Полный текст (8 396 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وذكر عكرمة عن ابن عباس قال: " قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا العام مولود يذهب بملكك. فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرة وعلى كل عشرةٍ رجلاً، وأمرهم بذبح الذكور إذا وضعن.
وقال السدي: " كان ذلك من فرعون لرؤيا رآها، فعُبِّرت له أن يكون من بيت المقدس مولود يكون خراب مصر على يديه. فأمر بذبح الغلمان / واستخدام الآباء تحت أيدي القبط، فأسرع الموت في مشيخة / بني إسرائيل، فدخل كبراء القبط على فرعون فقالوا له: إن هؤلاء القوم يسرع فيهم الموت فيوشك أن تبقى بغير خدمة، فأمر بذبح الذكور سنة وبتركهم سنة ".
قوله: ﴿بلاء مِّن رَّبِّكُمْ﴾.
أي نعمة إذ نجاكم مما كنتم فيه.
وقيل: معناه اختبار لكم من ربكم.
стр. 212
قوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر﴾.
أي جعلناه اثني عشر طريقاً على عدد الأسباط. ولما أتى موسى ﷺ البحر كناه أبا خالد وضربه، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل العظيم.
﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾. قيل: إنهم كانوا ينظرون إلى آل فرعون يغرقون وهم ينجون.
وقيل: أخرجوا لهم حتى رأوهم.
وقيل: كانوا ينظرون انفلاق البحر لهم.
وقال الفراء: " تنظرون: تعلمون "، واستبعد أن ينظروا إليهم في ذلك الوقت لأنهم كانوا في شغل عن ذلك.
وكان فرعون قد خرج في طلب موسى ﷺ في سبعين ألفاً من دُهْم الخيل خاصة، وموسى ﷺ بين يديه حتى قابله البحر، فقال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]. قال
стр. 213
موسى ﷺ : كلا إن معي ربي سهديني للنجاة قد وَعَدني ذلك، وهو لا يخلف الميعاد. وكان قد أوحى الله إلى موسى ﷺ أن أضرب بعصاك البحر، وأمر البحر أن ينفلق إذا ضربه موسى ﷺ فبات البحر يضرب بعضه بعضا فرقاً من الله تعالى، فضربه موسى ﷺ بالعصا فانفلق، فسلك موسى ﷺ / ببني إسرائيل وأتبعه فرعون وجنوده. ولما أتى فرعون في أثر موسى ﷺ وهو على حصان فأراد الدخول فهرب الحصان من البحر فعرض له جبريل على فرس أنثى فقربها منه فشمها ثم تقدم معها [الحصان عليه فرعون حتى دخل، ثم دخل آل فرعون في أثره، وجبريل ﷺ أمامه]، وميكائيل من وراء القوم على فرس يستحثهم حتى إذا فصل جبريل من البحر ليس قدامه أحد. وبقي ميكائيل من الناحية الأخرى ليس خلفه أحد طبق عليهم البحر. فلما رأى فرعون ما رأى نادى: ﴿لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين﴾ [يونس: ٩٠] وكان ذلك يوم عاشوراء.
وروي عن ابن عباس أن موسى ﷺ سرى ليلاً كما قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً﴾
стр. 214
[الدخان: ٢٣]، فأتبعه فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى ﷺ في ستمائة ألف فاحتقرهم فرعون، وقال حين اطلع عليهم: ﴿إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] [الثلاث الآيات]، ولما دخلوا البحر وتفرق كل سبط على طريق، قال السبط الذين مع موسى ﷺ لموسى: أين أصحابنا؟ قال: سيروا / فإنهم على طريق مثل طريقكم، قالوا: لا نرضى حتى نراهم. قال موسى ﷺ : اللهم أعِنِّي على أخلاقهم السيئة. فأوحى الله إلى موسى ﷺ أن يزيد عصاه على البحر في الحيطان فصار فيه كوى ينظر بعضهم إلى بعض.
وموسى اسم أعجمي، أصله فيما ذكر السدي: ماء وشجر، فهو ماء. وسمي بذلك لأن أمه / حين ألقته في اليم بين أشجار عند بيت فرعون فوجده جواري آسية امرأة فرعون، فسمي باسم ذلك المكان الذي
стр. 215
أصيب فيه.
فأما موسى فمؤنثة عربية، مشتقة من أسوت إذا أصلحت، ويكون أصله الهمز.
وقيل: هي من " أَوْسَوْتُ " إذا حلقت. وهذا أشبه بها، وكلاهما قريب من الآخر. و [الأصل] للواو في الهمز على هذا.
قوله: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. أي: تمام أربعين ليلة. وقيل: معناه أربعين ليلة بتمامها. فالأربعون داخلة في الميعاد.
قوله: ﴿اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ﴾.
