Полный текст (8 396 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
وقيل: بل اختلف في ذلك طائفة مؤمنة وطائفة كافرة. وقيل: الحزبان أصحاب الكهف والقوم الذين كانوا أحياء في وقت بعثهم.
ومعنى: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي: علم مشاهدة، وإلا فقد علم ذلك تعالى ذكره قبل خلق الجميع، ومعنى الكلام التوقف على النظر في معرفة مقدار لبثهم. كما تقول لمن أتى بالباطل: جئ ببرهانك حتى أعلم أنك صادق.
ومعنى: ﴿أَمَداً﴾ عدداً، قاله مجاهد، وقال: ابن عباس ﴿أَمَداً﴾: بعيداً.
قال: تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ [عَلَيْكَ] نبَأَهُم بالحق﴾ أي: نخبرك يا محمد خبرهم بالصدق واليقين.
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ﴾.
أي: إن الذين سالوك عن نبأهم [هم] فتية آمنوا بربهم، أي: صدقوا به ووحدوه.
стр. 4272
﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.
أي: إيماناً إلى إيمانهم وبصيرة، فهجروا دار قومهم وهربوا بدينهم إلى الله [ ] وفارقوا ما كانوا فيه من النعيم في الله [تعالى].
قال: تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ألهمناهم الصبر وشددنا قلوبهم بنور الإيمان حتى [عزفت] أنفسهم عما كانوا فيه من خفض العيش.
وقال: قتادة: ﴿وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ﴾ بالإيمان حين ﴿قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض﴾ أي: ملك السموات [والأرض] ﴿لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها﴾ أي: لن نعبد معبوداً سواه.
стр. 4273
﴿لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾.
أي: لو قلنا: أنه يعبد غيره لقلنا جوراً من قول. وقليل " شططاً غالياً من الكذب وقال: قتادة: " شططاً " كذباً. وقال: ابن زيد خطا.
ويقال: قد أشط فلان في السوم، إذا جاوز القدر يشط إشطاطاً وشططاً.
ويقال: شط منزل فلان، إذا بعد، يشط شطوطاً.
ويقال: شطت الجارية تشط شطاطاً وشطاطة إذا طالت.
ويقال: شط الرجل وأشَطَّ إذا جار.
وقال: أبو عبيدة ﴿إِذاً شَطَطاً﴾ أي: جوراً وغلواً.
قوله: ﴿هؤلاء قَوْمُنَا اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾.
هذا خبر عن قول الفتية، أنهم قالوا [فيما] بينهم: هؤلاء قومنا اتخذوا من دون الله آلهة فيعبدونها، هلا يأتون على عبادتهم لها بحجة ظاهرة وبينة وعذر بين، فمن
стр. 4274
أشد اعتداء وجوراً ممن اختلق على الله كذباً وأشرك في عبادته غيره.
قال: ابن عباس: كل " سلطان " في القرآن فهو حجة.
قال: ﴿وَإِذِ اعتزلتموهم وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾.
هذا أيضاً: خبر من الله [ ] عن قوله: بعض الفتية [لبعض] قالوا فيما بينهم: ﴿وَإِذِ اعتزلتموهم﴾ و [هم] الذين عبدوا الآلهة من دون الله [سبحانه] وفارقتهم دينهم. ﴿فَأْوُوا إِلَى الكهف﴾: فسيروا بنا إلى الكهف، وهو غار الجبل ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: يبسط لكم ربكم من رحمته ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً﴾ أي: ويجعل لكم ربكم من عملكم الذي أنتم فيه وخوفكم على أنفسهم ما ترفقون به.
والفتح والكسر في ميم " مرفقاً " [لغتان]. والأفصح عند الكسائي
стр. 4275
الكسر وأنكر الفراء الفتح. وقال: لا أعرف في الأمر وفي اليد وفي كل شيء إلا الكسر. قال: وكأن الذين فتحوا أرادوا أن يفرقوا بينه وبين مرفق الإنسان.
وقال الأخفش: فيه ثلاث لغات مِرْفَق، ومَرْفِق، ومَرْفَق، فمن قال: مِرْفَق جعله مما ينتقل مثل " مِقْطع ". ومن قال: مَرْفِق كمسجد لأنه من رفق يرفق كسجد يسجد. ومن قال: مَرْفَق جعله من الرفق.
قوله: ﴿وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت﴾.
