Полный текст (8 396 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
وواحدها " مغارة " وجمعها " مغاور ".
وَقَأ عيسى بن عمر، والأعمش: " أوْ مُدَّخَّلاً " بتشديد " الدال " و " الخاء "، والأصل فيه: مُتَدَخَّل على وزن: مُتَفَعَّل، ومعناه: دخول بعد دخول.
وَقَرأَ الحسن، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن: ﴿مُدَّخَلاً﴾ من دخل.
وحكى أبو إسحاق: ﴿مُدَّخَلاً﴾ بالضم، من " أدخل.
стр. 2977
وفي حرف أُبيّ: " مُدَخَّلاً " بتخفيف " الدال " وتشديد " الخاء ".
ثم أخبر نبيه ﵇، أن من المنافقين من يلمزه في الصدقات، أي: يعيبه بها، ويطعن عليه فيها.
يقال: " لَمَزه يَلْمِزُهُ، ويَلْمُزُهُ "، لغتان.
والضَّمُّ: قراءة الأعرج، وقد رواها شبل عن ابن كثير.
стр. 2978
و " الهُمَزَة اللُّمَزَة ": العياب للناس.
وقيل: " الهُمَزَةُ ": الذي يشير بعينه، و " اللُّمَزَة ": الذي يعيب في السر.
وقوله: ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ﴾.
أي: إن أعطيتهم من الصدقات رضوا عنك، فإن لم تعطهم منها سخطوا، [فليس] عيبهم لك إلا ن أجل أنك منعتهم منها.
قال مجاهد: ﴿يَلْمِزُكَ﴾: يروزك، يسألك فيها.
وقال قتادة: ﴿يَلْمِزُكَ﴾، يطعن عليك.
قال ابن زيد: قال المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحبَّ، ولا يؤثر بها إلا
стр. 2979
هواه، فنزلت الآية.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ﴾.
أي: ولو أن هؤلاء المنافقين، الذين يلمزونك في الصدقات، رضوا ما أعطاهم الله ورسوله، ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله﴾، أي: كافينا الله، ﴿سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾، أي: سيعطينا الله من فضل خزائنه، ورسوله من الصدقات وغيرها، ﴿إِنَّآ إِلَى الله رَاغِبُونَ﴾، في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقات.
قوله: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين والعاملين عَلَيْهَا﴾، الآية.
﴿فَرِيضَةً﴾: نصب على المصدر.
стр. 2980
ومعنى الآية في قول عكرمة: أنها ناسخة لكل صدقة في القرآن.
فقوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾.
قال مجاهد، وعكرمة، والزُّهري، وجابر بن زيد: / " الفقير ": الذي لا يسأل و " المسكين ": الذي يسأل.
وقال ابن عباس: " المسكين ": الطواف، و " الفقير ": فقير المسلمين.
وقال قتادة " الفقير ": المحتاج الذي به زمانه، و " المسكين ": الصحيح المحتاج.
стр. 2981
وقال الضحاك " الفقراء ": فقراء المجاهدين، و " المساكين ": [الذين] لم يهاجروا.
وذكر ابن وهب، عنه، أنّ " الفقراء ": من المهاجرين، و " المساكين "): من الأعراب. قال: وكان ابن عباس يقول: " الفقراء " من المسلمين، و " المساكين " من أهل الذمة.
وقال الشافعي " الفقراء ": الذين لا مال لهم ولا حرفة تغنيهم، و " المساكين " الذين لهم مال، أوْ حرفة لا تغنيهم.
وقال أبو ثور " الفقير ": الذي لا شيء له، و " المسكين ": الذي لا يكسب من كسبه ما يقوته.
وقال عبيد الله بن الحسن " المسكين " الذي يخشع ويستكين، بأن لم يسأل و " الفقير "، الذي يتحمل، ويقبل الشيء سراً، ولا يخشع.
стр. 2982
وقال محمد بن مَسْلمة " الفقير ": " الذي له مسكن يسكنه والخادم إلى ما هو أسفل من ذلك، و " المساكين ": الذي لا مال له.
وقال أهل اللغة: " المسكين ": الذي لا شيء له، و " الفقير ": الذي له شيء يكفيه.