أي إلهاً، والأصل، اتَّخَذَ، يَتَّخِذُ، وهو " افْتَعَل " من الأخذ، وكثر في كلامهم فجعلوه بمنزلة ذوات الواو والياء التي تكون في موضع الفاء من الفعل. وهي تكون تاء في " افتعل " وما تصرف منه، وتدغم في تاء " افتعل ". فأصل التاء الأولى همزة
стр. 216
/ وقد قيل: أصلها تاء من " تخذت ".
وقال الأخفش: " أصلها همزة حملت على ذوات الواو. لأن الهمزة قد تدخل على الواو فيبدل كل واحدة من الأخرى ".
وقد قيل في لغة: " أخَذْتُهُ وأَخَذَهُ الله بذلك، وَوَاخَذَهُ ". فصارت " اتخذ " مثل " اتعد ".
قال ابن عباس: " لما امتنع فرس فرعون أن يدخل به البحر، تمثل له جبريل ﵇ على فرس أنثى فتقحم خلفها ودخل بفرعون، وكان السامري قد عرف جبريل لأن أمه خافت عليه الذبح، فخلَّفته في غار فانطبقت عليه الغار. فكان جبريل ﵇ يأتيه فيغدوه بأصابعه، فيجد في إحدى أصابعه لبناً وفي الأخرى / عسلاً وفي الأخرى سمناً. فلم يزل يغدوه حتى نشأ، فلما رأى جبريل ﵇ عرفه، / فأخذ من أثر فرسه قبضة من تراب، ورفعها عنده، وكان موسى ﷺ إذ أمر بني إسرائيل
стр. 217
أن يخرجوا من أرض. مصر، أمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط ويخرجوا به معهم. فلما تجاوز البحر وغرق آل فرعون استخلف موسى هارون على بني إسرائيل، ومضى لوَعْدِ ربه ، فقال لهم هارون: اجمعوا الحلي وادفنوه حتى يأتي موسى، فإن أحلَّها لكم أخذتموها. فجمعوا الحلي في حفرة، وألقي [في روع] السامري / أنه لا يلقي تلك القبضة على شيء فيقول: كن كذا إلا كان، فقذفها في الحفرة وقال: كن عجْلاً جسداً له خوار، فصار الحلي كذلك، تدخل الريح من دبره وتخرج من فيه، يُسمع لها صوت، فقال لهم السامري: ﴿هاذآ إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨]؛ أي نسي موسى ﷺ إلهه عندكم، ومضى يطلبه كأنه قد نسي. فعكفوا على العجل يعبدونه فنهاهم هارون ﷺ وقال: ﴿إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن فاتبعوني﴾ [طه: ٩٠]. فأبوا حتى يرجع موسى [ ﷺ ] ".
وقيل: إنه كان يمشي ويخور.
стр. 218
واسم السامري: موسى بن ظفر، واعتزل هارون بمن معه ممن لم يعبد العجل فلذلك قال له موسى: ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآءِيلَ﴾ [طه: ٩٤].
قال ابن عباس: " إن موسى ﷺ لما قطع البحر وأغرق الله آل فرعون، قالت بنو إسرائيل لموسى: إئتنا بكتاب من ربنا كما وعدتنا، وزعمت أنك تأتينا به إلى شهر. فاختار موسى سبعين رجلاً لينطلقوا معه، فلما تجهزوا، قال الله لموسى: أخبِر قومك أنك لن تأتيهم أربعين ليلة وذلك حين تمت بعشر، وهي عشر من ذي الحجة مع ذي القعدة.
والهاء [في] من " بعده " تعود على موسى ﷺ . وقيل: تعود على انطلاق موسى إلى الجبل.
стр. 219
قوله: ﴿مِّن بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
" ذلك " إشارة إلى اتخاذهم العجل إلهاً.
قيل: إنهم عبدوا العجل، فلذلك قال: اتخذتم العجل يعني إلهاً. وعن قتادة: " إن السامري هو الذي اتخذ العجل إلهاً، ورضي بذلك بنو إسرائيل، فلذلك نسبه إليهم ".
قوله: ﴿الكتاب والفرقان﴾.
الكتاب: التوراة، والفرقان: انفراق البحر، قاله ابن زيد. و " يوم الفرقان: يوم التقى الجمعان " هو يوم بدر فرق الله بين الأمرين بين الحق والباطل.
وقيل: الفرقان: الفرق بين الحق والباطل / من الكتاب.
وقيل: الفرقان القرآن، والتقدير على هذا: وآتينا محمداً الفرقان. قاله الفراء وقطرب، وهو بعيد في العربية، لا يجوز مثل هذا الإضمار، وقد ردَّه جماعة.
وقال الزجاج: " الفرقان هو الكتاب أعيد ذكره بغير لفظه للتأكيد، وسمي فرقاناً لأنه فرق بين الحق والباطل ".
стр. 220
وقيل: الفرقان هو التفريق بينهم وبين قوم فرعون؛ غرق قوم فرعون ونجا قوم موسى.
قوله: ﴿فتوبوا إلى بَارِئِكُمْ﴾ الآية.