أي: وترى يا محمد ﴿الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ﴾ أي: تعدل وتميل من الزور وهو الاعوجاج. قال ابن عباس: تزاور تميل يميناً وشمالاً.
стр. 4276
ثم قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال﴾.
أي: تتركهم ذات الشمال. يقال: منه قرضت موضع كذا، إذا قطعته فجاوزته، هذا مذهب البصريين.
وقال الكوفيون: قرضت موضع كذا أي: حاذيته. وحكوا عن العرب: قرضته دبراً وقبلاً: وحدوته ذات اليمين والشمال. أي: كنت بحدائه.
وأصل القرض: القطع. ومنه تسمى المقص: مقراضاً لأنه يقطع به.
وقال ابن جبير: تتركهم قال قتادة: تدعهم
قال عكرمة: كان كهفهم في القبلة، وقال القتبي: كان باب الكهف حذاء بنات نعش فكانت تزاور عن كهفهم إذا طلعت، وتتركهم إذا غربت.
стр. 4277
وقوله: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ﴾.
أي: في متسع وفضاء في الكهف:
﴿ذلك مِنْ آيَاتِ الله﴾.
أي: ما تقدم من فعل الله لهم من حجج الله [ ] على خلقه [سبحانه].
ومن الأدلة التي يستدل بها أولوا الألباب على عظم قدرته وسلطانه.
ثم قال: ﴿مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد﴾.
أي: من يوفقه بالاهتداء فهو المهتدي ﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ أي: عن آياته وأدلته.
﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً﴾.
أي: لن تجد له يا محمد خليلاً ولا حليفاً يرشده.
قال: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾.
стр. 4278
أي: تظنهم يا محمد لو رأيتهم أيقاظاً، أي: أعينهم مفتوحة فتظنهم لذلك منتبهين. وقيل: إنما ذلك لكثرة تقلبهم، تحسبهم منتبيهين.
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال﴾.
أي: نقلبهم في حال رقادهم مرة للجنب اليمين ومرة للجنب الأيسر. قال أبو عياض: وكان لهم في كل عام تقلبتين.
ثم قال: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد﴾
يعني: كلباً كان معهم للصيد. وقيل: هو إنسان من الناس كان طباخاً لهم تبعهم.
والوصيد: فناء الكهف، قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك وقتادة: وعن قتادة: " الوصيد ": الصعيد والتراب. وعن ابن عباس أيضاً:
стр. 4279
الوصيد الباب، وقيل: الوصيد العتبة، وقيل الوصيد فناء الباب، وسمي الباب وصيداً: لأنه يطبق. من قولهم: أوصدت الباب: إذا أطبقته، فهو في هذا القول: فعيل بمعنى مفعل. كأنه قال: باسط ذراعيه بالوصيد أي بالمطبق يقال: [أصدت الباب و] أوصدته إذا أطبقته فهو موصد تهمز ولا تهمز.
ثم قال: ﴿لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً﴾.
أي: لو رأيتهم [في رقدتهم] لهربت منهم خوفاً ولملئ قلبك رعباً منهم. وذلك لما كان الله ألبسهم من الهيبة لئلا يصل إليهم أحد ولا تلمسهم يد، حفظاً منه لهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله، وتوقظهم من رقدتهم قدرته في
стр. 4280
الوقت الذي يريد، ليجعلهم عبرةً لمن شاء من خلقه. وآية لمن أراد الاحتجاج بهم عليه ومن خلقه ﴿ليعلموا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٢١].
وقيل معناه: لوليت منهم فراراً ولملئت / منهم رعباً من كثرة شعورهم وكبر أظفارهم، إذ قد مر عليهم زمان طويل وهم أحياء نيام. فطالت شعورهم وعظمت أظفارهم.
قوله: ﴿وكذلك بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذاً أَبَداً﴾.
أي فكما أرقدناهم على هذه الصفة، كذلك بعثناهم من رقدتهم ﴿لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ أي: ليسأل بعضهم بعضاً و [نعرفهم] عظين قدرتنا فيزدادوا بصيرة في أمرهم وفي إيمانهم إذ لبثوا مدة عظيمة من الزمان وهم في هيئهم لم يتغيروا ولا تغيرت ثيابهم.
ثم قال: ﴿قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ﴾.
