← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، فقالا: على الخبير سقَطْتَ، سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك قال: " قصر في الجنة من لؤلؤة، فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة، خضراءَ، في كل بيت سبعون سريراً ". ومعنى ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ عند ابن عباس، أي: " معدن الرجل " الذي يكون فيه. وقيل المعنى: جنات إقامة وخلود. والعرب تقول: " عَدَنَ فلانٌ بِمَوْضِعِ كَذَا "، إذا أقام به. ورُي عن النبي ﷺ ، أنه قال: " لا يدخلها إلا النبيّون والصديقون والشهداء ". وقال كعب: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، هي الكروم والأعناب، السريانية. يعني أن

стр. 3012

لغة العرب وافقت السريانية في هذا الكلام. وقال ابن مسعود: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، هي اسم لبُطْنَان الجنة، يعني وسطها. وقال الحسن: هو اسم لقصر في الجنة من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صِدّيقٌ، أو شهيدا أو حَكَمٌ عَدْلٌ. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ ، قال: " إن الله ، يفتح الذكر لثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى [منهن]، ينظر في الكتاب الذي لا ينظره غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت. ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنات عدن، وهي داره التي لم يرها غيره، ولم تخطر على قلب بشر ". وقال الضحاك: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، مدينة في الجنة، فيها الرسل، والأنبياء، والشهداء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها. وقال عطاء ﴿عَدْنٍ﴾: نهر في الجنة جنَّاته على حافتيه. ثم قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾.

стр. 3013

[أي: أكبر] من ذلك لكه، رضوان الله ، عن أهل الجنة. قال أبو سعيد الخدري: قال النبي ﷺ : " إنَّ الله ، يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبّيك ربَّنا وسَعْدَيكَ، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، لقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. فيقولون: يا ربّ، وأيُّ شيء أفضل من ذلك، فيقول: أُحِلُّ لكم رضواني فلا أسْخَطُ عليكم أبداً ". ومن أجل تفضيل الرضوان على ما قبله مما وعدوا به، انقطع الكلام، وابتدأ بالرضوان، فرفع. ثم قال تعالى: ﴿ذلك هُوَ الفوز العظيم﴾. أي: هذه الأشياء التي/ وعدوا بها، وهي الظفر الجسيم. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، وقف. ﴿أَكْبَرُ﴾، وقف. قوله: ﴿يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار﴾، إلى قوله: ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.

стр. 3014

المعنى: جاهدهم بالسيف. قال ابن مسعود: الجهاد يكون باليد، واللسان، والقلب، فإن لم يستطع فليكفهِّر في وجهه. وقال ابن عباس: أمر النبي ﷺ ، بجهادهم، باللسان للمنافقين، وبالسيف للكفار. وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف، وأغلظ على المافقين بالكلام. وقال الحسن المعنى: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بإقامة الحدود عليهم. وهو قول قتادة.

стр. 3015

وقيل: معنى جاهد المنافقين: إقامة الحجة عليهم. ثم قال حكاية عنهم: ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾، وذلك أن رجلاً من المنافقين، يسمّى: الجُلاَس بن سُوَيْد بن الصامت، قال: إن كان ما جاء به محمد حقاً، لَنَحْنُ شَرٌّ من الحَمِيرِ، فقال له ابن امرأته، واسمه عمير بن سعد،: والله، إنَّ محمداً ﷺ لَصَادِقٌ، ولأنت شر من الحمار، والله، لأخبرنّ رسول الله ﷺ ، بما قلت وإلا أفعل أخاف أن تصيبني قارعة وأؤخذ بخطيئتك، فأعلم الله النبي ﵇ بذلك، فدعا النبي ﷺ ، الرجل، فحلف ما قال، فأنزل الله : ﴿ يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾ الآية. قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما نزل فيه القرآن، تاب وحسنت توبته. وقيل: إنه سمعه يقول ذلك، عاصم بن عدي الأنصاري، وهو الذي أخبر النبي ﵇، بذلك، فاحضر للنبي ﷺ الجُلاَس وعامراً، فحلف الجُلاَس بالله ما قال ذلك، فقال عامر: والله، لقد قاله، ورفع عامر يديه، وقال: اللهم أنزل على