قال السدي: " لما رجع موسى ﷺ إلى قومه قال: ﴿ياقوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ [طه: ٨٦] إلى قوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامري﴾ [طه: ٨٧]، ثم أخذ العجل فحرقه [فأبرده] بالمبرد فذراه في اليم، ثم أمرهم موسى ﷺ أن يشربوا من اليم فشربوا. فمن كان في قلبه محبة من العجل خرج على / شاربه الذهب، وهو قوله: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]. فلما / علموا أنهم قد ضلوا ندموا، فلم يقبل الله توبتهم إلا أن يقتل بعضهم بعضاً، فذلك قوله: ﴿فاقتلوا أَنفُسَكُمْ﴾ إلى ﴿التواب الرحيم﴾. فصفوا صفين، ثم اجتلدوا بالسيوف والخناجر، فكان من قتل شهيداً.
قال علي بن أبي طالب: " كان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قتل منهم سبعون
стр. 221
ألفاً، فأوحى الله إليه: (مرهم فليرفعوا) القتل فقد رحمتُ من قتل وتبت على من بقي ".
وروي أنهم قالوا لموسى ﷺ : كيف يَقْتُلُ الرجل أخاه وقريبه؟ فقال موسى: إن الله [تعالى يأمر الذين عبدوا] العجل أن يجثوا، ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل السيوف. وقال الله جل ذكره لموسى ﵇: إني سأنزل سحابة سوداء حتى لا يبصر بعضهم بعضاً، ثم أمر الذين لم يعبدوا العجل أن يضربوا بالسيوف ففعلوا فقتلوهم أجمعين /. فلما ارتفعت السحابة اشتد على موسى وعليهم ما صنعوا، فقال الله جل ذكره: يا موسى أما يرضيك أني أدخلت القاتل والمقتول الجنة؟ قال: بلى يا رب ".
وقال ابن شهاب: " لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى فاضطربوا بالسيوف والخناجر، وموسى ﷺ رافع يديه يدعو، حتى إذا فتر أتاه بعضهم فقال: با نبي الله: ادع الله لنا. وأخذوا بعضديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك حتى قبل الله توبتهم وقبض أيديهم / فألقوا السلاح. وأحزن
стр. 222
موسى ﷺ و [بني إسرائيل الذي] كان من القتل منهم، فأوحى الله جل ذكره إلى موسى: ما يحزنك؟ أما من قتل، فحَيّ عندي يُرزَق، وأما من بقي فقد قبلت توبته، فسُرّ بذلك موسى ﷺ وبنو إسرائيل.
قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ الآية.
قوله: ﴿جَهْرَةً﴾: يجوز أن يكون حالاً من قولهم، على معنى: أرنا الله علانية. ويجوز أن يكون حالاً منهم؛ أي قالوا ذلك مجاهرين به أي: معلنين.
والصاعقة الموت. وقيل: الفزع.
وقيل: [العذاب الذي] يموتون منه.
وأصل الصاعقة كل شيء هائل من عذاب أو زلزلة أو رجفة؛ قال الله تعالى: ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي مغشياً عليه ولم يمت. والرجفة التي أخذت من معه كانت موتاً وأنتم تنظرون إلى الصاعقة.
стр. 223
قوله: ﴿ثُمَّ بعثناكم﴾.
أي: أحييناكم. وأصل البعث إثارة الشيء من محله؛ تقول العرب: " بَعَثْتُ ناقتي " أثرتها. " وبَعَثْتُ فلانا في كذا "، أي: أثرتُه للتوجه فيه. ويوم القيامة يوم البعث لأنه [يثار فيه الناس] للحساب. ومعنى ذلك أن موسى ﷺ لما أحرق العجل وذراه في اليم اختار من قومه سبعين / رجلاً وقال: انطلقوا إلى الله ، وتوبوا إليه مما صنعتم وتطهروا وطهروا ثيابكم، وكان ذلك عن أمر الله له، فخرجوا معه فقالوا لموسى: اطلب لنا إلى ربك أن نسمع كلامه فقال: أفعل. فلما دنا موسى ﷺ من الجبل وقع عليه عمود من نور حتى تغشى الجبل كله فدخل فيه. وقال للقوم: ادنوا وكان موسى ﷺ إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه الحجاب. ودنا القوم حتى إذا
стр. 224
دخلوا / في الغمام، وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى / ﷺ يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل، فلما فرغ انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة عند ذلك فماتوا أجمعون. فقال موسى: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما فعل السفهاء منا؟ يريد موسى ﷺ أن مُضِيِي إلى بني إسرائيل بغير من اخترت منهم [هلاك لهم] لأنهم بعد ذلك لا يأمنوني على أمر ولا يصدقوني. فلم يزل موسى - يطلب إلى ربه - ﷺ حتى رد عليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لهم من عبادتهم العجل، فقال الله تعالى: لا. إلا أن يقتلوا أنفسهم. ذكر جميع ذلك عن السدي، قال: " فالذين أخذتهم الصاعقة هم السبعون الذين اختارهم موسى ﷺ للميقات ". قال قتادة: " بعثهم الله إلى بقية آجالهم ليستوفوها،
стр. 225
ولو تمت آجال القوم ما بعثوا ".
