← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

" استوى الماء والخشبة ". وقال قوم: هي بمعنى: " الباء "، وقدروا " الواو " في " الخشبة " بمعنى: بالخشبة. وأنكر الكوفيون أن يكون هذا بمنزلة " استوى الماء والخشبة "؛ لأن هذا لا يجوز فيه تقديم الخشبة على الماء، وإنما هو عندهم بمنزلة " خلطت الماء واللبن "، أي: باللبن، فكل واحد منهما يجوز أن يتقدم، مثل الآية. قال ابن عباس: " نزلت هذه الآية في عشرة أنفس تخلفوا عن النبي ﷺ ، في غزوة تبوك، فلما رجع النبي ﵇ أوثق سبعَةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي ﵇ إلى رجع في المسجد عليهم. فلما رآهم قال: من هؤلاء؟ قال: أبو لُبابة وأصحابٌ له تخلفوا عنك، يا رسول الله، حتى تطلقهم وتعذرهم. فقال رسول الله ﷺ : " فأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ". فلما بلغهم ذلك قالوا: / ونحن والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا. فأنزل الله : ﴿ وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية.

стр. 3082

فأطلقهم النبي ﵇، و ﴿عَسَى﴾ من الله واجبة ". وقيل: كانوا ستةً، والذين أوثقوا أنفسهم ثلاثة: أبو لبابة ورجلان معه. وقال زيد بن أسلم: الذين ربطوأ أنفسهم ثمانية. وقال قتادة: كانوا سبعه، وفيهم نزل: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا). وقال مجاهدة هو أبو لبابة وحده، اعترف بذنبه الذي كان في بني قريظة، إذ أشار لهم إلى حَلقِه، يريد أن رسول الله ﷺ ، ذابحكم إن نزلتم على حكم الله، سبحانه. وقال الزهري: نزلت في أبي لبابة إذ تخلف عن غزوة تبوك، يربط نفسه، حتى أنزل الله، ، توبته، ومكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خرَّ مغشيّاً عليه، فقيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ ، هو الذي يحلني، فجاء رسول الله ﷺ ، فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول

стр. 3083

الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقةً إلى الله ورسوله، قال له النبي ﷺ : "يجزيك يا أبا لُبابة الثلث". والعمل الصالح الذي عملوه، قيل: هو توبتهم. وقيل: حضورهم بدراً مع النبي ﷺ . (مُنَافِقُونَ)، وقف، إن جعلت (مَرَدُوا)، نعتاً لأهل المدينة"، فإن جعلته نعتاً للمنافقين لم تقف دونه؛ لأنه ينوي به التقديم. وقيل: كانوا ثلاثة، أبو لُبابة، ووداعة بن ثعلبة، وأوس بن خدام من الأنصار. لما رجع رسول الله ﷺ ، أوثقوا أنفسهم في سواري المسجد، وكان رسول الله

стр. 3084

- ﷺ ,إذا ابتدأ سفراً أو رجع منه ابتدأ بالمسجد, فصلى فى ركعتين, فدخل فرأى فيه قوما موثقين, فسأل عنهم, فأخبر بخبرهم, وأنهم أقسموا ألا يحلوا أنفسهم حتى يحلهم رسول الله ﷺ , فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أقسم لا أطلق عنهم حتى أومر, ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله , فلما نزل فيهم القرآن حلهم النبي ﷺ . قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، إلى قوله: ﴿التواب الرحيم﴾. قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾، هو خطاب للنبي ﵇. أي: فإنك تطهرهم بها وتزكيهم، وهذا قول الزجاج. وقيل: هما للصدقة، لا للمخاطبة، وهما في موضع النعت للصدقة، وهو قول الأخفش، قال: ويكون ﴿بِهَا﴾ توكيداً. ف: " التاء " على القول الأول للمخاطبة، وفي ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ ضمير النبي ﷺ . وهي على القول الثاني: الثانية للصدقة لا للمخاطبة، وفي

