Полный текст (8 396 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
وَبِظَاهِرِ هذه الآية يجب على المشرك إذا أسلم أن يغتسل، وقد أمر بذلك النبي ﷺ . وهو مذهب مالك، وابن حنبل، ولم يوجبه الشافعي واستحبه، قال: إلاَّ أن يكون يعلم أنه جنُبٌ فعليه أن يغتسل.
وقال الثوري، والشافعي: ثياب المشركين على الطهارة حتى تعلم النجاسة، واستحبا غسل الإزار والسراويل.
وقال مالك: إذا صلى في ثوب كان المشرك يلبسه، أعاد من الصلاة ما كان في وقته.
وأكثَرُهُمْ على أن لا بأس بالصلاة فيما نسجوا، وهو مذهب مالك.
وهذه الآية نَاسِخَةٌ، لما كان النبي ﵇، قد صالح عليه المشركين أن لا يَمْنَع أحد من البيت.
стр. 2907
قال مالك: يمنع المشركون كلهم من أهل الكتاب وغيرهم من دخول الحرم، ودخول كل المساجد. وهو قول عمر بن عبد العزيز، وقتادة.
وقال الشافعي: يمنع المشركون جميعاً من دخول الحرم، ولا يمنعون من دخول سائر المساجد.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام، ولا من غيره، ولا يمنعن من ذلك إلا المشركون أهل الأوثان.
وقول الله ، في اليهود والنصارى: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً [مِّن دُونِ الله مِّن دُونِ الله]﴾ [التوبة: ٣١] الآية، يدلُّ على جوازهم تسميتهم مشركين، وقد نصّ الله على ذلك بقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ في آخر الآية.
وقوله: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾.
هو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عن هـ، بالناس، ونادى عليّ بـ: " براءة " في الموسم، / وذلك لتسع سنين مضين من الهجرة، وحجَّ النبي ﷺ حَجَّةَ الوَدَاعِ في العام المقبل سنة عشر من الهجرة.
стр. 2908
وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾.
[أي]: إن خفتم، أيها المؤمنون، فقراً، بمنعنا المشركين أن يأتوكم إلى الحرم بالتجارات، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾، فأغناهم الله بأخذ الجزية منهم بقوله: ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾، إلى قوله: ﴿حتى يُعْطُواْ الجزية﴾.
وقيل: أغناهم بإدْرَارِ المطر عليهم.
قال ابن عباس: ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزن، عن منع المشركين من دخول الحرام، وقال لهم: من أين تأكلون، وقد انقطعت عنكم العير؟ فأنزل الله :
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآية.
﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ﴾.
أي: عليم بما حدثتكم به نفوسكم من خوف العيلة، بمنعنا المشركين أن يأتوا إليكم، وبغير ذلك من مصالحكم، ﴿حَكِيمٌ﴾، في تدبيره.
стр. 2909
و " العَيْلَةُ " مصدر " عَالَ يَعِيلُ ": إذا افتقر.
وحُكِي: " عال يعول " [في] الفاقة.
وبمصحف عبد الله: " عائلة "، أي: خصلة شاقة، يقال: عالني الأمر، أي: شقَّ عليَّ واشتد.
ثم قال: تعالى آمراً للمؤمنين: ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾، الآية، أي: قاتلوهم حتى يعطوكم الجزية، من أهل الكتاب كانوا أو من غيرهم.
و" الجِزْية " ك: " القِعْدة " و " الجِلسة "، وجمعها: جِزَى، ك: " الحَِىً "، فهو
стр. 2910
من " جَزَى فلان فلاناً ما عليه ": إذا قضاه.
وهي الخراجُ عن الرقاب.
ومعنى: ﴿عَن يَدٍ﴾، أي: عن يده إلى يد من يدفعه إليه.
وقيل: ﴿عَن يَدٍ﴾: عن إنعامٍ منكم عليهم إذا رضيتم بالجزية وأمَّنْتُمُوهُمْ في نفوسهم وأموالهم وَذَرَارِيهمْ.
وقيل: ﴿عَن يَدٍ﴾: نقداً لا نسيئة.
وقيل: يؤدونها بأيديهم لا يوجهون بها كما يفعل الجبار.