стр. 3016

عبدك ونبيّك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، فقال النبي ﷺ : آمين، فأنزل الله تصديق عامر، فقال الجُلاَس: قد عرض الله علي التوبة، والله، لقد قلته وصدق عامر، وتاب الجُلاَس وحسنت توبته. وَيُرْوَى أن عامراً، قال للنبي ﷺ : إنه ليريد قتلك، وفيه نزل: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾، أي: هموا بقتلك ولا ينالونه. وقال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول، رأى رجلاً من غفار، تَقَاتَلَ مع رجل من جُهينة، وكانت جُهينة حُلفاء الأنصار، فَعلا الغفاريُّ الجُهَنيَّ، فقال عبد الله للأوس: انصروا أخاكم، فوالله ما مَثَلُنَا ومَثَلُ محمد إلا كما قال القائل: سَمَنْ كلبك يأكلك، ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل﴾ [المنافقون: ٨]، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي ﷺ فأرسل إليه النبي ﵇ فسأله، فحلف ما قاله، فأنزل الله ، ﴿ يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾. وقوله: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾. قيل: هو الجُلاَس بن سويد [هَمَّ] بقتل ابن امرأته خوفاً أن يفشي عليه ما سمع منه.

стр. 3017

وقال مجاهد: هَمَّ رجل من قريش يقال له الأسود، بقتل النبي، ﵇. وقيل: هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، هم بإخراج النبي ﵇، من المدينة/ وهو ما حكاه الله ، عنه: ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل﴾. وقل: هو الجُلاَس، همّ بقتل النبي ﷺ . وقوله: ﴿وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾. والمعنى: أنهم ليس ينقمون شيئاً. قال الطبري، وغيره: كان المنافق الذي قال كلمة الكفر، حلف أنَّه ما قال، قُتِل له مولىً، فأعطاه رسول الله ﷺ ، ديته، فأغناهُ بها، فقال الله ، ما أنكروا على رسول

стр. 3018

الله ﷺ ، شيئاً: ﴿إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾. وهو الجُلاَس. وقال قتادة: كانت لعبد الله بن أُبيّ دية، فأخرجها رسول الله ﷺ [ له]. قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾. أي: إن تاب هؤلاء القائلون لكمة الكفر يكُ ذلك خيراً لهم من النفاق. ﴿وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾. أي: يدبروا عن التوبة. ﴿يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَاباً أَلِيماً فِي الدنيا﴾. أي: بالقتل، وفي الآخرة بالنار. ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأرض مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾. يمنعهم من العقاب، ولا نصير ينصرهم من عذاب الله .

стр. 3019

﴿بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾، وقف. ﴿مِن فَضْلِهِ﴾، وقف. ﴿خَيْراً لَّهُمْ﴾، وقف. قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿الغيوب﴾. والمعنى: ومن هؤلاء المنافقين ﴿مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ لئن رزقه الله ، ووسَّع عليه، لَيَصَّدَّقَنَّ، وليعْمَلَنَّ، بما يعمل أهل الصلاح فلما أغناهم الله، سبحانه ﴿مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ﴾، وأدبروا عن عهدهم، ﴿وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ الله عزو جل، بذنوبهم ﴿نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾، أي: يموتون. وفعل ذلك بهم عقوبة لبخلهم، ونقضهم ما عاهدوا الله عليه. " وهذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب، قال للنبي ﷺ : ادع الله أن يرزقني مالاً أتصدق به، فقال له النبي ﵇: " ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تُطِيقُهُ "، ثم عاود ثانية، فقال له النبي ﷺ : " أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهباً وفضةً لَسَارَتْ "، فقال: والذي بعثك