وقال ابن زيد: " لما أتاهم موسى ﷺ بكتاب الله ، وقال لهم: خذوه، قالوا: لا نأخذه حتى نرى الله جهرة، فيقول: خذوه. فجاءتهم صاعقة بعد التوبة فصعقوا أجمعين، ثم أحياهم الله بعد موتهم. فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله فأبوا أن يأخذوه. فرفع فوقهم الجبل فأخذوا الكتاب، وأخذ موسى عليهم الميثاق، وهو قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٨٣] الآية.
قوله: ﴿[وَ] ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام﴾.
قيل: الغمام سحاب.
وقال مجاهد: " هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة وليس بسحاب ". وروي ذلك عن ابن عباس، وهو الغمام الذي أتت فيه الملائكة يوم بدر،
стр. 226
وذلك أنهم كانوا في التيه، [فشكوا حر] الشمس، فظلّل الله عليهم الغمام وهو أبرد من السحاب وأطيب.
وسمي الغمام غماماً لأنه يَعُمّ ما حل به، أي يستره، وسمي السحاب غماماً، لأنه يغم السماء، أي يسترها.
وقيل / للسحاب سحاب لأنه ينسحب بمسيره.
والمن عن مجاهد: " صمغة ".
وقال قتادة: " كان ينزل، عليهم مثل الثلج ".
/ وقال الربيع. بن أنس: " المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه ".
وقال ابن زيد: " المن عسل كان ينزل عليهم من السماء ". ورواه ابن وهب عنه.
стр. 227
وقال وهب: " المن خبز رقاق الذرة أو مثل النقي ".
وقال السدي: " المن الزنجبيل ".
وقيل: " هو الترنجبين ".
وعن ابن عباس: " المن هو الذي " يسقط من الشجر، فيأكله الناس ".
وقال قتادة: " كان يسقط عليهم في مجلسهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كسقوط الثلج فيؤخذ منه بقدر ما يكفي ذلك اليوم / فإن تعدى إلى أكثر فسد، إلا يوم الجمعة فإنه يؤخذ ما يكفي فيه للجمعة وللسبت، لأن يوم السبت عندهم
стр. 228
يوم عبادة ". وقيل: " المن: الترنجبين ". وقيل: " المن أصمغة ".
وقال النبي [﵇]: " الكَمْأَةُ مِنَ المَنّ وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ " قال أهل المعاني: " معنى: " مِنَ المَنّ " أي مما منَّ الله به على خلقه بلا زرع ولا تكلف سقي ".
والسلوى: طائر يشبه السُّمانَى كانت الجنوب تحشره عليهم.
والسلوى والسمانى واحِدُه وجمعه بلفظ واحد. والمن: جمع لا واحد له مثل الخير والشر. / وكان من قصة المن والسلوى أن الله أمر
стр. 229
موسى إلى بيت المقدس فيسكنها ويجاهد فيها من الجبارين، فأبوا القتال معه وقالوا: اذهب أنت وربك فقاتلا، فغضب موسى ﷺ لذلك فدعا عليهم وقال: ﴿فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين﴾ [المائدة: ٢٥]، فقال الله : ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض﴾ [المائدة: ٢٦]. فندم موسى ﵇ على دعائه عليهم فأوحى الله إليه: ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين﴾ [المائدة: ٢٦] أي لا تحزن. فقالوا: يا موسى، فكيف لنا بالطعام؟ فأنزل الله عليهم المن والسلوى. فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير فإن وجده سميناً ذبحه، وإلا تركه، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأمر الله موسى ﷺ أن يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سبط عين. فقالوا: فأين الظل؟ فظللهم الله بالغمام فقالوا: فأين اللباس؟ [فجعل الله] ثيابهم تطول معهم كما يطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب ولا يتوسخ.
قوله: ﴿مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
أي من مشتهيات رزقنا وقيل: من حلاله.
стр. 230
قوله: ﴿وادخلوا الباب سُجَّداً﴾.
أي ركعاً. والباب باب حطة، معروف في بيت المقدس.
ومعنى حطة عند الحسن وقتادة وأكثر المفسرين: " احطط عنا ذنوبنا / وحط عنا خطايانا ".
وعن ابن عباس وعكرمة قالا: " حطة: لا إله إلا الله. وسميت بذلك لأنها تحط الذنوب ".
وقيل: كلمة أمروا بما تحط بها عنهم ذنوبهم.
وقيل معناه: قولوا قولاً تحط به عنكم ذنوبكم.
وقيل: حطة بمعنى الاستغفار. وهو مثل الأول.
قوله: ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ﴾.
стр. 231
روى أبو هريرة عن النبي [﵇] أنه [قال]: " قال الله تعالى لبني إسرائيلَ: ادْخُلوا البَابَ سجَّداً، وقُولُوا حِطَّةٌ يُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ، فَبَدَّلُوا ودَخَلُوا البَابَ يَزْحُفُون على أسْتاهِهِم، وقالوا: حَبَّةٌ في شَعِيرة ".
