Полный текст (8 396 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
قوله: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ الآية.
هذه الآية تعليم من الله ، للمؤمنين، أن كل ما غنموه من غنيمة، وهو " الفيْ ".
وقيل: " الغّنِيمَةُ ": ما أُخذ عنوة، و " الفَيْءُ ": ما أُخذ صلحا. ف: " الغَنِيمَةُ ": أربع أخماسها لمن شهد القتال، للراجل: سهم، وللفارس: سهمان.
стр. 2767
والصلح على ما صولحوا عليه، وليس فيه خمس، إنما هو لمن سمى الله ، في قوله: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ [الحشر: ٧].
وقيل: " الغنيمة "، و " الفي " واحد، فيه الخمس في " الحشر " قاله قتادة.
وقوله: ﴿للَّهِ خُمُسَهُ﴾.
مفتاح كلام، والدنيا والآخرة لله، / وكان النبي ﷺ ، يقسم " الخمس " على
стр. 2768
خمسة: فخمس لله وخمس لرسوله هو [خمس] واحد.
وقيل: إنَّ خمس لخمس لله وللرسول، كان النبي ﷺ ، يقبض في " الخمس " قبضة فيجعله للكعبة، ثم يقسم باقي الخمس إلى خمسة.
وقال ابن عباس: لم يكن النبي ﷺ ، يأخذ من " الخمس " شيئاً، إنما كان يعطي ذلك لقرابته مع نصيبهم.
وقد أجْمَعُوا على أنَّ " الخمس " لا يقسم على ستة.
стр. 2769
ومذهب الشافعي أن يقسم الآن على: خمسة، فيجعل، جزء فيما كان النبي ﷺ ، يجعله، وذلك أن يجعل تقوية للمسلمين، وكذا رُوي أنه كان يفعل، ويعطي الأربعة الأخماس: الخمس ﴿وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ سهماً سهماً.
وقال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة: للفقراء: ثلث، وللمساكين ثلث، ولابن السبيل ثلث؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: " لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ "، فسقط خمس رسول الله ﷺ وخمس ذوي القربى.
ومذهب مالك رضي الله عن هـ: أنَّ الإمام يعطي من رأى من هؤلاء المذكورين من هو أحوج، فإذا جعلت في بعض دون بعض جاز.
стр. 2770
ومعنى: ﴿وَلِذِي القربى﴾.
هم قرابة رسول الله ﷺ ، من بني هاشم.
وقال أبو سعيد الخدري عن ابن عباس: إنهم قريش كلهم.
﴿واليتامى﴾.
أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم.
﴿والمساكين﴾.
стр. 2771
أهل الفاقة.
﴿وابن السبيل﴾.
المجتاز مسافراً قد انقطع به.
﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله﴾.
أي: صدقتم بتوحيده، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا.
﴿يَوْمَ الفرقان﴾.
وهو يوم بدر، فرق فيه بين الحق والباطل.
﴿يَوْمَ التقى الجمعان﴾.
يعني: جمع المسلمين وجمعْ المشركين، وهو أول مشهد شهده رسول الله ﷺ ،
стр. 2772
كان المشركون ما بين الألف والتسعمئة والمسلمون ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً، فقتل من المشركين أزيد من سبعين، وأسر مثل ذلك.
وقال بعض نحويي البصرة قوله: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله﴾، متعلق بقوله: ﴿نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير﴾.
وقيل: هو متعلق بما قيل من ذكر الغنيمة وقسمتها، وجواب الشرط محذوف، والمعنى: إن كنتم [آمنتم] بالله فاقبلوا ما أمرتم به.
﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
стр. 2773
أي: على إهلاك أهل الكفر، وغير ذلك مما يشاء قدير.
قوله: ﴿إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدنيا وَهُم بالعدوة القصوى﴾ إلى قوله: ﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
العامل في ﴿إِذْ﴾ قوله: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان يَوْمَ التقى الجمعان﴾ [الأنفال: ٤١] ﴿إِذْ أَنتُمْ﴾.