стр. 3020

بالحق لئن دعوت الله يرزقني لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له النبي ﷺ ، فاتَّخذَ غَنماً، فَنَمَتْ كما تَنْمِي الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر في جماعة، والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، فَتَنَحَّى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تَنْمِي حتى ترك الجمعة. وطفِق يلقى الركبان يوم يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فسأل النبي ﵇ عنه فأُخْبر بخبره، بكثرة غنمه وبما صار إليه، فقال النبي ﷺ ، " يا ويح ثَعْلَبَ " ثلاث مرات، فنزلت ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ". ونزلت فرائض الصدقة، فبعث النبي ﷺ ، رجلين على الصدقة، رجُلاً من جُهَينة، والآخر من بني سليم، وأمرهما أن يَمُرَّا بثعلبة، (وبرجل آخر من بني سليم، يأخذان منهما صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة)، فقال: ما هذه الأجرة، وما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا، وعودا. فانطلقا، وسمع بهما السُّلمي، فعمد إلى خِيَارٍ إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد [أن] نأخذ منك هذا. قال: بل فخذوه فإن نفسي بذلك/ طيبة، فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما

стр. 3021

رجعا حتى [مرّا] بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، وكان النبي ﷺ ، كتب لهما كتاباً في حدود الصدقة، وما يأخذانه من الناس، فأعطياه الكتاب، فنظر إليه، فقال: ما هذه إلا أُخت الجزية، انطلقا عني حتى أرى رأيي. فأتيا النبي ﷺ ، فلما رآهما قال: " يا ويح ثعلبة " قبل أن يكلمهما، ودعا للسُّلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع السلمي، وبالذي صنع ثعلبة، فانزل الله ، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ الآية، وعند رسول الله - ﷺ رجل من أقارب ثعلبة، فخرج حتى أتاه، فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل الله ، فيك كذا وكذا، فخرج حتى أتى النبي ﵇ فسأله أن يقبلَ منه صدقته فقال: " إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك "، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له النبي ﵇: " قد أمرتك فلم تطعني "، فرجع ثعلبة إلى منزله، وقُبض رسول الله ﷺ ، ولم يَقْبِضْ منه شيئاً. ثم أتى إلى أبي بكر فلم يَقْبِضَ منه شيئاً [ثم أتى إلى عمر بعد أبي بكر فلم يقبض منه شيئاً. ثم أتى إلى عثمان بعد عمر فلم يقبض منه شيئاً]. وتوفي في خلافة عثمان رضي الله عن هـ.

стр. 3022

وقيل: إن إنما نوى العهد في نفسه فلم يف به، ودَلَّ على ذلك قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. وعلامة المنافق: نقض العهد، وخلف الوعد، وكذب القول]. قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾. أي: [ألم] يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون بالله ، ورسوله ﵇، ويظهرون الإيمان، أن الله ، يعلم ما يسرون من ذلك وما يظهرون فيحذروا عقوبته، وألم يعلموا أنَّ الله علام الغيوب. قوله: ﴿الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿الفاسقين﴾.

стр. 3023

والمعنى: الذين يعيبون الذين تطوعوا بصدقاتهم على أهل المسكنة والحاجة فيقولون لهم: إنما تصدقون رياءً وسمعةً، ولم تريدوا وجه الله . ﴿ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾. أي: من المؤمنين، ومن ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ﴾، عطفه على ﴿المطوعين﴾، لأنَّ الاسم لمي يتم، إذ قوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ﴾ في الصلة عطف على ﴿يَلْمِزُونَ﴾. و" الجُهْدُ و " الجَهْدُ " عند البصريين [بمعنى]، لغتان. وقال بعض الكوفيين: الجُهدُ، بالضم: الطاقة، وبالفتح: المشقة.

стр. 3024

والسُّخْريُّ من الله: الجزاء على فعلهم. قال ابن عباس: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبي ﷺ ، وجاء رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: و [الله] ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياءً، وقالوا: إن كان الله ورسوله لَغَنِيَّيْن عن هذا الصاع. فأنزل الله : ﴿ الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾، يعني: عبد الرحمن بن عوف، ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾، يعني: الأنصاري الذي أتى بصاع من شعير. وقال ابن عباس: " جاء عبد الرحمن بمائة أوقية من ذهب، وترك لنفسه مائة، وقال: مالي ثمانية آلاف، أما أربعة آلاف فأُقرضُها الله، وأما أربعة آلاف فلي، فقال له النبي ﷺ : " بارك الله [لك] فيما أمسكت وما أعطيت " فلمزه المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن بن عوف عطيته إلا رياء، وهم كاذبون، فأنزل الله ، عذره ". وقال قتادة: جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف صدقته، وجاء رجل من الأنصار، يكنى بأبي عقيل، بصاع من تمر لم يكن له غيره، فقال: يا رسول الله، آجرت نفسي

