمَعُونَ كَلاَمَ الله ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ الآية. يريد به أسلافهم وما فعلوا على عهد موسى ﷺ . قال السدي: " هي التوراة حرفوها فيجعلون الحلال حراماً، والحرام حلالاً برشوة ". وقال الربيع: " كانوا يسمعون من الوحي ما يسمع النبي ﷺ ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ". وروى محمد بن إسحاق أنهم خرجوا مع موسى ﷺ يسمعون كلام الله، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى ﷺ بالسجود فسجدوا، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم وعقلوا ما سمعوا، فلما رجعوا حرف فريق منهم ما سمع ".

стр. 266

﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يعلمون أنهم مبطلون فيه تحريفه. وقال مقاتل: " هم السبعون الذين اختارهم موسى ﷺ . / قوله: ﴿قالوا آمَنَّا﴾. أي: بأن صاحبكم نبي إليكم خاصة. وروي عن ابن عباس: " أي: إذا لقوا محمداً. قالوا: آمنا، وإذا خلوا كفروا، وهم المنافقون من اليهود ". قوله: ﴿بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾. كانوا يستفتحون بمحمد / ﷺ ، فقالوا: لا تقروا بأنه نبي، وقد كنتم تستفتحون به، أي: تنظرون إذ سألتم الله به نصركم على عدوكم فقد علمتم أنه نبي، فإذا أقررتم لهم بنبوته حاجوكم بذلك عند ربكم. وقال أبو العالية: ﴿بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾ يعني ما أنزل عليكم في التوراة من ذكر

стр. 267

محمد ﷺ . وقال قتادة: " بما مَنّ الله عليكم في التوراة من ذكر محمد ﷺ فيحتجون عليكم بذلك ". " وروي أن النبي [﵇ قال لهم: يا إخْوَةَ القِرَدَةِ] والخَنَازِيرِ، فقالوا: مَنْ أَخْبَرَ بِهَذَا مُحَمَّداً؟ مَا جَرَى هَذَا إلاّ مِنْكُمْ. أَفَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ؟ ". وقال السدي: " كان ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكانوا يحدثون المؤمنين بما مر على أسلافهم من العذاب، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به. أي: يقولون لكم: نحن أحب إلى الله منكم وأكرم منكم؟ ". وعن ابن زيد قال: " كانوا إذا قيل لهم: أتعلمون أن في التوراة كذا وكذا؟ قالوا: نعم. فيقول لهم رؤساؤهم: لا تخبروهم بالذي أنزل عليكم، فيحاجوكم به عند

стр. 268

ربكم. وقال النبي [﵇]: " لا يَدْخُلُ عَلَيْنَا قَصَبَةَ المَدينَةِ إِلاّ مُؤْمنٌ ". فقال رؤساؤهم: اذهبوا فقولوا: آمنا وادخلوا. فإذا رجعتم اكفروا، وهو قوله: ﴿وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار﴾ [آل عمران: ٧٢] الآية. فكانوا يؤمنون بالبكرة ويكفرون بالعشي ". قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾. أي: ومن هؤلاء أميون. فهم أبعد من الإيمان من غيرهم. وقال ابن عباس: " هم قوم لم يصدقوا رسولاً ولا آمنوا بكتاب، فكتبوا كتاباً وقالوا للعوام: هذا من عند الله ". وإنما سماهم أميين لجحودهم الكتاب إذ صاروا بمنزلة من لا يحسن شيئاً.

стр. 269

وقيل: الأمي هنا الذي لا يكتب كأنه نسب إلى أمه كأنه على طبعها وجبلتها لا يحسن كما لا تحسن. وقيل: / الأميون / في هذا الموضع نصارى العرب. قاله عكرمة والضحاك. وقيل: هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب أحدثوها فصاروا أميين [لا كتاب] لهم. وهم المجوس فيما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ. وقيل: هم طائفة من اليهود. / قوله: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب﴾. أي: التوراة أي هم مثل البهائم. قوله: ﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾.