وأهل اللغة يقولون: عن قهر وقوة.
стр. 2911
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
أي: أذلاء مقهورون.
فهذه الآية نزلت في حرب الروم، فغزا رسول الله ﷺ ، بعد نزولها غزوة تبوك. قاله مجاهد.
قال عكرمة: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: هم قائمون [وأنت جالس].
وقال ابن عباس: يمشون بها مُلَبَّين.
وهذه الآية ناسخة للعفو عن المشركين. قاله ابن عباس.
стр. 2912
هي ناسخة لقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وأجمع علماء الأمصار على أخذ الجزية من المجوس.
وكان ملك يرى: أخذ الجزية من سائر أهل الشرك، وحكمهم عنده حكم المجوس، تؤخذ منهم الجزية، ولا ينكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم.
وتوضع الجزية عمن أسلم عند مالك ولم يبق من السنة إلا يوم واحد.
وتؤخذ الجزية من أهل الوَرِق: أربعون درهماً، ومن أهل الذهب: أربعة دنانير، وهي فرض عمر رضي الله عن هـ.
قوله: ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله﴾، إلى قوله: ﴿يُشْرِكُونَ﴾.
﴿عُزَيْرٌ﴾: مرفوع بإضمار مبتدأ، أي: صاحبنا عزير، ﴿ابن﴾: نعت له، فيكون حذف التنوين لكثرة الاستعمال.
стр. 2913
ويجوز أن يكون ﴿ابن﴾، خبراً [عن] ﴿عُزَيْرٌ﴾، ويكون حذف التنوين لالتقاء الساكنين.
وكلا الوجهين في قراءة من نَوَّن عُزَيْراً.
وقال أبو حاتم لو قال قائل: إن عزيراً اسم أعجمي لا يتصرف جاز.
وهو عند النحويين عربي مشتق، من: عزره يعزِرُهُ ومنه قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩].
﴿ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾.
стр. 2914
أي: لا بيان عندهم بما يقولون، ولا برهان، وإنما هو قول لا غير. ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الذين كَفَرُواْ﴾.
أي: يُشَبِّهون قولهم بقولهم، وهم اليهود الذين قالوا:
﴿عُزَيْرٌ ابن الله﴾، [ ]، أي: يشبه قول هؤلاء النصارى في الكذب على الله، (تعالى)، قول من تقدمهم في " العُزَيْر " من اليهود.
وقيل: المعنى: إن من كان على/ عهد النبي ﷺ ، من اليهود والنصارى قولهم يشبه قول أوّليهم.
﴿قَاتَلَهُمُ الله﴾.
أي: لعنهم الله.
стр. 2915
﴿أنى يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: من أين يصرفون عن الحق.
﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً [مِّن دُونِ الله]﴾.
الأحبار: العلماء.
والرهبان: العباد، أصحاب الصوامع.
﴿أَرْبَاباً﴾: أي سادة، يطيعونهمه في المعاصي، فيحلون ما حرم الله ، ويحرمون ما أحل الله، سبحانه، ولم يكونوا يَعْبِدُونَهُمْ، إنما كانوا يَطِيعونَهُم فيما لا يجوز، ولا يحل.
وقوله: ﴿والمسيح﴾.
стр. 2916
أي: واتّخذوا المسيح رَبّاً.
﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِداً لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
[أي]: تنزيهاً له وتطهيراً من شركهم.
قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم﴾، إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾، إنما دخلت ﴿إِلاَّ﴾؛ لأن في الكلام معنى النفي، وهو: ﴿يأبى﴾، لأن قولك: " أبيت الفعل " كقولك: " لم أفعل "، فلذلك دخلت ﴿إِلاَّ﴾، وهي لا تدخل إلا بعد نفي.
وقال الزجاج التقدير: ﴿ويأبى الله﴾ كل شيء ﴿إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾.
стр. 2917
وقال علي بن سليمان: إنما جاز دخول ﴿إِلاَّ﴾ ها هنا؛ لأن ﴿يأبى﴾ منع، فضارعت النفي.