стр. 3025

بصاعين، فانطلقت بصاع إلى أهلي/ وجئت بصاع من تمر، فلمزهُ المنافقون، وقالوا: إن الله غنيٌّ عن طياع هذا، فنزل فيه: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾. قال ابن زيد: أمر النبي ﷺ [ المسلمين] أن يتصدَّقوا، قال عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ: فأَلْفَى مالي ذلك كثيراً، فأخذت نصفه، فجئت أحمل مالاً كثيراً، فقال له رجل من المنافقين: تُرائي يا عمر، فقال: نعم أُرائي الله ورسوله، وأما غيرهما فلا، وأتى رجل من الأنصار لم يكن عنده شيء، فآجر نفسه بصاعين، فترك صاعاً لعياله، وجاء بصاع يحمله، فقال له بعض المنافقين: [إنّ] الله ورسوله عن صاعك لَغَنِيَّانِ، فأنزل الله ، عُذْرهما في قوله: ﴿الذين يَلْمِزُونَ﴾. ثم قال لنبيه ﵇، استغفر لهؤلاء المنافقين، أي: ادع الله لهم بالمغفرة أو لا تدع لهم بذلك، فلفظه لفظ الأمر ومعناه الجزاء، والجزاء خبر.

стр. 3026

والمعنى: إن استغفرت لهم، أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم. قال الضحاك: قال النبي ﷺ ، حين نزلت هذه الآية: " لأزيدنَّ على السبعين "، فنزلت: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ [لَمْ] تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، فهي عنده منسوخة بهذه. وقيل: إنها ليست بمنسوخة، وإنما هي على التهدد، وما كان النبي ﵇ ليستغفر لمنافق؛ لأن المنافق كافر بنص الكتاب. وهذا الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول، قال لأصحابه: لولا أنكم تنفقون على أصحاب محمد لانفضوا من حوله، وهو القائل: ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل﴾ [المنافقون: ٨]. " رُوي أن عبد الله هذا لما حضرته الوفاة أرسل إلى النبي ﷺ ، يسأله أحد ثوبَيْه

стр. 3027

فأرسل إليه النبي ﷺ ، أحد ثوبيه، فقال: إنما أريد الذي على جلدك من ثيابك، فبعث إليه به، فقيل للنبي ﷺ ، في ذلك، فقال: " إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئاً إذا كُفِّن فيه، وإني آمل أن يدخل في الإسلام خلق كثير بهذا السبب ". فَرُوِيَ أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب النبي، ﵇. وكان عبد الله هذا رأس المنافقين وسيِّدَهُم. قوله: ﴿فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ الله﴾، إلى قوله: ﴿مَعَ الخالفين﴾. ﴿خِلاَفَ رَسُولِ الله﴾: مفعول من أجله، أو مصدر مطلق.

стр. 3028

والمعنى: فرح الذين تخلفوا عن الغزو مع رسول الله ﵇، بجلوسهم في منازلهم، على الخلاف منهم لرسول الله ﵇، لأنه أمرهم بالخروج معه فتخلفوا عنه، وفرحوا بتخلفهم، وكرهوا الخروج في الحر. وذلك أن النبي ﷺ ، استنفرهم في غزوة تبوك في حر شديد، فقال بعضهم لبعض: ﴿لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر﴾، قال الله ، لنبيه ﵇ ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً﴾، لمن خالف أمر الله، وعصى رسوله، ﵇ من هذا الحر الذي تتواصون به بينكم أن لا تنفروا فيه، فالذي هو أشد حراً، يجب أن يتقي ﴿لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾، عن الله عز جل، وَعْظَه. وكان عدة من تخلف عن الخروج مع النبي ﵇، في غزوة تبوك من المنافقين نيفاً وثمانين رجلاً.