стр. 270

قال قتادة: " يتمنون على الله ما ليس لهم ". وعن ابن عباس: " إلاَّ أمَانِيَّ: إلا أحاديث]. وقال مجاهد: " هم ناس كانوا لا يعلمون شيئاً، يقولون على التوراة ما ليس فيها، كأنهم يتمنون أن يكون ما قالوا فيها ". وقال ابن زيد: " يقولون نحن من أهل الكتاب وليسوا منهم تمنياً " وقال الفراء وأبو عبيدة: [إلا أماني]: إلا تلاوة ". ومنه قوله: ﴿إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أي إذا تلا ألقى في تلاوته. فهم لا يعلمون منه إلا التلاوة ولا يفهمونه ولا يعملون به. وقال جماعة: [إلاّ أمَانِيَّ]: إلاَّ كذباً ". ومنه قول عثمان رضي الله عن هـ: " ما تمنيت منذ أسلمت " أي: ما كذبت.

стр. 271

قوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾. أي: يجحدون نبوتك، وما جئتم به ظناً لا يقيناً. وقيل: معناه: لا يعلمون الكتاب إلا تخرصاً وإن هم إلا يشكون فيه. قوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾. قال سفيان وأبو عياض: " ويل ماء يسيل من صديد في أسفل جهنم ". وروى عثمان بن عفان " عن النبي [﵇ أنه قال /: الوَيْلُ] جَبَلٌ في النَّار ". وروى عنه ﵇ أبو سعيد الخدري أنه قال: " ويلٌ وَاد في جهنَّمَ يَهْوِي فِيهِ

стр. 272

الكَافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفاً قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ ". ومعنى " ويل " عند أهل اللغة: قبوح. وويح ترحم، وويس تصغير. وهذه مصادر لا أفعال لها. والاختيار فيها الرفع على كل حال بالابتداء. ويجوز فيها النصب على معنى: ألزمه الله ويلاً. فإن كانت مضافة [حسن فيها] النصب، قال الله تعالى: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ﴾ [طه: ٦١]. فأما ما كان من المصادر جارياً على الفعل، فالاختيار / فيه الرفع إذا كان معرفة على الابتداء نحو: الحمد. ويجوز النصب على المصدر. فإن كان نكرة، فالاختيار في النصب على المصدر ويجوز الرفع على الابتداء، أو على معنى ثبت ذلك له. فإن كان مضافاً لم يجز إلا النصب كالأول. قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ﴾. هم اليهود الذين غيروا التوراة وبدلوا اسم محمد ﷺ فيها وصفته لئلا يؤمن به

стр. 273

العوام، وأخذوا على ذلك الرشا. وقيل: هم قوم من اليهود كتبوا كتباً من عند أنفسهم وقالوا: هذا من عند الله ليعطوا عليها الأجر. وقال ابن عباس: " بل فعل ذلك قوم أميون لم يصدقوا رسولاً، ولا آمنوا بكتاب فكتبوا بأيديهم للجهال كتاباً ليشتروا به ثمناً قليلاً ". قال ابن اسحاق: " كانت صفة محمد ﷺ في التوراة أسمر ربعة فبدلوا وكتبوا آدم طويلاً ". / وقوله تعالى: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾. تأكيد ليعلم أنهم تولوا ذلك بأيديهم ولم يأمروا به غيرهم. ففي الإتيان بلفظ " الأيدي " زوال الاحتمال، إذ لو قال: " يكتبون الكتاب " لجاز أن يأمروا بكتابته وأن يتولوا ذلك بأنفسهم لأن العرب تقول: " كَتَبْتُ إلى فلان "، وإنما أمر من كتبه له " وكتب السلطانُ كتاباً إلى عامله " ولم يكتبه بيده، وإنما أمر من كتبه له.