ومعنى الآية: يريد أحبار هؤلاء ورهبانهم ﴿أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾، ، ﴿ بأفواههم﴾، أي: يحاولون بتكذيبهم وصدهم الناس عن محمد ﷺ ، أن يبطلوا القرآن الذي جعله الله ضياء لخلقه، وهو نور الله سبحانه، ﴿ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾، أي: يعلو دينه وتظهر كلمته.
قال السدي: يريدون أن يطفئوا الإسلام بكلامهم، والله مُتِم نوره ولو كره الكافرون إتمامه.
﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى﴾.
وهو الإسلام وشرائعه ﴿وَدِينِ الحق﴾، الإيمان، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾، أي:
стр. 2918
ليعلي الإسلام على الملل كلها، ﴿وَلَوْ كَرِهَ﴾، ذلك ﴿المشركون﴾.
قال أبو هريرة: ذلك عند خروج عيسى ﵇.
وقيل: المعنى ليعلمه شرائع الدين كلها، فيطلعه عليها.
فتكون " الهاء " للنبي ﷺ ، وهو قول ابن عباس.
وفي القول الأول: " الهاء " تعود على: " الدِّينِ.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأحبار والرهبان﴾، إلى [قوله]: ﴿مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.
قوله: ﴿والذين يَكْنِزُونَ﴾.
﴿والذين﴾: في موضع رفع عطف على الضمير في: " يأكلون "، فيكون التقدير:
стр. 2919
﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل﴾، ويأكلها معهم الذين يكنزون الذهب.
وقيل: ﴿الذين﴾: في موضع رفع بالابتداء.
ومعنى الآية: يا أيها الذين صدقوا بمحمد ﷺ ، بما جاء به، إن كثيراً من أحبار اليهود والنصارى ورهبانهم، وهم: علماؤهم وعبادهم. وقيل: ﴿الأحبار﴾: القراء: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل﴾، ويأكلها معهم ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب﴾، وذلك الرُّشى في الحكم، وفي تحريف كتاب الله ، يكتبون بأيديهم كتباً، ويقولون: هذا من عبد الله، يأخذون بها ثمناً قليلاً، ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾، أي: يمنعون من أراد الدخول في الإسلام.
و" الكَنْزُ ": كل مَالٍ وجبت فيه الزكاة، فلم تُؤَدَّ زكاته.
وقوله: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾.
أي: لا يؤدون زكاتها.
стр. 2920
قال ابن عمر: كل ما مَالٍ أُدِّيتُ زكاته ليس بكنز، وإن كان مدفوناً، وكلُّ مالٍ لم تُؤدّ زكاته، فهو كنز يكوى [به] صاحبه، وإن لم يكن مدفوناً.
ورُوي عن علي رضي الله عن هـ: أربعة آلاف درهم فما دونها " نفقة " / فإن زادت فهو " كنز "، أدّيت زكاته أو لم تُؤد.
قال ابن عباس: هي خاصة للمسلمين لمن لم يؤدِّ زكاته منهم، وهي عامة في أهل الكتاب، من أدى الزكاة ومن لم يؤدِّ؛ لأنهم لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا.
وقال عمر بن عبد العزيز: أراها مَنْسوخَةً بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
стр. 2921
و " الكنْزُ " في كلام العرب: كل شيء جُمع بعضُه إلى بَعْضٍ.
قوله: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾.
ولم يقل: " يُنفقونهما "، إنما ذلك لأن الضمير رجع على الكنوز، والكنوز تشتمل على الذهب والفضة.
وقيل: إن الضمير يرجع على: " الأموال " التي تقدم ذكرها أنها تؤكل بالباطل.
وقيل: الضمير يعود على: " الفضة "، وحذف العائد على الذهب لدلالة الكلام
стр. 2922
عليه، كأنه قال: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾ و " يُنفقونه "، ثم حذف كما قال:
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ. . ..
وقيل الضمير: " الذهب "، وضمير " الفضة " محذوف تقديره: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾
стр. 2923
و " يُنفقونها "، والعرب تقول: " هي الذهب [الحمراء] "، فتؤنث.
وقال معاوية: هذه الآية في أهل الكتاب خاصة.
وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: اجعل موضع البشارة لهم عذاباً أليماً، أي: مؤلماً، بمعنى مُوجع.
