← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

أي: فيما كتب منها هدى ورحمة، ﴿لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾، أي: يخافون الله، ﵇. وقيل المعنى: في الذي وجد فيها بعدما تَكَسَّرَتْ هدى ورحمة. وقال ابن كيسان: جُدِّدَت له في لوحين. ثم قال تعالى: ﴿واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا﴾. قال السدي: أمر موسى ﵇، أن يأتيه في ناس [من] بني إسرائيل، يعتذرون من عبادة العجل، فاختار منهم سبعين رجلاً، فلما أتوا ذلك المكان، قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فإنَّك قد كلمته. فَأَرِنَاه فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى، ﵇، يبكي ويدعو ويقول: ربِّ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم، وقد أهلكت خيارهم، ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإيَّاي! قال ابن عباس: لما مضوا معه ليدعوا ربهم، ، كان فيما دعوا أن قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا، ولا تعطه أحداً بعدنا، فكره الله، ، ذلك من

стр. 2522

دعائهم، فأخذتهم الرجفة. قال/ الكلبي: قال السبعون لموسى ﵇: يا موسى، إن لنا عليك حقاً، كنا أصحابك، ولم نختلف عليك، ولم نصنع الذي صنع قومنا، فأرنا الله جهرة كما رأيته. قال موسى ﵇: لا والله ما رأيته، ولقد أردته على ذلك فأبى، وتجلى للجبل، فكان دكاً، وهو أشد مني، وخررت صعقاً، فلما أفقت سألت الله ، واعترفت بالخطيئة. فقالوا: فإنا لن نؤمنن لك حتى نرى الله جهرة. فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا من آخرهم. فظن موسى ﵇ أنهم إنما احترقوا بخطيئة أصحاب العجل، فقال: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ﴾، يعني أصحاب العجل، ثم بعثهم الله، ، من بعد موتهم. وروي عن علي أنه قال: انطلق موسى وهارون إلى صفح جبل فتوفى الله، هَارُونَ. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل، قالوا له: أين هارون؟ قال: توفاه

стр. 2523

الله قالوا: أنت قتلته، حسدتنا على خُلقه ولينهِ، قال: فختاروا من شئتم! فاختاروا سبعين رجلاً، فلما انتهوا إليه، قالوا: يا هارون، من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد، ولكن توفاني الله، ! قالوا: يا موسى لن تعصى بعد هذا اليوم (أبداً)، فأخذتهم الرجفة. فجعل موسى، ﵇، يرجع يميناً وشمالاً، ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ﴾، قال: فأحياهم الله، ، وجعلهم أنبياء كُلَّهُمْ. قال ابن عباس: إنما أخذتهم الرجفة، ونزل بهم البلاء؛ لأنهم لم يرضوا بعبادة العجل، ولا نهوا عنه. والصحيح أن الرجفة إنما أخذتهم حين سألوا موسى، (عليه السلا)، أن يريهم الله جهرة.

стр. 2524

قال ابن جريج: إنما أخذتهم الرجفة من أجل أنهم لم يكونوا باينوا قومهم حين اتخذوا العجل. وهو قول موسى، ﵇،: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ﴾. وقال ابن عباس: إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم يرضوا ولم ينهوا عن العجل. قال السدي: كان موسى ﵇، يظن أن السبعين ممن لم يتخذ العجل، فقال: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ﴾، أي: بما فعل غيرنا، فأوحى الله، ، إليه، أنّ هؤلاء ممن عبد العجل، فعند ذلك، قال موسى ﵇: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ﴾. وقيل: المعنى: أتهلك من بقي بما فعل هؤلاء السفهاء، إذ سألوا رؤية الله (سبحانه)، [جهرة]، وذلك أنه قال: لئن انصرفت إلى من بقي بغير السبعين

стр. 2525

كفروا وهلكوا. فالسفهاء عل هذا، هم الذين كانوا معه، قال ذلك: بن إسحاق. وقال ابن زيد المعنى: أتهلك هؤلاء السبعين بما فعل غيرهم ممن عَبَدَ العجل. ومعنى ﴿أَهْلَكْتَهُمْ﴾: أمتهم. قال ابن كيسان: المعنى ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ﴾، أي: بذنبهم، إذ لم ينهوا عن عبادة العجل. ﴿وَإِيَّايَ﴾. أي: بذنبي، إذ قتلت القبطي، فرحمتنا، ولم تهلكنا بذنوبنا نحن. أفتهلكنا بذنوب الذين عبدوا العجل؟ أي: ليست تهلكنا بذلك. وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾. أي: [ما] هذه الفعلة التي فعلوا إذ عبدوا العجل، إلا فتنة منك أصابتهم. و" الفِتْنَةُ ": الابتلاء والاختيار.

