Полный текст (8 396 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
" كالمهل " كالقيح والدم الأسود إذا اختلطا. وقال: ابن عباس: المهل ماء غليظ مثل دُرَدَيّ الزيت.
وقال: الضحاك: المهل ماء جهنم أسود، وهي سوداء، وشجرها أسود وأهلها سود. وقال: ابن جبير: المهل الذي قد انتهى حرة. وقيل: المهل عكر القطران.
وعن النبي ﵇ أنه قال: " المهل صديد أهل جهنم إذا دني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ولحم وجهه من حره ".
والمهل عند أهل اللغة: كل شيء أذبته من رصاص أو نحاس ونحوه.
ثم قال: ﴿يَشْوِي الوجوه﴾.
стр. 4307
وقال: ابن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقزم فيأكلون منها فاختلست جلودهم ووجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم. فيتضاعف عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل. فإذا أدنوه من أفواهه انشوى من حره لحوم / وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود.
وقوله: ﴿بِئْسَ الشراب﴾.
أي بئس الشراب هذا الذي يغاث به هؤلاء القوم.
وقوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾.
أي ساءت هذه النار التي أعدت لهؤلاء الظانين: ﴿مُرْتَفَقاً﴾ أي متكئاً. والمرتفق في كلام العرب المتكا. يقال: ارتفقت أي: اتكأت. . وقال: مجاهد " مرتفقاً " مجتمعاً " وهو مفتعل من الرفق.
стр. 4308
قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ [مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً]﴾ إلى قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾.
أي [إن] الذين صدقوا محمداً [ ﷺ ] وما أتى به وعملوا بما جاءهم [به] لا نضيع ثواب من أحسن عملاً.
وخبر إن الأول قوله: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ على تقدير من أحسن عملاً منهم. وحذفت " منهم " لأن الله قد أخبرنا أنه محبط عمل غير المؤمنين. وقيل التقدير: إنا لا نضيع أجرهم. وقيل: الخبر أولئك لهم جنات عدن.
وروي " أن أعرابياً سأل النبي ﷺ وهو واقف بعرفات على ناقته الصهباء عن
стр. 4309
قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ﴾ الآية. فقال: النبي [ ﷺ ] : " يا أعرابي: ما أنت منهم وما هم منك ببعيد. هؤلاء الأربعة الذين هم وقوف معي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. فاعلم قومك أن هذه الآية نزلت في هؤلاء الأبعة " ".
ولا تقف على ﴿عَمَلاً﴾ إن جعلت الخبر ﴿أولئك لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ وإن جعلت الخبر: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ﴾ وقفت عليه.
ثم قال: تعالى: ﴿أولئك لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.
أي جنات إقامة لا زوال منها. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار﴾ أي من دونهم الأنهار. كما يقال: داري تحت دارك، أي دونها. وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ كعباً. فقال: [له]: إني سمعت الله [ ] يذكر جنات عدن، فما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هو قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل. فقال: عمر: أما النبوة
стр. 4310
فقد جعلها [الله ] في أهلها، وأما الصديق فوالله إني لأرجو أن [أكون] قد صدقت بالله [ ] وبرسوله، وأما الحكم العدل فوالله إني لأرجو أن أكون ما فرقت في حكم أحداً، وأما الشهادة فأنّى لي بالشهادة؟ قال: الحسن فجمعهن الله [ ] والله له ثلاثتهن. فجعله: صديقاً، حكماً عدلاً، شهيداً.
وقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾.
أساور جمع [اسورة، وأسورة جمع] سِوار وسُوار يقال: بالضم والكسر. وحكى قطرب إسوار. وإن أساور جمع أسوار على حذف الياء لأن أصله أساوير على هذا. والمعروف أن إسوار واحد أساورة الفرس.
وقوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾.
قال: الكسائي: السندس جمع سندسة. وقال: واحد العبقري عبقرية وواحد
стр. 4311
الرفرف: رفرفة، وواحد الأرائك: / أريكة.
والسندس ما رقَّ من الديباج، والإستبرق ما ثخن منه وغلظ. والأرائك السور في الحجال، وقيل: هي الفرش في الحجال.