وليس ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، بتمام؛ لأن ﴿يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا﴾، منصوب بـ: ﴿أَلِيمٍ﴾.
و (الضمير في ﴿عَلَيْهَا﴾، فيه من الوجوه، ما في: ﴿يُنفِقُونَهَا﴾، وكذلك الضمير في ﴿بِهَا﴾.
стр. 2924
قال النبي ﷺ : " مَا مِن عَبْدٍ لا يُؤدّي زَكَاةَ مَالِهِ إلا أُتِي بِهِ وبماله فأحمى عليه في نار جهنم، فتكوى بها جنباه وجبهته وظهره، حتى يحكم الله بين عباده ".
وقال ابن عباس: ﴿يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا﴾، قال حَيَّة تنطوي على جنبيه وجبهته، تقول: أنا مالك الذي بخلت به.
وقال النبي ﷺ : " مَن ترك بعده كنزاً مَثَلَ له يوم القيامة شُجاعاً أَقْرَع له زَبِيبَتَانِ، يتبعه فيقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك، فلم يزل يتبعه حتى يُلْقِمَه يده فيقضمها، ثم يتبعه سائر جسده ".
قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً﴾، الآية.
قوله: ﴿كَآفَّةً﴾.
стр. 2925
مصدر مثل: " عفاه الله عافيةً "، ومثله: " عامَّةً " و " خاصَّةً "، ف: ﴿كَآفَّةً﴾ ك: " العافية " و " العاقبة "، ولا تدخل فيهما " الألف واللام "، كما لم تدخلا في " معاً " و " جميعاً ".
ومعنى الآية: إن الله قدر أنّ السنة اثنا عشر شهراً في كتابه الذي سبق فيه ما هو [كائن] إلى يوم القيامة، منها أربعة حرم، وهن: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة والمحرم، وكان القتال فيها حراماً حتَّى نزل في " براءة " قتال المشركين.
و ﴿ذلك الدين القيم﴾.
стр. 2926
أي: المستقيم، إنها اثنا عشر شهراً.
وقيل ﴿الدين﴾ هنا: الحساب، أي: الحسابُ المستقيم.
وقال ابن عباس معناه: ذلك القضاء القيم.
وقوله: ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.
أي: لا تستحلوا ما حرم الله .
قال ابن عباس: ﴿فِيهِنَّ﴾ يعني كلهن.
قال ابن عباس: ﴿فِيهِنَّ﴾، يعني: كلهن.
وهو قول مقاتل بن حيان، والضحاك، جعلاً الضمير يعود على: ﴿اثنا عَشَرَ شَهْراً﴾.
وليس قوله: ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ إذا جعلناه الأربعة الأشهر بمبيح لنا أن نظلم أنفسنا في غير الأربعة الأشهر، ولو كان ذلك كذلك لكان قوله: ﴿وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] دليلاً على إباحة قتلهم إذا لم يخشوا إملاقاً، ولكان قوله:
стр. 2927
﴿والفلك [التي] تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس﴾ [البقرة: ١٦٤] دليلاً على أنها لا تجري بما يضر الناس، وهي تجري بما ينفع وما يضر.
وأصل هذا: أن كلَّ نهي إنما يوجب الامتناع عما نهى عنه دون غيره، وكل أمر فهو نافسٍ لأضداده فإذا قلت: " قُمْ "، فقد أمرته بترك أضداد القيام من القعود والأضطجاع، وإذا قلت: " لا تَقُمْ "، فلم تنهه عن الاضطجاع ولا عن ألا تكاء ولا عن شيء من أضداده، فاعمله.
فالنهي عن الشيء لا يكون نهياً عن أضداد ذلك الشيء والأمر بالشيء أمر عن أضداد/ ذلك الشيء على مبينا، فافهمه.
وقال قتادة، وغيره: ﴿فِيهِنَّ﴾ في الأربعة الحرم، جعل الذنب فيهن أعظم منه في غيرهن.
وأكثر ما تستعمل العرب " الهاء " و " النون " فيما دون العشرة، و " الهاء "
стр. 2928
و " الألف " في ما جاوز العشرة.
