← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ أي: أبصرك وأرشدك الطريق المستوي الذي لا تضل فيه إن لزمته. ثم قال: ﴿يا أبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان﴾. أي: لا تطعه فيم أمرك به فتكون بمنزلة من عبده. ﴿إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً﴾. أي: عاص. و " عصياً "، فعيل بمعن فاعل. لام الفعل " ياء " أدغمت فيها " ياء " فعيل. ثم قال: ﴿يا أبت إني أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرحمن﴾ الآية. . . أي: إني أعلم أنك، إن منت على عبادة الشيطان، أن العذاب يمسك فتكون للشيطان ولياً دون الله. فالخوف هنا بمعنى العلم. كما تقع الخشية بمعنى العلم في قوله: ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف: ٨٠]. قوله تعالى ذكره: قال ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبراهيم﴾ إلى قوله ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: قال أبوه له حين دعاه إلى الإيمان وترك عبادة الشيطان، أراغب أنت عن عبادة آلهتي يا إبراهيم. ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ عن ذكر آلهتي بالسوء وغبتك عن عبادتها لأرجمنك " أي: لأسبنك، قاله قتادة والسدي وابن جريح.

стр. 4482

وقيل معناه: لأقتلنك. وقيل معناه: لرجمنك بالحجارة. ثم قال: ﴿واهجرني مَلِيّاً﴾ أي: واهجرني يا إبراهيم حيناً طويلاً. قاله: مجاهد والحسن وعكرمة. ف " ملياً " ظرف. وقال ابن عباس: معناه: واهجرني سالماً من عقوبتي إياك، وقاله: قتادة والضحاك. ف " ملياً " على هذا نصب على الحال من إبراهيم، واختار الطبري هذا القول، واختار النحاس القول الأول. و" أراغب " رفع بالابتداء، و " أنت " فاعل سد مسد الخبر، ويجوز أن يكون "

стр. 4483

أنت " مبتدأ، و " أراغب " خبره مقدم عليه، وحسن رفع " أراغب " بالابتداء لاعتماد على ألف الاستفهام الذي معناه التقرير. ثم قال تعالى: ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾. أي: قال إبراهيم لأبيه حين توعده، وامتنع من الإيمان بما جاء به: سلام عليك " أي: أمنة مني لك ان أعادوك فيما كرهت، ولكن سأستغفر لك ربي أي: أسأل لك ربي أن يستر عليك ذنوبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ أي: إن ربي عهدته / بي لطيفاً، يجيب دعائي إذا دعوته. قال ابن عباس وابن زيد: " حفيّاً " لطيفاً يقال حفي به إذا بره ولطف به. قال السدي: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ أخره إلى السحر. ﴿ياإبراهيم﴾ تمام عند نافع. وإن شئت ابتدأت يا إبراهيم. و" سلام عليك " تمام عند ابي حاتم. و " لك ربي " عند غيره التمام. ثم قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾. أي: وأجتنبكم وعبادة

стр. 4484

ما تدعون [من دون الله] من أوثانكم وأصنامكم. و ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ بإخلاص العبادة له ﴿عسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ أي: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي. ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾. لي: فحين اعتزل إبراهيم قومه وعباده ما يعبدون من دون الله. ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: آنسنا وحشته لما فارق قومه، فوهبنا له إسحاق، وابنه يعقوب. ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾. أي: وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلناهم أنبياء. روي أنه خرج عنهم إلى ناحية الشام بإذن الله له. ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا﴾. أي: ووهبنا لجميعهم من رحمتنا. وهو ما بسط لهم من الرزق في الدنيا. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ أي: ورزقناهم الثناء الحسن والذكر الجميل من الناس إلى قيام الساعة. قوله: " ويعقوب " وقف. و " نبيئاً " أحسن منه و " علياً " أحسن منهما.