стр. 4281
أي: بعثناهم ليتساءلوا. فتساءلوا فقال: قائل منهم. كم لبثتم؟ وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم. ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
وهذا يدل على ا، الرعب منهم لمن رآهم لم يكن لطول شعورهم وأظفارهم، إذ لو كان كذلك لعاينوا من أنفسهم أمراً يمنعهم أن يقولوا لبثنا يوماً أو بعض يوم. فقال الآخرون: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ ويجوز أن يكون لما رأوا من طول شعورهم وأظفارهم ما أنكروا ﴿قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ ردوا العلم إلى الله في ذلك [سبحانه].
قال ابن جبير: قال أحدهم: لبثنا يوماً، وقال الآخر: لبثنا نحوه، فقال كبيرهم: لا تختلفوا، فإن الاختلاف هلكة ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة﴾ يعنون مدينتهم التي خرجوا منها.
قال: ابن عباس: كانت ورقهم كأخفاف الرُّبع، وهو صغار الإبل، وقال:
стр. 4282
إنهم قاموا من رقدتهم جياعاً فلبثوا في طلب الطعام.
ومعنى: ﴿أزكى طَعَاماً﴾ عند عكرمة أكثر، وهو قول أبي عبيدة. وقال: ابن جبير: أحل ذبيحة، لأن القوم كانوا مجوساً. وعن ابن عباس ﴿أزكى طَعَاماً﴾ أطهر طعاماً. وقال: مقاتل: أزكى طعاماً " أطيب طعاماً. وقال: قتادة خير طعاماً وقيل: أرخص. وعن ابن عباس: ازكى طعاماً " أطهره لأنهم كانوا يذبحون الخنازير.
﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُاً﴾ أي: بطعام ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي: يرفق ﴿وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَد﴾
стр. 4283
أي: لا يعلمن بكم أحداً من الناس. ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: إن أهل قريتكم الكفار أن يطلعوا عليكم ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ أي: يقتلوكم ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ أي: يردوكم عن دينكم [إلى دينهم] ﴿وَلَن تفلحوا إِذاً أَبَداً﴾ أي: لن تفلحوا أن رجعتم إلى دينهم وعبادة أوثانهم [أبداً].
قال وهب بن منبه: غبروا بعدما بني عليهم باب الكهف زماناً بعد زمان. ثم إن راعياً أدركه المطر عند الكهف فقال: لو فتحت هذا الكهف، وأدخلت غنمي من المطر. فلم يزل يعالجه حتى فتح ما دخل منه. ورد الله إليهم أرواحهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشتري لهم طعاماً، فلما أتى باب مدينتهم رأى شيئاً ينكره. حتى دخل [على رجل] فقال: بعني بهذه الدراهم طعاماً. فقال: من أين [لك] هذه الدراهم؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس وأتى
стр. 4284
الليل ثم أصبحوا فأرسلوني. فقال: هذه الدراهم كانت على عهد ملك فلان، فأنى لك بها؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكاً صالحاً فقال: [من] أين لك هذا الورق؟ فقال: خرجت أنا وأصحاب لي / أمس حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا.
ثم أمروني أن أشتري لهم طعاماً. فقال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف. قال: فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف فقال: دعوني أدخل إليهم قبلكم. فلما رأوه ودنا منهم ضرب على ءاذانهم فجعلوا كلما دخل رجل منهم أرعب. فلم يقدروا على أن يدخلوا إليهم فبنوا عندهم كنيسة واتخذوها مسجداً يصلون فيه.
وقال عكرمة: كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، ورزقهم الله الإسلام فاعتزلوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف. فلبثوا دهراً طويلاً حتى أهلكت أمتهم. وجاءت أمة مسلمة وملكهم مسلم. فاختلفوا في الروح والجسد فقال قائل: يبعث الروح أما الجسد فتأكله الأرض فلا يكون شيئاً. فشق على ملكهم اختلافهم فانطلق فلبس المسوح، وجلس على الرماد، ثم دعا الله [ ] فقال أي رب قد
стр. 4285
نرى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله [ ] أصحاب الكهف. فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاماً. فدخل السوق فجعل ينكر الوجوه، ويعرف الطرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهراً. فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلاً يشتري منه طعاماً فلما نظر الرجل إلى الورق أنكرها فقال له الفتى: أليس ملككم فلاناً؟ قالوا: لا ملكنا فلان، فلم يزل ذلك بينهما حتى دفعوه إلى الملك فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه. فبعث في الناس فجمعهم، فقال: إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان، يعني: ملكهم الذي مضى. فقال الفتى: انطلقوا بي إلى أصحابي. فركب الملك وركب معه الناس حتى انتهوا إلى الكهف. فقال الفتى: دعوني أدخل إلى أصحابي. فلما أبصرهم ضرب على أذنه وآذانهم، فلما استبطؤوه دخل الملك ودخل الناس معه فإذا أجسادهم لا ينكرون منها شيئاً غير أنه لا أرواح فيها. فقال الملك: هذه آية: بعثها الله [ ] لكم.