стр. 3029

ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً﴾. أي: [في] هذه الدنيا الفانية، / ﴿وَلْيَبْكُواْ/ كَثِيراً﴾، في جهنم ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، من التخلف عن رسول الله ﷺ ، ومعصيته. قال النبي ﵇: " والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لَضَحِكْتُمْ قليلاً، ولبكتيم كثيراً ". وروي أن النبي ﷺ نودي عند ذلك، أو قيل له: لا تُقَنِّط عبادي. قال ابن عباس: الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإذا انقطعت الدنيا، استأنفوا بكاء لا ينقطع عنهم أبداً.

стр. 3030

ثم قال تعالى لنبيه ﵇: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ﴾. أي: إن ردَّك الله من غزوتك إلى المنافقين، فاستأذنوك للخروج معك في غزوة أخرى، ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي: في غزوة تبوك، ﴿فاقعدوا مَعَ الخالفين﴾، [أي: مع الذين] قعدوا من المنافقين خلاف رسول الله ﷺ ، لأنكم منهم. قال ابن عباس: تخلف عن رسول الله ﷺ ، رجال في غزوة تبوك فأدركتهم أنفسهم، فقالوا: والله ما صنعنا شيئاً، فانطلق منهم ثلاثة نفرة، فلحقوا رسول الله ﷺ فلما أتوه تابوا، ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله، ، ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾، الآية. فقال النبي ﵇: " هلك الذين تخلفوا "، فأنزل الله ، عذرهم لما تابوا فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٨]. وقال قتادة ﴿مَعَ الخالفين﴾، مع النساء.

стр. 3031

وكانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين. وقال ابن عباس " الخالفون ": الرجال. ومعناه: اقعدوا مع مرضى الرجال وأهل الزَّمَانة والضعفاء. وقيل: " الخالفون ": الرجال الضعفاء والنساء، وغلَّب المذكر على الأصول العربية.

стр. 3032

وقال الطبري: ﴿مَعَ الخالفين﴾ مع أهل الفساد، من قولهم: " خَلَفَ الرَّجُل على أهله يَخْلُفُ خُلُوفاً "، إذا فسد، ومن قولهم: هو خلف سوءٍ "، ومن قولهم: " خَلَفَ فَمُ الصَّائِمِ "، إذا تغير ريحه، ومن قولهم: " خَلَفَ اللَّبَنِ يخلُفُ " إذا حَمُضَ. قوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ﴾، إلى قوله: ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾. هذه الآية نَهْيٌّ للنبي ﷺ ، عن الصلاة على هؤلاء المتخلفين عنه. ﴿وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ﴾. أي: لا تتولَّ دفنه. ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾. أي: جحدوا توحيد الله ، ورسالة رسوله ﵇. ﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾. أي: ولم يتوبوا من ذلك، بل ماتوا وهم خارجون عن الإسلام. وَيُرْوَى: أن هذه الآية نزلت في أمر عبد الله بن أُبيّ بن سلول، وذلك أنَّ ابنه أتى

стр. 3033

النبي ﷺ ، فقال أعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفِنّه فيه، وصَلِّ عليه، واستغفر له، فأعطاه قيمصه، وقال: إذا فرغتم فآذوني، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر، وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ [فقال النبي ﷺ : بل خَيّرني فقال: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ﴾، فصلى] النبي ﷺ . فنزل ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم﴾ الآية، فترك الصلاة عليهم. وقال أنس: أراد النبي ﵇، أن يصلي على عبد الله بن أبي بن سلول، فأخذ جبريل، ﵇، بثوبه، وقيل: بردائه، وقال: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ﴾. ثم قال الله/ ، لنبيه، ﵇: ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم﴾. أي: لا يعجبك ذلك، فتصلي عليهم. ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدنيا﴾. أي: بالغموم والهموم فيها، ويفارق روحه جسده، وهو في حسرة عليها،

стр. 3034

فتكون حسرة عليه في الدنيا، ووَبَالاً في الآخرة. ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون﴾. أي: جاحدون. ﴿وأولادهم﴾ وقف عن أبي حاتم، على أنَّ عذابهم بها في الدنيا. وغيره يقول: ﴿الدنيا﴾، يراد بها التقديم، والمعنى: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا، فعلى هذا [لا] تقف على: ﴿أولادهم﴾ وقد شرح هذا فيما تقدم بأكثر من هذا. ثم أخبر الله ، عنهم بحالهم فقال: ﴿وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بالله وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ﴾. أي: إذا أنزل الله ، عليك، يا محمد، سورة يأمرهم فيها: بالإيمان بالله، ، وبالجهاد معك. ﴿استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ﴾. أي: [ذوو] الغنى منهم في التخلف عنك، والقعود بعدك مع الضعفاء