стр. 4485

ثم قال: ﴿واذكر فِي الكتاب موسى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾. أي: واقصص على قومك يا محمد نبأ موسى، إنه كان مخلصاً لله عبادته وأعماله كلها. هذه على قراءة من كسر " اللام " في " مخلصاً " ومن فتحها فمعناه: إنه كان مختاراً اختاره الله لكلامه ورسالته. ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ أي: أرسله الله إلى نبي إسرائيل، وتنبأه. ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطور الأيمن﴾ أي: وكلمناه من جانب الجبل الأيمن، قاله قتادة. وقال الطبري: يعني يالأيمن هنا: يمين موسى، لأن الجبل لا يمين له ولا شمال. ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾، أي: وأديناه مناجياً. قال ابن عباس: إن الله أدناه حتى سمع صريف القلم. وقال أبو صالح: قربه حتى سمع صريف القلم.

стр. 4486

وعن مجاهد في معنى ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ قال: بين السماء الرابعة أو قال السادسة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب وسمع صريف القلم، وقال: أرني أنظر إليك. وقال قتادة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ (نجا بصدقه). وقيل معناه: قربناه في الكرامة والرفعة في منزلة رفيعة، لأن الله تعالى ذكره وجلّ ثناؤه وليس بمحدود، فيكون بعض الأجسام أقرب إليه من بعض. فهو كلام فيه توسع. فقد يقرب الرجل عبده بإكرامه له، وإن بعد منه ويبعد عبده الآخر بإهانته له وإن قرب مكانه منه، فذلك شائع في اللغة. والمعنى: إنا رفعنا بكلامنا له.

стр. 4487

ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: وهبنا لموسى - رحمة منا له - أخاه هارون نبياً. اي: أيدناه بنبوته. قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته. قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب إِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾. المعنى: واقصص عليهم يا محمد، نبأ إسماعيل، إنه كان صادق الوعد، أي: لا يخلف وعده. قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. وقيل: إن هذا مما يدل على أنه هو الذبيح، لأنه وعد من نفسه الصبر على الذبح، فصبر حتى فداه الله. قال سهل بن عقيل: وعد إسماعيل رجلاً مكانه أن يأتيه، فجاءه إسماعيل، ونسي الرجل، وظن أنه قد اشتغل، فبات إسماعيل في المكان حتى جاء الرجل من الغد. فقال له الرجل: ما برحت من ها هنا؟ فقال إسماعيل: لا والله. فقال الرجل: إني

стр. 4488

نسيت. فقال إسماعيل إني لم أكن لأبرح حتى تأتينَي، فذلك قوله " كان صادق الوعد ". وروي أن إبليس اللعين تمثّل له، فوقع بينهما موعد ألا يبرح إسماعيل حتى يعود إليه. فكان في اعتقاد إسماعيل أن ينتظر سنة فأتاه جبريل ﷺ فأعلمه أنه إبليس، فذهب وأرسله الله إلىجرهم. وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة﴾. يعني أمته كلها، ذات نسب وغير ذات نسب. ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ /. أي: محمداً فيما كلفه، غير مقصر. و " مرضي " مفعول، والأصل فيه عند سيبويه. " مرضو ". ولكن أبدلوا من الواو لأنها أخف، ولأنها واو قبلها ضمة، وليس ذلك في كلامهم فأبدل ولم يعتد بالساكن الذي قبل الواو المضمومة. ومثله قولهم مسنية، أصلها مسنوة. وقال الكسائي والفراء: من قال: " مرضى " بناه على رضيت وقالا وأهل