وروي في هذا أخبار طويلة ترجع إلى هذا المعنى.
стр. 4286
قوله: ﴿وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾.
أي: كما بعثناهم بعد طول رقدتهم ﴿وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أطلعنا عليهم الفريق الذين كانوا في شك من بعث الأجساد [ليعلموا أن وعد الله حق في بعث الأجساد] يوم القيامة وأن الساعة لا ريب فيها أي: إتيانها لا شك فيه.
ثم قال: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾.
أي: أطلعنا عليهم إذ يتنازعون، أي: وقت المنازعة في بعث الأجساد. والمنازعة المناظرة.
وقيل: المعنى: ليعلموا في وقت منازعتهم أن وعد الله في بعث الأجساد حق فيكون العامل في " إذ " على القول الأول " أعثرنا " وعلى الثاني " ليعلموا ".
ثم قال: ﴿[فَقَالُواْ] ابنوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً﴾.
أي قال الذين اطلعوا على أمرهم: ابنو عليهم بنيانا ﴿رَّبُّهُمْ [أَعْلَمُ بِهِمْ]﴾
стр. 4287
أي: [الله] أعلم بشأنهم قال ذلك: الكافرون. ﴿قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً﴾ قال ذلك: المسلمون.
قال: عبيد بن عمير عمى الله [ ] على الذين أعثرهم / على أصحاب الكهف مكانهم فلم يهتدوا، فقال المشركون: نبني عليهم بنياناً فإنهم أبناء آبائنا، ونعبد الله فيها.
وقال المسلمون: نحن أحق بهم، فإنهم منا، نبني عليهم مسجداً نصلي فيه، ونعبد الله فيه. وقال قتادة: ﴿الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ﴾ الولاة.
وقد روى ابن وهب: أن النبي ﷺ قال: " ليحجن عيسى ابن مريم ﵇ في سبعين. منهم أصحاب الكهف مسورين مخلخلين بالفضة ".
قال: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾.
[أي: سيقول بعض الخائضين في أمر الفتية هم ثلاثة رابعهم كلبهم] ويقول بعضهم: خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب، أي: قذفاً بالظن. ويقول بعضهم: هم
стр. 4288
سبعة وثامنهم كلبهم. قل [يا محمد للقائلين ذلك] ربي أعلم بعدتهم ما يعلم عددهم إلا ناس قليل من خلقه، قاله قتادة.
وقال ابن عباس: عني بالقليل هنا أهل الكتاب. وكان يقول: أنا ممن استثنى الله [ ] .
وروي عنه أنه قال: أنا من ذلك القليل. ويقول: عددهم سبعة، وكذلك قال: عكرمة وابن جريج هم سبعة وثامنهم كلبهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾.
أي: [لا] تجادل في عدد أصحاب الكهف يا محمد أحداً من اليهود ﴿إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ أي: بما أنزل عليك من القرآن تتلوهم عليهم لا غير. وقال ابن عباس: يقول حسبك ما قصصت عليك في أمرهم فلا تمار فيهم.
قال مجاهد: ﴿إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ إلا ما قد أظهرنا لك من أمرهم. وقال ابن
стр. 4289
زيد: معناه: أن نقول لهم: ليس كما تقولون، ليس كما تدعون.
ثم قال: ﴿وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً﴾.
أي لا تستفت في أهل الكهف أحداً من أهل الكتاب فإنهم لا يعلمون ذلك.
قال: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾.
هذا تأديب للنبي ﷺ عهد إليه ألا يجزم في الأمور أنه كائن لا محالة إلا أن يصله بمشيئة الله. إذ لا يكون شيء إلا بمشيئته وأمره. وإنما بذلك النبي ﷺ [ لأنه] وعد سائليه عن المسائل التي تقدم ذكرها أن يجيبهم عنها غد يومهم ولم يستثن. فاحتبس الوحي عنه من أجل ذلك خمس عشرة ليلة حتى حزنه إبطاؤه. ثم أنزل عليه الجواب فيهن فعرف الله [ ] نبيّه [﵇] سبب احتباس الوحي عنه وعلمه ما الذي ينبغي له أن يستعمله في عداته فيما يحدث من الأمور التي [لم] يأته من الله فيها تنزيل.