стр. 3035

والمرضى، ومن لا يقدر على الخروج وهم القاعدون. ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف﴾. أي: مع النساء اللواتي لا فرض عليهن في الجهاد، جمع خَالِفة. ﴿وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ﴾. أي: ختم. وقد يقال للرجل: " خالفة " إذا كان غير نجيب. وقد يجمع " فاعل " صفةً على " فواعل " في الشعر، قالوا: " فَارِسٌ " و " فَوَارِس " و " هَالِكٌ " و " هوالك ". وأصل " فواعل " أن يكون جمع: " فاعلة ". قوله: ﴿لكن الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

стр. 3036

المعنى: هؤلاء لهم خيرات الآخرة ونعيمها. وواحد ﴿الخيرات﴾، " خَيْرَةٌ " مخففة، و " خيرات " كل شيء، أفضله. ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾. أي: الباقون في النعيم، المخلدون فيه. وأصل " الفلاح ": البقاء في الخير، وقولهم: " حَيَّ على الفَلاَحِ " أي: تعالوا إلى الفوز، يقال: " أفْلَحَ الرَّجُلُ "، إذا فاز وأصاب خيراً. ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾. أي: بساتين. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا﴾. أي: لابثين فيها أبداً. ﴿ذلك الفوز العظيم﴾. أي: النجاء العظيم، والحظ الجزيل.

стр. 3037

ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ المعذرون مِنَ الأعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾. والمعنى: ﴿وَجَآءَ المعذرون مِنَ الأعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾، في التخلف، ﴿وَقَعَدَ﴾ عن الإتيان إلى رسول الله ﷺ ، فيعتذروا أو يجاهدوا، و ﴿الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾، واعتذروا بالباطل بينهم، لا عند رسول الله ﵇. ﴿سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ﴾. أي: جحدوا توحيد الله ونبوة نبيه ﵇. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أي: مؤلم، أي: موجع. وقوله: ﴿المعذرون﴾، ليس من " عذَّر "، يقال: " عَذَّرَ الرَّجُلُ في الأمْرِ " إذا لم يبالغ فيه، ولم يُحكمه، ولم تكن هذه صفة هؤلاء، بل كانوا أهل اجتهاد في طلب ما ينهضهم مع النبي ﷺ فوَصْفُهم بأنُّهم قد اعتَذَروا أو أعْذَروا، أولى من وصفهم بأنهم قد عَذَّروا فإنما هم المُعْتَذِرون، ثم أدغم.

стр. 3038

وقد قرأ ابن عباس: " المُعْذِرُونَ " من: " أعذر ". ويجوز: " المُعذِّرُون " بضم العين لالتقاء الساكنين، (يتبع الضم الضم. ويجوز: " المُعِذِّرُون " بكسر العين لالتقاء الساكنين). وقد قيل: إنّ " المُعَذِّرَ " من " عذَّر " إذا قَصر في الأمر فيهم مذمومون على هذا المعنى.

стр. 3039

وعلى المعنى الآخر إذا حملته على معنى " المُعْتَذِرينَ " غير مذمومين، إذا أتوا بعذر واضح. ويجوز أن يكونوا مذمومين إذا أتوا بعذر غير واضح، يقال " اعْتَذَرَ الرَّجُلُ ": إذا أتى بعذر واضح، و " اعْتَذَرَ ": إذا لم يأت بعذر، قال تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ﴾، فهؤلاء اعتذروا بالباطل، فهم الذين يعتذرون ولا عذر لهم. ومنع المبرد أن يكون أصله: " المُعْتَذِرِين " ثم أدغم لأنه يقع اللبس. وذكر إسماعيل القاضي: أنَّ سياق الكلام يدل على أنَّه لا عذر لهم وأنهم مذمومون، لأنهم جاء/ وا ﴿لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾، ولو كانوا من الضعفاء والمرضى، والذين

