← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وقوله: ﴿قُلْنَا لَهُمْ (كُونُواْ)﴾. جائز أن يكون أُمِرُوْا بذلك، فيكون أبلغ في الآية والقُدرة. وجائز أن يكون من قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة﴾. روى الأصبهاني عن أصحابه عن ورشٍ: (تأذَّنَ)، بتسهيل الهمزة. والمعنى: واذكر، يا محمد، إذا أعْلَمَ رَبُّك. فمعنى ﴿تَأَذَّنَ﴾: أَعْلَمَ والعرب تقول: " تعلم " بمعنى " أعلم ". وقال مجاهد ﴿تَأَذَّنَ﴾: قال.

стр. 2557

وقال قتادة ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾: أمر ربك. ومعنى: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾. أي: ليبعثن على اليهود ﴿مَن يَسُومُهُمْ سواء العذاب﴾، وهو قتلهم إن لم يؤدوا الجزية، وذلتهم إن ودوها. قال ابن عباس: هي الجزية، والذين يسومونهم: محمد، ﷺ ، وأمته، إلى يوم القيامة. قال ابن المُسَيَّب: يستحب أن يبعث الأنباط في الجزية. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب﴾. أي: لمن استوجب منهم العقوبة. ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: لسائر ذنوب من تاب، متعطف عليه.

стр. 2558

قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً مِّنْهُمُ الصالحون﴾، إلى قوله: ﴿المصلحين﴾. روى أبو بكر عن عاصم: " وَقَطَعْنَهَمْ "، بالتخفيف. والمعنى: وفرقنا بني إسرائيل في الأرض ﴿أُمَماً﴾، أي: جماعات شتى. ففي كل أرض قوم من اليهود، ﴿مِّنْهُمُ الصالحون﴾، أي: منهم من يؤمن بالله ورسله، ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك﴾، وصفهم بهذا قَبْلَ كُفْرِهِمْ وارتدادهم عن دينهم، وقَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ عِيسَى ﵇. ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات﴾. أي: بالرخاء، والسعة في الرزق، ﴿والسيئات﴾، بالجدب والمصائب، أي: اختبرناهم بذلك، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، إلى طاعة الله (عزو جل). قوله: ﴿أُمَماً﴾، وقف. و ﴿دُونَ ذلك﴾، وقف.

стр. 2559

و ﴿والسيئات﴾، وقف. ثم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾. أي: حدث من بعدهم خَلْفُ سُوْءٍ، يعني: أبناءهم. و" الخَلْف ": الرديء من القول، ومن الأنباء، يقال للواحد والاثنين والجميع، بلفظ واحد. ويقال في المدح: " هذا خَلَف صِدْقٍ "، بتحريك اللام، ولَزِمَ تسكن اللام فيه، هذا الأشهر. وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح، قال حسان:

стр. 2560

. . .، وَخَلْفُنَا ... لأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللهِ تابعُ والخَلَفُ السُّوْءِ، مأخوذ من قولهم: " خَلَفَ اللَّبَن "، إذ حمض حتى فسد، ومن قولهم: " خَلَفُ فَمِ الصَّائِمِ "، إذا تغير ريحه. وقال مجاهد: " الخَلْف " في الآية يراد به النصارى بعد اليهود. ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى﴾. يعني الرشوة على الحكم في قول الجميع. ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. يحتمل وجهين: أحدهما: أنه مغفور، لا نؤاخَذُ به. والثاني: أنه ذنب، لكن الله قد يغفره لنا، تأميلاً منهم لرحمته.

стр. 2561

وهو ما عَنَّ لهم من عرض الدنيا حلالاً كان أو حراماً، يأخذونه ويتمنون المغفرة، ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، وإن وجدوا بعده مثله، أخذوه، فهم مُصِرُّونَ على أخذه، وإنما يتمنى المغفرة من أَقْلَعَ عن الذنب، فلم يعد إليه، ولاَ نَوَى الرجوع إلى مثله. قال ابن جبير: يعملون بالذنب ثم يستغفرون منه، فإن عرض لهم ذنب رَكِبُوه. و" العَرَضُ " عنده: الذنوب. قال السدي: كان بنو إسرائيل لا يَسْتَقْضُونَ قَاضِياً إِلاَّ ارْتَشَىِ في الحُكْمِ، فيقال له في ذلك، فيقول: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، فيطعن عليه بقية بني إسرائيل. فإذا مات جعل مكانه رجل ممن كان يعطن عليه، فيرتشي، أيضاً، ثم لاَ يَثُوبُونَ. قال ابن زيد: يأتيهم المحق برشوة، فيخرجون له كتاب الله، ثم يحكمون له بالرشوة/ فإذا جاءهم الظالم بالرِّشوة، أخرجوا له الكتاب الذي كتبوا بأيديهم،