стр. 4290
وتقدير ﴿أَن يَشَآءَ الله﴾ عند الكسائي والفراء: إلا أن يقول إن شاء الله. وقال البصريون: المعنى: إلا بمشيئة الله [ ] . فأن: في موضع نصب على حذف [الباء على] هذا.
ثم قال: [تعالى]: ﴿واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.
معناه عند ابن عباس: واستثنِ في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت [ذلك] في حال اليمين. قاله فيه: [فإن] له أن يستثني ولو إلى سنْة، وكذلك قال: أبو العالية، والحسن. وقال عكرمة: معناه: واذكر ربك / إذا عصيت. وقيل: معناه:
стр. 4291
واذكر ربك إذا تركت ذكره لأن أحد معاني النسيان التي استعمل بها الترك.
ومعنى قول: من أجاز الاستثناء بعد سنة أنه يسقط ذلك الاستثناء الحرج بتركه ما أمر به في الاستثناء لأن الله [ ] أمر بالاستثناء. فإذا ذكر الإنسان، متى ما ذكر يمينه، وجب عليه أن يستثني فيسقط عنه الحرج في تركه ما أمر به ولا يسقط ذلك لكفارة إذا حنث [إلا أن يكون الاستثناء متصلاً باليمين فيسقط عنه الكفارة إذا حنث]، والحرج جميعاً، هذا معنى قول ابن عباس: أنه يستثني بعد سنة. ولم يقل أحد أن الاستثناء بعد حين يسقط عنه الكفارة إذا حنث. ولو وجب أن يسقط الكفارة بالاستثناء بعد حين لم يكن قوله تعالى: ﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٩١] الآية. فائدة: لأنه كان يستثني كل من أراد الحنث متى ما أراد الحنث ولا كفر، وتبطل فائدة الآ] ة، ولا يلزم أحد الكفارة. ويدل على ذلك أيضاً، قول النبي ﷺ : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر وليأت
стр. 4292
الذي هو خير " فأمر بالكفارة عند الحنث، ولم يقل: فليقل إن شاء الله.
ثم قال: ﴿وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾.
أي قل لهم يا محمد لعل ربي أن يرشدني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم أنه يكون إن هو شاء.
وقيل: إن هذا أمر من الله [ ] لنبيه [ ﷺ ] أن يقوله إذا نسي الاستثناء في كلامه الذي هو عنده في أمر مستقبل مع قوله إن شاء الله إذا ذكر ذلك.
وقيل: المعنى قل لعل ربي أن يعطيني من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب من الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف.
قوله: ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾.
стр. 4293
معناه: ويقولون لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين. هذا حكاية عن قول أهل الكتاب، فرد الله [ ] ذلك عليهم. وقال: [الله] لنبيّه [ ﷺ ]
﴿ قُلِ [الله] أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ الآية.
قال: قتادة: وفي حرف ابن مسعود " [و] قالوا: ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ﴾. وقال مجاهد والضحاك: هو خبر من الله [ ] عن مبلغ لبثهم في الكهف ولما قال: ﴿وازدادوا تِسْعاً﴾ قالوا سنين أو ليال أو غيرها فأنزل الله: ﴿قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ الآية.
وقيل: إن أهل الكتاب قالوا [على] عهد النبي [ ﷺ ] : إن للفتية من لدن
стр. 4294
دخلوا الكهف إلى عصرنا هذا ثلاث مائة سنة وتسع سنين، فرد الله [ ] عليهم وأعلم نبيّه أن قدر لبثهم في الكهف إلى أن بعثوا ثلاث مائة سنة وتسع.
ثم قال: تعالى لنبيّه [﵇]. ﴿قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾.
[أي] بعد أن بعثهم وقبض أرواحهم إلى يومهم هذا لا يعلم مقدار ذلك إلا الله.
ومن نوَّن " مائة " جعل " سنسن " بدلاً من " ثلاث " أو يكون عطف بيان على " ثلاث ". وقيل: هو نعت لمائة لأن مائة في معنى جمع.
وحكى بعض أهل اللغة أن العرب إذا نونت العدد أتت بعده بحمع يفسره، فيقولون: عندي ألفٌ دراهم [وثلاثمائة دراهم] وألف رجالاً، فيكون
стр. 4295
" سنين " على هذا القول تفسيراً.