стр. 2526

وقال ابن جبير: ﴿فِتْنَتُكَ﴾: بليتك. وقال ابن عباس: عذابك. ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا﴾. أي: ناصرنا. ﴿فاغفر لَنَا﴾. أي: استر ذنوبنا. ﴿وارحمنا﴾. أي: تَعَطَّفْ عَلَيْنَا. قوله: ﴿واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة إِنَّا هُدْنَآ/ إِلَيْكَ﴾، الآية. [والمعنى: إن الله أعلمنا أن موسى دعاه فقال: ﴿واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً﴾،

стр. 2527

وهي الصالحات من الأعمال، ﴿وَفِي الآخرة﴾، أي: المغفرة. قال ابن جريج: ﴿حَسَنَةً﴾، مغفرة. ﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾. أي: تبنا. وقال علي: إنما سميت اليهود يهوداً؛ لأنهم قالوا: ﴿هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾. قال الله، : ﴿ عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ﴾. أي: كما أصبت هؤلاء أصيب من أشاء من خلقي بعذابي. ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. أي: عمت خلقي كلهم. وقيل المعنى: إنَّه خُصُوصٌ، والمعنى: ورحمتي وسعت المؤمنين من أمة

стр. 2528

محمد ﷺ ، ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال ابن عباس: جعل الله، ، الرحمة لهذه الأمة. وروى سفيان: أن إبليس لما سمع: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، قال: أنا من " الشيء " فنزعها الله من إبليسن قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾، فقالت اليهود: نحن نتقي ونؤتي الزكاة، وتؤمن بآيات ربنا أفنزعها الله من اليهود، فقال: ﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي﴾، الآيات كلها. فجعلها في هذه الآمة. قال الحسن: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، (وسعت) البَرَّ والفاجر في الدنيا، وهي للمتقين في الآخرة، وكذلك قال قتادة. وروى أبو هريرة، أن النبي ﷺ ، قال: " إن لله، ، مائة رحمة، أنزل منها

стр. 2529

رحمةً واحدةً بَيْنَ الخَلْقِ، الجِنَِّ، والإِنْسِ والبَهَائِمِ والهَوَامَ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَأ يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَتَعَاطَفُ الوُحُوشَ عَلَى أَوْلاَدِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعاً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ". وقال عطاء: خلق الله ، مائة رحمة، فجعل رحمة واحدة بين خلقه، بما يتراحم الناس والبهائم والطير على أولادها، حتى إن الطير ليؤخذ على فراخه، وأخر تسعاً وتسعين رحمة لنفسه، فإذا كان يوم القيامة جمع هذه الرحمة إلى التسع والتسعين فوسعت رحمته كل شيء. وعن كعب أنه قال: ينظر الله، ، إلى عبده يوم القيامة، فيقول: خذوه، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟ فيقولون: وكيف نرحمك؟ ولم يرحمك أرحم الراحمين. روى جميعه نُعَيْم بن حماد.

стр. 2530

قال ابن زيد: معنى: اكْتُبْ "، أي: أكتب في اللوح الذي كتب فيه التوراة. قال ابن عباس: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، أي: يتقون الشرك. وقيل المعنى: يتقون المعاصي. قال ابن عباس: ﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾، أي: يعملون بما يُزَكُّونَ به أنفسهم من صالحات الأعمال. وروى زيد بن أسلم: أن عيسى، ﵇، قال: يا رب، نبئني عن هذه الأمة

стр. 2531

المرحومة، التي جعلت فيها من الخير ما جعلت، قال: هم يا عيسى علماء حكماء، كأنهم أبنياء. وذكر زيد أيضاً: أن موسى، ﵇، قال: يا رب، نبئني عن هذه الأمة المرحومة، قال: أمة محمد، ﵇، قال: نعم، قال: (هم) يا موسى يرضون منّي بالقليل من العطاء إذا أعطيتهم، وأرضى منهم بالقليل من العمل، أدخل أحدهم الجنة، أن يقول: لا إله إلا الله. قال النحاس في معنى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، أي: من دخل فيها، لَمْ تعْجِز عنه. وقال ابن عباس: ومجاهد، وغيرهما: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، يعني أمة محمد، ﵇. قال ابن جبير: لما قال الله، ، لموسى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، قال