ثم قال: ﴿نِعْمَ الثواب﴾ أي نعم الثواب [في] جنات عدن وما وصف فيها لمن ذكر. ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ أي حسنت هذه الأرائك والجنات التي وصف الله [ ] في هذه الآية ﴿مُرْتَفَقاً﴾ أي متكئاً.
قوله: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ إلى قوله ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾.
стр. 4312
وروي عن [ابن] عباس: أنهما أخوان ورثا مالاً فصار لكل واحد أربعة آلاف دينار. فأعطى أحدهما نصيبه للفقراء والمساكين واكتسب الآخر بنصيبه الأجنة والعبيد، فاحتاج المتصدق فتعرض لأخيه ليصله. فقال: [له] أخوة: ما فعل مالك؟ قال: قدمته بين يدي. قال: [له]: لكني اشتريت بمالي لنفسي ولولدي ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦] الآية.
وقيل: " كانا رجلين من بني إسرائيل اشتركا في تجترة فربحا ستة آلاف دينار. فاقتسماها وتفرقا. ثم اجتمعا فقال: أحدهما لصاحبه: ما فعلت؟ قال: نكحت امرأة أفضل نساء بني إسرائيل بألف دينار. فانطلق الآخر فأخرج ألفاً فقال: اللهم إن صاحبي نكح من يموت ويبلى بألف دينار. وأنا أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بهذه الألف، وتصدق بها. . . القصة بطولها.
و [المعنى و] اضرب يا محمد لهؤلاء المشركين، الذين سألوك أن تطرد الذين
стр. 4313
يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين أي بستانين من كرم ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ أي أظللنا البتانين بنخل حولهما. من قولهم حف القوم بفلان إذا حد قوابه.
وقيل: إن هذا مما سأل عنه اليهود مع قصة أهل الكهف وذي القرنين والروح، فأعلمنا الله [ ] به وجعله مثلاً للكفار ولجميع المؤمنين.
وروي أن الرجلين هما أبناء فطر سويسِ ملك كان في بني إسرائيل توفي وترك ابنين أحدهما يسمى مليخا. وكان: وكان زاهداً في الدنيا وراغباً في الآخرة، فأنفق ماله في ذات الله [ ] وكان الآخر يبني القصور، ويكسب الأجنة والعبيد، فزار الزاهد أخاه فوجد عليه حجاباً فلم يدخل إلا بعد إذن فسألأه عن ماله. فقال: أنفقته في ذات الله، وقدمته بين يدي لأقدم عليه. وجئتك زائراً. فقال: له الغني ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ أي عبيداً. ثم كان من شأنهما ما قص الله علينا.
стр. 4314
وقوله ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾.
أي جعلنا وسط هذين البستانين زرعاً ﴿كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أي: أطعم ثمرها ﴿وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً﴾ أي: لم تنقص من الأكل شيئاً ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً﴾ أي: بين أشجارهما. وفجرنا: سيلنا.
وأجاز النحويون في غير القرآن: آتتا أكلهما.
وأجاز الفراء كلتا الجنتين آتى أكله، رده على معنى كل. وفي حرف عبد الله / " كلا الجنتين اتى أكله ".
ثم قال: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾.
стр. 4315
أي: ذهب وفضة، قاله مجاهد وكذلك ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] وقال: قتادة: هو المال الكثير من أنواع شتى. وقال: ابن عمر [وابن عباس]، ثمر: مال.
وقال: مجاهد: كل ما في القرآن من " ثُمر " بالضم فهو المال، وما كان " من ثَمر " بالفتح " فهي من الثمار.
وقال ابن زيد: الثمر هنا الأصل، وكذلك ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] أي: بأصله.
وهو جمع ثمار، كحمار وحمر، وثمار جمع ثمرة، فأما من أسكن الميم فإنما
стр. 4316
أسكن استخفافاً. ومعناه كمعنى قراءة من ضم. فأما من فتح الميم والثاء، فإنه جعله جمع ثمرة كخشبة وخشب.
ثم قال: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ الآية.
أي قال: صاحب الجنتين لصاحبه، الذي لا مال له، وهو يخاطبه ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ أي: أعز عشيرة ورهطاً.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إلى قوله ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾.