стр. 3040

لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا إلى أن يستأذنوا. وقول العرب: " مَنْ عَذِيرِي مِنْ فُلاَنٍ "، معناه: قد أتى فلانٌ أمراً عظيماً يستحق عليه العقوبة، ولم يعلم الناس به، فمن يَعْذِرُني إن عاقَبْتُه. قال مجاهد: هم نفر من بني غِفار، جاءوا فاعتذروا، فلم يعذرهم الله . وكذلك قال قتادة. فهذا يدل على أنهم كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحق، فلا يوصفون بالإعْذَارِ. وقرأ ابن عباس: " المُعْذِرُون " بإسكان العين، وكان يقول: لعن الله المعتذرين، يذهب إلى أن " المعتذرين " بإسكان العين، ليس لهم عذر صحيح. و ﴿المعذرون﴾ بالتشديد: المفرطون المقصرون ولا عذر لهم.

стр. 3041

قوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى﴾ إلى قوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾. ومعنى الآية: أنه بيانٌ من الله، ، أنَّه لا حرج على الزَّمْنَى والمرضى، ومن لا يجد ما ينفق في التخلف عن الغزو، ﴿إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، يعني في مغيبهم عن الجهاد. ﴿مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ﴾. أي: ليس على من أحد فنصح لله ورسوله ﵇، سبيل. قال ابن عباس: لما أمر النبي ﵇، بالخروج إلى الغزو، وجاءه عصابة من أصحابه يقال: كانوا سبعة، فقالوا: يا رسول الله احملنا. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا ولهم بكاء، فأنزل الله عذرهم في كتابه. ﴿للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وقف. و ﴿مِن سَبِيلٍ﴾، وقف. ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا﴾ الآية.

стр. 3042

نزلت هذه الآية في بني مُقَرِنٍ من مُزَيْنَةَ، أتو النبي ﵇، ليحملهم ويغزو معهم فقال: ما أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع، إذا لم يجدوا ما ينفقون في غزوهم. وقيل: منهم العِرباض بن سارية. قال إبراهيم بن أدهم في الآية: ليس يعني الدواب، ولكن النعال. قوله: ﴿إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ﴾، إلى قوله: ﴿يَكْسِبُونَ﴾. والمعنى: إنما السبيل بالعقوبة على من استأذن في التخلف عن الغزو، وهو غني،

стр. 3043

ورضي بأن يخلف مع النساء اللواتي من خوالف للرجال في البيوت. ﴿وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ﴾. أي: ختم عليها. ﴿فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. سوء عاقبة تخلفهم، يعني: عن النبي ﷺ . ثم قال تعالى إخباراً عما يفعلون: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. أي: يعتذر هؤلاء المتخلفون بالأباطيل والكذب. ﴿قُل﴾ لهم، يا محمد، ﴿لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ [لَكُمْ]﴾. أي: لن نُصدِّقكم قد أخبرنا الله بأخباركم. ﴿وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾. أي: فما بعد، هل تتوبون أم لا. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب والشهادة﴾.

стр. 3044

أي: يعلم السر والعلانية، فيخبركم بأعمالكم فيجازيكم عليها. رُوِيَ أن النبي ﷺ ، قال: " لو أن رجلاً عبد الله في صخرة لا باب لها، ولا كوة بها لخرج عمله إلى الناس كائناً ما كان ". فالله ، يطلع قلوب المؤمنين على ما [في] قلوب إخوانهم من الخير والشر، فيحبون أهل الخير ويبغضون أهل الشر. ثم أخبرهم بما يفعلون إذا رجع المؤمنون من غزوهم فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ﴾، أي: يحلفون لكم إذا رجعتم إليهم من غزوكم، ﴿لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾، لتتركوا تأنيبهم وتعييرهم بتخلفهم، ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾، أي: فاتركوهم، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: مصيرهم إليها جزاء/ بكسبهم. قيل: إنهم كانوا بضعةً وثمانين رجلاً. قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. والمعنى: يحلف أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون لكم ﴿لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾، وأنتم لا