قال يونس: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: لا، بل مسكين.
وقال عكرمة " الفقراء ": من اليهود والنصارى، و " المساكين ": من المسلمين.
واختار الطبري، وغيره أن يكون " الفقير ": الذي يعطى بفقره فقط، و " المسكين ": الذي يكون عليه مع فقره خضوع وذل السؤال.
وأنشد أهل اللغة قول الراعي:
أمَّا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ الِعيَالَ فَلَمْ يُتْركْ لَهُ سَبَدُ
стр. 2983
فجعل للفقير حَلُوبَةً، مقدار ما يكفي العيال.
ف: " المسكين " أشد حاجة من: الفقير " فكل مسكين فقير، وليس كل فقير مسكيناً.
ف: " الفقير ": الذي لا غنى له فوق قوت يومه، وهو فَعِيلٌ بمعنى مَفْعُول، كأنَّه مفقور الظهر، وهو الذي نزعت فَقْره [من فِقَر] ظهره، فانقطع ظهره من شدة الفقر، وهذا الاشتقاق يدل على أنّ " الفقير " أشدُّ حاجةً من " المسكين " وقد ق تعالى:
﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البحر﴾ [الكهف: ٧٩]، فسماهم: مساكين، ولهم سفينة، ولا حجة في
стр. 2984
قراءة من قرأ: " مَسَّاكِينَ "، بالتشديد؛ لأن الجماعة على التخفيف.
وقوله: ﴿والعاملين عَلَيْهَا﴾.
هم السعادة في قبضها من أهلها، يُعْطَوْنَ عليها، أغنياء كانوا أو فقراء.
وذلك عند مالك إلى الإمام، يجتهد فيما يعطيهم، وليس لهم فريضةٌ مسماة.
وأما ﴿والمؤلفة قُلُوبُهُمْ﴾، فقال ابن عباس: هم قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ ، قد أسلموا، فكان النبي ﵇، يَرْضَخُ لهم من الصدقات، فإذا أصابوا خيراً، قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك، عابوه وتركوه.
وقال الزُّهري: ﴿والمؤلفة قُلُوبُهُمْ﴾: من أسلم من يهود أو نصراني، غنياً كان أو فقيراً.
وقال الحسن: أما ﴿والمؤلفة قُلُوبُهُمْ﴾، فليس اليوم.
стр. 2985
وكذا رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ.
وقال الشعبي: كانت " المؤلفة "، على عهد النبي ﷺ ، فلما وَلِيَ أبو بكر انقطع ذلك.
وهو قول مالك، قال: يرجع سهم المؤلف إلى أهل السهام الباقية.
واقل الشافعي " المؤلفة ": من دخل في الإسلام.
وقال ابن حنبل/ وغيره: ﴿والمؤلفة قُلُوبُهُمْ﴾، في كل زمان.
وهو اختيار الطبري.
و" اللام " في قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ﴾، وما بعد ذلك، بمعنى: " في "، ولو حملت على ظاهرها لوجب أن يعطوا الصدقات، يفعلون فيها ما يشاؤون. وقوله: ﴿وَفِي الرقاب﴾، يدل على أنَّ " اللام " بمعنى " في ".
والمعنى إنما توضع الصدقات في هؤلاء على ما يستحقون، فيأخذونها لأنفسهم، ف " اللام " توجب استحقاقها كلها لهم يعملون فيها ما يشاؤون.
стр. 2986
وقوله: ﴿وَفِي الرقاب﴾.
قال ابن عباس: تعتق منها الرقبة.
قال: لا بأس أن يُعطى الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق منها الرقبة.
وممن قال يعتق من الزكاة الرقاب: الحسن البصري، ومالك، وابن حنبل، وغيرهم.
وكره مالك أن يعان بها المكاتبون.
وقال الحسن، والزهري، وابن زيد، والشافعي: معنى ﴿وَفِي الرقاب﴾، يعني المكاتبين.
والمعنى على هذا: وفي فك الرقاب، ورُوِيَ ذلك عن أبي موسى الأشعري.
стр. 2987
وولاء من أعتق من الزكاة لجميع المسلمين عند مالك.