أي دخل هذا الذي له جنتان جنته، وهو كافر بالله [سبحانه] وبالبعث شاكاً كما في قيام الساعة، وذلك ظلمه لنفسه، فقال: ﴿مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ لما رأى جنته وحسن ما فيها من الثمار والأنهار شك في المعاد.
стр. 4317
فقال: ما أظن أن تبيد هذه الجنة أي لا تخرب ولا تفنى.
ثم قال: ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة [قَائِمَةً]﴾ شك في قيام الساعة. ثم قال: غير موقن بالبعث: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ يقول: إن كان ثَمَّ بعثٌ فلي عند ربي خير من جنتي. لأنه لم يعطني هذا في الدنيا إلا ولي عنده أفضل منهما في المعاد إن كان ثم معاد.
وتحقيق المعنى، ولئن رددت إلى ربي، على قول صاحبي وقد أعطاني هذا في الدنيا فهو يعطيني في الآخرة أفضل من ذلك. فدل هذا على أن صاحبه المؤمن أعلمه أن ثم بعث ومجازاة. ومثله ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ﴾ [النحل: ٢٧] فأضافهما إلى نفسه، والمعنى أين شركائي على قولكم.
ثم قال: تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾.
أي قال: له صاحبه المؤمن وهو يخاطبه ﴿أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ يعني خلق آدم أباك من تراب ﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ أي: خلقك أنت من نطفة الرجل والمرأة.
﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي عدلك سوياً رجلاً لا امرأة، فكفرت به أن يعيدك خلقاً
стр. 4318
جديداً بعد موتك. [﴿لكنا هُوَ الله رَبِّي﴾ أي] لكن [أنا] أقول هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً.
وهذا يدل على أن صاحب المال كان مشركاً إذ نفى هذا المؤمن الإشراك عن نفسه.
ثم قال: ﴿ولولا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ أي هلا إذ دخلت بستانك فأعجبك ما رأيت فيه قلت: ما شاء الله كان ولا قوة على ما نحاول من الطاعة إلآ بالله، قال: أبو عامر الباجي: من أكثر من قول ما شاء الله لم يصبه شيء إلا رضي به.
قال: أبو محمد [رضي الله عن هـ]: وقوله المسلمين بأجمعهم ما شاء الله كان، وقبولهم لهذا القول واستمالتهم له بأدمعهم يدل / على أن ما حدث في الدنيا وما
стр. 4319
يحدث من خير وشر فبمشيئة الله [سبحانه]، وبقدرته [ ] وإرادته [تعالى] [كان] خلافاً لقول المعتزلة أن ثم أشياء كثيرة حدثت بغير مشيئة الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً، بل كل بمشيئته وارادته يفعل ما يشاء. كما قال ﴿إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [الحج: ١٨] ولو حدث شيء بغير مشيئته وإرادته لكان مقهوراً مغلوباً، جل وتعالى عن ذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال:
" " ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة تحت العرش؟ قال: قلت: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: [لا] قوة إلا بالله إذا قالها العبد قال: الله: " أسلم عبدي واستسلم " ".
ثم قال: [له]: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ أي: في الدنيا ﴿فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ
стр. 4320
خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً [مِّنَ السمآء]﴾ أي: عذاباً.
وواحد الحسبان حسبانة وهي المرامي، قال قتادة والضحاك وقال: ابن زيد الجسبان قضاء الله [ يقضيه].
والحسبان في اللغة الحساب كما قال: تعالى: ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] أي: بحساب. وتقدير الآية على هذا: أن يرسل عليها عذاب حسبان ما كسبت يداك مثل ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢].
ثم قال: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾.
أي: فتصبح أرضاً ملساء لا شيء فيها من شجر ولا غرس، ﴿زَلَقاً﴾ لا ينبت في أرضها قدم لإملاسها ودروس ما كان ثابتاً فيها.
والصعيد وجه الأرض الذي لا نبات فيه قال: قتادة ﴿صَعِيداً زَلَقاً﴾ أي قد
стр. 4321
حصد ما فيها ولم يترك شيء. قال: ابن عباس: مثل الجرز.
ثم قال: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾.