والمعنى: إذ أنتم نزُولُ شفير الوادي الأدنى إلى المدينة، وعدوكم بشفير الوادي الأقصى إلى مكة.
﴿والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾.
أي: والعير التي فيها أبو سفيان وأصحابه أسفل منكم إلى ساحر البحر.
ولا يقال: ركب إلا للذين على الإبل.
стр. 2774
وكان أبو سفيان قد أتى هو وأصحابه تجاراً من الشام، لم يشعروا بأصحاب بدر، ولم يشعر أصحاب محمد ﷺ . بكفار قريش، ولا كفار قريش بأصحاب محمد ﵇، حتى التقوا على ماء بدر.
﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد﴾.
أي: لو كان اجتماعكم في الموضع الذي اجتمعتم فيه عن ميعاد، لاختلفتم، لكثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم.
﴿ولكن لِّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾.
أي: جمعكم الله ، وإياهم ﴿لِّيَقْضِيَ الله﴾ ، ﴿ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾، وذلك القضاء هو/ نصره للمؤمنين، وتعذيبه للمشركين بالسيف والأسر.
وقيل: المعنى: لو كان [ذلك] [عن] ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة
стр. 2775
عددهم مع قلة عددكم، ما لقيتموهم.
قال كعب بن مالك: إنما خرج النبي ﷺ ، إلى بدر يريد عِيرَ قريش، حتى جمع الله ، بينهم وبين عدوهم؛ لأن أبا جهل خرج ليمنع النبي ﷺ ، من العير، فالتقوا ببدر، ولا يشعر كل واحد بصاحبه.
ثم قال تعالى: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾.
أي: ليموت من مات عن حجة، أي: جمعهم على غير ميعاد، ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾، أي: عن حجة قطعت عذره، ويعيش من عاش عن حجة قد ظهرت له.
стр. 2776
وقيل المعنى: ليكفر عن أمر بيّن، ويؤمن من آمن عن أمر بَيّن.
﴿وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: لقولكم: ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تضرمه نفوسكم في كل حال.
قوله: ﴿مَنْ حَيَّ﴾.
من قرأ بـ " الإِدْغامِ "، فإنه أدْغم لاجتماع المثلين؛ ولأنه في السواد بـ: " يَاءٍ " واحدة.
ومن أظهر أجراه مجرى المستقبل، فلما لم يجز الإدغام في المستقبل (أجري
стр. 2777
الماضي على ذلك، فأظهر وقد أجاز الفراء الإدغام في المستقبل)، ومنعه جميع البصريين؛ لأنه يجتمع في المستقبل حرفان متحركان، ف: " الياء " الثانية حق أصلها أن تكون ساكنة، ولا يقاس هذا على ما صح لم يخف؛ لأنَّ " يحيى " يحذف ياؤه للجزم، ولا يحذف في " يخف " شيء للجزم.
قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾، إلى قوله: ﴿تُرْجَعُ الأمور﴾.
والمعنى: إنّ الله ، يا محمد، ﴿لَسَمِيعٌ﴾ لما يقول أصحابك ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرون، إذ يريك عدوك وعدوهم ﴿فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾، فتخبر أصحابك بذلك، فتقوى
стр. 2778
نفوسهم، ويجترئون على حرب عدوهم، ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيراً، لفشل أصحابك فجبنوا على قتالهم، وتنازعوا في ذلك، ﴿ولكن الله سَلَّمَ﴾، من ذلك بما أراك في منامك من قتلهم ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾، بما تُجِنُّه الصدور.
قال مجاهد: أراهم الله عز جل، نبيّه ﵇، في منامه قليلاً، فأخبر أصحابه، فكان تثبيتاً لهم.
وقال الحسن: كان ذلك رؤية حق غير منام.
والمعنى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ [الله]﴾ بعينك التي تنام بها ﴿قَلِيلاً﴾، فالمعنى على هذا: في موضع منامك.