وقال الحسن، وابن حنبل، وإسحاق: يجعل ما يتركه المعتّق في الرقاب.
وقال أبو عبيد: الولاء للمعتق.
وقوله: ﴿والغارمين﴾.
قال مجاهد الغارَمُ: من احترق بيته، أو يصيبه السيل فيذهب ماله.
وقيل: هم المستدينون في غير سرف، ينبغي للإمام أن يقضي عنهم من بيت المال.
وقال الزهري: ﴿والغارمين﴾، أصحاب الدين.
(وقال قتادة: الغارمون)، قوم غرَّقتهم الديون في غير تبذير ولا فساد.
стр. 2988
وأجاز الحسن أن يحتسبَ الرجل من زكاته بالدين، يكون له على المعسر. وهو قول عطاء.
وأجازه الليث إذا حَلَّ الأجَلُ، وكن الذي عليه الدَّيْنُ مُسْتَوْجِباً للصدقة.
وقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ الله﴾.
المعنى: وفي نصر دين الله يعطى الغازي منها وإن كان غنياً.
هذا قول مالك، والشافعي.
وقوله: ﴿وابن السبيل﴾.
هو الضيف والمسافر، والمنقطع بهما.
وقال مالك: الحاج المنقطع به هو ابن السبيل، يعطى من الزكاة.
стр. 2989
وأكثر الناس على أن المتصدق بزكاته يجزيه أن يضعها في أي الأصناف المذكورين شاء. هو قول: ابن عباس، والحسن، والنخعي، وعطاء، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة.
قال مالك: تجعل في أي الأصناف كانت فيه الحاجة.
قال مالك: من له دارٌ وخادمٌ ليس في ثمنها زيادة تكفيه لو باعهما واشترى ما هو دون منهما، فإنه يأخذ من الزكاة، فإن فضل له ما يعينه على عيشه ويكفيه إذا باعهما، واشترى غيرهما لم يأخذ من الزكاة. وهو قول الحسن، والنخعي، والثوري وأصحاب الرأي.
وقال الشافعي: إنه قد يكون للرجل الجملة من الدنانير والدراهم، وَعَلَيْهِ عِيَالٌ، وهو محتاج إلى أكثر منها، فله أن يأخذ من الزكاة.
стр. 2990
[وقال أبو حنيفة: من معه عشرون ديناراً أو مائتا درهمٍ، فليس له أن يأخذ من الزكاة].
وقيل: من له خمسون درهماً فلا يحل له أن/ يأخذ من الزكاة. وهو قول ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ.
وفيه حديث عن النبي ﷺ ، أنه قال: " مَنْ سَأَلَ، وَلَهُ مَالٌ يُغْنِيهِ، جاءت - يعني مسألته - في وجهه يوم القيامة خُمُوشاَ أو كُدُوحاً "، قالوا: يا رسول الله، وماذا غناه؟ قال: " خمسون درهماً أو حسابها من الذهب ".
وقيل: لا يأخذ من يملك أربعين درهماً من الزكامة.
ورُوِيَ عن الني ﷺ ، أنه قال: " مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أربعون درهماً، فقد سأل إِلحاَفاً "
стр. 2991
" والأوقية: أربعون درهماً ".
وقد رُوِيَ هذا عن مالك، والأول أشهر عنه. وهو [قول] أبي عبيد.
قال مالك: إذا كان الإمام يعدل فلا يسع أحداً أن يفرق زكاة ماله النَّاضِّ، ولا غيره، ولكن يدفعه إلى الإمام.
ويبعث الإمام في زكاة الماشية، وما أنبتت الأرض، ولا يبعث في زكاة العين، ولكن إن كان عدلاً سألهم ذلك، كما فعب أبو بكر رضي الله عن هـ، ويصدق الناس في ذلك.
стр. 2992
قوله: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾، إلى قوله: ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾.
روى الأعمش عن أبي بكر: " قُلْ أُذْنٌ خَيْرٌ لَّكُمْ "، بالتنوين والرفع فيهما، وهي قراءة الحسن.