стр. 2562

وقالوا: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ ميثاق الكتاب أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾، وهو عَرَضُ الدنيا، هو الرُّشَى في الحكم، فيحكمون له بما في الكتاب، فهو [في كتابهم]، محق، وهو في التوراة ظالم، فقال الله : ﴿ هذا [مِنْ عِنْدِ الله] لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [البقرة: ٧٩]. المعنى: ألم يؤخذ عليهم الميثاق، ألا يعملوا إلا بما في التوراة، و ﴿أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق﴾. [قال ابن عباس: ﴿أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق﴾، يعني [فيما] يوجبون به من غفران ذنوبهم التي هم عليها مصرون. وقوله: ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾. معناه: ورثوا الكتاب، ودرسوا ما فيه، فَنَبَذُوهُ، وعملوا بخلاف ما فيه.

стр. 2563

وقال ابن زيد: علَّموه، فَعَلِمُوا ما فيه. ثم قال: ﴿والدار الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: ما فيها من النعيم. قوله: ﴿يَأْخُذُوهُ﴾، وقف. وكذا: ﴿إِلاَّ الحق﴾. وكذا: ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾. ثم قال: ﴿والذين يُمَسِّكُونَ بالكتاب﴾. أي: يعملون بما فيه التوراة، ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين﴾، [ي: أجر المُصلِحِ منهم]. قوله: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ﴾ الآية.

стр. 2564

والمعنى: واذكر يا محمد، ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل﴾، أي: اقْتَلَعْنَاهُ فرفعناه [فوق] بني إسرائيل. وقيل: نَتْقَنَاهُ ": زعزعناه. ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾. أي: غَمَامَةٌ. و" الكاف " من ﴿كَأَنَّهُ﴾، في موضع نصب على الحال، أي: نتقناه مُشْبِهاً الظلة، أي: في هذه الحال. ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر محمول على المعنى. أو يكون خبر ابتداء محذوف، [أي]: هو ﴿كَأَنَّهُ [ظُلَّةٌ]﴾. ﴿وظنوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾.

стр. 2565

أي: أيقنوا بذلك، إذ هو فوق رؤوسهم. ﴿خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ﴾. أي: وقيل لهم: خذوا ما في الكتاب من الفرائض بجدٍّ وَعَزْمٍ، ولا تقصروا في أداء فرائض الله ، التي فيه، وإلاَّ خَرَّ عليكم الجبل فأهلككم فقالوا: بل، نأخذه بقوة، أي: بجد وعزم، ثم نَكَثُوا بعد ذلك. هذا قول ابن عباس. قال ابن عباس: إني لأعلم لأي شيء سجدت اليهود على حَرْفِ وُجوههم: لما رفع الجبل فوقهم سجدوا، وجعلوا ينظرون إلى الجبل بِشقِّ وجوههم، خوفاً ان يقع عليهم. قال: وكانت سجدةً رضيها الله ، فاتخذوها سُنَّة. قال قتادة: نزع الله ، الجبل من أصله، ثم جعله فوق رؤوسهم، وقال: لتأخُذَنَّ أمري، أو لأرمينّكم به.