ومن أضاف، أتى بالعدد على أصله. لأنا إذا قلنا عندي مائة درهم فمعناه مائة من الدراهم. فالجمع هو الأصل فأتى به في هذه القراءة على الأصل /.
[و] قوله: ﴿الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾.
أي: أعلم بلبثهم من المختلفين في ذلك. وقيل: أعلم أعلم بمعنى عالم.
وقوله ﴿وازدادوا تِسْعاً﴾.
أي: تسع سنسن. ولا يحسن أن يكون تسع ساعات ولا تسع ليال، لأن العدد إذا فسر في صدر الكلام [جر] آخره [على] ذلك التفسير. تقول عندي مائة درهم وخمسة. فتكون " الخمسة " دراهم أيضاً، لدلالة ما تقدم من التفسير على ذلك.
ثم قال: ﴿لَهُ غَيْبُ السماوات والأرض﴾.
стр. 4296
أي: له علم ذلك وملكه لا يشاركه فيه أحد.
ثم قال: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾.
أي: ما أبصر الله [جلت عظمته] واسمعه لا يخفى عليه شيء ﴿مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾ أي ليس لخلقه دون ربهم ولي يلي تدبيرهم ولا ينقذهم من عذاب الله [سبحانه] إذا جاءهم.
﴿[وَ] لاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾.
أي: ليس يشرك الله [ ] في تدبيره لعباده أحداً ولا يظهر على غيبه أحداً.
وقيل معناه: لا يجوز أن يحكم حاكم إلا بما حكم الله [ ] أو بما دل عليه حكمه، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون لله [سبحانه] شريكاً في حكمه.
стр. 4297
فأما من قرأه بالتاء والجزم، فمعناه: لا تنسبن أحداً إلى أنه يعلم الغيب ويلي تدبير الخلق.
قوله: ﴿واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾.
المعنى: واتبع يا محمد ما أنزل إليك من كتاب [ربك] والزم تلاوته والعمل بما فيه ﴿لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: لا مغير لما وعد بكلماته التي أنزلها عليك.
ثم قال: ﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾.
أي وإن لم تفعل ما أمرت به من الاتباع للكتاب ولزوم التلاوة فلن تجد من دونه ملتحداً. قال: مجاهد [" ملتحداً "] ملجأً. وقيل معناه: موئلاً. وقيل:
стр. 4298
معدلاً والمعنى واحد. وهو مفتعل من اللحد. يقال: لحدت إلى كذا أي ملت إليه. ولذلك قيل لِلَّحد لَحْد لأ [نه] في ناحية القبر وليس هو الشق الذي في وسطه. ومنه الالحاد في الدين لأنه ميل عن الحق فيه.
قال: ﴿واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي﴾.
والمعنى أن الله يقول لنبيّه ﵇: احبس نفسك يا محمد في أعمال الطاعت ﴿مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي﴾ بالذكر والحمد والتضرع يريدون بذلك وجه الله.
﴿وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾.
أي: لا تصرفهما عنهم إلى غيرهم من الكفار. وقال: ابن المسيب: هم أهل الصلاة المكتوبة، ومثله عن مجاهد.
стр. 4299
وروي أن ذلك نزل في الذين [كان] النبي ﷺ يقرئهم القرآن أُمّر أَن يصبر نفسه ليقرئهم.
وروي أنه أمر للنبي ﵇ أمر أن يقرئ الناس القرآن.
[و] هذه الآية نزلت في جماعة من عظماء المشركين أتوا النبي ﵇ وقالوا له: باعد عنك هؤلاء الذين رائحتهم رائحة الظأن وهم موال وليسوا بأشراف، لنجالسك ونفهم عنك، يعنون بذلك خباباً وصهيباً وعماراً وبلالاً ومن أشبههم فأمر [هـ] الله [ ] [ ألا] يفعل ذلك وأن يقبل عليهم ولا يلتفت إلى غير [هم] من المشركين.
فهو / قوله ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتبع هَوَاهُ﴾ يعني المشركين الذين أمروه
стр. 4300
أن يبعد عنهم هؤلاء المؤمنين.
وقيل: عني بذلك عيينة بن حصن والأقرع بن حابس. " ولما نزل ذلك على النبي ﵇ وهو في بيته التمسهم فوجد قوماً يذكرون الله [ ] ثائري الرؤوس والجلود وفي ثوب واحد فلما رآهم قال: " الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم " ".