ومعنى ذلك: قُلْ هو أذن خَيْرٍ لا أذن شّرٍٍّ، وذلك أنهم قالوا: هو يسمع من كل أحد، ويسمع ما يقال له ويصدقه.
فقوله: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾، أي: أذنٌ سامعة تسمع من كل أحد.
وأصله من " أَذِنَ " إذا تَسمَّعَ.
ومنه الخبر عن النبي ﷺ : " مَا أُذِنَ لِشَيء كَأَذِنه لِنَبِيٍ يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ ".
стр. 2993
ويُرْوَى " أنَّ هذه الآية نزلت في نبتل بن الحارث، ونفر معه من المنافقين، كان نَبْتَلُ يأتي النبي ﷺ ، يتحدث إليه فيستمع النبي ﷺ منه، فنيقل حديثه إلى المنافقين، ويقول: إنما محمد أُذُنٌ، من حَدَّثهُ سمِعَ وصدَّقَه.
وهو الذي قال النبي ﷺ ، فيه: " من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل ابن الحارث ".
وكان جسيماً، ثائر شعر الرأس، أسفع الخدين، أحمر العينين.
ومعنى قراءة من نوَّن، قل: أذن يسمع ما تقولون ويصدقكم في قولكم خير لكم من أن يكذبكم في قولكم، فالتقدير: إن كان الأمر كما تقولون فهو خير لكم يقبل اعتذاركم.
وقوله: ﴿يُؤْمِنُ بالله﴾.
أي: يُصدق بالله، ويصدق المؤمنين، أي: لا يقبل إلا من المؤمنين. فأكذبهم الله فيما قالوا عنه: إنه يقبل من كل أحد، فأخبرهم أنه إنما يصدق المؤمنين لا
стр. 2994
الكافرون والمافقين.
والعرب تقول: " آمنتُ له، وآمنْتُه " بمعنى، أي: صدَّقته، كما قال: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢]، بمعنى: ردفكم وكما قال: ﴿لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، أي: ربَّهم يرهبون.
و (اللام) عند الكوفيين زائدة، وعند المبرد متعلقة بمصدر دل عليه الفعل. يعني: و ﴿رَدِفَ لَكُم﴾، و ﴿يَرْهَبُونَ﴾.
قال ابن عباس: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾، أي: يسمع من كلِّ أحد.
стр. 2995
قال قتادة: كانوا يقولون: محمد أُذُن، لا يُحدَّث بشيء إلا صدَّقه.
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: وهو رحمة.
ومن قرأ: بالخفض، فعلى معنى: هو أُذُن خير وَأُذُن رحمة لمن اتبعه.
﴿والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله﴾.
أي: يعيبونه، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: مؤلم.
ثم قال تعالى حكاية عنهم: ﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾، أي: ليرضيوكم إذا بلغهم/ عنكم أنّكم سمعتم بأذاهم للنبي، فحَلَفُوا أنهم ما فعلوا ذلك، وأنهم لعلى دينكم.
﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾.
التقدير عند سبيويه: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف الأول لدلالة الكلام عليه.
стр. 2996
والتقدير عند المبرد: أنَّه لا حذف في الكلام، وأنَّ فيه تقديماً وتأخيراً، والمعنى عنده: والله أحق أن يرضوه ور [سوله].
وقد رُدّ هذا القول؛ لأن التقديم والتأخير إنما يلزم إذا لم يكن استعمال اللفظ على ظاهره، فإذا حَسُنَ استعمال اللفظ على سياقه لم يقدر به غير ترتيبه.
وقد رُدَّ أيضاً قول سيبويه بأن قيلأ: الإضمار إنما يلزم إذ لم يجز استعمال اللفظ بظاهره من سياقه، أو من تقدير فيه، فأما إذا جاز استعماله بغير زيادة على وجه ما، لم يجز تقدير إضمار وحذف.
وقوله: ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾.
أي: مصدقين فما زعموا.
ذكر بعض المفسرين: أنّ رجلاً من المنافقين، انتقص النبي ﷺ ، فسمعه ابن امرأته، فمضى إلى النبي ﵇، فأخبره، فوجه النبي ﷺ ، إلى المنافق، فأتاه، فقال: ما حملك على ما قلت؟ فأقبل المنافق يحلف بالله ما قال ذلك، وجعل ابن امرأته يقول:
стр. 2997
اللهم صِدّق الصادق، وكِذّب الكاذب، فأنزل الله : ﴿ يَحْلِفُونَ [بالله] لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾، الآية.
