Полный текст (8 396 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
" على ".
ونصبه على الظرف حسن، كما تقول: " قَعَدْتُ لّهُ كُلَّ مَذْهَبٍ ".
أي في كل مذهب.
والمعنى: فإذا انقضت الأشهر الحرم عن الذين لا عهد لهم، أو عن الذين كان لهم عهد، فنقضوا وظاهروا المشركين على المسلمين، أو كان عهدهم إلى غير أجل معلوم. ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، من الأرض، في الحرم، وفي غيره، وفي الأشهر الحرم وفي غيرها. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾، أي: أسروهم، والعرب تسمي " الأسير ": أخِيذاً، ﴿واحصروهم﴾، أي: امنعوهم من التصرف في بلاد المسلمين،
стр. 2872
وأصل " الحصر ": المنع (والحبس)، ﴿واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، أي: طالبوهم في كل طريق. ﴿فَإِن تَابُواْ﴾، أي: رجعوا عن الشرك، و ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة﴾، أي: أدوها بحدودها، ﴿وَءَاتَوُاْ الزكاة﴾، أي: أعطوا ما يجب عليهم في أموالهم/، ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ أي: دعوهم يتصرفون [في أمصاركم]، ويدخلون البيت الحرام ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ﴾، أي: ساتر ذنوب من رجع وأناب، ﴿رَّحِيمٌ﴾، أن يعاقبه
стр. 2873
على ذنوبه السابقة قبل توبته، [بعد التوبة].
روى أنس عن النبي ﷺ ، أنه قال: " من فارق الدنيا على الإخلاص لله ، وعبادته، جلت عظمته، لا يشرك به فارقها والله عنه راضي ".
و ﴿الأشهر الحرم﴾، هنا: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
وأريد في هذا الموضع انسلاخ المحرم وحده؛ لأن الأذان بـ: " براءة " كان يوم الحج الأكبر. فمعلوم أنهم لم يكونوا أُجِّلوا الأشهر [الحرم] كلها، ولكنه لما كان المحرم متصلاً بالشهرين الآخرين الحرامين وكان لهما تالياً قيل: ﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم﴾.
وقال السدي: ﴿الأشهر الحرم﴾ هنا هي: من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر.
وسميت " حُرُماً "؛ لأن الله حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين، وأذاهم.
стр. 2874
وقال مجاهد: ﴿الأشهر الحرم﴾، هنا هي: الأربعة التي قال الله : ﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢].
وهو قول السدي.
ومثله قال ابن زيد، قال: أمر الله سبحانه أن يتركوا أربعة أشهر يسيحون ثم يتبرأ منهم، ثم أمر إ ذا انسلخت تلك الأشهر الحرم أن يقتلوا حيث وجدوا.
وسماها " حُرُماً "؛ لأنه حرم قتل المشركين فيها.
وقال الضحاك، والسدي: الآية منسوخة لا يحل قتل أسير صبرا، والذي نسخها هو قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: ٤]. وهو قول عطاء.
وقال قتادة: هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾، ولا يجوز أن
стр. 2875
يمنّ على أسير ولا يُفادى، وقد روي مثله عن مجاهد.
وقال ابن زيد: وهو الصواب إن شاء الله، [إن] الآيتين محكمتان.
أمر هنا: أن يؤخذوا إما للقتل، وإما للمنّ، وإما للفداء، وأمر ثَمَّ، إما المن، وإما الفداء، فهما محكمتان، وقد فعل هذا كله رسول الله ﷺ : قتل الأساري، وفادى ببعض، ومنَّ على بعض، وذلك يوم بدر.
قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك﴾، الآية.
والمعنى: وإن استأمنكم، يا محمد، أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم بعد انسلاخ الأشهر الأربعة، ليسمع كلام الله، سبحانه، منك، فأَمِّنْه حتى يمسعه، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾، أي: إن أسمع ولم يتعظ، فرده إلى حيث يأمن منك ومن
стр. 2876
أصحابك، ويلحق بداره.
وإضافة الكلام إلى الله، جل ذكره، في هذا إضافة تخفيص من طريق القيام به، فهي إضافة صفة إلى موصوف، وليست بإضافة ملك إلى مالك،، ولا بإضافة خلق إلى خالق، ولا بإضافة تشريف، بل هي إضافة على معنى: أن ذاته [غير] متعدية منه. فافهم.