стр. 3085

﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ ضمير الصدقة. وقيل: هما للنبي ﵇، وهما في موضع الحال منه. وقيل: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ للصدقة، صفة [لها]، ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ للنبي ﵇، حال منه. وأجاز بعض النحويين، في ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ الجزم؛ لأنه جواب الأمر. وحجة من قرأ: ﴿صلاتك﴾ بالجمع هنا، وفي " هود "، وفي " المؤمنين "

стр. 3086

إجماعهم على الجمع في: ﴿وَصَلَوَاتِ الرسول﴾ [التوبة: ٩٩] ولا فرق بينها والتي في سورة المؤمنين يراد بها الصلوات الخمس، فالجمع أولى به؛ ولأنها مكتوبة في المصحف بالواو، فدل ذلك على الجمع، وعلى أن الألف التي بعد الواو اختصرت/ من الكتاب. وقد كتبوا ما عدا هذه الثلاثة بالألف، فدلت الواو في هذه الثلاثة على أنه جمع، وحذفت الألف بعد الواو كما حذفت من درجات وبينات. ومن قرأ بالتوحيد، احتج بالإجماع في: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢]، بالتوحيد، وإجماعهم على التوحيد في " الأنعام "، و ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ [المعارج: ١]. وأيضاً فإن قوله: إنَّ صَلاَتَكَ أعم من: إن صلواتك؛ لأن الجمع إنما هو لما دون العشرة، فكأنه: " إنّ دعواتك "، والتوحيد بمعنى: " إنَّ دعاءك "، والدعاء أعم من "

стр. 3087

الدعوات " وأكثر؛ لأن المصدر أعم من الجمع الذي لما دون العشرة. ومعنى الآية: خذ يا محمد من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم [﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ من دنس ذنوبهم، ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾، أي: تنميهم]، وترفعهم بها، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، أي: ادع لها بالمغفرة، ﴿إِنَّ صلاتك سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، أي: إن دعاءك طمأنينة لهم، بأن الله قد عفا عنهم، ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي: سميع لدعائك إذا دعوت، ولغير ذلك. قال ابن عباس: أتى أبو لُبابة وأصحابه حين أطلقوا، وتيب عليهم، بأموالهم إلى النبي ﷺ ، فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، فقال: ما أُمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً، فأنزل الله، : ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، الآية. وقد قيل: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: منسخٌ بقوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ [التوبة: ٨٤]. وقيل: إنَّها محكمة.

стр. 3088

والمعنى: وادع لهم إذ جاءوك بالصدقات، وعلى هذا أكثر العلماء. وقال قتادة: ﴿سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، وقَارٌ لهم. وقال زيد بن أسلم: قالوا: يا رسول الله، خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها، فأبى النبي ﷺ ، أن يأخذ. فأنزل الله : ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، الآية. قال سعيد بن جبير: كان الثلاثة إذا (اشتكى أحدهم). اشتكى الآخران مثله، وكان قد عَمِيَ، فلم يزل الآخر يدعو حتى عَمِيَ. وقال ابن عباس: ﴿سَكَنٌ لَّهُمْ﴾: رحمه لهم. وقيل: إنَّ هذا إنَّما هو في الزكاة، أمر أن يأخذ زكاة أموالهم التي عليهم.

стр. 3089

ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾. أخبر الله ، في هذه الآية بقَبول توبة من تاب من المناقين وغيرهم، وأخذ الصدقات من أموالهم. فالمعنى: ألم يعلم هؤلاء الذين تخلفوا عن الجهاد، ثم ندموما وربطوا أنفسهم بالسواري وقالوا: لا نطلق أنفسها حتى يكون النبي صلى الله عليه سولم، هو الذي يطلقنا، أن ذلك (ليس) إلى النبي صلى الله عليه [وسلم]، ولا إلى غيره، وإنما هو إلى الله سبحانه، هو يقبل توبتهم، وتوبة غيرهم، ويأخذ صدقة من تصدق، بصدقةٍ، ويعلموا أن الله هو التواب الرحيم. قال ابن زيد: قال المنافقون لما تاب الله على هؤلاء: كانوا بالأمس، لا يُكلَّمون ولا يُجَالَسُون، فما لهم اليوم يُكلَّمون ويُجالَسُون؟ فأنزل الله ، ألم يعلم هؤلاء الذين لم يتوبوا وتكلموا في هؤلاء الذين تُبت عليهم ﴿وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم﴾، الآية. قال ابن عباس: ﴿وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم﴾، يعني إن استقاموا على/التوبة. روى أبو هريرة عن النبي ﷺ ، أنه قال: " إن الله يقْبلُ، الصدقة ويأخذها بيمينه، فيرُبِّيها لأحدكم كما يُربِّى أحدكم مهرة، حتى إنَّ اللقمة لَتَصير مثل أحد.