قوله: ﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿تَحْذَرُونَ﴾.
قوله: ﴿فَأَنَّ لَهُ﴾.
" أنّ " بدل من الأولى عند الخليل وسيبويه.
وقال المبرد والجَرْمِي: " أنَّ " الثانية مكررة للتوكيد.
стр. 2998
وقال الأخفش: " أنّ " في موضع رفع الابتداء، والمعنى: فوجوب النار له.
وأنكر ذلك أبو العباس؛ لأنَّ " أنَّ " المشددة المفتوحة لا يبتدأ بها، ويضمر الخبر.
وقال علي بن سليمان: " أَنَّ " في موضع رفع على إضمار مبتدأ، والمعنى: فالواجب أن له النار.
وكلهم أجاز كسر " أَنَّ "، واستحسنه سيبويه.
ومعنى الآية: ألا يعلم هؤلاء المنافقون ﴿أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله﴾، أي: يجانبه ويعاديه وحقيقته: أنه يقال: حادَّ فلانٌ فلاناً، أي: صار في حد غيره حده،
стр. 2999
﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً (فِيهَا)﴾، أي: لابثاً أبداً، ﴿ذلك الخزي العظيم﴾، أي: الهوان والذل.
ثم قال تعالى إخباراً عما يُسِرُّ المنافقون: ﴿يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ﴾، الآية.
المعنى: يَخْشى المنافقون، أن ينزّل الله ، سورة يخبر فيها بما في قلوبهم. وكانوا يقولون القول القبيح في النبي ﷺ ، وأصحابه بينهم، ويقولون: عسى الله ألاّ يفشي سِرَِّنا علينا.
ورُوي أنهم كانوا سبعين رجلاً، أنزل الله ، أسماءهم وأسماء آبائهم في القرآن، ثم رفع ذلك ونسخ رحمة ورأفة منه على خلقه؛ لأن أبناءهم كانوا مسلمين.
قوله: ﴿قُلِ استهزءوا إِنَّ الله﴾.
هذا تهديد من الله ، لهم.
﴿إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾.
أي: مظهر سركم الذي تخافون أن يظهر.
стр. 3000
قال قتادة: كنا نسمي هذه السورة: " الفاضحة "؛ لأنها فضحت المنافقين.
قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، إلى قوله: ﴿مُجْرِمِينَ﴾.
المعنى: ولئن سألتهم، يا محمد، عما قالوه من الباطل، ليقولن: إنما قلنا ذلك لعباً وخوضاً وهزؤاً، ﴿قُلْ﴾، يا محمد، لهم: ﴿أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾، هذا توبيخ وتقريع لهم.
قال الفراء: أنزلت في ثلاثة نفر، استهزأ رجلان منهم برسول الله ﷺ ، و/القرآن، وضحك إليهما الثالث، فنزلت: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ﴾، يعني: الضاحك، ﴿نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾، يعني المستهزئين. ف " الطائفة " تقع للواحد والاثنين.
وذكر أبو الحسن الدَّارَقُطِني في كتاب الرواة عن مالك أنّ اسماعيل بن
стр. 3001
داود المخراقي روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر، أنه قال: رأيت عبد الله بن أُبي يشتد قدام رسول الله ﷺ ، والحجارة تنكيه وهو يقول: يا محمد، إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي ﷺ يقول: ﴿أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، أي: كفرتم بقولكم في رسول الله ﷺ ، فهذا متصل بقوله: ﴿قُلْ أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾.
﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ﴾، وهو الوقف عند نافع.
﴿نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، وقف.
وَيُرْوَى أنَّ هذه الآية نزلت في رهط من المنافقين، كانوا يرجفون في غزوة النبي ﷺ ، إلى تبوك ويُخَوّفون المسلمين من الروم، فسألهم النبي ﵇ عن قولهم، فقالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.