стр. 4489

الحجاز يقولون " مرضو ". وحكايا أنَّ من العرب من يُثني رضا على رضوان، ورضيان، وربوان، وربيان. فمرضي على رضيان. ومرضو على رضوان. ولا يعرف البصريون في التثنية إلا رضوان بالواو. وربوان بالوا. ثم قال تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾. أي: واقصص نبأ إديس، إنه كان لا يقول إلا الحق فيما يوحى إليه، وفي غيره " نبيئاً " تنبأه الله. كان إدريس خياطاً، وكان كلما وخز وخزة بالإبرة سبّح الله وهو أول من خاط الثياب، وبينه وبين آدم خمسة آباء. ثم قال: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ قال كعب: أوحى الله إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملاً فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملاً، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدراً، فلكم ملك الموت في الذي كلّمه فيه إدريس فقال: وأين إدريس؟ فقال هو ذا على ظهري. فقال ملك الموت: فالعجب، بعثت، وقيل لي: اقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض، فجلعت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في

стр. 4490

الأرض. فقبض روحه هناك، فذلك قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾. وقيل: إن الله جلّ ذكره جعله في السماء الرابعة قاضياً كالملك في وسط ملكه وجعل خزائن السموات بيده. وقيل: رفع إلى السماء السادسة. وقال مجاهد: رفع إدريس ولم يمت كما رفع عيسى. وقال مجاهد: وقتادة: رف إلى السماء الرابعة. وروى قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال لما عرج به إلى السماء، قال: " أتيت على إدريس في السماء الرابعة ". وقيل: ﴿مَكَاناً عَلِيّاً﴾ عنى به في النبوة والعلم.

стр. 4491

وسأل ابن عباس كعباً عن إدريس وما يجد من خيرة في التوراة فقال: إن في كتاب الله أن إدريس كان يعرج بعمله إلى السماء، فيعدل عمله عمل جميع أهل الارض. فأستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه، فأذن الله له أن يؤاخيه، فسأله إدريس؟ أي أخي، هل بينك وبين ملك الموت إخاء؟ قال: نعم، ذلك أخي دون الملائكة، وهم متآخرون كما يتآخى بنو آدم فقال: هل لك أن تسأله كم بقي من عمري لكي أزداد في العمل؟. قال إن شئت سألته وأنت تسمع. قال: فحمله الملك تحت جناحيه حتى سعد به إلى السماء [فقال لملك الموت] أي أخي، كم بقي من أجل إدريس؟ فقال: ما أدري حتى أنظره قال: فنظر فقال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من أجله إلا طرفة عين. فنظر الملك تحت جناحه، فإذا إدريس قد قبض وهو لا يشعر. ذكر ذلك ابن وهب.

стр. 4492

وروى ابن وهب أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إن إدريس أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله ويعملوا بما شاءوا فأبوا، فأهلكهم الله. وروى أن ادريس سَار ذات يوم في حاجته فأدركه وهج الشمس فقال: يا رب، إني مشيت في الشمس يوماً. فآذاني حرّها، فكيف بمن يحملها مسيرة خمس مائة عام في يوم واحد، اللهم خفف عن من يحملها، واحملعنه حرها. فلما أصبح الملكم، وجد خفة فسأل الله عن ذلك، فأعلمه أن إدريس دعا له في ذلك، فسأل الله أن يجمع بينه وبينه، وأن يجعل بينه وبينه خلة، فأذن الله له في ذلك. ثم قال تعالى: ﴿أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين﴾. المعنى: أولئك الذين قصصت عليك، أنبأهم، هم الذي أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء ﴿مِن ذُرِّيَّةِءَادَمَ﴾. يعني إدريس. و ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في الفلك، يعني: إبراهيم). ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني من ذرية إبراهيم وإسماعيل من ذرية إبراهيم، ومن ذريته أيضاً هارون وموسى، وزكريا، وعيسى، وأمه. / ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ للإيمان والعمل الصالح.