وفي ذلك نزل ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وذلك أن النبي ﵇ همّ بابعادهم طمعاً أن يؤمن به عظماء قريش فنهاه الله [ ] عن ذلك.
وقيل [معنى] ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي﴾: يعني صلاة الصبح والصلاة
стр. 4301
بالعشي. وقيل: هم الذين يقرءون القرآن.
ثو قال: تعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا﴾.
فمعنى تريد زينة الحياة الدنيا أي تريد مجالسة الأشراف ذوي الأموال، وهم كفار، وتترك مجالس المؤمنين الفقراء. وروي أنهم كانوا لا يلبسون الأثياب الصوف من الفقر.
وقال: مجاهد: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ أي ضياعاً. وقيل معناه: ندامة. وقيل هلاكاً. وقال: ابن زيد معناه: مخالفة للحق. وهو من قولهم أفرط فلان في كذا، إذا أسرف فيه وجاوز قدره فيكون معناه وكان أمره سرفاً في كفره وافتخاره وتكبره.
قوله: ﴿وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ﴾.
المعنى: أن الله جل ذكره أمر نبيّه ﵇ أن يقول لمن تقدم ذكره في قوله
стр. 4302
﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتبع هَوَاهُ﴾ [الكهف: ٢٨] الحق من ربكم أي الهدى والتوفيق والخذلان من عند الله يهدي من يشاء فيوفقه فيؤمن، ويضل من يشاء فيخذله فيكفر، وليس إلي من ذلك شيء، ولست بطارد لهواكم من وفقه الله [ ] فآمن، فإن شئتم فاكفروا وإن شئتم فآمنوا. فإن كفرتم فقد أعد لكم [ربكم] ناراً أحاط [بهم] سرادقها.
وقوله ﴿فَلْيُؤْمِن﴾ و ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ لفظه لفظ الأمر ومعناه التهدد والوعيد. ومثله
﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ﴾ [هود: ٦٥] وقوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾ [العنكبوت: ٦٦] وشبهه كثير.
والأمر من الله [ ] على أقسام: فمنه ما معناه الإيجاب والإلزام نحو
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦] الآية، وشبهه. فهذا لا بد من فعله ويأثم من تركه، ويكفر إن عاند في تركه.
ومنه ما معناه التأديب والإرشاد نحو قوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقوله: ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفيه اختلاف. فهذا لا
стр. 4303
يخرج المأمور بتركه إلى إثم. وإن تأدب به وعمله فقد أحسن، إذ قد اتبع ما ندبه الله [ ] إليه.
ومنه ما معناه الاباحة [والاطلاق نحو قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢] وقوله:] ﴿فانتشروا فِي الأرض﴾ [الجمعة: ١٠] ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ [البقرة: ٢٢٢] فهذا إن شاء [فعله، وإن شاء] لم يفعله، ولا يشكر على فعله، ولا يندم على تركه.
ومنه / ما معناه الحتم والتكوين والإحداث نحو قوله: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] وقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧ - يس: ٨٢] فهذا تكوين وإحداث. ويوجد المأمور فيه مع الأمر ولا يتقدم ولا يتأخر.
وكل أوامر النبي [ ﷺ ] على هذه الأقسام تأتي إلا التكوين والإحداث فليس
стр. 4304
يكون إلا لله ، غير أنه قد يكون ذلك على أيدي أنبيائه دلالة على صدقهم. كقول نبينا ﷺ لشجرة دعاها: " أقبلي " فأقبلت تجري عروقها وأغصانها حتى وقفت بين يديه، ثم قال: لها: " ارجعي " فرجعت إلى مكانها، وشبهه كثير. وهذه الأوامر إنما يميز الواجب منها [من غيره] بالبراهين والدلائل والتوقيف لا غير.
وقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾.
قال: اين زيد: هو حائط من نار يحيط بهم كسرادق الفسطاط، وقاله ابن عباس. وقال: معمر: هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة وهو الذي قال: الله: [ ] ﴿ انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠].
وقيل هو البحر المحيط الذي في الدنيا، أي: أحاط بهم سرادق الدنيا أي: بحرها المحيط.
وقد روي عن النبي ﵇ أنه قال: " البحر جهنم وتلا هذه الآية. وقال: لا
стр. 4305
أدخله أبداً وما دمت حياً، ولا تصيبني منه قطرة "
فيكون معناها أحاط بهم أي عمهم.