وقال قتادة: نزلت في أُنَاس من المنافقين، قالوا في غزوة تبوك: أيرجو هذا
стр. 3002
الرجل أن يفتح قصور الشأم وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع الله ، نبيه ﵇، على ذلك، فأتاهم النبي فقال: قلتم كذا كذا. فقالوا: يا نبي الله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.
وقال ابن جبير: قال ناس من المنافقين في غزوة تبوك: لئن كان ما يقول حقاً لنحن شرٌّ من الحمير، فأعلم الله ، نبيه ﵇، بذلك، فقال لهم: ما كنتم تقولون، فقالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾ " الطائفة " التي عفا عنها هاهنا، رجل منهم كان قد أنكر ما سمع، يُسمّى: مَخشِي بن حُمَيّر الأَشْجَعِي.
وقيل: إنَّه أقر على نفسه وصاحبيه بما قالوا نادماً تائباً، فهو " الطائفة " المعفو عنها.
فالمعنى: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ﴾، بإنكار ما أنكر عليكم من قول الكفر
стр. 3003
﴿نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾ بقولهم ورضاهم بالكفر، واستهزائهم بالله سبحانه، ورسوله ﷺ ، وآياته.
وقيل: المعنى: إن تتب طائفة منكم، يعف الله ، عنها، تعذب طائفة بترك التوبة.
قال أبو أسحاق: كانت الطائفتان ثلاثة نفر، استهزأ اثنان، وضحك واحد.
﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾.
أي: باكتسابهم الجرم، وهو الكفر بالله، سبحانه، والطعن على رسوله ﵇.
قوله: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الخاسرون﴾.
هذا الكلام متصل بقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، أي: ليسوا من المؤمنين، ولكن ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾، أي: متشابهون في الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض أيديهم عن الجهاد ..
﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾.
стр. 3004
أي: تركوا الله فتركهم، أي تركوا أمره، فتركهم من رحمته وتوفيقه.
﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
أي: هم الخارجون عن الإيمان بالله ورسوله، ﵇.
وعدهم الله: ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أبداً، أي: ماكثين، لا يحيون ولا يموتون.
﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾.
أي: كافيتهم عقاباً على كفرهم.
﴿وَلَعَنَهُمُ الله﴾.
أي: أبعدهم من رحمته.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾.
أي: للفريقين من أهل الكفر والنفاق ﴿عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾، أي: دائم لا ينقطع ولا يزول.
﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾، وقف عند نافع.
стр. 3005
وقوله: ﴿كالذين﴾.
في موضع نصب نعت/ لمصدر محذوف، والمعنى: وعد الله هؤلاء بكذا وعداً، كما وعد الذين من قبلهم.
فعلى هذا لا يوقف على ما قبل " الكاف ".
ومثله: ﴿كالذي خاضوا﴾، [أي: خوضاً كما الذي خاضوا].
والمعنى عند الطبري: قل لهم، يا محمد، ﴿أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾، ﴿كالذين مِن قَبْلِكُمْ﴾، فعلوا كفعلكم، فأهلكهم الله، وأعد لهم العقوبة والنكال في
стр. 3006
الآخرة، فقد ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ [قُوَّةً]﴾، أي: بطشاً، وأكثر منكم أموالاً، ﴿فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ﴾، أي: بنصيبهم من دنياهم، كما استمتعتم، أيها المنافقون، ﴿بِخَلاَقِكُمْ﴾، أي: بنصيبكم من دنياكم، ﴿وَخُضْتُمْ﴾ مثل خوضهم.
وهذا يدل على أن " الكاف " في موضع نصب، نعت لمصدر " يستهزءون ".
وقد قال النبي ﷺ ، في هذا المعنى: " لتأخُذنَّ كما أخذت الأُمم من قبلكم، ذراعاً بذراع، وشبراً بشبر، وباعاً بباع، حتى لو أنَّ أحداً دخل جُحْرَ [ضَبٍّ] لَدَخَلْتُمُوه "، رواه عنه أبو هريرة:
ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿كالذين مِن قَبْلِكُمْ﴾، الآية.
قال أبو هريرة: " الخَلاَق ": الدِّينُ.