стр. 4493

﴿واجتبينآ﴾ أي: واصطفيا للرسالة والواحي. ثم قال تعالى: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرحمن﴾. أي: أدلته وحججه التي أنزلها في كتابه. ﴿خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي خضعاً. ﴿وَبُكِيّاً﴾ أي باكين. فبكى يجوز أن يكون مصدراً لبكى يبكي بكياً. بمعنى: بكاء. ويكون أصله بكوياً. كجلس يجلس جلوسا. ثم نقل ورد إلى الياء، على أصل اجتماع الواو والياء. والأول ساكن، وبكسر ما قبلها، لأنه ليس من كلامهم ياء سكانة قبلها ضمة، من كسر أوله، اتبع الكسر الكسر والياء. ويجوز أن يكون جمع باكٍ على فعول، كما قالوا شاهدوا وشهود. فأما العتي والجثي فهما جمع جاث وعات على فعول، ثم غير ما تقدم في " مرضي ". لأن لامه واو. فهو مخالف لبكياً. إذ لامه ياء، ولام جثياً وعتياً واو، لأن ذلك من بكى يبكي، وهذين من جثا يجثو،

стр. 4494

وعتا يعتو، فقس على هذا ياءات هذه السورة وغيرها. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ سورة " مريم " فسجد فقال " هذا السجود، فأين البكي " وهذا يدل على أنه مصدر لا جمع يريد به فأين البكاء. قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة﴾. إلى قوله: ﴿وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾. المعنى: فخلف من بعد من ذكرنا من الأنبياء، خلف سوء خلفوهم في الأض. يقال في الردئ " خَلْف " بإسكان اللام، وفي الصلاح " خَلَفْ " بتحريك اللام. وعن أبي إسحاق ضد هذا. والأول أشهر. ثم قال: ﴿أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات﴾ أي أخروا الصلاة عن مواقيتها، ولم يتركوها، ولو تركوها لكان كفراً. قاله عمر بن عبد العزيز: وهو معنى قول ابن مسعود. وكذلك قال ابن مسعود: في قوله تعالى ذكره: ﴿الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] إنه تأخيرها عن

стр. 4495

وقتها. قال مسروق: لا يحافظ على الصلوات الخمس أحد فيكتب من الغافلين. وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: " الخلف من بعد ستين سنة ". قال أبو محمد مكي رضي الله عن هـ: وقد ذكر الجعفي في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: هم ناس يظهرون في آخر الزمان من قبل المغرب، وهم شر من يملك، وذكر اسمهم. وعن مجاهد، أن الخلف هنا النصارى بعد اليهود. رواه ابن وهب، وهو ظاهر الآية لأن بعده " إلا من تاب وآمن " فذكره لشرط الإيمان مع التوبة يدل على أنهم لم يكونوا مؤمنين. وقوله: ﴿واتبعوا الشهوات﴾ قيل: معناه: اتبعوا شهواتهم فيما حرّم الله عليهم.

стр. 4496

وقال القرظي: أضاعتهم لها، تركها وهذا القول اختيار الطبري لقوله بعد ذلك: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ فلو كان المضيعون مؤمنين لم يقل: " إلا من تاب وآمن " ولكنهم كانوا كفاراً بتركهم للصلاة والزكاة. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يكونون عند قيام الساعة، وذهاب صالحي امة محمد ﷺ ، ينزو بعضهم على بعض في الآزقة زنا. وقال عطاء: هم من أمة محمد ﵇. ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً﴾. يعني: وادياً في جهنم قاله ابن عمر. وعنه أنه قال: هو نهر في جهنم، خبيث الطعم بعيد القعر. وقال ابن عباس: غياً: خسراناً.

стр. 4497

وقال ابن زيد: " غياً " شراً. والتقدير: فسوف يلقون جزاء الغي، كما قال يلق آثاماً أي: جزاء الآثلام. وقيل: سمي الوادي غياً لأن الغاوين يصيرون إليه. وقيل: المعنى: " فسوق يلقون غياً ". أي: خيبة من الجنة، والثواب الذي يناله المؤمنون، وعذاباً في النار. و" الغي " في اللغة " الخيبة. ثم استثنى فقال: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة﴾ دون أولئك. ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾. أي: ولا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئاً. ثم بيّن موضع الدخول فقال: " جنات عدن " أي: إقامة. ﴿التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب﴾ أي: وعدهم بها، وهم لم يروها فصدقوا بذلك. ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾. الوعد هنا بمعنى الموعود. كما قالوا: الخلق بمعنى المخلوق.