стр. 2566

وقال ابن جريج: كانوا قد أبَوْا أن يقبلوا التوراة. وروى حجاج عن أبي بكر بن عبد الله أنه قال: لما قيل لهم: اقبلوا ما في التوراة، قالوا: انشر علينا ما فيها، فإن كانت فرائضها يسيرة وحدودها خفيفة، قبلناها. قال: اقبلوها بما فيها، قالوا: حتى نعلم ما فيها، فراجعوا موسى ﵇، مراراً فأوحى الله، ، إلى الجبل فانقلع وارتفع في السماء، حتى إذا ان بين رؤوسهم وبين السماْ، قال لهم موسى ﵇: ألا ترون ما يقول ربّي عز جل؟ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها رميتكم بهذا الجبل. قال الحسن البصري: لما نظروا إلى الجبل خرّ كل رجل منههم ساجداً على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه/ اليمنى إلى اجبل، فَرَقاً أن يسقط عليه، فلذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر، يقولون: هذه السجدة التي رُفعت عنَّا بها العقوبة. قال أبو بكر بن عبد الله: لما نشر موسى ﵇، الألواح فيها كتاب

стр. 2567

الله ، كتبه بيده ويده صفة له، لا يد جارحة، تعالى الله أن يوصف بجارحة، إذْ ليس كمثله شيء، لمي يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر، (ولا شيء) إلا اهتز، فليس اليوم يهودي على الأرض من صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه. وقيل: كان نَتْقُ الجبل أنه قُطِع منه شيء على قدر عَسْكَر موسى (عليه [السلام])، فظلل عليهم، وقال لهم موسى ﵇، إمَّا أن تقبلوا وإمَّا أن يسقط عليكم. قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، الآية. حجة من قرأ " ذُرَّيَّات " بالجمع، أنها الأعقاب المتناسبة الكثيرة.

стр. 2568

ومن قرأ ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، بالتوحيد، قال: إنها قد أُجْمِعَ عليها في قوله: ﴿مِن ذُرِّيَّةِءَادَمَ﴾ [مريم: ٥٨]، ولاشيء كثر من ذريته ﷺ ، فدلت على الكثير بنفسها. ومعنى الآية: واذكر، يا محمد، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾، أي: استخرج الأبناء من أصلاب الآباء، فقررهم بتوحيده، وأشهدهم على أنفسهم بإقرارهم، أي: أشهد بعضاً على بعضٍ بالإقرار بالتوحيد. قال ابن عباس: أخذ الله، ، اليثاق من ظهر آدم ﵇، بنَعْمَان يعني: عرفة، فأخرج من صلبه كل ذريته، فَنَثَرهُم بين يديه كالذَّرِّ، ثم كلمهم قَبَلاً، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، فأشهد بَعْضَهُمْ على بعضٍ

стр. 2569

بذلك الإقرار. وقال الضحاك: إن الله (سبحانه)، مسح صلب آدم، ﵇، فاستخرج منه كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق: أن يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بهِ شيئاً، وتكفَّل لهم بالأَرْزاق، ثم أعادهم في صلبه، فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطي الميثاق يومئذٍ فمن أدرك منهم الميثاق (الآخر) فَوَفَى به، نفعه الميثاق الأول، ومن أدرك (الميثاق) الآخر فلم يفِ به، لم ينفعه الأول، ومن مات صغيراً قبل أن يدرك الميثاق الآخر، مات على الميثاق الأول على الفطرة. رَوَى ذلك عن ابن عباس. ومنه قول النبي ﷺ : " كُلُّ مَوْلُودٍ يُوْلَدُ عَلَى الفِطْرَةِ حتَّى يكُونَ أَبَوَاهُ اللَّذَانِ يُهوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ ".

стр. 2570

والميثاق الأول، هو: ما أخذه الله، ، عليهم إذ أخرجهم من ظهر آدم، ﵇. والميثاق الآخر، هو: قبول فرائض الله، (سبحانه)، والإيمان به، وبرسالة النبي ﵇، وبما جاءت به الرسل. وروى ابن عمر عن النبي، ﷺ ، أنه قال: " أُخذوا من ظهره، كما يُؤْخذ بالمشط من الرأس، فقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾، قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة﴾ ". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ، سمعت النبي ﷺ ، يقول: " إن الله جلَّ وعزّ، خلق آدم ﵇، ثم مسح ظهره بيمينه، (سبحانه)، فاستخرج منه ذرية، فقال: " خلَقْتُ هَؤلاَءِ لِلْجَنَّة، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجَّنَةِ يَعْمَلُونَ ". ثم مسح ظهره فاستخرج منه