стр. 3045

تعلمون صدقهم من كذبهم، ﴿فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين﴾؛ لأنه يعلم سرائرهم وصدقهم وكذبهم. ثم قال تعالى: ﴿الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ﴾. " أن ": في موضع نصب، على تقدير: " وأجدر بأن لا ". تقول: " هو جدير بأن يفعل "، و " خليق بأن يفعل "، وإن شئت حذفت " الباء "، ولا يحسن حذف " الباء " إلا من " أنْ "، لو قلت: هو جدير بالفعل، لم يكن بُدُّ من " الباء ". والمعنى: الأعراب أشَدُّ جحوداً لتوحيد الله سبحانه ونفاقاً على رسوله ﵇، من أهل الحضر والأمصار، وذلك لجفائهم، وقسوة قلوبهم. ﴿وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ﴾. أي: وأخلق أن يجهلوا العلم والسنن. ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً﴾.

стр. 3046

والمعنى: ومن الأعراب من يَعُدُّ ما ينفق فيما ندبه الله، ، إليه ﴿مَغْرَماً﴾ لا ثواب له فيه، ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر﴾ أي: ينتظر بكم ما تدور به الأيام والليالي من المكروه والسوء، ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء﴾، أي: عليهم يرجع المكرو والسوء. وهذا كله في منافقين من الأعراب، قاله: ابن زيد. وقوله: ﴿دَآئِرَةُ السوء﴾. ومن قرأ بالضم، فمعناه: دائرة العذاب، و ﴿دَآئِرَةُ السوء﴾: البلاء. قال الفراء: ولا يجوز على هذا " هذا امرؤُ سوء "، كما لا يجوز " هذا امرؤ عذاب ". وقال المبرد " السَّوء " بالفتح: الرداءة.

стр. 3047

قال سيبويه: " مَرَرْتُ بِرَجُلِ صِدْقِ "، معناه: مررت برجل صالح وليس هو من صِدْق اللسان، وكذلك تقول: " مررت برجل سوء، أي: برجل فسادٍ، وليس هو من: سُوءتُهُ (سَوْءاً. وقال الفراء: " السَّوْء " بالفتح، مصدر من: سُوْءتُهُ سَوْءاً ومَسَاءَة) وسَوَائِيةً وَمَسَائِية. وقال اليزيدي في الضم، يعني: دائرة الشر، فكأن السُّوءَ الاسم، والسَّوء المصدر، فافهم. قوله: ﴿وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر﴾، الآية. المعنى: ومن الأعراب من يصدق بالله وبالبعث والثواب والعقاب، وينوي بما ينفق من صدقه، والتقرب إليه، ﴿وَصَلَوَاتِ الرسول﴾، أي: دُعَاءَه واستغفاره له.

стр. 3048

قال مجاهد: هم بنو مُقرِّن، مُزَينة، وهم الذين نزل فيهم: ﴿وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢]، الآية. ﴿ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾. أي: ألا إنَّ صلوات الرسول ﵇، أي: استغفاره ودعاءه، قربةٌ لهم عند الله . وقيل المعنى: ألا إنَّ نفقتهم قُربةٌ لهم عند الله . و ﴿قُرْبَةٌ﴾، و ﴿قُرْبَةٌ﴾ لغتان، ك: " جُمُعة " و " جُمُعَة " ويجوز في الجمع فتح

стр. 3049

الراء وضمها وإسكانها، ويجوز " قُرَبٌ ". ثم قال تعالى: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ﴾. أي: يدخلهم فيمن رحمه. قوله: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾، الآية. المعنى: والذين سبقوا إلى الإيمان، ﴿مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ﴾، أي: سلكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله: ﴿رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾، أي: أجزل لهم في الثواب. قال الشافعي/: ﴿والسابقون الأولون﴾: من أدرك بيعة الرضوان. ورُوي عنه: من أدرك بيعة الشجرة. و " المهاجرون الأولون " من (هاجر

стр. 3050

قبل البيعة. وقال أبو موسى الأشعري ﴿والسابقون الأولون﴾: المهاجرون الأولون من) صلى القبلتين. وهو قول ابن المسيب، والحسن، وقتادة، وابن سيرين. ورُوي عن عمر: أنه قرأ: " والأنصار " بالرفع، عطف على: السابقين، وبذلك قرأ الحسن، وهي قراءة يعقوب الحضرمي.
следующие страницы →