قوله: ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: يفعل ذلك بهم؛ لأنهم قوم جهلة لا يعلمون قدر ما دُعُوا إليه.
قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله﴾، الآية.
المعنى: أنّى يكون للمشركين عهد يوفى لهم به، فيتركون من أجله آمنين؟ إلا الذين أُعطوا العهد عند المسجد الحرام منهم ﴿فاستقيموا لَهُمْ﴾، أيها المؤمنون على عهدهم، ما استقاموا لكم عليه.
стр. 2877
قال الفراء: في ﴿كَيْفَ﴾، هنا معنى التعجب.
وهؤلاء القوم: بنو جذيمة بن الدُّئِل.
وقيل: هم قريش.
قال ابن زيد: فلم يستقيموا، فضرب لهم أجل أربعة أشهر، ثم أسلموا قبل تمام الأجل.
وقال قتادة: نقضوا ولم يستقيموا، أعانوا أحْلاَفَهُمْ من بني بكر، على حِلْفِ النبي ﷺ ، خزاعة.
وقال [مجاهد]: هم قوم من خزاعة.
قوله: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ﴾، الآية.
﴿كَيْفَ﴾: في موضع نصب، وكذلك ﴿كَيْفَ يَكُونُ﴾ [التوبة: ٧].
والمعنى: كيف يكون لهؤلاء المشركين عهد، وهم/ قد نقضوا العهد، ومنهم من
стр. 2878
لا عهد له، وهم: ﴿وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾.
و ﴿كَيْفَ﴾ هذه، قد حذف الفعل بعدها لدلالة ما تقدم من الكلام عليه.
قال الأخفش المعنى: ﴿كَيْفَ﴾ لا تقتلونهم.
وقال أبو إسحاق، التقدير: كيف يكون لهم عهد، ﴿وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾، وحذف هذا الفعل؛ لأنه قد تقدم ما يدل عليه، ومثله قول الشاعر:
стр. 2879
وخَبَّرتُماني أَنَّهما المَوْتُ في القُوى ... فَكَيْفَ وَهَاتَا هَضْبةٌ وَقَلِيبُ
والمعنى: فكيف يكون الموت في القُرى، وهاتا هضبة وقليبُ، لا ينجو فيهما منه أحد؟
و" الإلُّ ": القرابة و " الذِّمَّةُ ": العهد. قاله ابن عباس.
وقال قتادة " الإلُّ ": الله، و " الذِّمَّةِ ": العهد.
وقال مجاهد " الإلُّ ": الله، و " الذِّمَّةُ ": العهد.
стр. 2880
وقال ابن زيد: " الإلّ ": العهد، و " الذمة ": العهد، لكنهما كررا لما اختلف لفظهما.
وجمع " الإلّ " الذي هو القرابة: الآلٌ، بمنزلة " عدل وأعدل "، وفي الكثير: ألول ألالُ.
وقوله: ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾.
أي: يعطونكم بألستنهم خلاف ما يضمرون في نفوسهم.
﴿وتأبى قُلُوبُهُمْ﴾.
أي: تأْبى أن تذعن بتصديق ما يبدوا بألسنتهم.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
стр. 2881
أي: خارجون عن أمر الله ، بنقضهم وكفرهم.
قوله: ﴿اشتروا بِآيَاتِ الله ثَمَناً﴾، إلى قوله: ﴿المعتدون﴾.
المعنى: إن الله أخبر عن المشركين، أنهم باعوا آيات الله سبحانه وعهده، (جلت عظمته)، بثمن يسير.
وذلك أنهم نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ ، بأكلة أطعمها لهم أبو سفيان بن حرب.
﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾.
أي: فمنعوا الناس من الدخول في الإسلام.
﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: ساء عملهم.
﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾.
стр. 2882
قد تقدم ذكره.
وقال النحاس: هذا لليهود، والأول للمشركين.
وقوله: ﴿اشتروا بِآيَاتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً﴾، يعني اليهود، باعوا حجج الله ، وآياته، سبحانه بطلب الرئاسة.
﴿وأولئك هُمُ المعتدون﴾.
أي: المتجاوزون إلى ما ليس لهم.