وقال ابن عباس عن النبي [﵇] إنهم قالوا: " حنطة في شعير ".
وقيل: إنهم تكلموا بكلام بالنبطية على جهة الاستهزاء والخلاف. وقال ابن مسعود: " قالوا حنطة حمراء فيها شعير ".
وعن ابن عباس أنه قال: " إنهم دخلوا الباب من قِبلِ أستاههم، وكان باباً صغيراً ويقولون حنطة ".
قال الفراء: " قال ابن عباس: " أمروا أن [يستغفروا الله فخالفوا] الكلام بالنبطية.
стр. 232
والزجر العذاب، والرجس النتن.
وقال أبو العالية: " الرجز الغضب ".
وذلك أنهم لما بدلوا نعمة الله، نزل عليهم الطاعون فلم يبق أحداً، فهو الرجز. قاله ابن زيد.
وقال الأخفش: " الرجز هو الرجس ". كأن الزاي عنده بدل من السين كما يقال: " السَّرْعُ والزَّرْعُ، والزِّرَاطُ والصِّرَاطُ، وليس مثله في القياس.
والرُّجْزُ - بالضم - صَنَم كانوا يعبدونه.
وذكر يحيى أن الرجز: الطاعون، نزل بهم حين بدلوا، فمات منهم سبعون ألفاً، وقال قوم منهم: لا إله إلا الله، فهم المحسنون الذين ذكرهم الله في
стр. 233
قوله: ﴿وَسَنَزِيدُ المحسنين﴾ [البقرة: ٥٨]، فقوم منهم بدلوا وقوم لم يبدلوا.
وروي أن الذين بدلوا إنما قالوا بالعبرانية: " حبة سمراء "، يعنون الحبة.
وقال ابن عباس: " لما بدلوا، نزل بهم طاعون فمات منهم أربعة وعشرون ألفاً ".
قال مقاتل: " هلك منهم / بفعلهم سبعون ألفاً ".
قوله: ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ﴾.
أي لا يشتد فسادكم وهو أشد الفساد. يقال: عَثَا يَعْثُو عُثُوّاً. وعَثِيَ يَعْثَى عَثّاً. وعَاثَ يَعِيثُ عيثاً وعِياثاً. ولغة القرآن عَثِيَ يَِعْثَى.
قوله: ﴿اضرب بِّعَصَاكَ الحجر﴾.
لما اشتكوا إلى موسى ﷺ الظمأ في التيه، / وكانوا يحفرون الآبار حيثما نزلوا، فشق ذلك عليهم، فأتى موسى [بحجر مربع] من الطور، وأمر موسى ﷺ أن يضربه بعصاه، فكانوا يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه / موسى ﷺ فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً من كل ناحية [ثلاث عيون]، لكل سبط عين
стр. 234
معلومة.
قال ابن زيد: " سقوا من حجر مثل رأس الشاة يلقونه في جانب [الجَوالق/ إذ] ارتحلوا بعد أن يستمسك ماؤه عند رحلتهم فإذا نزلوا قرعه موسى بعصَاه، فعادت العيون بحسبها ".
قال مقاتل والكلبي: " انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عيناً على عدد الأسباط، وكانوا إذا أخذوا حاجتهم زالت العيون وانسدت مواضعها. فإذا احتاجوا إلى الماء انفجرت العيون ".
قوله: ﴿مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا﴾ الآية.
стр. 235
لما فقدوا أطعماتهم التي كانوا يأكلون بمصر، ولزموا شيئاً واحداً [ملّوا وقالوا] ذلك.
ومن قال إن المن [خُبْز الحُوّارَى]، كان قوله: " أدنى " بمعنى أقرب. وقال عطاء ومجاهد: " الفوم: الخبز ".
وقال قتادة والحسن: " الفوم: الحب الذي يختبز الناس ".
وعن ابن عباس قال: " الفوم: الحنطة والخبز ".
وروي عن مجاهد قال: " هو الثوم ". وهو اختيار ابن قتيبة، وهو في مصحف ابن مسعود: " وثُومِهَا " بالثاء. فهذا يدل على أنها الثوم. وذكر ابن قتيبة: " أن الفوم: الحبوب ".
والعرب تبدل الثاء [من الفاء] يقولون: جَدَفٌ وجَدَثٌ، ومَغَافِيرٌ
стр. 236
وَمَغَاثِيرٌ. [فهذا] يدل على أنه الثوم.
وروي أن الفوم: القمح والعدس وسائر الحبوب؛ وذلك أنهم لما سلكوا التيه مع موسى شكوا الحر، فظلل الله عليهم الغمام يقيهم الحر، وجعل لهم عموداً من نار بالليل يضيء لهم مكان القمر، وأنزل الله عليهم المن والسلوى، فيأخذون منه قوتهم للغذاء والعشاء، فمن زاد على ذلك فسدت عليه الزيادة. وكانوا يأخذون يوم الجمعة للجمعة والسبت إذ لا يأتيهم يوم السبت، وكانوا يخبزون المن قرصاً، فيأكلون طعاماً مثل الشهد المعجون بالسمن.