стр. 2532

موسى: يا رب، أتيتك بِوَفْدِ بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا! فأنزل الله ، ﴿ وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. قال قتادة: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل﴾، أي: يجدون نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ. ﴿يَأْمُرُهُم بالمعروف﴾. أي: يأمر أتباعه بالمعروف. ﴿وَ/يَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات﴾. وهو ما حرمته العرب من: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث﴾.

стр. 2533

" الخبائث " عند مالك في هذه الآية: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، والزنا، والخمر، وشبه ذلك. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. أي: عهدهم الذي كان أخذ على بني إسرائيل أن يعلموا بما في التوراة، قاله ابن عباس: والحسن، وغيرهما. وقيل: هو ما أُلْزِمُوه مِن قَطْع ما أصابه البول. وقوله: ﴿والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. هو قول الله، : ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]، من آمن بمحمد ﷺ ، لم تُغَلَّ يده.

стр. 2534

وقيل: الأغلال إنما هو تمثيل، وهي أشياء كُلِّفوها فصارت إلى أعناقهم لازمة بمنزلة الأغلال. ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾. أي: وقَّروه، وحَمَوْه من النَّاس. ﴿واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ﴾. أي: القرآن سمي نوراً؛ لأنه في البيان والاهتداء به، بمنزلة النُّور الذي يُهْتَدَى به.

стр. 2535

وقرأ الجَحْدَري وعيسى: " وَعَزَرُوهُ "، مخففاً. وروي عن ابي بكر عن عاصم: " وَيَضَعُ عَنْهُمْ أَصْرَهُمْ "، بفتح الهمزة، لغة. قوله: ﴿قُلْ يا أيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾، إلى قوله: ﴿يَظْلِمُونَ﴾. والمعنى: ﴿قُلْ﴾، يا محمد: ﴿يا أيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾، أي: لست كمن قبلي من الأنبياء الذين يبعثون إلى بعض الناس دون بعض.

стр. 2536

﴿الذي يُؤْمِنُ بالله وَكَلِمَاتِهِ﴾. أي: وآياته. وقيل: ﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾: عيسى ابن مريم، ﵊ . قاله مجاهد والسدي. ثم قال: ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق﴾. أي: يدعون الناس إلى الهداية بالحق. ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. أي: في الحكم. وقيل: وبه يؤمنون. و" الأُمَّةُ " هنا: الجماعة.

стр. 2537

قال ابن جريج: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبيائهم، وكفروا، وكانوا اثني عشر سِبْطاً، تبرأ سبط منهم مما علموا، واعتذروا، وسألوا الله ، أن يُفَرِّق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هناك حُنفاء مسلمين، يستقبلون قبلتنا. قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: ﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الإسراء: ١٠٤]. و ﴿وَعْدُ الآخرة﴾: عيسى بن مريم يخرجون معه. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السَّرَب سنة ونصفاً. وقيل: هم قوم في منقطع من الأرض، لا يوصل إليهم، آمنوا بمحمد ﷺ ، وأقاموا الحنيفية كأنهم بنو أب وأم، ليس لأحد منهم مالٌ دون صاحبه، يُمطرون في كل ليلة، ويصحون في النهار، يزرعون ويحرثون، ليس يدخر أحد منهم دون أخيه شيئاً، مقيمين على عبادة الله ، لا يبكون على ميت.

стр. 2538

وقيل في معنى: ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق﴾: أنه يكون هدى لمن آمن منهم بمحمد ﷺ ، ويكون لقوم قد هلكو. ثم قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً﴾. ف " أسباط " بدل من: ﴿اثنتي عَشْرَةَ﴾. و ﴿أُمَماً﴾ نعت ل " الأسباط ". و" الأسباط ": الفرق. وقيل: هم القَرْنُ [الذي] يجيء بعد قَرْنٍ. و" الأسباط " في ولد إسحاق، ﵇، بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل. و" الأَسْبَاطُ ": مأخوذ من: السَّبط "، وهو شيء تَعْتَلِفُهُ الإبل، فكأن إسحاق ﵇، / بمنزلة شجرة، والأولاد بمنزلة أغصانها، فشُبّهَ ذلك