وروى [عنه] أبو سعيد الخدري أنه قال: " سرادق النار أربع جدر، كتف كل واحد منها مسيرة أربعين سنة ".
ثم قال: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ﴾.
أي إن يستغيثوا من العطش يغاثوا بماء كالمهل أي " كعكر الزيت. فإذا قربه من فمه سقطت فروة وجهه فيه " كذا رواه الخدري عن النبي ﵇.
وعن ابن مسعود: أن المهل هو كفضة وذهب أذيبا واختلطا. وقال: مجاهد:
стр. 4306
" كالمهل " كالقيح والدم الأسود إذا اختلطا. وقال: ابن عباس: المهل ماء غليظ مثل دُرَدَيّ الزيت.
وقال: الضحاك: المهل ماء جهنم أسود، وهي سوداء، وشجرها أسود وأهلها سود. وقال: ابن جبير: المهل الذي قد انتهى حرة. وقيل: المهل عكر القطران.
وعن النبي ﵇ أنه قال: " المهل صديد أهل جهنم إذا دني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ولحم وجهه من حره ".
والمهل عند أهل اللغة: كل شيء أذبته من رصاص أو نحاس ونحوه.
ثم قال: ﴿يَشْوِي الوجوه﴾.
стр. 4307
وقال: ابن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقزم فيأكلون منها فاختلست جلودهم ووجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم. فيتضاعف عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل. فإذا أدنوه من أفواهه انشوى من حره لحوم / وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود.
وقوله: ﴿بِئْسَ الشراب﴾.
أي بئس الشراب هذا الذي يغاث به هؤلاء القوم.
وقوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾.
أي ساءت هذه النار التي أعدت لهؤلاء الظانين: ﴿مُرْتَفَقاً﴾ أي متكئاً. والمرتفق في كلام العرب المتكا. يقال: ارتفقت أي: اتكأت. . وقال: مجاهد " مرتفقاً " مجتمعاً " وهو مفتعل من الرفق.
стр. 4308
قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ [مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً]﴾ إلى قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾.
أي [إن] الذين صدقوا محمداً [ ﷺ ] وما أتى به وعملوا بما جاءهم [به] لا نضيع ثواب من أحسن عملاً.
وخبر إن الأول قوله: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ على تقدير من أحسن عملاً منهم. وحذفت " منهم " لأن الله قد أخبرنا أنه محبط عمل غير المؤمنين. وقيل التقدير: إنا لا نضيع أجرهم. وقيل: الخبر أولئك لهم جنات عدن.
وروي " أن أعرابياً سأل النبي ﷺ وهو واقف بعرفات على ناقته الصهباء عن
стр. 4309
قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ﴾ الآية. فقال: النبي [ ﷺ ] : " يا أعرابي: ما أنت منهم وما هم منك ببعيد. هؤلاء الأربعة الذين هم وقوف معي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. فاعلم قومك أن هذه الآية نزلت في هؤلاء الأبعة " ".
ولا تقف على ﴿عَمَلاً﴾ إن جعلت الخبر ﴿أولئك لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ وإن جعلت الخبر: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ﴾ وقفت عليه.
ثم قال: تعالى: ﴿أولئك لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.
أي جنات إقامة لا زوال منها. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار﴾ أي من دونهم الأنهار. كما يقال: داري تحت دارك، أي دونها. وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ كعباً. فقال: [له]: إني سمعت الله [ ] يذكر جنات عدن، فما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هو قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل. فقال: عمر: أما النبوة
стр. 4310
فقد جعلها [الله ] في أهلها، وأما الصديق فوالله إني لأرجو أن [أكون] قد صدقت بالله [ ] وبرسوله، وأما الحكم العدل فوالله إني لأرجو أن أكون ما فرقت في حكم أحداً، وأما الشهادة فأنّى لي بالشهادة؟ قال: الحسن فجمعهن الله [ ] والله له ثلاثتهن. فجعله: صديقاً، حكماً عدلاً، شهيداً.
وقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾.
أساور جمع [اسورة، وأسورة جمع] سِوار وسُوار يقال: بالضم والكسر. وحكى قطرب إسوار. وإن أساور جمع أسوار على حذف الياء لأن أصله أساوير على هذا. والمعروف أن إسوار واحد أساورة الفرس.
وقوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾.
قال: الكسائي: السندس جمع سندسة. وقال: واحد العبقري عبقرية وواحد
следующие страницы →