стр. 2779
وهو عند جميع أهل التفسير رؤيا في النوم كانت، إلا الحسن: فأمّا قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم﴾، فهي رؤية حق لا منام، وهذا خطاب للنبي ﷺ ، وأصحابه.
ومعنى: ﴿ولكن الله سَلَّمَرِ﴾.
أي: سلم للمؤمنين أمرهم حتى أظفرهمه.
وقيل المعنى: سلم أمره فيهم.
وقيل: سلم القوم من الفشل بما أرى نبيهم ﷺ . من قلتهم. قاله ابن عباس. يقال: فَشِل الرجل، أي: جَبُن.
стр. 2780
ثم قال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾.
أي: أراكم، أيها المؤمنون، عدوكم، قليلاً، وهم كثير ليهون عليكم أمرهم، فلا تجزعوا ولا تجبنوا، ويقلل المؤمنين في أعينهم، ليتركوا الاستعداد لهم، فتهون على المؤمنين شوكتهم.
قال عبد الله بن مسعود: قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جانبي: أراهم سبعين؟ قال: أراه مائة، قال: فأسرنا رجلاً منهم/ فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا.
وكان من قول أبي جهل لأصحابه لما قلّل الله ، المسلمين في عَيْنَيْه: يا قوم، لا تقتلوهم بالسلاح، ولكن خُذُوهم أَخْذاً، فاربطوهم بالحبال.
стр. 2781
ثم قال: ﴿لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾.
أي: فعل ذلك، فيظفركم بعدوكم، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.
﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾.
أي: تصير في الآخرة إليه، فيجازي كل نفس بماكسبت.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا﴾، إلى قوله: ﴿مَعَ الصابرين﴾.
هذه الآية تحريض من الله، ، للمؤمنين في الثبات عند لقاء العدو، وأمرهم بذكر الله، سبحانه ﴿كَثِيراً﴾، أي: يذكرونه في الدعاء إليه في النصر على عدوهم، ﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾.
﴿وَأَطِيعُواْ الله﴾ ، ﴿ وَرَسُولَهُ﴾ ﵇، أي: فيما أمركم به، ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ﴾، أي: تختلفوا فتفترق قلوبكم، ﴿فَتَفْشَلُواْ﴾، أي: تضعفوا وتجنبوا، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، أي: قوتكم وبأسكم ودولتكم، فتضعفوا، ﴿واصبروا﴾، أي: اصبروا مع نبي الله ، عند لقاء عدوكم، ﴿إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾، أي: معكم.
стр. 2782
قال مجاهد، وابن جريج ذهب ريح أصحاب رسول الله ﷺ ، حين نازعوه يوم أحد، أي: تركوا أمره، يعني: الرُّماة.
قال ابن زيد، ومجاهد، وغيرهم: (الرِّيحُ) ريح النّصر.
قال ابن زيد: لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله ، يضرب بها وجوه العدو، فإذا كان ذلك لم يكن لهم قِوَامٌ.
فمعنى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
(أي): الريح التي هي النصر، وعلى ذلك قال قتادة ومجاهد: ﴿رِيحُكُمْ﴾: نصركم.
стр. 2783
قوله: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ﴾، الآية.
هذه الآية تنبيه للمؤمنين ألاّ يعملوا عملاً إلا الله ، وطلب ما عنده ﵎، ولا يفعلوا كفعل المشركين في مسيرهم إلى بدر طلب رئاء الناس. وذلك أنهم أُخبروا أن العير قد فاتت النبي ﷺ ، [ وأصحابه]، وقيل لهم: ارجعوا فقد سلمت العير التي جئتم لنصرتها، فأبوا الرجوع، وقالوا: نأتي بدراً فنشرب بها الخمر، وتعزم علينا بها القيان، وتتحدث بنا العرب، فسُقُوا مكان الخمر المنايا.
وفيهم نزل: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ الناس﴾ الآية.