стр. 2539

ب " السَّبَط ". وإنما أنث في ﴿اثنتي﴾؛ لأن " الأسباط " في موضع الفرقة؛ فكأنه: اثْنَتَيْ عشرة فرقة. وقيل المعنى: وقطعناهم فرقاً اثنتي عشرة أسباطاً. وقال بعض الكوفيين: إنما أُنِّثَ؛ لأن الكلام ذهب (به) إلى " الأمم "، فغلّبَ التأنيث، كما قال: وَإِنَّ كِلاَباً هَذِهِ عَشْرُ أَبْطُنٍ ... وَأَنْتَ بِرِيءٌ مِنْ قَبَائِلِها العَشْرِ فأنَّث ذهب بـ " البطن " إلى القبيلة.

стр. 2540

وقال بعضهم: " إنما أنث لذكر " الأُمَمِ " بعد ذلك. وقيل: المعنى: وقطعناهم قطعاً اثْنَتَي عَشْرَةَ، فأنث لتأنيث " القطعة "، ودل على ذلك: " قَطَعْنا ". و" أسباط " ليس بِتَفْسير للعدد؛ لأن حق هذا أن يفسر بواحد؛ وإنما هو بَدَل. ثم قال: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ﴾. أي: لما فرقناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسباطاً، أوحينا إليه إذا عطشوا، ﴿أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ الحجر﴾، وقد تقدم ذكر ذلك في البقرة. ﴿فانبجست﴾.

стр. 2541

أي: انفجرت. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾. أي: لا يدخل سبط على سبط في شربه. ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام﴾. يعني: من حر الشمس، وذلك في التِّيهِ، وقد تقدم ذكر هذا في البقرة. قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسكنوا هذه القرية﴾، إلى قوله: ﴿يَظْلِمُونَ﴾. قال الفراء، والكسائي: " خَطَايَا " جمع خَطِيَّة، على ترك الهمز، ك: " مَطِيَّة "، و " وَصِيَّة ". وقال المازني: هي " فَعائِل "، أصلها همزتهان فأبدل من الثانية ياء، فأشبهت مضيف " الخطايا " إلى نفسه، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفا فصارت:

стр. 2542

" خطاءا "، والهمزة أخت الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات، فأبدل من الهمزة ياء، فصارت: " خطايا ". ولسيبويه والخليل قول مشهور قد ذكر في غير هذا الموضع. والأصل عند الفراء في " مَطِيَّة " و " وَصِيَّة " أن يجمع على: فَعَائِل "، إلا أنه لو جمع على ذلك للزم حذف الياء، فيصير ك: " غَوَاشٍ " فتختل، فنُقل جَمعُهُ إلى " فَعَال "، فردت اللام قبل الياء الزائدة وفتح، ك: " أسير " و " اسارى "، ثم أجرى هذه العلة في " خطية ". ومعنى الآية: إن الله، جلّ ذكره، يقول لنبيه، ﵇: واذكر، يا محمد، خطأ فعل هؤلاء وخلافَهُم لأمر ربهم، حين قال لهم [الله]: ﴿اسكنوا هذه القرية﴾، وهي قرية بيت المقدس، ﴿وَكُلُواْ مِنْهَا﴾، أي: من ثمارها وحبوبها ونباتها، ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾، أي: أين شئتم منها. وقوله: ﴿حِطَّةٌ﴾.

стр. 2543

أي: حط عنا ذنوبنا، ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيائاتكم﴾، أي: يستر ذنوبكم، ﴿سَنَزِيدُ المحسنين﴾، أي: نزيدهم على ما وعدتهم من الغفران. (قوله): ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ﴾. أي: غَيَّروا ما أُمروا أن يقولوا. قيل لهم: قولوا: ﴿حِطَّةٌ﴾، قالوا: " حنطة في شعير "، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾، أي عذاباً، فأهلكناهم بفعلهم وتغييرهم وفسقهم. وقيل: هو طاعون أخذهم، فهلك خَلقٌ مِنْهُمْ. وقد ذكر في البقرة. قوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر﴾، إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾.