أي غائراً. وهو مصدر وضع موضع اسم الفاعل كما قال: رجل عدل أي عادل. وهذا مما يبقى على لفظه في الواحد والاثنين والجماعة والمؤنث.
ومعنى غائر ذاهب في الأرض فلا يلحقه الرشاء.
ثم قال: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾.
أي: فلن تدرك الماء الذي كان في جنتك إذا غار.
قال: تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾.
المعنى: وأحاط الله [ ] بثمره أي أحاط عذاب الله [ ] بثمره.
стр. 4322
والثمر أنواع المال. ولو كان الثمر المأكول لوجب أن يكون لم يهلك من ماله إلا ثمر شجرة [و] ليس الأمر على ذلك. بل هلك كل ماله في الجنتين وهلكت الجنتان مع ذلك.
وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا﴾.
هذا مثل للنادم المتأسف على ما ذهب له أن يقلب كفيه ظهراً لبطن على ذهاب نفقته في جنته ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾ أي حيطانها قائمة لا سقوف عليها. قد تهدمت سقوفها [و] بقيت حيطانها، فصارت الحيطان كأنها على السقوف إذ صارت السقوف تحت الحيطان.
وقال: مجاهد ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أي يصفق كفيه. أي يضرب كفاً على كف، وهذا يفعله صاحب المصيبة إذا نزلت به.
стр. 4323
﴿يَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾.
هذا ندم منه على ما تقدم من شركه به لما عاين ذهاب ماله والانتقام منه في الدنيا. والمعنى ويقول إذا عاين عذاب الآخرة ذلك. لم يندم على الشرك في الدنيا، إذ لو ندم على شركه/ في الدنيا لكان مؤمناً.
قال: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾.
أي لم تكن له عشيرة ينصرونه من هلاك جنته. وقيل من العذاب، قاله مجاهد. وقال: قتادة: " فئة جنده.
﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً﴾.
أي ما كان ممتنعاً من عذاب الله [ ] إذا عذبه [سبحانه].
قال: تعالى: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق﴾.
أي لم يكن ممتنعاً ﴿هُنَالِكَ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿الولاية لِلَّهِ الحق﴾ فلا يوقف على " منتصراً " على هذا التقدير. ويجوز أن يكون ﴿هُنَالِكَ﴾ ظرفاً للولاية، فيحسن الوقف
стр. 4324
على " منتصراً ".
و" الولاية " بفتح الواو، في الدين مصدر للولي، من قوله ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله﴾ [الأعراف: ١٩٦] ومعناه يتولى المؤمنين [و] قال: الفراء والكسائي الولاية بفتح الواو يعني به النصرة، أي هنالك النصرة لله [ ] . ودل على هذا قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً﴾.
والولاية بكسر الواو السلطان والقدرة. وهو مصدر وليت الشيء ولاية، فهو مصدر الوالي، هذا قول الكسائي والفراء. والمعنى ثم القدرة والنصرة والسلطان لله [ ] وثم إشارة إلى يوم القيامة.
وأجاز أبو إسحاق " الحق " بالنصب على المصدر. أي أحق الحق. ولم
стр. 4325
يقرأ به أحد.
ثم قال: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾.
أي الله خير المثيبين في العاجل والآجل، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي عاقبة في الأجل إذا صار إليه المطيع له. والعقب العاقبة وهي العقبا وذلك ما يصير إليه الأمر.
قال: ﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾.
أي واضرب للمشركين يا محمد الذين رغبوا [في الدنيا] واختاروها على الآخرة فسألوك أن نطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه للدنيا.
﴿مَّثَلَ﴾ أي شبهاً.
﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح﴾.
стр. 4326
أي كمطر أنزله الله من السماء ﴿فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً﴾ فمثل الدنيا كمثل هذا النبات الذي حسن استواؤه بهذا المطر ثم انقطع عنه فعاد هشيما. أي: يابساً فتاتاً ﴿تَذْرُوهُ الرياح﴾ لا فائدة فيه. وكذلك الحياة الدنيا، بينما الإنسان في غضارتها مغتبطاً إذ أتاه الموت فيبطل كل ما كان فيه.