قوله: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَءَاتَوُاْ الزكاة﴾، إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾.
المعنى: فإن تاب هؤلاء المشركون الذين أمرتكم بقتلهم، ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة وَءَاتَوُاْ الزكاة﴾، فهم إخوانكم في الدين، ﴿وَنُفَصِّلُ الأيات﴾، أي: نبين لهم الحجج، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، ذلك.
قال قتادة المعنى: فإن تركوا اللات والعُزّى، وشهدوا: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ﴿ وَأَقَامُواْ الصلاة وَءَاتَوُاْ الزكاة﴾، فهم إخوانكم في الدين.
قال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعاً، فلم يفرق بينهما. وقال: يرحم الله
стр. 2883
أبا بكر ما كان أفقهه.
وقوله: ﴿وَإِن نكثوا أَيْمَانَهُم﴾.
أي: وإن نكث هؤلاء المشركون عهودهم من بعد ماعاهدوكم.
﴿وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ﴾.
أي: قدحوا فيه، وثلبوه وعابوه.
﴿فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر﴾.
أي: رؤوس أهل الكفر.
﴿إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾.
من قرأ بـ: " فتح الهمزة " فمعناه: لا عهود لهم، وهو جمع " يمينٍ ".
стр. 2884
ومن كسر احتمل معنيين:
أحدهما أن يكون معناه: لا إسلام لهم، فيكون مصدر: آمن الرجل يؤمن: إذا أسلم.
ويحتمل أن يكون مصدر: آمنته من الأمن، فيكون المعنى: لا تُؤَمِّنُوهُمْ، ولكن اقتلوهم.
و ﴿أَئِمَّةَ﴾: جمع إمام، وهو: أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، ونظراؤهم الذين هَمُّوا بإخراجه.
وقال السدي: هم قريش.
стр. 2885
وقال حذيفة: ما قوتل أهل هذه الآية بعد.
وأصل " النكثِ ": النقنض.
﴿لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾.
أي: / ينتهون عن الشرك ونقض العهود.
قوله: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نكثوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ﴾، الآية.
﴿أَلاَ﴾: تحضيض وتحريض.
﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾، ألف تقرير وتوبيخ.
ومعنى الآية: أنها تحضيض، على قتال المشركين الذين نقضوا عهود النبي ﷺ ، وطعنوا في الدين، وعاونوا أعداء المسلمين عليهم، ﴿وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول﴾ من مكة: ﴿وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي: بدأوا بالقتال ببدر: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أي: تخافونهم على
стр. 2886
أنفسكم: ﴿فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾، أي: أن تخافوه في ترككم قتال عدوكم وعدوه، الذي هو [لا] يضر و [لا] ينفع.
قال السدي: هموا بإخراجه وأخرجوه.
﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقف عند الأخفش.
وعند أبي حاتم، الوقف: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾.
قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله﴾، الآية.
والمعنى: قاتلوا هؤلاء الذين نقضوا العهد، وأخرجوا الرسول، فإنكم إن تقاتلوهم: ﴿يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ﴾، أي: يقتلهم بأيديكم، ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾، أي: يذلهم
стр. 2887
بالأسر: ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾، أي: يعطكم الظفر عليهم، ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: بقتلهم وأسرهم.
و" الوقوم المؤمنون " (هنا) هم: خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ ، وذلك أن قريشاً نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله ﷺ ، بمعونتهم بكراً على خزاعة. قاله مجاهد، والسدي.
وذلك أن النبي ﷺ حين قاضى المشركين يوم الحديبية، أدخل بني كعب بن خزاعة معه في القضية، [وأدخل المشركون بين بكر بن كنانة معهم في القضية]، ثم إن المشركين أغاروا مع بني بكر بن كنانة على بني كعب، قبل انقضاء مدة العهد، فغضب النبي ﷺ ، لذلك فقال: " واله لأَنْتَصِرَنَّ لَهُمْ "، فنصره الله عليهم يوم الفتح، وشفى صدور بني كعب.
قوله: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾.
стр. 2888
أي: غيظ قلوب خزاعة على هؤلاء: بني بكر بن كنانة الذين نقضوا عهد النبي ﵇، وأعانوا المشركين على خزاعة، وهم مؤمنون، حلفاء النبي [ ﷺ ] .