وروي أنهم نزل عليهم المن أولاً، فملوه لحلاوته، وسألوا لحماً فأنزل الله عليهم طيراً تجلبه عليهم ريح الجنوب، وأمر ألا يدخروا من لحمه فخالفوا فادخروا، فخنز عليهم وفسد.
فيروى أنه لولا ذنوب بني إسرائيل ما فسد الطعام المدخر.
وقيل: كانت السلوى تقع في مجالسهم كهيئة السماني، فملوا ذلك وسألوا القمح
стр. 237
والحبوب والبصل، فأمروا أن يهبطوا مصر وهي الشام، لأنهم من مصر خرجوا، فهبطوا إلى الشام بعد انقضاء الأربعين عاماً التي عوقبوا بها في التيه لتخلفهم عن قتال الجبارين، ولقولهم لموسى ﷺ : ﴿ فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. ولم يدخل الشام أحد ممن أمر بقتال الجبارين، بل كلهم مات في التيه، وإنما دخلها أبناؤهم.
قوله: / ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾.
هو من قول موسى ﷺ . و " أدنى " بمعنى أقرب أي أقل قيمة.
وقال علي / بن سليمان: " أدنى من ذوات الهمز من قولهم: " دَنِيءٌ بَيِّنُ الدَّنَاءَةِ "، أبدل من الهمزة ألفاً ".
وقيل: معنى " أدنى ": أقرب لكم في الدنيا مما هو لكم في الآخرة، فيكون
стр. 238
من " دنا يدنو ". وقد قرئ بالهمز.
وقال مجاهد: " أدنى بمعنى: " أَرْدَأَ ".
وقيل: أصله " أدون " من الدون [ثم قلبت] اللام في موضع العين، وانقلب الواو ألفا لتطرفها.
قوله: ﴿اهبطوا مِصْراً﴾.
قال مجاهد وقتادة وغيرهما: " مصراً من الأمصار ".
وقال أبو العالية: " مصر هي التي كان بها فرعون ". وقاله الكسائي، وفي قراءة أُبَيّ وابن مسعود: " اهْبِطُوا مصر " بغير صرف معرفة. وقيل: هي الشام.
стр. 239
وروى أشهب عن مالك أنه قال له: " هي مصر قريتك في رأيي؛ هي بلاد فرعون ".
قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة﴾.
أي فرضت ووضعت من قولهم: " ضَرَبْتُ عَلَى عَبْدِي الخَرَاجَ، وَضَرَبَ عَلَيَّ الأَمِيرُ الخَرَاجَ " أي [فَرَضَهُ وَوَضَعَهُ] عَلَيَّ. وَضَرْبُ الذلةِ عليهم هو إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون.
والمسكنة الخشوع والذلة. وقيل: الحاجة.
وقيل: الفاقة والفقر. فلست ترى يهودياً إلا وعليه الذلة والمسكنة، وإن كان معه قناطير الذهب والفضة.
قوله: ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾. أي: رجعوا به.
стр. 240
وقال الضحاك: " استحقوا غضباً ".
قال أبو عبيدة: " يقال بُؤْتُ بالذنب أي: احتملته ولزمني، وتَبَوَّأتُ الدار لزمتها، وبُؤْتُ بالشي اعترفت به، وبَوَّأْتُ القوم منزلاً إذا أنزلتهم إلى سند جبل أو عند نهر. فالاسم المباءة ".
قوله: ﴿بِآيَاتِ الله﴾.
الآية طائفة من القرآن وجماعة /، يقال: " جئنا بآيتِنَا " أي: بجماعتنا.
وقيل: سميت آية لأنها علامة الانفصال مما قبلها.
ووزن آية عند الخليل / وسيبويه: " فَعْلَةٌ "، وأصلها " أيِيَةٌ، فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها وهو نادر، لأن أصله أن تعتل اللام وتسلم العين، فاعتلت العين وسلمت اللام.
وقال الكسائي فيما حكى أبو بكر: " أصلها " آيِيَةٌ " مثل " مَاضِيَة "، فكان يلزم
стр. 241
الياءين الإدغام فتصير " آيَّة " مثل " دَابَّة "، فتثقل، فحذفوا الياء الأولى ".
وقال الفراء: " أصلها فعلة، وأصلها " آيَّة " استثقلوا التضعيف فأبدلوا الياء ألفاً كما أبدلوا في التضعيف من " دِوَّانِ " و " قِرَّاطٍ " ياءً ومثله دِنَّار ".
وقد حكى غير أبي بكر عن بعض الكوفيين أن أصلها فعلة فاستثقل التضعيف فأعلت الأولى لانكسارها، وتحرك ما قبلها فقلبت ألفاً.
قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ﴾ الآية.