стр. 3090

وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات﴾ و ﴿يَمْحَقُ الله الرباوا وَيُرْبِي الصدقات﴾ ". وقال ابن مسعود: ما تصدق رجل بصدقة إلاّ وقعت في يد الله قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل، ثم تلا: ﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة﴾. وقوله: ﴿وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمؤمنون﴾، إلى قوله: ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. والمعنى: ﴿وَقُلِ﴾ يا محمد، لهؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم: ﴿اعملوا﴾، أي: اعملوا بما يرضي الله، ﴿فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ﴾، وسيراه رسوله والمؤمنون، في الدنيا، ﴿وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب والشهادة﴾، أي: تردون يوم القيامة، إلى الله الذي يعلم السر والعلانية، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي يخبركم بعملكم، ويجازيكم عليه جزاء المسحنين أو جزاء المسيء.

стр. 3091

وقال مجاهد: الآية وعيد من الله. و ﴿فَسَيَرَى الله﴾، من رؤية العين. ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله﴾. هذه معطوف على ما قبله. والمعنى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب منافقون وَمِنْ أَهْلِ المدينة﴾ قوم ﴿مَرَدُواْ عَلَى النفاق﴾، ومنهم ﴿وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ﴾، ومنهم ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله﴾. فالتقدير: من هؤلاء المتخلفين عنكم، ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله﴾، وقضائه فيهم. ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾. وهم قوم تخلفوا ولم يعتذروا إلى النبي ﷺ ، وندموا على ما صنعوا، فتاب الله عليهم، إذ علم صحة توبتهم وندمهم، فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾، إلى قوله: ﴿هُوَ التواب الرحيم﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٨]. قال ابن عباس: لما نزل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، يعني: أبا لُبابة وصاحبيه، يعني: الثلاثة الذين لم يربطوا أنفسهم، ولم يظهروا التوبة، فلم يذكروا بشيءٍ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فأنزل الله، : ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله﴾، الآية، فيهم فجعل الناس

стр. 3092

يقولون: هلكوا، إذ لم ينزل فيهم عُذْرٌ. وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يتوب عليهم، فصاروا مرجئين، لا يقطع لهم بشيء، حتى نزل: ﴿لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ﴾ يعني: الثلاثة الذين أُرْجُوْا، إلى قوله: ﴿هُوَ التواب الرحيم﴾. وقال عكرمة: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾: هم الثلاثة الذين خُلَّفُوْا. والثلاثة في قول مجاهد: هلال بن أمية، ومُرارةَ بن الربيع، وكعب بن مالك، الثلاثة من الأوس. وقال الضحاك: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾، هم الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن التوبة، يعني: توبة أبي لُبابة وصاحبيه، فضاقت عليهم الأرض، وكان أصحاب محمد ﷺ ، فيهم فئتين، فئة تقول: هلكوا، وفئة تقول: عسى الله أن يعفوا عنهم، فأنزل الله/ : ﴿ وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ﴾، وأرجأ رسول الله ﷺ ، أمرهم