стр. 2571

ذرية، فقال: " [خَلَفْتُ] هَؤُلاَءِ لِلنّارِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ ". فقال/ رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال: إن الله (تعالى)، إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَدْخِلُهُ الجَنَّةَ. وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلْنَّارِ، اسْتَعَمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيُدْخِلُهُ النَّارِ ". وقيل معنى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ﴾، دلهم على توحيده؛ لأن كل بالغٍ سالمٍ من العاهات، يَعْلَمُ ضرورةً أنَّ لَهُ رَبّاً واحِداً. وقيل: إنَّ الآية مَخْصُوصَةٌ؛ لأنه قال: ﴿مِن بنيءَادَمَ﴾، فخرج من هذا من كان من ولد آدم ﵇، لصلبه وقال (الله) : ﴿ أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾، فخرج منها كل من له آباء مشركون. وقال أُبَيُّ بن كعب: جمعهم جميعاً، فجعلهم أَزوَاجاً، ثم صوَّرهم، ثم استنطقهم، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾؛ أنَّكَ رَبَّنَأ وإلهَنَا، لا رب لنا غيرك، ثم أخبرهم بما ينزل عليهم من كتاب وما يرسل إليهم من الرسل، وأمرهم أن يؤمنوا بذلك.

стр. 2572

ومن قرأ بـ: " الياء " في: ﴿[أَن] تَقُولُواْ﴾، ﴿أَوْ تقولوا﴾، رده على: ﴿ظُهُورِهِمْ﴾، و: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ و ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾، وبعدها، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فلما جرى الكلام قَبْلُ وَبَعْدُ على لفظ الغَيْبَة، أجرى وسطه على ذلك. ومعنى الكلام: أنهم لما أقروا، قال الله ، للملائكة: " اشْهَدُوا "، قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ * أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ﴾. ومن قرأ: بـ: " التاء " ردّه على المخاطبة في قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، وهي أقرب من لفظ الغَيْبَة إلى: ﴿تَقُولُواْ﴾.

стр. 2573

قال أُبيُّ بن كعب: ولما أخرج الله ، الذرية كانت الأنبياء، (صلوات الله عليهم)، فهم مِثْلُ السُّرُوج، عليهم النور، فخصوا بميثاق آخر: الرِّسَالَةِ والنُّبوَّةِ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]، الآية. فكان في علمه من يكذّب الأنبياءَ ومن يصدِّق. قال: وكان روح عيسى ابن مريم، ﵇، تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد، فأرسل الله، ، إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً. قال الله جلّ وعزّ. ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ [مريم: ١٧]. قال: فحملت الذي خاطبها، وهو روح عيسى، ﵇. قال ابن جبير: فكانوا يُرَوْنَ أن القلم يومئذٍ جَفَّ بِمَا هَوَ كَائِنٌ.

стр. 2574

قال ابن جبير: فكانوا يُرَوْن أن القلم يومئذٍ جفّ بِمَا هُوَ كَائِنٌ. ومعنى: ﴿شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ﴾، عند السدي: أنه خبر من الله، ، عن نفسه (تعالى)، وملائكته، بالشهادة على بني آدم، كيلا ﴿تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ﴾. والوقف على هذا القول ﴿بلى﴾. وقال ابن عباس: المعنى، إن بضعهم شهد على بعض. فالمعنى: ﴿قَالُواْ بلى﴾ شهد بعضنا على بعض كيلا ﴿تَقُولُواْ

стр. 2575

يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ﴾، أي: كل بعض يقول: شهدنا على البعض الباقي، كيلا يقولوا: كذا. ﴿أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾: وابتعناهم، ﴿أَفَتُهْلِكُنَا﴾، بإشراك آبائنا واتباعنا منهاجهم على جهل منا؟ فالوقف على قول ابن عباس: ﴿المبطلون﴾. و ﴿بلى﴾ وقف عند نافع، والأخفش، وأبي حاتم، وغيرهم. وهذا يدعل على أنَّ الشهادة كانت من الله ، وملائكته على المُقِرِّنَ. وهو قول مجاهد، والضحاك، والسدي. وهذا حسنٌ على قراءة [من قرأ] بـ: " التاء "، فيكون ﴿شَهِدْنَآ﴾، ليس من كلام الذين قالوا: ﴿بلى﴾.