﴿ وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَآءُ﴾.
مستأنف فالابتداء به حسن، والمعنى: وسوف يتوب الله، وهو مثل: ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾، ثم قال: ﴿وَيَمْحُ﴾ [الشورى: ٢٤] فاستأنف.
وقرأ ابن أبي إسحاق، وعيسى، والأعرج:
" وَيَتُوبَ " بـ: " النصب ".
стр. 2889
على الصَّرْفِ.
فلا تقف على ماق بل: ﴿وَيَتُوبُ﴾ على هذه القراءة.
قوله: ﴿والله عَلِيمٌ﴾.
أي: عالم بسرائر عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ في تصريفه عباده من حال كفر إلى حال إيمان، بتوفيقه، ومن حال إيمان إلى حال كفر، بخذلانه من خذل منهم عن طاعته.
قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ﴾، الآية.
﴿أَن تُتْرَكُواْ﴾: في موضع مفعولي " حسبت " عند سيبويه.
стр. 2890
وقال المبرد: ﴿أَن تُتْرَكُواْ﴾: مفعول أول، والثاني مفعول محذوف.
و ﴿أَمْ﴾ هنا: استفهام، والمعنى: أحسبتم أيها المؤمنون كذا وكذا؟.
ومعنى الآية: أنها خطاب للمسلمين الذين أمرهم الله بقتال المشركين الذين نقضوا العهد، وأخرجوا الرسول، يقول تعالى: أحسبتم، أيها المؤمنون أن يترككم الله بغير محنة، وبغير اختيار، ليعلم الصادق منكم من الكاذب، علم مشاهدة. وقد كان علم ذلك، تعالى، قبل خلق العالم، ولكن المجازاة إنما تقع على المشاهدة، فيعلم المجاهدين الذين لم ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً﴾، أي: بِطَانَةً من المشركين، يفشون إليهم من سرهم.
قال الطبري: إنما دخلت ﴿أَمْ﴾ في موضع الألف هنا؛ لأنه من الاستفهام المعترض في وسط الكلام، فدخلت لتفرق بين الاستفهامم الذي يبتدأ به، والاستفهام الذي يعترض.
في وسط الكلام.
стр. 2891
ومثله: ﴿الم * تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ [فِيهِ] مِن رَّبِّ العالمين﴾ [السجدة: ١ - ٢]، ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة: ٣]، بمعنى: أيقولون.
ومثله: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَآ/ خَيْرٌ﴾ [الزخرف: ٥١ - ٥٢]، أي: أنا خير.
وهذه ﴿أَمْ﴾ هي التي تسمى " المنقطعة، ولا يقدر الكلام معها بـ: " أيهم " ولا بـ: " أيهما ".
﴿والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذو خبر بعملكم إن اتخذتم بطانةً من المشركين تفشون إليهم سر المؤمنين.
ونظير هذه الآية: ﴿الم * أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢]، أي: يختبرون، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾، إلى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين﴾ [العنكبوت: ٣].
قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾، إلى قوله: ﴿المهتدين﴾.
والمعنى: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله؛ لأنهم ليسوا ممن يذكر
стр. 2892
الله، والمساجد إما بنيت لذكر الله والصلاة، فليس لهم أن يعمروها.
﴿شَاهِدِينَ على أَنْفُسِهِمْ﴾.
فيه ثلاثة تأويلات.
أحدهما: أن فيما يقولونه ويفعلونه دليل على كفرهم، كما يدل على إقرارهم، فكأنَّ ذلك منهم شهادتهم على أنفسهم. قاله الحسن.
والثاني: شهادتهم على رسولهم بالكفر؛ لأنهم كذبوه وأكفروه وهو من أنفسهم. قاله الكلبي.
والثالث: ما ذكره في الكتاب، وهم يشهدون على أنفسهم بالكفر؛ لأنهم يقال للرجل منهم: أيش أنت؟ فيقول: نصراني، يهودي، صابئ، مشرك.
﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾.
في الدنيا، أي: بطلت وذهبت، إذ لم تكن لله، ، وكانت للشياطين.
﴿وَفِي النار هُمْ خَالِدُونَ﴾.
стр. 2893
أي: ما كثون أبداً، لا أحياءً ولا أمواتاً.