стр. 274

ففي ذكر " الأيدي رفع الاحتمال وبيان أنهم تولوا ذلك بأيديهم عن تعمد منهم. وقال ابن عباس: " هذا، كما تقول: حملتُ إلى بلد كذا قمحاً، وإنما أمرت من حمله ". وقال تعالى في التابوت: ﴿تَحْمِلُهُ الملائكة﴾ [البقرة: ٢٤٨] وإنما حمل بأمر الملائكة، ولم تحمله الملائكة [بأنفسها ولا ظهرت] للقوم في ذلك الوقت. ومن هذا قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧]. إنما أكد بذكر الأفواه لأن القول قد يترجم به عن الإشارة وعن الكتاب. تقول العرب: " قال الأمير كذا " للفظ سمعه من كتاب أمر بكتابته الأمير. وقريب منه قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين﴾ [الصافات: ٩٣] لأن اليمين تدل في كلام العرب على الشدة والقوة والبطش، فدل بذكر اليمين على شدة الضرب. ولو لم يذكر اليمين لجاز أن يكون ضرباً شديداً أو غير شديد فذكر اليمين يرفع الاحتمال ويدل على الشدة.

стр. 275

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ومنه: ﴿ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦]. وقوله: ﴿إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾. أي قالوا: " لن نعذب إلا الأربعين ليلة التي عبدنا فيها العجل ثم لا نعذب ". قاله قتادة. وقال السدي: " قالوا: نمكث في النار أربعين ليلة حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقينا، نادى / مناد: أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل، ولذلك أمرنا أن نختتن ". وقال أبو العالية: " قالت اليهود: أقسم ربنا ليعذبنا أربعين ليلة ثم يخرجنا، فأكذبهم الله ". وقال ابن عباس: " قالت اليهود: وجدنا في التوراة أن ما بين طرفي جهنم مسيرة

стр. 276

أربعين سنة إلى أن ينتهوا / إلى شجرة الزقوم، فإنما نعذب حتى ننتهي إليها ". وروى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس " أن اليهود قالت: إنما عُمْر الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس يوم القيامة سبعة أيام، لكل ألف سنة يوم ". ولم يُحَدِّدْ / الله تعالى الأيام لأنها عندهم معلومة على قولهم، فترك ذكر عددها وبيانه لما تقدم عندهم. قوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً﴾. أي: هل تقدم لكم عند الله ميثاق وعهد / بهذا التحديد الذي قد حددتم، فإن الله لا يخلف وعده، فأتوا بما تدعون، أم قلتم ما قلتم تخرصاً وكذباً. هذا تأويل أكثر الناس. وروى الضحاك عن ابن عباس: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً﴾. أي: هل قلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا ولم تبدلوا ولم تغيروا، فيكون ذلك ذخراً لكم عند

стр. 277

الله ولا يخلف الله وعده لمن يفعل ذلك. أو قلتم ذلك تخرصاً وإفكاً، ولم يتقدم لكم إيمان تدخرونه عند الله فيوفي لكم به ". وروى ابن أبي فروة " أن النبي [ ﷺ ] قال [لناس من اليهود]: مَن أصْحَابُ النَّارِ غَداً؟ قالوا: نَحْنُ، سَبْعَةُ أيَّامٍ، ثُمَّ تَخْلِفُونَنَا فِيهَا، فَنَزَلَ: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار﴾ إلى ﴿خَالِدُونَ﴾ "، من حديث ابن وهب. وقوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ﴾. وزنه " افتعلتم " فيجوز / أن يكون من " تخذ يتخذ "، ويجوز أن يكون من "