فالظلم في جميعها لا يجوز، ولكن هو فيها أعظم وزراً لشرفها، فلذلك خصها بالذكر، تعالى، وهذا كقوله: ﴿والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] أفردها بعد أن ذكرها مجملة لشرفها، وليس إفرادها بالمحافظة يدل على ترك المحافظة فيما سواها، فكذا هذا.
وقال ابن إسحاق المعنى: لا تجعلوا حرامها حلالاً ولا حلالها حراماً، تعظيماً لها، فإنما نهو عن " النسئ " الذي المشركون يصنعونه.
стр. 2929
﴿وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً﴾.
أي: جميعاً.
ومعنى ﴿كَآفَّةً﴾، أي: يكف بعضهم بعضعاً عن التخلف كما يفعلون.
﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾.
أي: مع من اتقى أمره ونهيه وأطاعه.
ومن جعل ﴿فِيهِنَّ﴾ يعود على: " الاثنا عشر شهراً " وقف على: ﴿القيم﴾، ومن جعله يعود على: " الأربعة الحرم " وقف على: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، وهو قول نافع والأخفش. والأول قول أبي حاتم ويعقوب.
قوله: ﴿إِنَّمَا النسياء زِيَادَةٌ فِي الكفر﴾، الآية.
روى أحمد بن صالح، وداود، وأبو الأزهر عن ورش: ﴿النسياء﴾،
стр. 2930
مشدداً غير مهموز.
وكذلك قال أحمد بن صالح عن قالون.
وقال الحلواني عن قالون: مهموز.
стр. 2931
وكذلك روى إسماعيل بن جعفر عن نافع.
وهو من " نسأتُ " و " أَنْسَأْتُه ": إذا أخرته.
ومن قرأ بغيْرِ همزٍ احتمل أن يكون على تخفيف الهمز.
واحتمل أن يكون من " نسيت " الشيء: تركته.
ومن قرأ ﴿يُضَلُّ﴾، بفتح الياء، فمعناه: أنهم يَضِلون بتأخير شهر الحج
стр. 2932
وتقديمهم غيره.
ومن قرأ ﴿يُضَلُّ﴾ بضم الياء، على ما لم يُسمَّ فاعله احتج بقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ﴾، فأجراه عليه للمشاكلة.
وقرأ الحسن، وأبو رجاء: ﴿يُضَلُّ﴾، بالضم، من: " أضَلَّ "، على معنى: أنهم يضلون به مَنْ قَبِلَ منهم ذلك.
و ﴿الذين﴾ في القراءتين المتقدمتين في موضع رفع.
стр. 2933
وفي هذه القراءة يجوز أن يكون في موضع رفع على أنهم يضلون به من قَبِل منهم.
ويجوز أن يكون في موضع نصب، على معنى: يُضل الله به الذين كفروا.
ومعنى الآية عند الطبري: ما النسيء إلا زيادة في الكفر، على معنى: إنما التأخير الذي يؤخِّره أهل الشرك من شهور الحرم، وتصييرهم الحرام حلالاً، والحلال حراماً، زيادة في كفر من فعل ذلك.
وذلك أنَّ أبا ثُمامة بن عوف، كان يحرم عليهم صفراً عاماً، ويحلله عاماً، فيحرم صفراً والمحرم عاماً، وهو قوله: ﴿يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً﴾.
وذلك أنهم (كانوا) قد تمسكوا بتحريم الأربعة الأشهر الحرم من ملة إبراهيم، ﵇، فربما احتاجوا إلى تحليل المحرّم لحرب تكون بينهم، فيؤخرون تحريم المحرّم إلى صفر، ويقاتلون في المحرم. (هذا قول أبي عبيد، قال: فيحرمون صفراً إذا
стр. 2934
قاتلوا في الحرم)، ويقولون: هذا أحدُ الصفرين.
وقد تأول قوم قول النبي ﷺ : " لا صَفَرَ " أنه إنما نفى هذا المعنى.
ثم كانوا يحتا/جون إلى صفر لقتال، فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم يتمادون على تحريمه، ثم كذلك يؤخرون من شهر إلى شهر حتى استدار المحرم عن السنة كلها، فأتى الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله به، وذلك بعد دهر طويل؛ لأنهم كانوا ينتقلون إلى تحريم شهر، ويقيمون عليه مدة، (ثم يحتاجون إلى القتال فيه، فيحرمون ما بعده، ويقيمون عليه مدة ثم يحتاجون إلى القتال فيه، فيحرمون ما بعده ويقيمون عليه مدة)، حتى صاروا إلى المحرم، فأتى الإسلام وقد
стр. 2935
رجع إلشيء إلى حقه، فذلك قول النبي ﷺ : " إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ".