стр. 3093

حتى نزلت توبتهم. وقوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾. ومعناه: إما يحجزهم عن التوبة، فيعذبهم، وإما يوفقهم فيتوب عليهم. ﴿حَكِيمٌ﴾، وقف، على قراءة من قرأ: ﴿الذين﴾، بغير واو. وغير وقف على قراءة من قرأ: ﴿الذين اتخذوا﴾ بالواو. قوله: ﴿والذين اتخذوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً﴾، الآية. من قرأ: ﴿الذين﴾ بالواو، فهو في موضع رفع، والخبر محذوف، والمعنى:

стр. 3094

ومنهم الذين، مردود على: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]. وقيل: هو مردود على ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾، (والَّذِينَ اتَّخّذُوا مَسْجِداً). ومن قرأ ﴿الذين اتخذوا﴾ بغير واو، فهو في موضع بالابتداء، وفي الخبر تقديران: قال الكسائؤ الخبر: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ﴾، أي: لا تقم في مسجدهم. وقيل الخبر: ﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ﴾، وهذا أحسن. ﴿ضِرَاراً﴾ مصدر، وإن شئت مفعولاً من أجله. ومعنى الآية: إنّ اثني عشر رجلاً من المنافقين كلهم ينتمون إلى الأنصار،

стр. 3095

ويعتدون إلى بني عوف، يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، بنوا مسجداً ضراراً بمسجد " قُباء "، وأتوا النبي ﷺ ، قبل خروجه إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجداً لذِي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأْتينا فتصلي لنا فيه، فقال النبي ﷺ : إني على جَنَاحِ سَفَرٍ وشُغْل، ولو قد قدمنا، إن شاء الله، أتيناكم فصلينا لكم فيه. فلما نزل النبي ﷺ ، راجعاً [من سفره]، بقرب المدينة، بلغه الخبر، فأرسل قوماً لهدمه، فَهُدم وأُحْرِق. ومعنى ﴿ضِرَاراً﴾ أي: ضِرِاراً لمسجد رسول الله ﷺ ، وكفراً بـ الله، لمخادعتهم النبي ﵇.

стр. 3096

﴿وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين﴾. يريدون أن يتفرق جماعة المسلمين في صلواتهم. ﴿وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن [قَبْلُ]﴾. أي: إعداداً له، وهو أبو عام الذي كان حَزَّبَ الأحزاب لقتال رسول الله ﷺ ، فلما خذله الله ، لحق بالروم، يطلب النصر من ملكهم على رسول الله ﷺ ، وكتب إلى أهل مسجد الضِّرار، وأمرهم ببناء المسجد الذي بنوه ليصلي فهم فيه، إذا رجع. ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى﴾. أي: يحلف من بناه ما أردنا بذلك إلا الخير، والرفق بالمسلمين في المطر، والتوسعة على الضعفاء، ﴿والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، في وقلهم ذلك، بل بنوه لتفريق المؤمنين. قال ابن عباس: وجه أبو عامر إلى ناس من الأنصار أن يبنوا مسجداً، ويستعدوا ما يستطيعون من قوة ومن سلاح، وقال لهم: إني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتى بجند من الروم، فأخرج محمداً وأصحابه.

стр. 3097

وكان أبو عامر من الروم أصله، وكان يقول: إنه راهب، فبنوا المسجد له، ليأتي ويصلي فيه، وليكون اجتماعهم للطعن على رسول الله ﷺ ، وأصحابه فيه. فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي ﷺ ، فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنان، فنحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة. فأنزل الله/ : ﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ/ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾. قال قتادة: لما دعوا رسول الله ﷺ ليصلي في مسجدهم دعا بقميصه ليأتي إليهم، فأطلعه الله على أمرهم. قال الضحاك: بنوا مسجد الضرار بقُباء، وكذلك قال قتادة. قال ابن عباس: لما بنى النبي عليه [السلام] مسجد قُباء، بنى [قوم] من الأنصار مسجداً للضِّرار، ليضاهوا به النبي ﵇ والمؤمنين في مسجدهم. قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾، وقف في قراءة من قرا: ﴿الذين﴾ بغير واو إن قدرت أنَّ