قال سفيان: " الذين آمنوا / هنا هم المنافقون الذين آمنوا في الظاهر، يدل على ذلك قوله: ﴿مَنْ آمَنَ / مِنْهُمْ بالله﴾؛ أي مَن صدق منهم بقلبه ووافق ظاهره باطنه ".
وقال غيره: " بل هم المؤمنون، وإنما أراد " بمن آمن "، من ثبت على الإيمان كما قال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ [آمَنُواْ]﴾ [النساء: ١٣٥] أي اثبتوا على تصديقكم.
стр. 242
وقيل: المراد بهم: من كان يؤمن بموسى ﷺ ، وعيسى ﷺ ، والنصارى على هذا القول من خالف عيسى منهم، واليهود من خالف موسى، والصابئون قوم بين اليهود والنصارى، فيهم اختلاف قد ذكرناه.
قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بالله﴾.
أي جمع مع إيمانه المتقدم إيمانه / بمحمد ﷺ وبما جاء به. روي ذلك عن السدي.
وقال السدي: " نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي ". وذكر قصة طويلة معناها أن سلمان كان قد تنسك مع قوم من الرهبان قبل مبعث النبي ﷺ فأخبروه أنه سيبعث نبي، فإذا لحقته فصدق به. فلما بعث النبي ﷺ وأتى المدينة أتاه سلمان فنظر إلى الخاتم الذي هو علامة النبوة، وقد كانوا قالوا له: علامته خاتم بين كتفيه وهو لا يقبل الصدقة ويقبل الهدية. فلما رأى سلمان الخاتم مضى واشترى لحماً وخبزاً، وشوى اللحم وأتى به النبي ﷺ ، فقال له: ما هذا؟ فقال له: صدقة. قال: لا آخذه، أعطه للمسلمين. ثم مضى [فاشترى شيئاً آخر فأتى] به النبي ﷺ ، فقال
стр. 243
له: ما هذا؟ قال له: هدية. فقال له: اجلس فكل، فأكل مع النبي ﷺ فسأله سلمان عن أولئك الرهبان ما حالهم في الآخرة وقد كانوا يقولون: لو لحقناك لآمنا بك، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ﴾ الآية. أي من مات على دين موسى وعيسى صلى الله عليهما وسلم فله أجره عند ربه.
وروي عن ابن عباس، وسعيد بن عبد العزيز أنها منسوخة نسختها: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. أي من لحق بمبعث محمد ﷺ فليس يقبل منه غير الإيمان.
وسميت اليهود يهوداً لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي تبنا ورجعنا.
стр. 244
وقيل: سميت بذلك لانتسابهم إلى يهودا.
والنصارى: جمع نصران ونصرانة. وقيل: سموا نصارى لأنهم نزلوا أرضاً يقال لها: ناصرة.
وقيل: سموا نصارى لقوله تعالى: ﴿مَنْ أنصاري إِلَى الله﴾ [آل عمران: ٥٢].
وقيل: سموا نصارى، لأن قرية عيسى [﵇] كانت تسمى ناصرة، وكان أصحابه يسمون الناصرين، وكان يقال لعيسى ﷺ الناصري.
وقيل: سموا بذلك لأنهم نزلوا موضعاً يسمى ناصرة.
والصابئين: قوم خرجوا من دين إلى دين. وقيل: هم قوم لا دين لهم.
وقيل: الصابئين: قوم بين المجوس واليهود.
стр. 245
وقال الحسن: " هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلّون للقبلة، ويقرأون الزبور ".
ومعنى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾. أي آمن بمحمد [﵇].
قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ الآية.
/ وقال ابن زيد: " لما رجع موسى ﷺ من عند ربه بالألواح، أمرهم باتباع ما فيها وقبوله والعمل به. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت، لا والله حتى نرى الله جهرة وحتى يطلع علينا ويقول: هذا كتابي فخذوه. قال: فجاءته غضبة من الله فصعقوا فماتوا جميعاً، ثم أحياهم الله من بعد ذلك. فقال لهم موسى ﷺ : خذوا كتاب الله قالوا: لا. قال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: أُمتنا ثم حُيينا. فقال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم فهو تأويل. ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ فلما صار فوقهم، قيل لهم: خذوا، وإلا طرح عليكم. فأخذوه بالميثاق /،
стр. 246
فهو قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾ [البقرة: ٨٣] إلى ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]. ولو أخذوه أول مرة لأخذوه بغير ميثاق، ولكن عسروا فشدد الله عليهم ". والطور: الجبل.
وقيل: هو اسم جبل بعينه معروف كلم الله سبحانه عليه / موسى ﷺ .
وقيل: هو ما أنبت دون ما لم ينبت من الجبال.
وقال السدي: " لما نظروا إلى الجبل فوقهم خروا سجّداً على شق، ونظروا إليه [بالشق الآخر فرحمهم] الله وكشف عنهم فهم يسجدون لذلك على شق ".
/ فقوله: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧١] وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ واحد.
стр. 247
ومعنى: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجد وعزيمة ورغبة وعمل، وهو التوراة.