وقيل: معنى المثل المستحسن من الدنيا المشتهى المستحلى من نعمها، كله [يبطل] ويفسد بالفناء والزوال والانقلاب من الحال المستحسنة [إلى الحال المستقبحة] كما انتقل النبات عن الخضرة والطراء إلى الجفاف والاسوداد والهلاك. فلا ينبغي لمن لطف نظره وصح تمييزه أن يعتد من الدنيا بما لا يبقى عليه ولا يحصل له نفعه.
ثم قال: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾.
أي قادراً لا يفوته شيء. ومعنى ﴿وَكَانَ الله﴾ فأتى بالخبر عن الماضي أنه على [معنى: أن] ما شاهدتموه من قوته ليس بحادث بل لم يزل على ذلك. هذا مذهب
стр. 4327
سيبويه. وقال: الحسن معناه: وكان مقتدراً عليه قبل كونه. وكذا الجواب عن كل ما أخبر الله [ ] به عن نفسه بالماضي.
قوله: ﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾.
والمعنى المال والبنون الذي يفخر به عظماء قريش على الفقراء المؤمنين إذ سألوك يا محمد / أن تبعد الفقراء المؤمنين عن نفسك وتقرب الأغنياء زينة الحياة الدنيا دون الآخرة.
﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾ أي وما يعمل هؤلاء الفقراء من دعائهم ربهم [ ] بالغداة والعشي يريدون وجهه.
﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾.
أي ما يؤمل من عاقبه الدعاء إلى الله [ ] هؤلاء الفقراء خير مما يؤمل هؤلاء الأغنياء المشركون من أموالهم وأولادهم.
стр. 4328
وقيل: عنى بهذه الآيات من قوله: ﴿واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٢٧] إلى هذا الموضع: عيينة والأقرع، سألا النبي [ ﷺ ] أن يطرد الضعفاء المؤمنين عن نفسه مثل سلمان وصهيب وخباب.
وقال ابن عباس: ﴿والباقيات الصالحات﴾ الصلوات الخمس، وهو قول ابن جبير.
وقال: عثمان [بن عفان] رضي الله عن هـ[هي] سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، رواه عنه الحارث مولاه.
وقال: ابن عباس أيضاً: هي سبحان الله والحمد لله ولا إلأه إلا الله والله أكبر، وهو قول ابن المسيب وعطاء ومجاهد.
وزاد ابن المسيب فيها: ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك قال: ابن عمر لما سئل عنها مثل قول ابن المسيب، وهو قول محمد بن كعب القرطبي، وهو قول ابن مسعود، وهو مروي عن النبي ﵇.
стр. 4329
وروي عن مجاهد أنه قال: هي التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.
وروى أبو أيوب الأنصاري أن النبي ﵇ قال: " عرج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم فقال: يا جبريل من هذا معك قال: محمد، قال: فرحب بي وسهل. ثم قال: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة. فقلت: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله ".
وروى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هن الباقيات الصالحات ".
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﵇ قال: " استكثروا من الباقيات الصالحات، قليل وما هن يا رسول الله؟ قال: الملة. فيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله ".
وروى ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله ﷺ : " خذوا
стр. 4330
جنتكم، قالوا: يا رسول الله من عدو و [قد] حصر. [قال] لا، جنتكم من النار. قوله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات من النار [هن] الباقيات الصالحات ".
وعن ابن عباس أنه قال: هي الأعمال الصالحات من الذكر وغيره. تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض. وقال: ابن زيد: هي الأعمال الصالحات.
وعن ابن عباس أيضاً: هي الكلام الطيب.
قال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾.
أي: واذكر يا محمد يوم تسير الجبال، أي يوم تبس الجبال بساً فتجعلها هباءً منبثاً ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾، أي: ظاهرة قد اجتنيت ثمارها وقلعت جبالها وهدم
стр. 4331
بنيانها، قاله مجاهد / وقتادة. وروى أن ذلك في يوم النفخة الأولى.
وقيل المعنى: قد أبرزت من فيها من الموتى الذين كانوا في بطنها فصاروا على ظهرها. فيكون على هذا النسب: أي وترى الأرض ذات بروز.
ثم قال: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾.