ومن قرأ: ﴿مَسَاجِدَ الله﴾ بالتوحيد، عَنَى به: المسجد الحرام، ودليله قوله: ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ [التوبة: ٢٨]، وقوله: ﴿وَعِمَارَةَ المسجد الحرام﴾ [التوبة: ١٩].
ومن جمع، أراد: جميع المساجد، ودليله قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله﴾ فجمع ولم يُخْتَلفْ فِيهِ.
والجمع: يستوعب المسجد الحرام وغيره، والتوحيد: يخص المسجد الحرام
стр. 2894
وحده، ولا يجوز لمن وَحَّدَ أن يريد به الجنس؛ لأنه مضاف، والمضاف موقت محدود.
ثم قال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بالله﴾.
أي: إنما يعمرها من صدق بالله ورسوله، وما أتت به الرسل.
﴿وَأَقَامَ الصلاة وآتى الزكاة وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله فعسى أولئك أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين﴾، (أي): فحقيق أن يكون من هذه صفته من المهتدين.
وكل " عسى " في القرآن من الله فهي واجبة.
ونزلت هذه الآية في قريش؛ لأنهم كانوا يفتخرون، فيقولون: نحن أهل الحَرَم وسقاة الحاجِّ، وعُمّار هذا البيت، فأنزل الله ، صِفة من يجب أن يعمر مساجد الله، سبحانه.
قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج﴾، إلى قوله: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
стр. 2895
ألف ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾: ألف تقرير وتوبيخ.
ومعنى ﴿كَمَنْ آمَنَ بالله﴾، أي: كإيمان من آمنم.
ومعنى الآية: إن المشركين من قريش افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، فأعلمهم الله ، أن الفخر إنما هو بالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله.
ورُويَ أن العباس بن عبد المطلب حين أُسر يوم بدر قال: لئن كنتم سيقتمونا بالإسلام، والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله، جل كره: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج﴾، الآية، فذلك لا ينفعكم، أيها المشركون مع شرككم.
وقال السدي، وغيره: افتخر علي، والعباس، وشيبة، وفقال العباس: أنا أفضلكم، أنا أسقي حاج البيت الله، وقال شيبة: [أنا].
стр. 2896
أعمر مسجد الله. وقال علي: أنا هجرت مع رسول الله ﷺ ، وجاهدت معه في سبيل الله ، فأنزل الله ، الآية: ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾.
ورُوِيَ أن علياً قال للعباس وشيبة: ألا أنبئكم بمن هو أكر حسباً منا؟ قال: نعم، / قال: مَنْ ضرب خَرَاطِيمَكُم بالسيف حتى قادكم إلى الإسلام كَرْهاً، فشق ذلك عليهما، [فشكيا] إلى رسول الله ﷺ ، فسكت رسول الله ﷺ ، هُنَيْهة، إذ جاءه جبريل ﵇، بهذه الآية: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج﴾، الآية.
وقال الضحاك: أقبل المسملون على العباس وأصحابه يوم بدر، وهم قد أسروا، يُعَبِّرونَهُمْ بالشرك، فافتخر العباس بالسقاية وعمارة المسجد الحرام، فانزل الله ، الآية.
قوله: ﴿لاَ يَسْتَوُونَ﴾.
أي: لا يعتدل هؤلاء وهؤلاء عند الله.
стр. 2897
﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾.
أي: لا يوفقهم لصالح الأعمال.
ثم قال تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾.
أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم، أعظم درجة عند الله من أهل السقاية والعمارة مع الشرك، فهذا قضاء من الله ، بين المفتخرين.
ثم أخبر أنهم ﴿هُمُ الفائزون﴾: أي: الناجون من النار، الفائزون بالجنة.
ثم قال تعالى مخبر [بما] يصيرون إليه: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾، لهم ﴿وَرِضْوَانٍ﴾، منه عنهم، ﴿وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾، أي: لا يزال أبداً، ﴿خَالِدِينَ﴾، أي: ماكثين، ﴿أَبَداً﴾، لا حد لذلك، ﴿إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أي: عنده لهؤلاء الذين هذه صفتهم ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أي: لا حد له من عظمه.
ومعنى ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾: يعلمهم بذلك في الدنيا.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تتخذوا آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ﴾، إلى قوله:
стр. 2898
﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾.