стр. 2576

ومن قرأ: بـ: " الياء " فأكثر أهل العربية يقولون: [﴿أَن تَقُولُواْ﴾ متعلقة بـ: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾، والمعنى: وأشهدهم على أنفسهمه كراهة] ﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا/ غَافِلِينَ﴾، فالتمام (على هذا): ﴿المبطلون﴾. وقال ابن الأنباري والسجستاني ﴿بلى شَهِدْنَآ﴾، التمام، وهو غلط؛ لأنّ ﴿أَن﴾ متعلقة بـ: ﴿أَشْهَدَهُمْ﴾ أو بـ: ﴿شَهِدْنَآ﴾ على قراءة من قرأ بـ: " الياء ". فأما على تفسير ابن عباس: أن المعنى: [و] شهد بعضهم على بعض، فالتمام: ﴿المبطلون﴾ لأن ﴿شَهِدْنَآ﴾، من قول الذين قالوا: ﴿بلى﴾.

стр. 2577

ومعنى: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا﴾، أي: لست تفعل ذلك. (وقوله): ﴿وكذلك نُفَصِّلُ [الآيات]﴾. " الكاف ": في موضع نصب. والمعنى: وكما فصلنا، لقومك، يا محمد، آيات هذه السورة، كذلك نفصل الآيات غيرها فنبيِّنها لقومك، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، إلى الإيمان. قوله: ﴿واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذيءَاتَيْنَاهُءَايَاتِنَا فانسلخ مِنْهَا﴾، إلى قوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾. والمعنى: ﴿واتل﴾، يا محمد، عليهم: ﴿نَبَأَ الذيءَاتَيْنَاهُءَايَاتِنَا فانسلخ مِنْهَا﴾، وهو رجل من بني إسرائيل يقال له: بَلْعَم بن باعر، (أعطي: معرفة اسم الله [الأعظم]. وقيل: أُعْطِيَ النبوة.

стр. 2578

قال ابن عباس: بُلْعَم بن بَاُعُور.) وقال ابن جبير: كان معه اسم الله، فسألوه أن يدعوَ على موسى وأصحابه ألا يدخل مدينتهم، فأبى، فخوفه الملك بالقتل والصلب والتحريق، فدعا، فاستجاب الله له، فلم يصل موسى، ﵇، إلى دخولها، ودعا موسى عليه أن ينسيه الله، ، اسمه الذي يدعو به، فأنساه الله، ، إياه، وَنَزَلَ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ. قال ابن عباس: كان من مدينة الجَبَّارِينَ. وقيل عنه: كان من اليمن.

стр. 2579

وقيل: هو أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت الثقفي، كان قد قرأ الكتب، وعرف الوقت الذي يبعث فيه محمد ﷺ ، ويخبر الناس بذلك، فلما بعث، حسده وكفر به، وقال: والله ما كنت لأؤمن بنبيٍ من غير قومي ثقيف أبداً. وقال عكرمة: هو من كان منافقاً من أهل الكِتَابَيْن. قال الحسن: هو المنافق. وقال الأنصار: هو الراهب الذي بني له مسجد الشِّقَاقِ.

стр. 2580

قال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه. قال ابن عباس: أعطي كتباً من كتب الله. وقال مجاهد: أوتي النبوة، فَرَشَاهُ قومه على أن يَسْكُتَ، ففعل، وتركهم على ما هم عليه. وكذلك قال المعتمر بن سليمان عن أبيه. وهو قول مردود؛ لأن النُّبُوَّةَ لاَ يَكُونُ حَامِلُهَا قَابِلاً لِلْرِّشْوَةِ فِيهَا، يُعيذ اللهُ الأَنْبِيَاءَ مِنْ ذَلِكَ. وهذه كبيرة عظيمة، وكل الناس على أن الأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبَائِرِ، فغير جائز هذا القول الذي رُوِيَ عن مجاهد، والمعتمر.