стр. 3098

الخبر: ومنهم الذين. وإن قدرت أن يكون ﴿لاَ يَزَالُ﴾ الخبر، أو ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾، لم يجز الوقف على: ﴿مِن قَبْلُ﴾. و ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ وقف، وكذلك يقدر جميع هذه الآية. قوله: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ﴾، الآية. والمعنى: لا تقم، يا محمد، في المسجد الذي بناه المنافقون، ضِراراً وتفريقاً بين المؤمنين، أبداً. ثم أقسم، فقال: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى﴾، أي: ابتدئ أساسه وبناؤه على طاعة الله ، ورضوانه ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، ابتدئ بنيانه، ﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾، أي: أولى أن تقوم فيه، مصلياً لله، .

стр. 3099

و ﴿مِنْ﴾ هاهنا، بمعنى: منذ. وقيل: [المعنى]، من تأسيس أول يوم. ومعنى ﴿أَوَّلِ يَوْمٍ﴾: أول الأيام: كما تقول: أتيت على كل رجل، أي: على كل الرجال. قال ابن عمر، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري وابن

стр. 3100

المسيب، وخارجة بن ثابت، وابن جريج: هو مسجد رسول الله ﷺ ، الذي فيه اليوم قبره. وقال ابن عباس، وابن زيد، وعروة بن الزبير، وأبو زيد: هو مسجد قُباء. وقاله ابن جبير، وقتادة. وروي عن النبي ﷺ ، أنه قال: " هو مسجدي هذا ".

стр. 3101

وقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾. " الهاء " لمسجد النبي ﷺ وقال الشعبي: هي لمسجد قُباء. وكذلك قال شَهْرَ بْنُ حَوْشَب. فعلى هذا يجوز أن يكون الضميران مختلفين، وأن يكونا متفقين. وقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾. مدحوا، لأنهم كانوا يستنجون بالماء من الغائط والبول، لا خلاف في هذا التفسير بين أهل التفسير.

стр. 3102

قال قتادة: " لما نزلت هذه الآية، قال النبي ﷺ ، لأهل قُباء: إنّ الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فما تصنعون؟ قالوا: إنا نغسل عنّا أَثر الغائط والبول ". قوله: ﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ وقف، إن جعلت الضمير مخالفاً للضمير الأول: فإن جعلته مثله وقفت على: ﴿يَتَطَهَّرُواْ﴾. قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ﴾، الآية. قرأ نصر بن علي: " أَسَسُ بُنْينِه "، بتخفيف السين ورفعه، وخفض البنيان.

стр. 3103

وحكى أبو حاتم عن بعض القراء: " أفمن أساس بُنْيَنِهِ "، برفع أساس، وخفض البنيان. و" أسَسُ " و " أُسُّ " سواء ك: عَرَبٍ وعُرْب. و " أساسٌ " واحد، وجمعه: أُسُس. وحكى أبو حاتم، أيضاً، قراءة أخرى: " أفمن أسس بنيانه " برفع " آساس " ومده، وخفض البنيان، وهو جمع " أُسّ " ك: " خُفٍ " و " أَخَفَافٍ " والكثير " إسَاسٌ " ك " خِفَاف ". و ﴿جُرُفٍ﴾، و ﴿جُرُفٍ﴾ لغتان، وهو شفير ما ينفى من جُوُف

стр. 3104

الوادي إذا أخذه السيل. قال أبو حاتم: أصل ﴿هَارٍ﴾: هاورُ، ثم قل، ك: شاكي السلاك وشائك السلاح. وحكى الكسائي: " تَهَوّر " و " تَهَيَّر ". والهائر المتقدم. وحكى: هَارَيَهُورُ ويَهيرُ ويهار. ومعنى الآية: أنها مثل. والمعنى: / أيُّ هذين الفريقين خير؟ وأي هذين