стр. 2544

﴿إِذْ﴾: في موضع نصب بالسؤال، أي: واسألهم عن وقت عدوانهم. ﴿وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ﴾. أضيف الظرف عند سيبويه لكثرة الاستعمال. وهو عند المبرد مضاف إلى المصدر محمول على المعنى. وهو عند الزجاج على الحكاية. والعامل في الظرف الفعل الذي بعده. ومعنى الآية: واسأل، يا محمد، هؤلاء اليهود الذين يجاورونك، عن أَمْرِ ﴿القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر﴾. أي: بقربه/ وشاطئه.

стр. 2545

قال الكلبي: ذكر لنا أنهم كانوا في زمن داود، ﵇، وهي: أَيْلَةَ، وهو مكان كان تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد، يأتيهم منها حتى لا يرى الماء، وتأتيهم في غير ذلك من الشهور في كل سبت كما تأتيهم في ذلك الشهر، فلا يمسوا منها شيئاً. فعمد رجالٌ من سفهاء تلك القرية، فأخذوا الحيتان ليلة السبت ويوم السبت، فملحوا وباعوا، ولم ينزل بهم عقوبة، فاستبشروا، وقالو: إنا نرى السبت قد حُلَّ، وذهبت حرمته، إنما كان يعاقب به آباؤنا، فعملوا ذلك سنين، حتى أثرَوْا وتزوجوا النساء، واتخذوا الأموال. فمشى إليهم طوائف صالحون فوعظوهم، وقالوا: يا قوم، انتهكتم حرمة سبتكم، ووعظوهم فلم يتعظوا. وسؤاله، ﷺ ، إياهم إنما كان على جهة التقرير لهم والتبكيت، ويذكرهم

стр. 2546

بقديم كفرهم وفسقهم، وقد كان الله ، أعلمه بأمر القرية. قال ابن عباس، وعكرمة هي: " أيلة "، وكان ذلك في زمن داود ﵇، وكذلك قال السدي، وغيره. وقال قتادة: هي ساحل مَدْيَنَ. [قال ابن زيد: هي قرية] يقال لها " مَقْنَا "، بين مدين وعَيْنُوناً. وقال ابن شهاب: هي: طَبَرِيَّة.

стр. 2547

وعن ابن عباس أيضاً: أنها مَدْيَنَ. وأما قوله: ﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية﴾ [يس: ١٣]، فأكثرهم على أنها أنطاكية. ومعنى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ [فِي السبت]﴾. أي: [إذا] يعتدون إلى ما حرم الله، . [ و " العُدْوَانُ ": التجاوز إلى ما حرم الله]. وكان الله تعالى ذكره، قد حرم عليهم السبت، فكانت الحيتان تقل في سائر الأيام، وتكثر في يوم السبت. ابتلاهم الله، (تعالى)، بذلك فاصطادوا فيه وتركوا

стр. 2548

ما حرم الله عليهم، فتجاوزوا الحق، فكانت تأتيهم يوم سبتهمه، ﴿شُرَّعاً﴾، أي: ظاهرة على الماء. وقال ابن عباس ﴿شُرَّعاً﴾: من كل مكانٍ. يقال: سَبَتَ يَسْبِتُ: إذا استراح. وقرأ الحسن: " ويَوْمَ لاَ يُسْبِتُونَ "، بضم الياء، من: " أَسْبَتَ القَوْمُ "، إذا دخلوا في السبت. ورُوي ذلك عن أبي بكر عن عاصم، كما يقال: " أهلَلْنَا "، دخلنا في الهلال، و " أَجْمَعْنا " مرت بنا جمعة. ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم﴾.

стр. 2549

أي: نختبرهم. قال قتادة: ذُكِرَ لنا أنه دُخِلَ على ابن عباس، وبين يديه المصحف، وهو يبكي، وقد أتى على هذه الآية ﴿فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٦٥]، الآية. فقال: قد عَلِمْتُ أن الله تعالى، أهْلَكَ الذين أخذوا الحيتان، ونَجَّى الذين نَهَوْهُمْ، ولا أدري ما الذي صنع بالذين لَمْ يَنْهَوْا، ولم يُواقِعُوا المعصية. قال الحسن: وأي نهي يكون أبين من أنهم أثبتوا لهم الوعيد، وخوّفوهم العذاب، فقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾. ﴿لاَ تَأْتِيهِمْ﴾، وقف، عند نافع، والأخفش. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: واذكر، يا محمد، إذ قالت طائفة من أهل [هذه] القرية، إذ ظهر من أكثرهم ما يُنْكَرُ عليهم، فأنكر ذلك طائفة، فقالت هذه الطائفة التي حكى الله عنها، للطائفة التي أنكرت ما يجب أن ينكر: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً﴾ سيلحقهم أحد هذين: العَذَابُ،