стр. 2581

وروى سيار عن مالك [بن دينار، أنه قال]: بعث نبي الله موسى، ﵇، بَلْعَام، وكان مجاب الدعوة، إلى ملك مدْين يدعوه إلى الله، فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى. ففيه نزلت هذه الآية: ﴿واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذيءَاتَيْنَاهُءَايَاتِنَا فانسلخ مِنْهَا﴾. وقال السدي: أعطي اسم الله الأعظم. وروي ذلك عن ابن عباس. قال ابن عباس: لما نزل موسى ﵇ بالجبارين، سأل الجبارون بَلْعَم بن (باعُور) أن يدعو على موسى، فقال لهم: إني إن دعوت عليه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليه، فسلخه الله مما كان عليه، فذلك قوله:

стр. 2582

﴿فانسلخ مِنْهَا﴾. وعن ابن عباس، ﴿فانسلخ مِنْهَا﴾: نُزعَ منه العلم. ﴿فَأَتْبَعَهُ الشيطان﴾. أي: أدركه. يقال: " أَتْبَعَه ": إذا أدركه. و: " تَبِعَه ": / إذا سار في إثره. هذا الجَيِّدُ. وقيل: هما لغتان. وقيل: معنى: " أَتْبَعَه ": صَيَّره لنفسه تابعاً ينتهي إلى أمره في معصية الله سبحانه. ﴿فَكَانَ مِنَ الغاوين﴾. أي: من الهالكين. وقيل: من الخائنين. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾.

стр. 2583

أي: لرفعناه بعلمه ﴿بِهَا﴾. وقيل: المعنى: لرفعناه عن الحال التي صار إليها من الكفر. وقال مجاهد: ﴿لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾، (أي): لرفعنا عنه. أي: لعصمناه مما فعل. وقيل: المعنى: لأَمَتْنَاهُ قبل أن يَعْصِيَ فرفعناه إلى الجنة. ﴿بِهَا﴾. [أي]: بتلك الآيات.

стр. 2584

﴿ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض﴾. أي: سكن إلى الدنيا وشهواتها، ﴿واتبع هَوَاهُ﴾. وأصل " الإِخْلاَدِ ": الإقَامَةُ. قال المعتمر بن سليمان عن أبيه: كان بَلْعَام رجلاً، أوتي النبوة، وكان مُجاب الدعو، وإنَّ موسى ﵇، أقبل في بني إسرائيل ويريد الأرض التي فيها بَلْعَام فرعب الناس، وأتوا بلعام، وسألوه أن يدعو على موسى، ﵇، وجنده فقال: حتى أُؤَامِرَ ربي ، فوامر في الدعاء عليهم، فنهي عن ذلك، فقال لقومه: قد أمرت ألا أدعوا، فأهدوا إلأيه هدية فقبلها، ثم راجعوه أن يدعو على موسى ﵇، فقال: حتى أُؤَمِرَ ربي، فوامر ولَمْ يُؤْمر بشيء، فقال لهم: قَدْ وَامرت، فلم أؤمر بشيء فقالوا: لو كَرِهَ الله ذلك لنهاك كما نهاك أولاد فأخذ يدعو على

стр. 2585

موسى ﵇، فرد الله ، لسانه بالدعاء على قومه، فأخذ يدعو بالفتح لقومه، فرد الله، ، لسانه بالدعاء بالفتح لموسى ﵇، وقومه، فقالوا: ما نراك تدعو إلا علينا قال: ما يجري لساني إلا هكذا، ولو دعوت عليه ما استديب لي، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم: إن الله ، يبغض الزنا، وإنهم إن وقعوا بالزنا هلكوا، فأَخْرِجوا النساء يستقبلنهم، فإ، هم قوم مسافرون، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، وكان للمك ابنة ذات جمال، فقيل لها: لا تُمَكِّنِي نفسك إلا من موسى! قال: ووقعوا في الزنا، وأتاها رأسُ سبطٍ من أسباط بني إسرائيل، فأرادها على نفسها، فقالت: ما أنا بمُمَكِّنةٍ نفسي إلا من موسى! وروادها عن نفسها، فأرسلت إلى أبيها فقال لها: أَمْكِنيه (من نفسك)، فلما أمْكَنَتْهُ، أتاها رجل من بني هارون معه رُمْحٌ فانتظمها جميعاً، فرفعهما على رمحه. فرآهما الناس ثم سلط الله ، عليهم الطاعون، فمات منهم سبعون ألفاً.