أي: وجمعناهم إلى موقف الحساب فلم نترك منهم أحداً تحت الأرض. فهذا يدل على أن معنى ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ تبرز من في بطنها من الموتى على ظهرها.
وعن أم سلمة زوجة النبي ﷺ أنها قالت سمعت النبي ﷺ يقول: " يحشر الناس حفاة عراة كما بدؤوا، وقالت أم سلمة: يا سوءتاه يا رسول الله هل ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: شغل الناس، قالت: قلت: وما شغلهم يا رسول الله؟ قال: نشروا الصحف فيها متى قيل الدر ومتى قيل الخردل ".
قوله: ﴿وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً﴾ [٤٧] إلى قوله: (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) [٤٩].
стр. 4332
أي وعرض الخلق صفاً أي ظاهرة ترى جماعتهم كما ترى كل واحد منهم، لا يسترهم شيء.
﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
أي أحياء كهيئتكم حين خلقناكم أول مرة، يحشرون حفاة عراة غرلاً. وغرل جمع أغرل وهو الأقلف. والمعنى يقال: لهم يوم القيامة إذا عرضوا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة.
ثم قال: [تعالى]: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾.
هذا خصوص للمنكرين البعث يقال: لهم بل زعمتم أن لن تبعثوا.
قال: [تعالى]: ﴿وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾.
في هذا الكلام اختصار وحذف. والتقدير ووضع الكتاب فيه عمل [كل]
стр. 4333
امرئ أي وضع الكتاب في يد كل امرئ في يمينه أو في شماله.
﴿فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾.
أي: ترى المشركين [بالله] خائفين وجلين مما فيه من أعمالهم السيئة ﴿وَيَقُولُونَ ياويلتنا﴾ أي قولون إذا قرءوا كتاب أعمالهم ورأوا ما كتب عليهم من كبائر ذنوبهم ومغائرها ﴿ياويلتنا﴾ دعوا بالويل لما أيقنوا بالعذاب.
وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ أنه قال: لكعب: ويحك يا كعب حدثنا من حديث يوم القيامة، فقال: نعم يا أمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ، فلا يبقى أحد إلا وهو ينظر إلى عمله فيه. ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد فتنشر حول العرش فذلك قوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياويلتنا مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ لما رأوا ما رأوا ولم يقدروا أن ينكروا منها شيئاً.
قال: قتادة: اشتكى القوم كما تسمعون الإحصاء ولم يشتك أحد منهم ظلماً، فإياكم والمحقرات من الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه.
стр. 4334
وروى عن ابن عباس أن الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك. وقيل: الصغيرة ما دون الشرك والكبيرة الشرك.
وقوله: ﴿إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ أي إلاّ حفظها الكتاب وأثبتت فيه. وقال: أحصاها على معنى أحصاهما، وعلى معنى / أحصى كل واحد منهما. وقيل المعنى: لا يغادر صغيرة إلا أحصاها ولا كبيرة إلا أحصاها، لكن حذفت إحدى الجملتين لدلالة الأخرى عليها اختصاراً وإ [ي] جازاً.
ثم قال: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً﴾.
أي: ما عملوا في الدنيا من عمل حاضراً في كتابهم مكتوباً مبيناً.
﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾.
أي: لا يجازي ربك يا محمد أحداً بغير ما هو أهله، أي لا يجازي بالإحسان
стр. 4335
إلا أهل الإحسان، ولا بالسيئات إلا أهل السيئة. وتحقيقه: لا يضع ربك العقوبة إلا في موضعها لأن الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه.
قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمََ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ترك السجود حسداً لآدم.
وقوله: ﴿كَانَ مِنَ الجن﴾ أي: من الملائكة الذين يقال: لهم الجن. وقيل كان من خزان الجنة فنسب إليها.
وقيل: كان من الجن الذين استخفوا عن أعين الناس أي استتروا.
وقال: ابن عباس كان اسم إبليس قبل أن يركب المعصية عزازيل. وكان من الملائكة من سكان الأرض من أشد الملائكة عبادة واجتهاداً فدعاه الكبر إلى ترك السجود وكان من حي يسمون جنا.