стр. 2550

أو الهَلاَكُ، قالت الطائفة التي أنكرت: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. فمن رفع: ﴿مَعْذِرَةً﴾ فتقديره: قالوا: مَوْعِظَتُنَا مَعْذِرَةٌ، أي: إنما يجب علينا أن نأمر بالمعروف، [وننهى عن المنكر]، و ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وَعَظْنَاهُمْ. ومن نصب: فعلى المصدر، كأنهم قالوا: اعتذاراً. وقيل: النصب على تقدير: فَعَلْنَا ذَلِك/ مَعْذِرَةً. وَرُوِيَ وجها النصب عن الكسائي. وفرَّق سيبويه بين الرفع والنصب، واختار الرفع، قال: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا من أمر لِيُموا عليه، ولكنّهم قيل لهم: لم وعظتم؟ فقالوا: مَوْعِظَتُنَا مَعْذِرةٌ.

стр. 2551

ولو قال رجل لرجل: مَعْذِرَةً إِلَى اللهِ، ثُمَّ إِلَيْكَ مِنْ كَذَا، يريد: اعْتِذَراً، لَنصَبَ؛ لأنه إنما اعتذر من أمر ليمَ عليه. والمعنى: واذكر، يا محمد، ﴿وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ﴾، أي: جماعمة الجماعة، كانوا ينهون أهل المعصية عن معصيتهم، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً﴾، قال الذين كانوا يعظون: عظتنا معذرةٌ إلى ربكم، نؤدي بذلك فرضه عليها، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وَعَظْنَاهُم. قال ابن عباس: كلا الطائفتين كانت تنهى الباقين عن المنكر، فلما طال ذلك، قالت إحدى الطائفتين للأخرى: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ﴾، فلما نزل العذاب نجبت الطائفتان: التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً﴾ والتي قالت: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾، وأهلك الله، ، أهل المعصية، فجعلهم قردة وخنازير. قال السدي: قال الواعظون: بعضهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ﴾.

стр. 2552

وروي عن ابن عباس، وغيره، أنه قال: كانوا أثلاثاً، ثلث نَهَوْا، وثلث قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نَهَوْا. قال الله ﷺ : ﴿ أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء﴾ [الأعراف: ١٦٥]. ورُوِيَ عنه أنه قال: نجا الناهون، وهلك الفاعلون، وما أدري ما فعلب بالساكتين. وقال الكَلْبِي هم فرقتان: فرقة وعظت، وفرقة قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، وهي المَوْعُظَةُ. وذلك أن الخاطئة لما كثر عليها الوعظ، قالت: للواعظين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ على قولكم. وقد مضى من ذكر هذا في البقرة جملة. وقال الكلبي: كانوا فرقتين: قالت الصالحة للطالحة: يا قوم، انتهكتم حرمة سبتكم، وعصيتم ربكم، وخالفتم سنة نبيكم، فانتهوا عن هذه العمل قبل أن ينزل بكم العذاب. قالت الطالحة: فلم تعظوننا إذا كنتم علمتم أن الله، ، مهلكنا،

стр. 2553

وإن أطعتمونا لتفعلن كالذين فعلنا، فقد فعلناه منذ سنين، فما زادنا الله بذلك إلا خَيْراً. قالت الصالحة: ويلكم، لا تَغْتروا، [ولا] بأس الله، (سبحانه)، فكأنه نزل بكم، قالت لهم الطالحة: ف ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ﴾، الآية. فهم فرقتان على قول الكلبي. وثلاث فرق على قول أكثر المفسرين. قوله: ﴿فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ﴾، إلى قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. والمعنى: فلما تركت الطائفة التي نهيت عن السؤ، ما أمرها الله به من ترك الاعتداء. وقيل: نسوا موعظة من وعظهم من المؤمنين، ﴿أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء

стр. 2554

وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾، أي: وجيع أليم. قاله ابن عباس. وقيل: ﴿بَئِيسٍ﴾: رديء. وقال مجاهد ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾: أليم شديد. وقال قتادة ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾: موجع. وقال ابن زيد ﴿بَئِيسٍ﴾: شديد. قوله: ﴿فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ﴾. أي: تجاوزوا وتمردوا. و " العاتي ": المتمرد المتجاوز في الحق.