стр. 2586

قال سيّار: ركب بلعام حمارة له، فجعل يضربها فلا تتقدم. قال: وقامت عليه، وقالت: عَلاَمَ تضربني؟ ألا ترا هذا الذي بين يديك! أنطق الله، ، الحمارة، قال: فإذا الشيطان بين يديه. قال: فنزل فسجد له، فذلك أنْسِلاخُهُ. وَرُوي أنه لما دعا موسى ﵇، تلكم لسانه بالدعاء على قومه، ثم اندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: ذَهَبْت الآن مني الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والحيلة، وسأمكر لكم وأحتال: جَمِّلوا النساء، وأعْطُوهنَّ السِّلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر، ومُرُهُنَّ ألا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنَّهم إن زنى رجل واحد منهم كُفِتُمُوهُمْ؛ فوقع رجل من عظماء بني إسرائيل بامرأة، فأرسل الله (عزو جل)، الطاعو فيهم، فهلك منهم سبعون ألفاً.

стр. 2587

ثم قال الله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب﴾. أي: مثله، إذ لم ينتفع بما أُوتي مثل/ الكلب الذي لا ينتفع بترك الحمل عليه، هو يلهث على كل حال. فكذلك هذا، هو ضال على كل حال، لا ينتفع بما أوتي من الآيات، كما لم ينتفع الكلب بترك الحمل عليه. وقيل: إن هذا مثل من يتلو كتاب، كالله ، ولا يعمل به، هو مثل الكلب لا ينتفع بترك الحمل عليه، ولا يترك اللهث. كذلك هذا لا ينتفع بقراءة كتاب الله ، فيعمل. هو مثل من لا يقرأه ولا يعمل به. ومعنى ﴿تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾. تطرده وتشرده، فهو يلهث طردته [أو تركته].

стр. 2588

وكان الحسن يقول: هو المنافق. قال قتادة: هُوْ مَثَلٌ ضَرَبَهُ الله ، لكل من عُرِضَ عليه الهدى فَلَمْ يَقْبَلَهْ. قال السدي وغيره: كان بَلْعَم، بعد ذلك، يلهث كما يلهث الكلب. قوله: ﴿واتبع هَوَاهُ﴾، وقف. ﴿أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾، وقف. ثم قال تعالى: ﴿ذَّلِكَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾. أي: ذلك المثل الذي ضربتُه لهذا الذي انسلخ من آياتنا ﴿مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾. ﴿فاقصص القصص﴾. أي: اقصص عليهم هذا القصص الذي اقتصصته عليك من نبأ آتيناه

стр. 2589

[آياتنا]، (وما حل به من عقوبتنا، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: يعتبرون فيعلموا صحة نُبُوَّتِكَ، إذْ كان نبأَ ﴿الذيءَاتَيْنَاهُءَايَاتِنَا﴾)، من خَفْي عُلُومِهِمْ، ومَكْنون أَخْبَارَهِمْ، لا يعلمه إلا من قرأ الكتب ودرسها. وفي أخبارك ذلك لهم وأنت أُمِّيٌّ لم تقرأ ولم تدرس، دَليلٌ على نُبُوتَّك، وصدق قولك، وأنَّ ذلك عندك بِوَحْيٍ مِنَ السَّمَاءِ. قوله: ﴿سَآءَ مَثَلاً القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾، إلى قوله: ﴿هُمُ الغافلون﴾. قال الأخفش: التقدير: سَاءَ مثلاً مَثَلَ القوم. وقرأ الجُحْدَرِيُّ: " سَاءَ مَثَلُ القَوْمِ "، برفع " المثل "، وإضافته إلى " القوم ".

стр. 2590

وقوله: ﴿مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي﴾، أي: من يوفقه الله ، إلى الإسلام ﴿فَهُوَ المهتدي وَمَن يُضْلِلْ فأولئك هُمُ الخاسرون﴾، أي: من يخذله فلا يوفقه إلى الإسلام فهو خاسر، أي: خسر نفسه في الآخرة، وذلك أعظم الخسارة. روى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ ، قال: " ما هلكت أُمَّةٌ قطُّ إلا بالشرك بالله، (سبحانه)، وما أشرَكَتْ أمة قط حَتَّى يَكُونَ بَدءُ شركها التَّكذِيبَ بِالقدَرِ ". وروى زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ ، قال: " إن الله ، لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وأرضه لَعَذَّبَهُمْ غَيْرَ ظَالِمْ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كانت رَحْمَتُهُ خَيْراً لَهُمْ مِنْ أَعْمَالهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً فِي سَبِيل الله ما قُبِلَ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِن بِالقَدَرِ، وتعلم أنَّ ما أًصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، فَإِنْ مِتّ عَلَى ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارِ ". ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس﴾.