ومعنى الآية: أن الله، جل ذكره، نهى المؤمنين أن يتخذوا آباءهم وإخوانهم الكفار أولياء، يفشون إليهم سر المؤمنين، ويطلعونهم على أسرار النبي ﵇، وَيُؤْثِرُون المُكث بين أظهرهم على الهجرة إلى دار السلام: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ﴾ أي: من يتخذهم أولياء وبطانة، ويؤثر المقام على الهجرة، ﴿فأولئك هُمُ الظالمون﴾.
وهذا كله قبل فتح مكة. قاله مجاهد.
﴿وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾، وقف نافع.
ومثله ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ في سورة المائدة، فصح الوقف عليه؛ لأنه لا يجوز أن يتخذ اليهود والنصارى أولياء على كل حال.
وهنا إنما نُهُوا عن اتخاذ الآباء والإخوان أولياء إن هم استحبوا الكفر على
стр. 2899
الإيمان، فإن لم يفعلوا ذلك فاتخاذهم حسن، والوقف عليه يوجب ألا يتخذوا أولياء على كل حال كاليهود والنصارى.
﴿عَلَى الإيمان﴾، الوقف الحسن.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ﴾، الآية.
والمعنى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، للمتخلفين على الهجرة، المقيمين بدار الشرك، مع أهليهم وأموالهم ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ﴾، أي: المقام مع هؤلاء بمكة، ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ الله﴾، أي: من الهجرة إلى دار الإسلام، ومن الجهاد في سبيل الله، ﴿فَتَرَبَّصُواْ حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ﴾، أي: بفتح مكة. قاله مجاهد.
والثاني: ﴿حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ﴾: من عقوبة عاجلة أو آجلة. قاله ابن زيد.
﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾.
стр. 2900
أي: لا يوفقهم للهدى.
قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾، إلى قوله: ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
﴿حُنَيْنٍ﴾: مذكر، أسم واد بين مكة والطائف.
ومن العرب من يجعله أسماً للبقعة فلا يصرفه للتأنيث والتعريف.
وقيل: هو واد إلى جنب ذي المجاز.
لغة بني تميم: " كِثْرةَ "، بكسر الكاف، وجمعه: كثر، والفتح لغة أكثرهم، وجمعه: كثرات، وهما مصدران وجمعهما قبيح.
ومعنى الآية: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله﴾، أيها المؤمنون في أماكن حرب، ونصركم يوم حنين أيضاً.
стр. 2901
وهو يوم قاتل فيه النبي ﵇، هَوَازِن وثقيفاً، وخرج مع النبي ﷺ ، في تلك العزوة/ إثنا عشر ألفاً: عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطلقاء، فأعجب القوم كثرهم، فانهزموا ونزل النبي ﷺ ، عن بغلته الشهباء، وكان العباس أخذ بلجام [بغلة] النبي ﵇، فأمر النبي صلى الله عليه سلم، بالأذان في الناس فتراجع الأنصار، وكان المنادي ينادي: " يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فجاء الناس عُنُقاً واحداً، ثم أنزل الله ، نصره، وأخذ النبي ﷺ ، كفًّا من تراب، وقبضة من حصباء، فرمى بها وجوه القوم الكفار، وقال: " شَاهَتِ الوُجُوهُ "، فانهزموا. فأخذ رسول الله ﷺ ، الغنائم، ورجع إلى الجِعِرَّانَة، فسم بها الغنائم، مغانم حنين، وزاد أُناساً منهم: أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، وسهيل بن عمرو، وغيرهم تألف بالزيادة قلوبهم، فتكلمت الأنصار،
стр. 2902
وقالت: " آثر قومه "، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، وهو في قبة له من آدمٍ، فقال: يا معشر الأنصار ما ها الذي بلغني؟ ألم تكونوا ضُلاَّلاً فهداكم الله، وكنتم إذِلَّةً فأعزكم الله، وكنتم وكنتم. فتكلموا إليه، فقال النبي ﷺ ، والذي نفسي بيده، لو سلكتم وادياً وسلك الناس وادياً، لسكلتُ وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار. ثم مدحهم بغير هذا، ثم قال: أما ترضون أن ينقلب النَّاس بالإبل والشاء، وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم. فقالت الأنصار: رضينا عن الله عز جل، وعن رسوله ﷺ ، والله ما قلنا ذلك إلا ظناً بالله ورسوله، فقال النبي ﷺ ، الله ورسوله يُصدقانكم ويعذِرَانكم.