стр. 278

أخذ "، وأصله " ايتخذتم " ثم أبدل من الياء تاء وأدغمت في الأخرى، وإنما فعل ذلك لاستثقال الياء بعد كسرة الهمزة. وقيل: فعل ذلك لما يلزم من تغيير الياء وكونها ألفاً في المستقبل في " يأتخذ " وكونها واواً في المفتعل تقول: " موتخذ " فأبدلوا من الياء حرفاً جلداً لا يتغير في جميع الأحوال، وكانت التاء أولى بذلك، لأنها قد تبدل من الواو، فالواو أخت التاء. وقيل: كانت أولى لأن بعدها تاء فأبدلت للتجانس وليصح الإدغام، والمدغم أخف من المظهر. قوله: ﴿بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ الآية. أي: من عمل بمثل ما عملتم، وكفر بمثل ما كفرتم وقال ما قلتم، ﴿فأولئك أَصْحَابُ النار﴾ قاله ابن عباس. وقال مجاهد وقتادة: " السيئة هنا الشرك ". وهو قول ابن جريج وعطاء

стр. 279

والربيع. وقد قال الله: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ [النمل: ٩٠]. وهي الشرك بلا اختلاف في ذلك. وقال الربيع بن خثيم: (وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ): مات على كفره ". وعنه: " مات على معصيته ". وقال السدي: " هي الذنوب ". أي الكبائر. والأول أولى لأن الله لم يتوعد في النار بالتخليد إلا أهل الشرك. وقال النبي [﵇]: " أهْلُ الإيمَانِ لاَ يُخَلَّدُونَ في النَّارِ، وَيُخَلَّدُ الكُفَّارُ ". و" خَطِيئاتُهُ ": الذنوب، أي مات ولم يتب منها ولا أسلم.

стр. 280

وقال ابن عباس: " أحاطت الخطيئة هو أن يحبط ما له من حسنة بكفره ". وقال قتادة: " الخطيئة هنا الكبيرة الموجبة للنار ". وقال عطاء: " الخطيئة الشرك ". وهذا القول يدل على أن السيئة الذنوب، فيصح أن يتوعد الله مَن أذنب الكبائر أو الصغائر ثم أضاف إلى ذلك الشركِ /، وهي الخطيئة بالتخليد في النار. ومن قرأ ﴿خطيائته﴾ بالجمع فهي الكبائر بلا اختلاف، والسيئة الشرك. وهذا الخطاب لليهود / مرتبط بما قبله. قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الآية. أي: آمنوا بمحمد ﷺ وعملوا بما جاء به، فهي عامة في جميع أمة محمد ﷺ . قاله ابن عباس وغيره. وقال ابن زيد: هي خاصة في محمد ﵇ وأصحابه.

стр. 281

قوله: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾. مَن قرأه بالضم، فمعناه عند الزجاج قولاً ذا حسن. وقال الأخفش: " الضم والفتح بمعنى واحد بمنزلة البُخْلُ والبَخَلُ والسُّقْمُ والسَّقَمُ ". وقيل: إن مَن قرأ بالفتح فهو نعت لمصدر محذوف. واستقبح المبرد: " مَرَرْتُ بِحَسَنٍ " على إقامة الصفة مقام الموصوف. وقد جاء هذا في القرآن بإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [فصلت: ١٠]، ولم يقل جِبَالاً رَوَاسِيَ. وقال ﴿أَنِ اعمل سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١]، ولم يقل: " دُرُوعاً سَابِغاتٍ ". واختار بعض المتعقبين الضم لأن " الحُسْنَ " الاسم الذي يحوي ما تحته ويعمه، و " الحَسَنُ " إنما هو الشيء الحَسَنُ لا يعم غير ما هو نعت له، والعموم أكمل في المعنى هنا، لأنها وصية بالخير. فَفِعلُه كله، والأمر به أولى مِن فِعل بعضه،

стр. 282

والأمر ببعضه دون بعض. وحكى / الأخفش: " حُسْنَى "، بغير تنوين. وهو لحن لا يجوز لأنه لا يقال إلا بالألف واللام. وقوله: ﴿وبالوالدين﴾. معطوف على المعنى لأن المعنى: " بأن لا تعبدون " ثم حذفت " أن " مع الحرف، ودل على ذلك إعادة الباء فيما بعده. وهذا الميثاق هو الذي أخذ عليهم إذ أخرجهم كالذر. واليُتْم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، قاله الأصمعي. ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ﴾: معطوف على المعنى في ﴿لاَ تَعْبُدُونَ﴾، فلذلك أتى بلفظ الأمر لأن صدر الكلام مبني على النهي. ومعنى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾: " مروهم بقول لا إله إلا الله ". رواه الضحاك عن ابن عباس.