قال ابن عباس: لما رأى أبو سفيان أنه أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عِيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجت، فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: والكله لا نرجع حتى نَرِد بدراً، وكان " بدر " موسماً من مواسم العرب، تجتمع لهم بها سوق كل عام، فنقيم عليهم ثلاثاً، وننحر الجُزُر، ونطعم الطعام، فمضوا حتّى أتوا بدراً، فاجتمع السقاة على الماء من هؤلاء ومن هؤلاء، فجاز المشركون الماء.
стр. 2784
ومعنى " البَطَرُ ": التقوية بنعم الله، تعالى على المعاصي، فأمر الله المؤمنين بإخلاص العمل له، ولا يكونوا كهؤلاء، الذين أتوا بدراً للرياء والسمعة بَطَراً منهم.
قوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾، الآية.
المعنى: اذكر إذ زيّن لهؤلاء الكفار الشيطان أعمالهم.
وقيل: المعنى: ﴿وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢]، في هذه الأحوال، وحين زيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم.
قال الضحاك: جاءهم إبليس يوم بدر بجنوده فزين لهم أنهم لن ينهزموا وهم يقاتلون على دين آبائهم، وأنه جَارٌ لهم، فلما التقوا، ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾، أي: رجع مدبراً، وقال لهم: ﴿إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ﴾.
стр. 2785
قال السدي: أتى المشركين إبليس في صورة سراقة بن مالك الكِناني الشاعر/ على فرس فقال: ﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس﴾، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا جَارُكُمْ سراقبة بن مالك، وهؤلاء كنانة قد أتوكم.
وقال قتادة: لما رأى الملعون جبريل ﵇ تنزل معه الملائكة، علم أنه لا يدين له بالملائكة، فقال: ﴿إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ﴾، وقال: ﴿إني أَخَافُ الله﴾، وكذب الملعون، ما به مخافة الله ، ولكن لما رأى ما لا منعة له منه، فرق وقال ذلك، وهو كاذب على نفسه.
стр. 2786
وقيل: إنه ظنَّ أنَّ الوقت الذي أُنظِر إليه قد حضر، فخاف.
وقال النبي ﷺ : " ما رُئِيَ إبليس يوماً هو فيه أصْغَرُ، [ولا أدحر]، ولا أحْقَرُ، ولا أغيظُ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب، إلا ما رأى يوم بدر "، قالوا: يا رسول الله، وما رأى يوم بدر؟ قال: " أما إنه رأى جبريل ﵇، يَزَعُ الملائكة ".
قال الحسن: رأى جبريل ﵇، مُعْتَجِراً بِبُرْد، يمشي بين يدي النبي ﵇، وفي
стр. 2787
يده اللجام.
ومعنى: ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾. رجع القهقري.
وقيل معناه: رجع من حيث جاء.
وكانت وقعة بدر لسبع عشرة خلت من رمضان على رأس سبعة عشر شهراً من مقدم النبي ﷺ ، من مكة.
قال مالك: على رأس سنة ونصف.
وكانت وقعة أحد بعد بدر بسنة.
стр. 2788
قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ إلى قوله: ﴿لِّلْعَبِيدِ﴾.
المعنى: واذكر، يا محمد، ﴿إِذْ يَقُولُ﴾.
وقيل المعنى: ﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢]، في هذه الأحوال، وحين يقول المنافقون: كذا وكذا.
و ﴿المنافقون﴾ هنا: نَفَرٌ لم يستحكم الإيمان في قلوبهم من مشركي قريش، خرجوا مع المشركين من مكة وهم على الارتياب، فلما رأوا قلة أصحاب محمد ﷺ قالوا: ﴿غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾، حتى قدموا على ما قدموا عليه، مع قلبة عددهم.
وقال الحسن: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا: " منافقين ".
وقال معمر: هم قوم أقروا بالإسلام بمكة، ثم خرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: ﴿غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾.
قال ابن عباس: إنّما قالوا ذلك حين قلل الله المسلمين في أعين المشركين، فظنوا
стр. 2789
أنهم يغلبون لا محالة.
وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾.