وعنه أيضاً أنه قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال: لهم الجن
стр. 4336
خلقوا من نار السموم من بين الملائكة. وكان اسمه الحرث، وكان خازناً من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة من [نور] غير هذا الحي وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار السموم وهي لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت.
وقال: ابن المسيب: كان إبليس رئيس الملائكة، ملائكة سماء الدنيا.
وعن ابن عباس كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدير أمر سماء الدنيا. وعنه كان إبليس من أشراف الملائكة و [أ] كرمهم قبيلة وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض. وكان فيما قضى الله أنه رأى أن له بذلك شرفاً وعظمة على أهل السماء فوقع في قلبه من ذلك كبر لا يعلمه إلا الله [ ] فلما كان عند السجود، حين أمر أن يسجد لآدم [ ﷺ ] استخرج الله كبره عند السجود فلعنه وأخره إلى يوم الدين.
وعن ابن عباس أنه قال: إن الملائكة قبيلة من الجن وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض فعصى، فسخط الله [ ] عليه
стр. 4337
فمسخه شيطاناً رجيماً لعنه الله ممسوخاً. وقال: إذا كانت خطيئة الرجل في كِبْر فلا ترجه، وإن كانت خطيئته في معصية فارجه. وكانت خطيئة آدم [ ﷺ ] في معصية وخطيئة إبليس في كبر.
وقال: ابن عباس: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود.
وقال: قتادة إنما سمي من الجن لأنه جن عن طاعة ربه. يريد أنه استتر عنها فلم يفعلها. وقال: الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وأنه لأصل للجن، كما أن آدم [ ﷺ ] أصل للإنسان. وقال: ابن / جبير: كان من الجنانين الذين يعملون في الجنان فلذلك قال: ﴿[كَانَ] مِنَ الجن﴾.
فمن جعله ليس من الملائكة ينقض قوله قول الله [ ] ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمََ﴾ لم ير غير الملائكة.
وقال: من أجاز ذلك: إن معنى أن الله أمره مع الملائكة بالسجود فاستثني، فهو استثناء ليس من الأول.
стр. 4338
ثم قال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.
أي: فعدل عن أمر ربه وخرج عنه، والفسق العدول والخروج عن الاستقامة. وقال: قطرب معناه ففسق عن [رده] أمر ربه [ ] .
والمعنى عند الخليل وسيبويه أتاه الفسق لما أمر فعصى. وكان سبب فسقه الأمر بالسجود.
ثم قال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾.
أي: فتوالون يا بني آدم من استكبر على أبيكم وأغواه حتى أخرده من الجنة فكان ذلك سبب خروجكم منها. وتتركون طاعة ربكم الذي أنعم عليكم وأسجد ملائكته لأبيكم آدم [ ﷺ ] . وذرية إبليس هم الشياطين الذين يغوون بني آدم.
стр. 4339
ثم قال: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾.
أي: بيس ما استبدل الظالمون من طاعة الله [ ] طاعة ابليس.
قوله: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض﴾.
أي: ما أشهدت إبليس وذريته ﴿خَلْقَ السماوات والأرض﴾، أي ما أحضرتهم ذلك فاستعين بهم على خلقهما.
﴿وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾.
أي: ولا أحضرت بعضاً منهم خلق بعض فأستعين به على ذلك. بل هو منفرد بخلق جميع ذلك بغير معين ولا ظهير.
وقيل معنى: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض﴾: أي لم يكونوا موجودين إذ خلقهما.
ثم قال: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾.
стр. 4340
أي: وما كنت متخذ من لا يهدي إلى الحق أعواناً وأنصاراً وهو من قولهم فلان يعضد [فلاناً] إذا نصره وأعانه وقواه.
وقرأ أبو جعفر وعاصم الجحدري: " ومن كنتَ " بفتح التاء على المخاطبة للنبي ﵇. أي لست يا محمد متخذاً المضلين أنصاراً.
وفي عضد ستة أوجه وعََضُد وعَضْد وعُضُد بضمتين وبه قرأ الحسن. وحكى هارون القارى " عَضِدٌ ". ويجوز عند أبي إسحاق عُضْداً على قراءة الحسن بسكون الأوسط. والسادس عُضْداً على لغة من قال: كِتْف في كتف.