стр. 283

وقال ابن جريج: " معناه: قولوا صدقاً في أمر محمد ﷺ . وقال سفيان الثوري: " مرورهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر ". وقال قتادة وغيره: " قولوا لهم حسناً من القول ". وقال أبو عبيدة: " قولوا حسناً من القول للمسلم والكافر ". وقال قتادة: " هي منسوخة بآية السيف ". ولا يجوز أن تكون منسوخة إلا على قول مَن قال: إن المعنى: قولوا للجميع حُسْناً من القول. وباقي الأقوال لا يمكن أن تكون فيه منسوخة لأن الأمر بالمعروف لا ينسخ /، والأمر بإظهار / الصدق في النبي ﵇ لا ينسخ. قوله: ﴿وَآتُواْ الزكاة﴾. هي زكاة كانت عليهم تأكلها نار من السماءِ ومن لم تأكل النار زكاته فهو غير مقبول. قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ﴾.

стр. 284

قال ابن عباس: " أعرضوا عما جاء به محمد ﷺ من الفروض إلا قليلاً منهم ". وهو خطاب لمن بحضرة رسول الله [﵇]. وقيل: هو إخبار عن أسلافهم، فمعناه: ثم تولى أسلافكم إلا قليلاً منهم، وأنتم الآن معرضون خطاب لمن بالحضرة أي: وأنتم مثل أولئك الذين تولوا من أسلافكم. ودل على هذا التاويل ما بعده من ذكر سفك الدماء أنه إخبار عن أسلافهم ومخاطبة لمن بالحضرة، ولم يسفك من بالحضرة الدماء، ولا أخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، إنما ذلك فعل أسلافهم، فكون الكلام كله على سياق واحد أولى وأحسن. ومعنى: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ / الآية أي يقتل بعضكم بعضاً، ويخرج بعضكم بعضاً. ﴿مِّن دِيَارِهِمْ﴾ يريد به أسلافهم. وقيل: المعنى: لا تقتلوا فيجب عليكم القصاص فتُقتلوا فتكونوا سبباً لقتل أنفسكم. ولا تفسدوا فيجب عليكم النفي فتكونوا سبباً لإخراجكم من دياركم. قوله: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾. أي: اعترفتم أن هذا قد أخذ عليكم. ومعناه: أقَرَّ أوائلُكم بذلك. وأنتم يا هؤلاء تشهدون على إقرارهم لأن في

стр. 285

[كتابكم أخذي للميثاق] عليهم فأنتم شهود. وقيل: الخطاب من أوله لهم وهم المقرون، وذلك من بالحضرة من اليهود. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. لأوائلهم، وأوائلكم يشهدون بأخذي للميثاق عليهم ودل على ذلك قوله ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء﴾، فَوَبَّخَ من بالحضرة، وأشار إليهم بهاء التشبيه بعد أن مضى ذكر أسلافهم، ورجع إلى ذكرهم. ومخاطبتهم بقوله لهم: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ هو أنهم كانوا قد افترقوا فرقتين: فرقة مع الأوس وفرقة مع الخَزْرَجِ. فإذا جرى بين الأوس والخزرج قِتَال أعانت كل فرقة منهم أصحابهم، فيقتل بعضهم بعضاً، ويجلي بعضهم بعضاً في الحمية وهم في أيديهم التوراة يعرفون ما عليهم، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك لا كتاب لهم يعبدون الأوثان، فإذا وضعت الحرب فَدَوْا أسراهم تصديقاً لما
следующие страницы →