أي: يسلم أمره إلى الله ﴿ فَإِنَّ الله عَزِيزٌ﴾، أي: لا يغلبه شيء، ولا يقهره أمر ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره.
ف ﴿المنافقون﴾: هم الذين أظهروا الإيمان، وأبطنوا الشرك، ﴿والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾: هم الشاكون في أمر الإسلام. وقيل: هما واحد، كما قال: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ [البقرة: ٣]، ثم قال: ﴿والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤]، وهما واحد.
ويُروى أن رجلاً من الأنصار رأى الملائكة يوم بدر، فذهب بصره، فكان يقول: لولا ما ذهب بصري لأرَيْتكُم الشِّعْب الذي خرجت منه الملائكة.
قال: ولقد سمعت حَمْحَمة الخيل.
قوله: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة﴾.
стр. 2790
أي: لو عاينت ذلك، يا محمد، رأيت أمراً عظيماً، يضربون وجوههم وأستاههم، يقولون لهم: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾، أي: النار. ف: " يقولون " محذوفة من الكلام.
وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف. والمعنى: ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً، وشبه هذا.
وهذا إنما يكون عند قبض أرواحهم.
стр. 2791
وقيل: إنما يكون يوم القيامة.
وقيل: أريد به يوم بدر، قاله مجاهد.
قال مجاهد ﴿أَدْبَارَهُمْ﴾: أستاههم، ولكن الله كريم يَكْنِي.
قال ابن عباس: / كان المشركون إذا أقبلوا بوجوهم يوم بدر إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولَّوا، أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم.
قوله: ﴿الذين كَفَرُواْ﴾. وقف، إن جعلت المعنى: إذ يتوفى الله الذين كفروا، ثم تبتدئ: ﴿الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾، على الابتداء والخبر.
ويدل على هذا المعنى: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
стр. 2792
وإن جعلت الملائكة هم يتوفونهم، وقفت على ﴿الملائكة﴾، وهو مروي عن نافع، وجعلت ﴿يَضْرِبُونَ﴾، على إضمار مبتدأ، أي: هم يضربون.
والأحسن الوقف على ﴿أَدْبَارَهُمْ﴾، وهو التمام وتبتدئ: ﴿وَذُوقُواْ﴾، على معنى: ويقولون.
﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ تمام، إن قدرت " الكاف " في ﴿كَدَأْبِ﴾ [الأنفال: ٥٢]، متعلقة بقوله: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لِّلْعَبِيدِ﴾.
فإن قدرت أنها متعلقة بقوله: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. فإن قدرت أنها متعلقة بقوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾، لم تقف على: ﴿الحريق﴾؛ لأنّ المعنى: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ ذوْقاً ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. ف: " الكاف " على هذا في موضع نصب نعت لمصدر محذوف.
стр. 2793
و ﴿ذلك﴾، في موضع رفع بالابتداء، والخبر: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، والتقدير: ذلك العذاب لكم ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، أي: من الآثام.
وقيل: هو في موضع رفع إضمار مبتدأ، والتقدير: الأمر ذلك.
﴿وَأَنَّ الله﴾، " أن " في موضع خفض عطفاً على " ما ".
أو في موضع نصب على حذف حرف الجر.
أو في موضع رفع نَسَاقاً على: ﴿ذلك﴾.
أو على إضمار مبتدأ، والتقدير: وذلك أنَّ الله.
قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله﴾ إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
стр. 2794
" الدَّأْبُ ": العادة، وأصله من قولهم: " فلان يَدْأَبُ على الشيء ":
أي: يدوم عليه ويلزمه.
و" الكاف " متعلقة بقوله: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
من المعاصي كعادة آل فرعون والذين من قبلهم.
و" الكاف " من: ﴿كَدَأْبِ﴾، في موضع رفع على إضمار مبتدأ.
أي: العادة في تعذيبكم عند قبض الأرواح وفي القبور مثل العادة في آل فرعون.
ويجوز أن تكومن " الكاف " متعلقة بـ: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾، فتكون في موضع نصب على معنى: ذوقوا مثل عادة آل فرعون في إذاقتا إياهم العذاب.