стр. 3007
﴿أولئك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾.
يعني الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، ركبوا فعل من سبقهم من الأمم الهالكين.
ومعنى: ﴿حَبِطَتْ﴾: بطلبت ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون﴾.
أي: المغبونون صفقتهم، لبيعهم نعيم الأبد بعرض الدنيا اليسير منه.
﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾، الآية.
والمعنى: ألم يأْت هؤلاء المنافقين خبر من كان قبلهم، من قولم نوح، وعاد، وثمود وشبههم، الذين خالفوا أمر الله ، وعصوه، جلت عظمته، فأهلكم ودمرهم، فيتعظون بذلك، وينتهون ويتفكرون ما في خبر قوم نوح، إذا غرقوا بالطوفان، وعاد وهم قوم هود، إذ هلكوا بريح صرصر عاتية، وخبر ثمود، وهو قوم صالح، إذ هلكوا بالرجفة، وخبر قوم إبراهيم، إذ سلبوا النعمة وأهلك نمرود ملكهم، وخبر أصحاب مدين، وهم قوم شعيب، إذ أهلكوا بعذاب يوم الظُلَّة.
ويُروى: أن شعيباً اسمه مدين، على اسم المدينة، فكان قوله: ﴿وأصحاب مَدْيَنَ﴾، معناه: وأصحاب شعيب.
وقوله تعالى في موضع آخر: ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ [الأعراف: ٨٥].
стр. 3008
يدل على أن مدين مدينة.
وخبر المؤتفكات، في مدائن قوم لوط، إذ صيَّر أعلاها أسفلها، وإنما سموا مؤتفكات؛ لأن أرضهم ائتفكت بهم، أي: انقلبت بهم، وهي مأخوذة من " الإفْكِ " وهو الكذب، لأنه مقلوب على الصدق، وكانت قرى ثلاثة، ولذلك جُمِعَت.
﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات﴾.
أي: أتى كل أمة رسولها، فجمع الرسل، لأن كل أمة رسولها.
﴿بالبينات﴾.
أي: بالآيات الظاهرات، والحجج النيّرات، فكذبوا وردوا وكفروا.
﴿فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾.
أي: فما كان الله ليضع عقوبته في غير مستحقيها.
﴿ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
إذ عصوا الله ، وكذبوا برسوله حتى أسخطوا ربهم، سبحانه، واستوجبوا
стр. 3009
العقوبة، فظلموا بذلك أنفسهم.
قوله: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، إلى قوله: ﴿الفوز العظيم﴾.
المعنى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات﴾، أي المصدقون بالله، ورسوله ﵇ ﴿(يَأْمُرُونَ) بالمعروف﴾، أي: يأمرون الناس بالإيمان بالله ، ورسوله ﵇.
وينهونهم عن الكفر، والمنافقون [هُمْ] / بضد ذلك ينهون عن الإيمان، ويأمرون بالمنكر، وهو الكفر بالله، ، وبرسوله ﵇.
قال أبو العالية: كل ما ذكر الله ، في القرآن من " الأمر بالمعروف " هو دعاء لمن أشرك إلى الإسلام، وما ذكره من " النهي عن المنكر " فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين.
﴿وَيُقِيمُونَ الصلاة﴾.
يعني: الصلوات الخمس، في أوقاتها وبحدوها.
﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾.
стр. 3010
يعني: المفروضة في وقتها.
﴿وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾.
يعني فيما أمرهم به، ونهاهم عنه.
﴿أولئك سَيَرْحَمُهُمُ [الله]﴾.
أي: يتعطف عليهم، فينجيهم من عذابه، ويدخلهم جناته.
ثم قال تعالى: ﴿وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾.
والمعنى: وعد الله النساء والرجال من المؤمنين بساتين. ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (أبداً).
أما ماكثين لا يزول نعيمهم ولا ينقطع، ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾، أي: منازل يسكنونها.
قال الحسن: سألت أبا هريرة وعمران بن حصين عن:
стр. 3011
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، فقالا: على الخبير سقَطْتَ، سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك قال: " قصر في الجنة من لؤلؤة، فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة، خضراءَ، في كل بيت سبعون سريراً ".