قال: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ الذين زَعَمْتُمْ﴾ أي: نقول للمشركين نادوا الآلهة والأنداد التي عبدتموها، وجعلتموها شركاء لله ووعدتم أنفسكم بنصرتها لكم من عذاب الله.
стр. 4341
﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ﴾: أي: فاستغاثوا بها ولم تغثهم.
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾.
أي جعلنا بين المشركين، وما كانوا يعبدون في الدنيا عداوة يوم القيامة، قاله الحسن.
وقال: ابن عباس معنى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾ الموبق المهلك الذي أهلك بعضهم بعضاً. كأنه جعل فعلهم ذلك لهم مهلكاً. ف " بين " اسم على هذا القول لأظرف، وانتصابه انتصاب / المفعول بجعل.
قال: الضحاك: موبقاً هلاكاً. وقال: مجاهد: موبقاً واد في جهنم. وقال: عبد الله بن عمرو: يفرق يوم القيامة بين أهل الهدى والضلالة بواد عميق وهو الموبق. وقال: أبو عبيدة: موبقاً موعداً.
وأحسن الأقوال، قول من قال: الموبق المهلك والهلاك. لأن العرب تقول: وبقَ
стр. 4342
يَبِق: إذا هلك. [ومنه] قوله: ﴿[أَوْ يُو] بِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤] أي: يهلكهن. فالمعنى وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكاً لهم في الآخرة. وقد يسمى الوادي موبقاً لأنه يهلك فيه.
ف " بين " على هذا اسم لا ظرف، وانتصابه بجعلنا انتصاب المفعولات لا انتصاب الظروف، ومن جعله وادياً فهو ظرف، وكذلك على قول موبقاً عداوة وموعداً.
وروى أبان عن عكرمة أنه قال: [" موبقاً "] نهر في النار يسيل ناراً، على حافتيه حيات كالبغال الدهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في النار منها، أعاذنا الله من النار.
قال: [تعالى]: ﴿وَرَأَى المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾.
أي عاين المجرمون النار يوم القيامة فأيقنوا بأنهم داخلوها. روى أبو سعيد
стр. 4343
الخدري أن النبي ﷺ قال: " إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة ".
ثم قال: ﴿وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً﴾.
أي: [و] لم يجدوا عن النار معدلاً إلى غيرها.
قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾.
أي: ولقد مثلنا في هذا القرآن [للناس] من كل مثل فيه موعظة وحجة ليتعظوا ويتذكروا فينيبوا ويزدجروا عمّا هم فيه من الكفر ﴿وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾، أي خصومة لا ينيب لحق ولا ينزجر لموعظة.
[و] الإنسان هذا الكافر، دل عليه قوله ﴿ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق﴾ [الكهف: ٥٦]
стр. 4344
وإنما قيل: ﴿وَكَانَ الإنسان﴾. لأن إبليس أيضاً قد جادل والجن تجادل. والمعنى: وكان الإنسان أكثر هذه الأشياء جدلاً.
قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾.
المعنى: وما منع هؤلاء المشركين يا محمد عن الإيمان [بالله ] إذ جاءهم البيان من عند الله [سبحانه] والاستغفار مما هم عليه من شركهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين.
أي: إلا طلب أن يأتيهم العذاب كما أتي الأولين عند امتناعهم من الإيمان. وطلبهم العذاب كما طلب هؤلاء المشركون العذاب في قولهم: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].
ثم قال: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب قُبُلاً﴾.
стр. 4345
من كسر القاف فمعناه: عيانا. ومن ضم فهو عند الفراء جمع " قبيل " أي يأتيهم متفرقاً صنفاً بعد صنف. وقال: أبو عبيدة: " قُبْلاً " بالضم مقابلة. وقال: مجاهد: قبلا، فجأة. وقال: ابن زيد: عيانا.
قال: [تعالى]: ﴿وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾.
أي: وما نرسل رسلنا إلا مبشرين أهل الإيمان بجزيل الثواب عند الله [ ] ومنذرة أهل الكفر عظيم العقاب.
ثم قال: ﴿ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق﴾.
следующие страницы →