فقوله: ﴿يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً﴾، هو أنه يحلون صفراً، ثم يحتاجون إلى تحريمه [فيحرمونه]، ويحلون ما قبله، ثم يحتاجون إلى تحليل صفر، فيحلونه، ويحرمون ما بعده، كذا يصنعون.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: وقد استقر الحج الآن في ذي الحجة فلا جدال فيه.
وقال مجاهد: كانت العرب تحج عاميْن في ذي القعدة، وعاميْن في ذي الحجة، فلما حج النبي ﷺ ، كان الحج تلك السنة في ذي الحجة، فهو معنى: ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي الحج﴾، أي: استقر في ذي الحجة.
стр. 2936
وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: إن المعنى، أن رجلاً [كان] يأتي الموسم، فيحل لهم المحرم سنة ويحرم صفراً، ويحلل صفر العام المقبل، ويحرم المحرم.
قال ابن زيد: كان اسم الرجل: الْقَلَمَّس، قال شاعرهم:
ومنَّا الذي يُنْسي الشُّهورَ الْقَلَمَّسُ ... ومعنى ﴿زِيَادَةٌ﴾، (أي): أزدادوا به كفراً إلى كفرهم.
стр. 2937
ومعنى: ﴿لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله﴾. أي: ليشابهوا به الذي حرم الله، ويوافقوه به في العدة، لا يزيدون ولا ينقصون، إنما يؤخرون، ويأخذون ذا.
وروى ابن أبي شيبة أن اسم الرجل: نسيء.
﴿زُيِّنَ لَهُمْ سواء أَعْمَالِهِمْ﴾.
أي: حبب ذلك إليهم.
﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾.
أي: لا يوفقهم للهدى.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا﴾، إلى قوله: ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
هذه الآية تحريضٌ من الله، ، وحثَّ للمؤمنين على غزو الروم، وذلك غزوة تبوك. بعد الفتح، وبعد الطائف، وبعد خيبر، وحنين، أُمروا بالغزو في الصيف حين
стр. 2938
أحرقت الأرض، وطابت الثمار.
ومعنى ﴿انفروا﴾: اخرجوا غزاة.
ومعنى: ﴿اثاقلتم﴾، أي: تثاقلتم فلزمتم الأرض والمقام بمساكنكم.
﴿أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة﴾.
أي: بخفض الدَّعةِ في الدنيا عوضاً من نعيم الآخرة.
﴿فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ قَلِيلٌ﴾.
أي: ما الذي تستمعون به في الدنيا من عيشها في نعيم الآخرة إلا يسير.
قال النبي ﷺ : " مَوْضِعُ سَوْطٍ في الجنَّة أفضلُ من الدُّنيا وما فيها ".
стр. 2939
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾.
يتوعدهم على ترك الغزو إلى الروم، ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾: أي عاجلاً في الدنيا، بترككم النَّفْر إليهم.
﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾.
(أي: ويستبدل الله، ، نبيَّه ﵇ قوماً غيركم)، ينفرون معه إذا استنفروا.
﴿وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾.
أي: لا تضروه، بترككم النفير، شيئاً، إذا لا حاجة به إ ليكم ولا إلى غيركم.
﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
على أهلاككم واستبدال قوم غيركم [بكم]، وعلى سائر الأشياء.
قال ابن عباس: استنفر النبي ﵇، حيًّا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه،
стр. 2940
فأمسك عنهم القطر، فكان ذلك العذاب الأليم.
ورُويَ عن ابن عباس أنه قال: نَسَخَتْهَا: ﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال الحسن، / وعكرمة، وأكثر العلماء على أنهما محكمتان، لأن معنى ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾، [أي]: إذا احتيج إليكم.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾، معناه: أنه لا بد أن يبقى بعض المؤمنين لئلا تخلى دار الإسلام. وقد قاله: الحسن، والضحاك.