فالمعنى: فعل هؤلاء المشركون كما فعل آل فرعون، أو فعلنا، بهم كفعلنا بآل فرعون، فإذا رددت التشبيه إلى فعل المشركين وفعل آل فرعون جاز، وإذا رددته إلى
стр. 2795
فعل الله بهؤلاء كفعله بهؤلاء جاز، ويتمكن في كلا الوجهين في: " الكاف " الرفع والنصب.
قال مجاهد المعنى: كَسُنَنِ آل فرعون.
وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ﴾.
أي: فعاقبهم الله بتكذيبهم.
﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ﴾.
أي: لا يغلبه غالب.
﴿شَدِيدُ العقاب﴾.
لمن كفر به.
قوله: ﴿ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ﴾، الآية.
﴿ذلك﴾: في موضع نصب، على معنى: فعلنا ذلك.
стр. 2796
ويجوز أن يكون في موضع رفع، على معنى: هذا ذلك.
وقوله: ﴿بِأَنَّ الله﴾: في موضع رفع أو نصب عطف على: ﴿ذلك﴾.
والمعنى: فعلنا ذلك بمشركي قريش ببدر بذنوبهم، بأنّهم غيَّروا نعم الله عليهم، وهو محمد ﷺ ، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وتغييرهم لها هو كفرهم بما أتاهم به، وإخراجه من بين أظهرهم، وحربهم إياه.
قال السدي " نعمة الله " على قريش: محمد ﷺ كفروا بها، فنقله الله إلى الأنصار.
﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: تمام، إن جعلت المعنى فيما بعده: عادتهم كعادة فرعون، فتضمر مبتدأ تكون " الكاف " خبره.
وإن جعلت ﴿كَدَأْبِ﴾ متعلقة بقوله: ﴿حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لم تقف على: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
ويكون التقدير/ في التعليق: ﴿حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، كعادة آل فرعون في
стр. 2797
التغيير والإهلاك.
قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾.
﴿كَدَأْبِ﴾ في هذه ليست بتكرير للأولى، لأن المعنى في الأولى: العادة في التعذيب، أو العادة في فعل المشركين بنبيهم كالعادة في آل فرعون، وهذا الثاني المعنى فيه: العادة في التغيير من هؤلاء كعادة آل فرعون في ذلك، فأهلك من كان قبل فرعون بذنوبهم، وأغرق (آل) فرعون، والجميع كانوا ظالمين، فكذلك أهلك هؤلاء بالسيف ببدر، إذ غيّروا نعمة الله وهي الكفر بمحمد ﷺ .
قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ﴾، إلى قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾.
المعنى: إنّ شر من دَبَّ على وجه الأرض، الذين كفروا بالله ورسوله.
و ﴿الدواب﴾: يقع على الناس وعلى البهائم، وقد قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
стр. 2798
وقوله: ﴿الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ﴾، بدل من ﴿الذين كَفَرُواْ﴾.
والمعنى: الذين أخذوا عهدك ألاّ يحاربوك، ولا يعاونوا عليك كقريظة، إذ والت على النبي ﷺ ، يوم الخندق أعداءه بعد عهدهم له ألا يفعلوا ذلك، ﴿وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾، الله في ذلك، ولا يخافون أن يوقع بهم الهلاك لفعلهم ذلك.
قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب﴾، إلى قوله: ﴿الخائنين﴾.
" إمّا ": للشرط، وتلزمه النون الشديدة توكيداً، لدخول " ما " من " إنْ "، هذه علة البصريين.
стр. 2799
وقال الكوفيون: تدخل " النون " الخفيفة والشديدة مع " إمّا " للفرق بين كونها للشرط وكونها للتخيير.
ومعنى الآية: إنْ لقيت يا محمد، هؤلاء الذين عاهدتم، ثم نقضوا عهدك في الحرب ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾.
أي: افعل بهم فعلاً يكون مُشَرَّداً لمن خلفهم من نظرائهم، ممن بينك وبينه عَهْد.