стр. 2591

﴿ذَرَأْنَا﴾، أي: خلقنا. قال سعيد بن جبير: أولاد الزَّنا مما خلق الله، (سبحاه)، لجهنم. يعني: الكفرة منهم. رواه [ابن عمر] عن النبي ﷺ ، أنه قال: " لَمَّا ذَرَأَ اللهِ لِجَهَنَّمِ مَا ذَرَأ، كان وَلَدِ الزِّنا ممَّا ذَرَأ ". ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾. أي: لهؤلاء الذين ذرأ لجهنم، ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الهدى. أي: لا يفقهون [بها] شيئاً من أمر الآخرة.

стр. 2592

﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾، الهدى. ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ﴾، الحق. وقيل: ﴿لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾، أي: لا يتفكرون في آيات الله، (سبحانه) / وأدلته، (جلت عظمته) على توحيده، وحججه التي أتت بها الرسل، ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ آيات الله، (سبحانه، وأدلته جلت عظمته)، ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ﴾، أي: لا يسمعون آيات الله، (سبحانه) فيعتبرون. يقولون: ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]. وهو نظير قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]. ﴿أولئك كالأنعام﴾. في جهلهم وقلة تمييزهم للحق.

стр. 2593

﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. يعني أن البهائم لا تميْيزَ لها، يلزمها نقص في جهل. وهؤلاء لهم تمييز، فالنقص له لازم في جهلهم. فهم أشَدُّ نَقْصاً في الجهل من البهائم. والبهائم مع عدم تمييزها تطلب لأنْفُسِهَا المنافع، وتفر من المضار، وهؤلاء لا يعقلون ذلك، يتركون ما فيه صلاح دنياهم وآخرتهم، ويلزمون ما فيه مضرتهم، فه أضل من البهائم. ﴿أولئك هُمُ الغافلون﴾. أي: الذين غَفَلُوا عن مصالحهم ومنافعهم، وَغَفَلُوا عن آيات الله، (سبحانه)، وحججه وأعلامه الدالة على توحيده (سبحانه)، وَصِدْق رُسُلِهِ. قوله: ﴿وَللَّهِ الأسمآء الحسنى فادعوه﴾، الآية. " الإلْحَادُ " في اللغة: الجَوْرُ والميل عن القصد. قال الكسائي: يقال: " أَلْحَدَ ": عدل عن القصد. و " لحَدَ ": رَكَنَ إلى الشيء. وعلى ذلك قرأ ﴿يُلْحِدُونَ﴾ في " النحل "، [يعني]: يَرْكنُونَ.

стр. 2594

واللغة الفصيحة، " أَلْحَدَ " الرجل في دينه: إذا مال وجار. و " لَحَدَ " القبر. وقد تدخل [كل) واحدة منهما على الأخرى. ومعنى: ﴿وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ في أَسْمَآئِهِ﴾. قال بعض العلماء: هو نهي من الله، ، أنْ يُدْعى بِمَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يُوْصَفَ بِهِ، وذلك أنهم عدلوا بأسمائه فسموا ببعض اشتقاقها وبعض حروفها آلهتهم. قالوا: " اللات " مشتق من الله " الله ". وسموا بـ: " العزى "، أخذوه من " العزيز ". قال مجاهد: أخذوا " العُزَّى " من " العِزَّة ". قال ابن عباس ﴿يُلْحِدُونَ﴾: يكذبون. وقال قتادة: يشركون.

стр. 2595

وقال ابن زيد: هذا مَنْسُوخٌ نسخه القتال. وقيل: إنَّ هذا مُحْكَمُ، وإنما هو تَهْدِيدٌ وَوَعيدٌ من الله ، لا أنه (تعالى)، أمر نبيه ﵇، أن يتركهم يلحدون في آيات الله ، وهو مثل: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ [الحجر: ٣]. قوله: ﴿فادعوه بِهَا﴾، وقف. ﴿في أَسْمَآئِهِ﴾، وقف. قوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق﴾، إلى قوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾. والمعنى: ومن الذين خلقناهم ﴿أُمَّةٌ﴾، أي: جماعة يقْضُون ﴿بالحق وَبِهِ
следующие страницы →