ومعنى ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ عند ابن عباس، أي: " معدن الرجل " الذي يكون فيه.
وقيل المعنى: جنات إقامة وخلود.
والعرب تقول: " عَدَنَ فلانٌ بِمَوْضِعِ كَذَا "، إذا أقام به.
ورُي عن النبي ﷺ ، أنه قال: " لا يدخلها إلا النبيّون والصديقون والشهداء ".
وقال كعب: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، هي الكروم والأعناب، السريانية. يعني أن
стр. 3012
لغة العرب وافقت السريانية في هذا الكلام.
وقال ابن مسعود: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، هي اسم لبُطْنَان الجنة، يعني وسطها.
وقال الحسن: هو اسم لقصر في الجنة من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صِدّيقٌ، أو شهيدا أو حَكَمٌ عَدْلٌ.
وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ ، قال: " إن الله ، يفتح الذكر لثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى [منهن]، ينظر في الكتاب الذي لا ينظره غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت. ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنات عدن، وهي داره التي لم يرها غيره، ولم تخطر على قلب بشر ".
وقال الضحاك: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، مدينة في الجنة، فيها الرسل، والأنبياء، والشهداء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها.
وقال عطاء ﴿عَدْنٍ﴾: نهر في الجنة جنَّاته على حافتيه.
ثم قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾.
стр. 3013
[أي: أكبر] من ذلك لكه، رضوان الله ، عن أهل الجنة.
قال أبو سعيد الخدري: قال النبي ﷺ : " إنَّ الله ، يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبّيك ربَّنا وسَعْدَيكَ، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، لقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. فيقولون: يا ربّ، وأيُّ شيء أفضل من ذلك، فيقول: أُحِلُّ لكم رضواني فلا أسْخَطُ عليكم أبداً ".
ومن أجل تفضيل الرضوان على ما قبله مما وعدوا به، انقطع الكلام، وابتدأ بالرضوان، فرفع.
ثم قال تعالى: ﴿ذلك هُوَ الفوز العظيم﴾.
أي: هذه الأشياء التي/ وعدوا بها، وهي الظفر الجسيم.
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، وقف.
﴿أَكْبَرُ﴾، وقف.
قوله: ﴿يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار﴾، إلى قوله: ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
стр. 3014
المعنى: جاهدهم بالسيف.
قال ابن مسعود: الجهاد يكون باليد، واللسان، والقلب، فإن لم يستطع فليكفهِّر في وجهه.
وقال ابن عباس: أمر النبي ﷺ ، بجهادهم، باللسان للمنافقين، وبالسيف للكفار.
وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف، وأغلظ على المافقين بالكلام.
وقال الحسن المعنى: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بإقامة الحدود عليهم.
وهو قول قتادة.
стр. 3015
وقيل: معنى جاهد المنافقين: إقامة الحجة عليهم.
ثم قال حكاية عنهم: ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾، وذلك أن رجلاً من المنافقين، يسمّى: الجُلاَس بن سُوَيْد بن الصامت، قال: إن كان ما جاء به محمد حقاً، لَنَحْنُ شَرٌّ من الحَمِيرِ، فقال له ابن امرأته، واسمه عمير بن سعد،: والله، إنَّ محمداً ﷺ لَصَادِقٌ، ولأنت شر من الحمار، والله، لأخبرنّ رسول الله ﷺ ، بما قلت وإلا أفعل أخاف أن تصيبني قارعة وأؤخذ بخطيئتك، فأعلم الله النبي ﵇ بذلك، فدعا النبي ﷺ ، الرجل، فحلف ما قال، فأنزل الله : ﴿ يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾ الآية.
قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما نزل فيه القرآن، تاب وحسنت توبته.
وقيل: إنه سمعه يقول ذلك، عاصم بن عدي الأنصاري، وهو الذي أخبر النبي ﵇، بذلك، فاحضر للنبي ﷺ الجُلاَس وعامراً، فحلف الجُلاَس بالله ما قال ذلك، فقال عامر: والله، لقد قاله، ورفع عامر يديه، وقال: اللهم أنزل على
следующие страницы →