قال السدي: قال رجل من أصحاب النبي ﵇، يوم حنين، وقد كانوا إثنى عشر ألفاً: يا رسول الله لن نُغْلَبَ اليوم من قِلَّةٍ وأعجبته كثرة الناس، فَوُكِّلُوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله ﷺ ، غير العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، قتل يومئذ بين [يدي] النبي ﷺ .
فنادى النبي ﷺ ، بالأنصار: أين الأنصارُ الذين بايعوا تحت الشجرة؟ فتراجع الناس، فأنزل الله ، الملائكة بالنَّسر، فهزم المشركون يومئذ، وغنموا.
وأصاب المسلمون ستة آلاف سبية، فجاء قومهم مسلمين، فقالوا: يا رسول
стр. 2903
الله، أنت خير الناس، وأبرُّ الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا، فقال النبي ﷺ : " إنّ عندي من ترون، وإنّ خَيْرَ القَوْلِ أَصْدَقُهُ، فاختاروا: إما ذراريكم ونسائكم، و [إمّا] أموالكم. فقالوا ما كنا نعدل بالأحْسَاب شيئاً، فأمر النبي ﷺ ، من طابت نفسه [أن يرد ما عنده من الذراري ومن لم تَطِبْ نفسه] أن يجعله قرْضاً عند النبي ﷺ ، حتى يعوضه مكانه. فَرَضُوا كلهم وسلموا بأن يردوا الذَّراري بطيب نفس.
ومعنى ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾، أي: بسعتها.
وقال الطبري: " الباء " بمعنى: " في ".
فأعلم الله ، المؤمنين في هذه الآية أنه ليس بكثرهم يغلبون، [إنما يغلبون] بنصره.
وكانت غزوة حنين بعد فتح مكة، ولما خرج النبي ﷺ ، إليها خرج معه أهل مكة مشاة وركباناً، يمشون يرجون الغنائم حتى خرج معه النساء والصبيان وهم على غير الإسلام/ وليس يكرهون أن تكون الصدمة برسول الله [صلى الله] عليه وسلم.
стр. 2904
وفرق رسول الله ﷺ ، الغنائم على الجميع، ووفَّر على أهل مكة اسْتِيلاَفاً لهم ليدخلوا في الإسلام، وزَوَى كثيراً من المقاسم عن أصحابه، فعند ذلك وجدت الأنصار في أنفسها، وقالوا: ما نرى فعل ذلك إلا وهو يريد المقام بين ظَهْرَانَيْهِم، فعاتبهم النبي ﷺ ، [ على ذلك.
فنصر الله النبي ﷺ ، وهو السَّكِينَةُ التي أنزلت على النبي ﷺ ] وعلى المؤمنين، ﴿وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾، وهي الملائكة بالنصر: ﴿وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ﴾، أي: بالسيف، وسبي الأهل وأخذ الأموال: ﴿وذلك جَزَآءُ الكافرين﴾، أي: هذا الذي فعله بهم، هو جزاء من كفر بالله ورسوله.
وقيل: هو جزاء من بقي منهم.
стр. 2905
﴿ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَآءُ﴾.
أي: يتفضل على من يشاء بالتوبة من الكفر والإنابة إليه، يعني من بقي منهم، حتى ينقلهم إلى طاعته إذا شاء، ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
ومعنى الآية: أن الله أمر المؤمنين أن يمنعوا المشركين من دخول المسجد الحرام.
وقوله: ﴿نَجَسٌ﴾.
قال قتادة: " النَّجَسُ " هنا: الجُنُب.
وأصل " النَّجَسِ ": القذر. وإذا ذكرت قبل " النجس ": " الرجس " كسرت " النون "، وأسكنت " الجيم "، فقلت: هو رِجْسٌ نِجْسٌ على الاتباع.
وعنى بذلك: الحرم كله أن يمنعوا من دخوله، وعلى ذلك قال عطاء: الحَرَمُ كُلُّهُ قِبْلَةٌ وَمَسْجِدٌ.