стр. 3105

البناءين خير وأثبت؟ من ابتدأ أساس نبيانه على طاعة الله، أم من ابتدأ على ضلال وخطأ من دينه؟ قوله: ﴿فانهار [بِهِ]﴾. يحسن أن تكون الألف من " واو " أو " ياء " على ما تقدم. قال ابن عباس: [﴿بِهِ فانهار﴾]، يعني قواعده ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾. وذُكر أنه حفرت بقعة منها، فرئي الدخان. قال ابن جريج: (فلما فرغوةا من بناء المسجد، صلوا فيه ثلاثة أيام، وأنهار اليوم الرابع ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾. قال ابن جريج: ذكر لنا أنَّ رجلاً حفر فيه، فأبصر

стр. 3106

الدخان يخرج منه. وقال جابر: رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله ﷺ . قوله: ﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾. والمعنى: ولا يزال مسجدهم الذي بنوه، شكَّا في قلوبهم ونفاقاً، ﴿إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، أي: إلا أن تصدع قلوبهم فيموتوا. قال ابن عباس: ومجاهد: ﴿إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، إلا أن يموتوا. وقال السدي ﴿رِيبَةً﴾: كفراً. وفي حرف عبد الله: (ولو قطعت قلوبهم).

стр. 3107

وقيل المعنى: إلا أن يتوبوا عما فعلوا، فيكونون بمنزلة من قطع قلبه. قوله: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ المؤمنين﴾. قوله: ﴿أَنفُسَهُمْ﴾: استغنى بأقل الجمع عن الكثير، والمراد الكثير، ولفظه لفظ القليل، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] فهذا لفظه ومعناه سواء لأكثر العدد. ومن قرأ: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾، فبدأ بالمعفول. قيل: الفاعل بمعناه فيُقْتل بعضهم، ويقتل بعضهم الباقي المشركين. والعرب تقول: نحن قتلناكم يوم كذا، أي: قتلنا منكم.

стр. 3108

قوله: ﴿وَعْداً﴾، مصدر مؤكد، و ﴿حَقّاً﴾ نعن له. والمعنى: وعدهم الله الجنة وعداً حقاً عليه. قال ابن عباس: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ [وَأَمْوَالَهُمْ] بِأَنَّ لَهُمُ الجنة﴾، قال: ثامنهم والله، وأعلى لهم. " ورُوي أن عبد الله بن رواحة قال للنبي ﷺ : اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال النبي ﵇: اشترط لربي: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي: أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. فقالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع، لا نُقيل ولا نستقيل ". فنزلت: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ﴾، الآية.

стр. 3109

ثم مدحهم الله، ، فقال: ﴿التائبون العابدون﴾، أي: هم التائبون. وقال الزجاج: هو بدل. والمعنى: يقاتل التائبون. وقال: والأحسن أن يرتفعوا بالابتداء والخبر محذوف، أي: لهم الجنة. وفي قراءة عبد الله: ﴿التائبون العابدون﴾، على النعت للمؤمنين، في موضع خفض، أو في موضع نصب على المدح. وقيل: ﴿التائبون﴾ مبتدأ، وما بعدها إلى " الساجدين " عطف عليه، و ﴿الآمرون﴾ خبر الابتداء، أي: مرهم بهذه الصفة، فهم ﴿الآمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر

стр. 3110

والحافظون لِحُدُودِ الله﴾. ومعنى ﴿التائبون﴾: الراجعون مما يكرهه الله ، إلى ما يحبه. وقال الحسن: ﴿التائبون﴾، أي: عن الشرك، ﴿العابدون﴾، الله وحده في أحايينهم كلها، أي: في أعمارهم. ومعنى ﴿الحامدون﴾، الذين يحمدون الله على ما ابتلاهم به من خير وشر. وقيل المعنى: الذين حمدوا الله على الإسلام. ومعنى ﴿السائحون﴾: الصائمون روي ذلك عن النبي ﷺ . وكذلك قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والضحاك.

стр. 3111

وأصل السياحة: الذهاب في الأرض. ﴿الراكعون الساجدون﴾، يعني: في الصلاة المفروضة. ﴿الآمرون بالمعروف﴾، أي: بالإيمان بالله، ، وبرسوله ﵇. / ﴿والناهون عَنِ المنكر﴾، عن الشرك ﴿والحافظون لِحُدُودِ الله﴾، أي: العاملون بأمر الله ، ونهيه سبحانه.