стр. 4498

و " مأتياً " أي: ياتيه أولياؤه، وأهل طاعته. وقيل " مأتياً ": هو مفعول بمعنى فاعل. قاله ابن قتيبة واستبعده النحاس، وهو عنده/ مفعول من الإتيان، لأن كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه. قوله تعالى ذكره: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾. أي: لا يسمعون في الجنة لغواً وهو الهدر والباطل من القول. ﴿إِلاَّ سَلاَماً﴾ أي: تحييهم الملائكة من كل باب بالسلام. وقوله: " إلا سلاماً " استثناء ليس من الأول. وقيل: هو بدل من لغو. ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. أي: لهم ما يشتهون من المطاعم، قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنيا. إذ لا ليل في الجنة ولا نهار. قال مجاهد: ليس " بكرة " ولا " عشي " ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. خاطبهم الله بأعظم ما كان في أنفسهم من العيش.

стр. 4499

وكانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء عجب به فأخبرهم الله أن لهم في الجنة ذلك الذي يعجبهم. وقال زهير بن محمد: " ليس في الجنة ليل. هم في نور أبداً ولهم مقدار الليل والنهار. يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب. ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب ". وقيل: معنى الآية: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. مقدار ما يكفيهم لكل ساعة ولكل وقت يريدون فيه الأكل. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾. أي: الجنة التي وصفت، هي التي تورث مساكن أهل النار فيها. " من مكان تقياً " أي من اتقى عقاب الله، فأدى فرائضه واجتنب محارمه. قال إبراهيم بن عرفة: وعد الله بالجنة كل من اتقى، وأرجو أن يكون كل موحد من أهل التقية - إن شاء الله - ولن يهلك مؤمن بين توحيد الله، وشفاعة

стр. 4500

نبيه ﷺ . وقيل: " التقي ": الذي قد أكثر من اتقاء معاصي الله ومحارمه. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. هذه الآية نزلت لما استبطأ النبي ﷺ الوحي. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ لجبريل ﵇: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزرونا، فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: احتبس جبريل عن النبي ﷺ بالوحي فيما سأله المشركون عنه من خبر الفتية وخبر الطواف، وعن الروح، وقد كان قال لهم النبي ﷺ سأخبركم غداً، ولم يستثن. فأبطأ عنه الوحي أربعين يوماً. ثم نزل جبريل ﵇: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، فوجد النبي ﷺ من ذلك، وحزن فأتاه جبريل ﵇، فقال: يا رسول الله ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. وكذلك قال قتادة ومجاهد والضحاك باختلاف لفظ واتفاق معنى. ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك﴾.

стр. 4501

معناه: أبي العالية: ما بين أيدينا من الدنيا وما خلفنا من الآخرة " وما بين ذلك " ما بين النفختين. وقال ابن عباس: " ما بين أيدينا " الآخرة " وما خلفنا " من الدنيا. وكذلك قال قتادة، إلا أنه قال: " وما بين ذلك "، ما بين الدنيا والآخرة. وُرُوِيَ عن معمر: " ما بين ذلك " ما بين النفختين. وكذا قال الضحاك. وقال ابن جريج: " ما بين أيدينا " ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، و " ما خلفنا، " ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة، " وما بين ذلك " ما بين ما مضى أمامهم وما بين ما يكون بعدهم. وقال الأخفش " ما بين أيدينا ": ما كان قبل أن نخلق " وما خلفنا " ما يكون بعد أن تموت " وما بين ذلك " منذ خلقنا إلى أن نموت.