وروي أنهم قالوا: لا نقبل التوراة، فرفع الله فوقهم الطور كأنه ظلة، فأيقنوا أنه واقع عليهم، وبعث الله ناراً من قِبلِ وجوههم، وأتاهم بالبحر من خلفهم، فقال لهم موسى ﷺ : " إن أنتم لم تقبلوا التوراة بما فيها أحرقكم الله بهذه النار، وغرقكم في هذا البحر، وأطبق عليكم هذا الجبل ". فأخذوها كارهين، وعاهدوا الله ليعملن بما فيها وسجدوا لله وهم ينظرون إلى الجبل بعين واحد مخافة أن يقع عليهم فصارت سنة فيهم لا يُصَلّون إلا هكذا. ثم عصوا بعد ذلك وخالفوا العهد، فهو قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لعاجلهم بالعقوبة، فيخسرون دنياهم وآخراهم.
قوله: ﴿واذكروا مَا فِيهِ﴾.
أي أتلوه. وقيل: معناه: اذكروا ما فيه من أمر الآخرة وهو الثواب والعقاب لعلكم تتقون ما تعاقبون عليه.
стр. 248
وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت﴾.
قال ابن عباس: " لم يبعث الله قط نبياً إلا عرفه فضل الجمعة وعظمها في السماوات وأن الساعة / تقوم فيها، وتشريف الملائكة لها. وبلغت الرسل أممها ذلك، فسمع أكثرهم وأطاع وعرف فضلها. فلما كان موسى أخبر بني إسرائيل بفضلها على الأيام فقالوا: يا موسى، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام، والسبت أفضل لأن كل شيء سبت لله مطيعاً يوم السبت، وخلق الله السماوات والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة. ويوم السبت كمل الأمر؟ وقالت النصارى لعيسى ﷺ إذ أمرهم بالجمعة وأخبرهم بفضلها: كيف تأمرنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها وسيدها، والله واحد، والواحد الأول، والأحد أول؟ فأوحى الله إلى عيسى ﷺ أن دَعْهُم والأحد، ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا فلم يفعلوا. وقال لموسى ﷺ كذلك في السبت. وأمرهم أن لا يصيدوا فيه سمكاً ولا غيره، ولا يعملوا فيه عملاً. فكان يوم السبت تظهر فيه الحيتان على وجه الماء فهو قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ثم إنهم تناولوها في السبت فلم ينكر بعضهم على بعض، ثم كفوا فلما رأوا العقوبة لا تنزل بهم عادوا وأخذوا. وكان موسى قد حذرهم
стр. 249
العقوبة إن تعدوا في السبت، فلما رأوا لا تنزل عليهم عقوبة ظنوا ما قال لهم موسى ﷺ باطلاً، فمسخوا قردة وحيوا ثلاثة أيام وماتوا ".
قال ابن عباس: " لم يعش مسخ قط أكثر من ثلاثة أيام ولا يأكل ولا يشرب ولا ينسل. وكان الله تعالى قد خلق القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة [الأيام التي ذكر، فمسخ أولئك في صور] القردة ".
قال الحسن: " كانت الحيتان تأتيهم يوم السبت / فتبطح بأفنيتهم كأنها المخاض ثم تذهب فلا ترى ".
قال ابن عباس: " لما طال عليهم أمر الحيتان وإتيانها يوم السبت ولا تأتي في غيره، عمد رجل منهم فأخذ حوتاً يوم السبت فحزمه بخيط وأرسله في الماء وتّدَ له وتداً في الساحل فأوثقه، حتى إذا كان الغد أخذه فأكله، فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك، فوجد الناس ريح الحيتان، ثم علموا بما فعل ذلك الرجل ففعلوا مثل
стр. 250
ما [فعل وأكلوا زمناً طويلاً، ولم] يعجل الله عليهم بالعقوبة حتى صادوا علانية وباعوها في الأسواق. فقالت طائفة من أهل التقوى: " ويحكم اتقوا الله " ونهوهم عما يصنعون. وقالت طائفة أخرى لم يصنعوا مثل ما صنع أولئك: / ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾
[الأعراف: ١٦٤]، فنجى الله الذين ينهون عن السوء ومسخ الفاعلين ".
واختلف في الذين / لم يعملوا ولم ينهوا وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ الآية.
قيل: إنهم نجوا مع الناجين. وقيل: مُسِخُوا مع مَن مسخ. [والسبت أصله] الراحة والهدوء. والسبت ضرب من السير. والسبت [الحلق؛ / يقال سَبَتَ رَأسَهُ] حَلَقَهُ. والسبت القطع. وجمعه: " أَسْبُتٌ " و " سَبَتَاتٌ " بالتحريك لأنه اسم. وفي الكثير السبوت والسبات.
وقال السدي: / " كان الرجل منهم من شهوة الحوت يحفر الحفرة ويجعل نهراً إلى البحر، فيدخله الماء يوم السبت بالحوت، ثم لا يقدر الحوت أن يرجع إلى
следующие страницы →