стр. 3112

﴿وَبَشِّرِ المؤمنين﴾. أي: بشر من آمن، وفعل هذه الصفات من التوبة والعبادة وغيرهما، وإن لم يغزوا. وقال الحسن في هذه الآية: ﴿العابدون﴾: الذين عبدوا الله ، في أحايينهم كلها، أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين، ولكن كما قال العبد الصالح: ﴿وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ [مريم: ٣١]. قال: و ﴿السائحون﴾ الصائمون. وقال: ﴿الآمرون بالمعروف﴾، أما والله، ما أمروا بالمعروف، حتى أمروا به أنفسهم، ولا نهوا عن المنكر، حتى نهوا عنه أنفسهم، ﴿والحافظون لِحُدُودِ الله﴾، قال: هم القائمون على فرائض الله. قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، إلى قوله: ﴿حَلِيمٌ﴾. والمعنى: ما ينبغي للنبي ﷺ ، والمؤمنين: ﴿أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى﴾ منهم، ﴿مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجحيم﴾، أي: من بعد ما ماتوا على شركهم بالله سبحانه، وقد قضى القرآن (أنّ) من مات على الشرك، أنَّه من أهل النار. وهذه الآية نزلت في شأن أبي طالب، أراد النبي ﵇، أن يستغفر له بعد موته، فنهاه الله، ، عن ذلك.

стр. 3113

وروى الزهري عن ابن المسيب عن أبيه، أنه قال: " لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ ، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أمية: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيءٍ تكلم به: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : لأستغفرنَّ لك ما لم أُنه عنك. فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ "، الآية، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، الآية. الزهري عن ابن المسَيَّب قال: لما أحتضر أبو طالب أتاه النبي ﵇، وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل بن هشام، فقال له رسول الله ﷺ ، أي عم إنك أعظم الناس عليّ حقاً، وأحسنهم يداً، لأنت أعظم من والدي، فقل كلمة تجب لي يوم القيامة بها الشفاعة لك، قل: لا إله إلا الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟

стр. 3114

فسكت، فأعادها عليه رسول الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ومات. فقال النبي ﷺ : والله لأستغفرنَّ له ما لم أُنه عن ذلك، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، الآية. وقال مجاهد قال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، وقد استغفر إبراهيم لأبيه كافراً؟ فأنزل الله : ﴿ وَمَا كَانَ استغفار إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾، الآية. وقال عمرو بن دينار: قال النبي ﵇، استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني الله عنه. فقال أصحابه: فلنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي ﵇، لعَمِّه، فأنزل الله، : ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا﴾، إلى: ﴿حَلِيمٌ﴾. وقيل: نزلت في أُمِّ رسول الله ﵇ أراد أن يستغفر لها، فمنع من ذلك. رُوي أن النبي ﷺ ، لما قدم مكة، وقف على قبر أُمه حتى سَخِنَت عليه الشمس، رجاء أن يُؤْذن له فيستغفر لها/، حتى نزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾، الآية قال ذلك ابن

стр. 3115

عباس، وغيره. ولم يختلف أهل العلم في الدعاء للأبوين ما دام حيين، على أيّ دين كانا، يدعى لهما بالتوفيق والهداية، فإذا ماتا على ك فرهما لم يستغفر لهما. رُوي أن الآية نزلت في أبوي النبي ﵇، وذلك أنه ﷺ ، سأل جبريل، ﵇، عن قبر أبويه، فأرشده إليهما، فذهب إليهما، فكان يدعو لهما، وعلي رضي الله عن هـ، يُؤَمِّنُ، فنهي عن ذلك، وأُعلم أنّ إبراهيم، صلوات الله عليه، إنما أستغفر لأبيه؛ لأن أباه وعده أن يُسْلِمَ، ويترك عبادة الأصنام، فكان إبراهيم يستغفر له طمعاً أن يؤْمن، فلما مات على كفره، تبرأ منه. و" المَوْعِدَةُ " التي وعد إبراهيم أبوه هو أنه وعده أن يؤمن. وقيل: بل هي كانت من إبراهيم لأبيه وعده أن يستغفر له، حكى الله عنه أنه قال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾ [مريم: ٤٧]، فلزمه إتمام وعده.