و" التَّشْرِيدُ ": التطريد والتبديد والتفريق.
стр. 2800
فأُمر بذلك ﷺ ليكون أدباً لغيرهم، فلا يجترئوا على مثل ما فعله [هؤلاء] من نقض العهد.
وقال السدي: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾، أي: نكل بهم، ليحذر من خلفهم ممن بينك وبينه عهد.
﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
أي: يتعظون إذا رأوا ما صنع بمن نقض العهد.
وقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾.
أي: إن خفت يا محمد، من قوم بينك وبينهم عهد (وعقد) أن يخونوك وينقضوا عهدك، ﴿فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾، أي: حاربهم وأعلمهم قبل إتيانك لحربهم أنك فسخت عهدهم، لِمَا كان منهم من أمارة نقض العهد، وإتيان الغدر والخيانة منهم، فيستوي علمك وعلمهمه في الحرب، ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين﴾، أي: من خان
стр. 2801
عهداً، أو نقض عهداً.
و" الخَوْفُ " هنا: ظهور ما يتيقن منهم من إتيان الغدر، وليس هو الظن.
ومعنى: ﴿فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾.
أي: انبذ إليهم العهد، وأعلمهم بأنك قد طرحته، لما ظهر إليك منهم، وأنك محارب لهم، فيستوي أمركما في العلم.
قال الكسائي: ﴿على سَوَآءٍ﴾: على عدل، أي: تعدل بأن يستوي علمك وعلمهم.
وقال الفراء المعنى: افعل بهم كما يفعلون سواء.
стр. 2802
وقال أيضاً: ﴿على سَوَآءٍ﴾: جهراً لا سراً.
قال أبو عبيدة معنى: ﴿تَخَافَنَّ﴾: تُوقِنَنَّ.
قوله: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾.
خطَّأ أبو حاتم من قرأ بـ: " الياء "، ووجهها عند غيره ظاهر حسن.
стр. 2803
والمعنى في " الياء ": ولا يَحْسَبَنَّ من خلفهم الذين كفروا سبقوا، فيكون ضمير الفاعل في ﴿يَحْسَبَنَّ﴾، يعود على ﴿مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، و ﴿الذين كَفَرُواْ﴾: مفعول أول، و ﴿سبقوا﴾ في موضع الثاني.
وقال الفراء التقدير: أن سَبَقَوا.
وقال: وفي حرف عبد الله: / ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾.
ورُوي عنه: " ولا يَحْسَبَ "، بفتح الباء، على إرادة النون [الخفيفة].
стр. 2804
ومن فتح: ﴿إِنَّهُمْ﴾، وقرأ بـ " الياء " أو بـ: " التاء " فمعناه: لأنهم، ولا يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً بـ: " حسب "، كما لا يجوز: حَسَبْتَ زيداً أنه قائم؛ لأن زيداً غير قيامه، ولو قلت: حسبت أمرك أنك قائم، جاز فتح " أن " لأن أمرك هو قيامك.
ومعنى ذلك: لا يحسب من ظفر بالخلاص مَنْ هذه الوقعة سبق.
ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾، لا يفترون.
ومن قرأ بـ: " الياء " فمعناه: لا يحسب مَنْ خلفهم الذين كفروا سبقوا،
стр. 2805
أي: بالخلاص، ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾، أي: لا يفوتون.
ثم حضّ المؤمنين على أن يُعِدُّوا لهؤلاء الذين خِيَف منهم نقض العهد ما استطاعوا ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾.
أي: من الآلات التي تكون قوة في الحرب مثل: السلاح، والنبل، والخيل.
و" القوَّة: الرَّمْيُ "، روي ذلك عن النبي ﷺ .
قال عكرمة: ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾: الحصون.
وقال مجاهد: ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾: ذكور الخيل، ﴿وَمِن رِّبَاطِ الخيل﴾: إناثها.
قوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله﴾.
أي: تخيفونهم به.
следующие страницы →