стр. 2906
وَبِظَاهِرِ هذه الآية يجب على المشرك إذا أسلم أن يغتسل، وقد أمر بذلك النبي ﷺ . وهو مذهب مالك، وابن حنبل، ولم يوجبه الشافعي واستحبه، قال: إلاَّ أن يكون يعلم أنه جنُبٌ فعليه أن يغتسل.
وقال الثوري، والشافعي: ثياب المشركين على الطهارة حتى تعلم النجاسة، واستحبا غسل الإزار والسراويل.
وقال مالك: إذا صلى في ثوب كان المشرك يلبسه، أعاد من الصلاة ما كان في وقته.
وأكثَرُهُمْ على أن لا بأس بالصلاة فيما نسجوا، وهو مذهب مالك.
وهذه الآية نَاسِخَةٌ، لما كان النبي ﵇، قد صالح عليه المشركين أن لا يَمْنَع أحد من البيت.
стр. 2907
قال مالك: يمنع المشركون كلهم من أهل الكتاب وغيرهم من دخول الحرم، ودخول كل المساجد. وهو قول عمر بن عبد العزيز، وقتادة.
وقال الشافعي: يمنع المشركون جميعاً من دخول الحرم، ولا يمنعون من دخول سائر المساجد.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام، ولا من غيره، ولا يمنعن من ذلك إلا المشركون أهل الأوثان.
وقول الله ، في اليهود والنصارى: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً [مِّن دُونِ الله مِّن دُونِ الله]﴾ [التوبة: ٣١] الآية، يدلُّ على جوازهم تسميتهم مشركين، وقد نصّ الله على ذلك بقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ في آخر الآية.
وقوله: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾.
هو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عن هـ، بالناس، ونادى عليّ بـ: " براءة " في الموسم، / وذلك لتسع سنين مضين من الهجرة، وحجَّ النبي ﷺ حَجَّةَ الوَدَاعِ في العام المقبل سنة عشر من الهجرة.
стр. 2908
وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾.
[أي]: إن خفتم، أيها المؤمنون، فقراً، بمنعنا المشركين أن يأتوكم إلى الحرم بالتجارات، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾، فأغناهم الله بأخذ الجزية منهم بقوله: ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾، إلى قوله: ﴿حتى يُعْطُواْ الجزية﴾.
وقيل: أغناهم بإدْرَارِ المطر عليهم.
قال ابن عباس: ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزن، عن منع المشركين من دخول الحرام، وقال لهم: من أين تأكلون، وقد انقطعت عنكم العير؟ فأنزل الله :
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآية.
﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ﴾.
أي: عليم بما حدثتكم به نفوسكم من خوف العيلة، بمنعنا المشركين أن يأتوا إليكم، وبغير ذلك من مصالحكم، ﴿حَكِيمٌ﴾، في تدبيره.
стр. 2909
و " العَيْلَةُ " مصدر " عَالَ يَعِيلُ ": إذا افتقر.
وحُكِي: " عال يعول " [في] الفاقة.
وبمصحف عبد الله: " عائلة "، أي: خصلة شاقة، يقال: عالني الأمر، أي: شقَّ عليَّ واشتد.
ثم قال: تعالى آمراً للمؤمنين: ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾، الآية، أي: قاتلوهم حتى يعطوكم الجزية، من أهل الكتاب كانوا أو من غيرهم.
و" الجِزْية " ك: " القِعْدة " و " الجِلسة "، وجمعها: جِزَى، ك: " الحَِىً "، فهو
стр. 2910
من " جَزَى فلان فلاناً ما عليه ": إذا قضاه.
وهي الخراجُ عن الرقاب.
ومعنى: ﴿عَن يَدٍ﴾، أي: عن يده إلى يد من يدفعه إليه.
وقيل: ﴿عَن يَدٍ﴾: عن إنعامٍ منكم عليهم إذا رضيتم بالجزية وأمَّنْتُمُوهُمْ في نفوسهم وأموالهم وَذَرَارِيهمْ.
وقيل: ﴿عَن يَدٍ﴾: نقداً لا نسيئة.
وقيل: يؤدونها بأيديهم لا يوجهون بها كما يفعل الجبار.
وأهل اللغة يقولون: عن قهر وقوة.
следующие страницы →