стр. 2941
وقوله: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة﴾ [التوبة: ١٢٠]، الآية، نَسَخَتْهَا (أيضاً) التي بعدها: ﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]،. وكذلك نسخت: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾، الآية.
قوله: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ﴾، الآية.
﴿ثَانِيَ اثنين﴾: نصب على الحال.
وقال على بن سليمان: نصبه على المصدر، والمعنى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ﴾، فخرج ﴿ثَانِيَ اثنين﴾.
مثل: ﴿والله أَنبَتَكُمْ [مِّنَ الأرض [نَبَاتاً]﴾ [نوح: ١٧]. . . .
стр. 2942
ومعنى الآية: أنها إعلام] من الله لأصحاب النبي ﵇، أن الله، ، قد تكفل بنصره على أعدائه في كل وقت، وحين: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ﴾ يعني: قريشاً، مفرداً مع صاحبه أبي بكر، ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾، يعني [النبي] ﵇، يقول لأبي بكر: ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾، ذلك أن أبا بكر خاف من أن يعرف مكانه، فمكث النبي ﵇، وأبو في الغار ثلاثة أيام.
والغار بجبل يسمى: " ثوراً ".
وكان عامر بن فهيرة في غنم لأبي بكر بـ: " ثور " هذا، يروح بتلك الغنم على النبي ﷺ ، بالغار، وكان أبو بكر قد أرسله بتلك الغنم إلى " ثور " قبل خروجه مع
стр. 2943
النبي ﷺ عدة.
قال أبو بكر رضي الله عن هـ: " بينا أنا مع النبي ﷺ ، [ في الغار] وأقدام المشركين فوق رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله ﷺ الله، لو أن أحدهم رفع قدمه أبصرنا، قال: " يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَينِ اللهُ ثَالِثُهُما ".
والمعنى: الله ثالثهما، بالحفظ والكلاءة والمنع منهما.
وفي فعل النبي ﷺ ، هذا مع أبي بكر سُنَّةٌ لكل من خاف من أمر لا قوام له به، أن يفر منه، ولا يُعرّض نفسه إلى ما لا طافة له به، اتباعاً لفعل نبيه، ﵇، ولو شاء الله، عز جل، أن يسكنه معهم، ويُعمي أبصارهم عنه لفعل، ولو شاء لمشى بين أيديهم ولا يرونه، ولو شاء أن يهلكهم بما أرادوا أن يفعلوا لفعل، ولم يكن ذلك عليه عزيزاً،
стр. 2944
ولكن أراد [الله] تعالى، أن يبلغ الكتاب أجله، ولتستنَّ بفعله ﷺ ، أمتهُ بعده.
وفي فعل النبي ﷺ ، وأبي دليلٌ على فساد قول من قال: من خاف شيئاً سوى الله ، لم يوقن بالقدر. فحذر أبي بكر من أن يراهم المشركون دليل على الحذر من قدر الله، ، لم يوقن بالقدر. فقال ذلك، رضي الله عن هـ، إشفاقاً على رسول الله ﷺ ، أن يُنَالَ بأذى أو يُفْتَنَ هو في دينه إن قدر عليه، فخف من ذلك، مع علمه أنّ الله ، بالغ أمره فلي كل ما أراد. وقال الله حكاية عن موسى، ﵇.
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى﴾ [طه: ٦٧] ﴿قُلْنَا لاَ تَخَفْ﴾
[طه: ٦٨].
وقوله: ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾.
أي: [على] أبي بكر، والنبي ﵇، لم تفارقه السكينة قط.
стр. 2945
والسكينة: الطمأنينة من السكون.
وقد قيل: إنَّ " الهاء " تعود على النبي ﷺ .
والأول أحسن؛ لأن النبي ﵇، معصوم من ذلك، على أنه قد قال تعالى: ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين﴾ [الفتح: ٢٦]، وذلك أن النبي ﵇، خاف على المؤمنين يوم حنين لما اضطربوا، فلما أيد الله ، المؤمنين بنصره، سكن خوف النبي/ ﷺ ، عليهم.
وقوله: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾.
" الهاء " عائدة على النبي ﷺ .
следующие страницы →