стр. 2555

﴿عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ﴾، [أي]: عن اعتدائهم في السبت، ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾، فصاروا قردة، ﴿خَاسِئِينَ﴾، [أي]: مبعدين. وذلك في زمن داود، ﵇، وهو قوله: ﴿لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بني إِسْرَائِيلَ على لِسَانِ دَاوُودَ﴾ [المائدة: ٧٨]، صاروا قردة كلهم، ومسخوا في زمن عيسى ﵇، خنازير، فذلك قوله: ﴿على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨]. / قال ابن عباس: صار شباب القوم قردة، وشيوخهم خنازير. يقال: خَسَأْتُ الكلب: أبعدته وطردته.

стр. 2556

وقوله: ﴿قُلْنَا لَهُمْ (كُونُواْ)﴾. جائز أن يكون أُمِرُوْا بذلك، فيكون أبلغ في الآية والقُدرة. وجائز أن يكون من قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة﴾. روى الأصبهاني عن أصحابه عن ورشٍ: (تأذَّنَ)، بتسهيل الهمزة. والمعنى: واذكر، يا محمد، إذا أعْلَمَ رَبُّك. فمعنى ﴿تَأَذَّنَ﴾: أَعْلَمَ والعرب تقول: " تعلم " بمعنى " أعلم ". وقال مجاهد ﴿تَأَذَّنَ﴾: قال.

стр. 2557

وقال قتادة ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾: أمر ربك. ومعنى: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾. أي: ليبعثن على اليهود ﴿مَن يَسُومُهُمْ سواء العذاب﴾، وهو قتلهم إن لم يؤدوا الجزية، وذلتهم إن ودوها. قال ابن عباس: هي الجزية، والذين يسومونهم: محمد، ﷺ ، وأمته، إلى يوم القيامة. قال ابن المُسَيَّب: يستحب أن يبعث الأنباط في الجزية. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب﴾. أي: لمن استوجب منهم العقوبة. ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: لسائر ذنوب من تاب، متعطف عليه.

стр. 2558

قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً مِّنْهُمُ الصالحون﴾، إلى قوله: ﴿المصلحين﴾. روى أبو بكر عن عاصم: " وَقَطَعْنَهَمْ "، بالتخفيف. والمعنى: وفرقنا بني إسرائيل في الأرض ﴿أُمَماً﴾، أي: جماعات شتى. ففي كل أرض قوم من اليهود، ﴿مِّنْهُمُ الصالحون﴾، أي: منهم من يؤمن بالله ورسله، ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك﴾، وصفهم بهذا قَبْلَ كُفْرِهِمْ وارتدادهم عن دينهم، وقَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ عِيسَى ﵇. ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات﴾. أي: بالرخاء، والسعة في الرزق، ﴿والسيئات﴾، بالجدب والمصائب، أي: اختبرناهم بذلك، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، إلى طاعة الله (عزو جل). قوله: ﴿أُمَماً﴾، وقف. و ﴿دُونَ ذلك﴾، وقف.

стр. 2559

و ﴿والسيئات﴾، وقف. ثم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾. أي: حدث من بعدهم خَلْفُ سُوْءٍ، يعني: أبناءهم. و" الخَلْف ": الرديء من القول، ومن الأنباء، يقال للواحد والاثنين والجميع، بلفظ واحد. ويقال في المدح: " هذا خَلَف صِدْقٍ "، بتحريك اللام، ولَزِمَ تسكن اللام فيه، هذا الأشهر. وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح، قال حسان:

стр. 2560

. . .، وَخَلْفُنَا ... لأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللهِ تابعُ والخَلَفُ السُّوْءِ، مأخوذ من قولهم: " خَلَفَ اللَّبَن "، إذ حمض حتى فسد، ومن قولهم: " خَلَفُ فَمِ الصَّائِمِ "، إذا تغير ريحه. وقال مجاهد: " الخَلْف " في الآية يراد به النصارى بعد اليهود. ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى﴾. يعني الرشوة على الحكم في قول الجميع. ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. يحتمل وجهين: أحدهما: أنه مغفور، لا نؤاخَذُ به. والثاني: أنه ذنب، لكن الله قد يغفره لنا، تأميلاً منهم لرحمته.
следующие страницы →