стр. 3116

وقوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ﴾. فنهى الله، ، عن الاستغفار له تبرؤاً منه. وقيل: لما مات على كفره تبرأ منه. [فدل قوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾] على هذا المعنى، أنه (إنما) استغفر له وهو حي لوعد وعده، أنه يؤمن، فلما رآه لا يؤمن، وأنه متماد على الكفر تبرأ منه. وقيل: لما مات على كفره، (ولم يؤمن)، تبرأ منه، وترك الاستغفار له، قال ذلك ابن عباس، وغيره. وقال ابن جبير: إنما تبرأ منه في الآخرة، وذلك إنَّ إبراهيم ﵇ يسأل في والده يوم القيامة ثلاث مرات، فإذا كانت الثالثة، أخذ بيده، فليتفت إليه، فيتبرأ منه. و" الأَوَّاهُ " الدَّعَّاء.

стр. 3117

وقيل: الرحيم. قال ذلك قتادة، والحسن، وروي ذلك عن ابن مسعود. وعن ابن عباس: أنَّه: الموفق، بلسان الحبشة، (وكذلك قال مجاهد وعطاء. وعن ابن عباس أيضاً: " الأوّاه " بلسان الحبشة)، المؤمن التواب. وقال كعب: " الأوَّاهُ " الذي إذا ذكر النار تأوّه. وعن ابن جبير: أنه المُسبِّحُ، الكثير الذكر لله . وروي ذلك عن النبي ﷺ . وروي عن النبي، أنه قال لرجل: " يرحمك الله إن كنت لأواهاً " يعني

стр. 3118

تلاءً للقرآن. وقال كعب " الأوَّاه " الكثير التَّأوُّهِ. وعن مجاهد أيضاً: أنه الفقيه .. وروى شَدَّاد بن الهادي، قال رجل لرسول الله ﷺ ،: ما لأواه فقال: المتضرع. وفي حديث آخر: الخاشع المتضرع. ومعنى ﴿حَلِيمٌ﴾، أي: حليم عمن ظلمه. وعن النبي ﷺ ، أيضاً " الأوّاه "، الدَّعّاء.

стр. 3119

وقال ابن مسعود. وأصل " التأوه ": الترجُّع والتوجع بحزنه. قوله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾. المعنى: ما كان الله ليضلكم بالاستغفار للمشركين، بعد إذ هداكم للإيمان، حتى يتقدم إليكم بالنهي عن ذلك، وبيِّنه لكم فتتقوه ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم بجميع الأشياء. ﴿إِنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾. أي: له سلطان ذلك، لا رادّ لأمره، يحيي من يشاء، ويميت من يشاء، كل عبيده، وفي قبضته، فلا تجزعوا من قتال أعدائكم. وهذا حض من الله على ما تقدم من ذكر القتال. ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾. أي: ليس لكم من ينصركم من عذاب الله إن خالفتم/ أمره فأراد بكم سوءاً.

стр. 3120

قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾، إلى قوله: ﴿هُوَ التواب الرحيم﴾. قوله: ﴿مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾، رفع القلوب عند سيبويه بـ: ﴿يَزِيغُ﴾، و ﴿كَادَ﴾، فيها إضمار الحديث. ويجوز أن ترفع القلوب بـ: ﴿كَادَ﴾، ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ. وقال أبو حاتم: من قرأ: ﴿يَزِيغُ﴾ بالياء، لا يجوز أن يرفع القلوب بـ: ﴿كَادَ﴾، وهو جائز عند غيره على تذكير الجمع. والمعنى: لقد رزق الله رسوله الإبانة إلى أمره، ورزق المهاجرين وذراريهم
следующие страницы →