стр. 4502

وقال ابن جبير: " ما بين ذلك " ما بين الدنيا والآخرة، يعني البرزخ. فيكون المعنى: فلا استبطاء يا محمد في تخلفنا عنك، فإنا لا نترك إلا بأمر ربك لنا بالنزول بما هو حادث من أمور الآخرة، وما قد مضى من أمر الدنيا، وما بين هذين الوقتين. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي ذا نيسان، فيكون تأخر نزولنا من أجل نسيانه إياكز قال مجاهد " ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي ما نيسك. قوله تعالى ذكره: ﴿رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً﴾. أي: وما كان ربك - رب السماوات والأرض وما بينهما - ذ نيسان، " فاعبده " أي: الزم طاعته. ﴿واصطبر لِعِبَادَتِهِ﴾ أي: اصبر نفسك على العمل بطاعته. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أي: مثلاً وشبهاً في جوده وحلمه وكرمه وطوله. قاله ابن عباس وقتادة/ ومجاهد وابن جبير.

стр. 4503

وعن ابن عباس أن معناه: هل تعلم يا محمد أحداً يمسى الرحمن سواه. وقيل: هل تعلم أحداً يقال له الله غيره. وقل المعنى: هل تعلم أحداً قال له رب السماوت والأرض وما بينهما غيره. وقيل: المعنى: هخل تعلم أحداً يجوز أن يكون إلهاً معبوداً غيره. ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنسان أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾. أي: ينكر الإنسان الكافر البعث، فيقول: أنبعث، إذا ما مت، إنكاراً منه للبعث. فقال الله تعالى لنا: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ أي: فكما خلقناه من غير شيء، وأوجدناه من عدم، كذلك نحييه بعد مماته. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] فكان الجواب ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] والرؤية بمعن العلم في هذا. أي: أولم يعلم الإنسان ذلك من حدوثه قبل أن لم يكن شيئاً. ولا يجوزك أن تكنون من رؤية البصر، لأن الإنسان لم ير نفسه وقت خلقه. والوقف على " حياً " بعيد، لأن " أولاً " معطوف، دخل عليه ألف الاستفهام للتوبيخ. وقيل: إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه. ثم هي في كل من كان

стр. 4504

مثلهم من الكفار المنكرين للبعث. ودخلت اللام في " لسوف " للتأكيد جواباً لقول قيل للإنسان، كان النبي ﷺ قال له: (إذا ما مات لسوف تبعث حياً). فقال إنكاراً للبعث، وجواباً لما قيل له: " أئذا ما مت لسوف أبعث " فأتى باللام في الجواب، كما كانت في القول ولو كان مبتدئاً بذلك لم تدخل اللام، لأن اللام للتأكيد والإيجاب، وهو مكر للبعث، فلا يصلح دخول اللام في غير مكر لخبره، فإنما دخلت في هذا لمجازاة ما قبل له. أدخل اللام في الجواب كما دخلت في القول الذي أجاب عنه. ثم قال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين﴾. أي: لنحشرن هؤلاء المنكرين للبعث مقرنين بأوليائهم من الشياطين. ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾. أي: على ركبهم، وهو جمع جاث. وأصله جثو، مثل: قاعد وقعود، ثم أبدل من الواو ياء لأنها ظرف على ما تقدم في " مرضياً ". وقيل: " جثياً " قعوداً لا يقدرون عل القيام لشدة هول ما يرون. روى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: " سمعت النبي ﷺ يقول: إنكم

стр. 4505

[ملاقو] الله حفاة عراة مشاة عزلاً " قال ابن جبير: يحشرون حفاة عراة، فأول من يكسى خليل الله ابراهيم ﵇. وعن النبي ﷺ أنه قال: " كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم " ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً﴾. أي: ثم لنأخذنّ من كل جماعة أشدهم على الرحمن عتواً وتمرداً. يعني الأكابر فالأكابر جرماً. والجبار فالجبار. والمعنى: نبدأ بتعذيب أعظمهم جرماً ثم الذي يليه ثم الذي يليه. قال مجاهد: " من كل شيعة ": من كل أمة. والشيعة: الجماعة المتعاونون على الأمر: فالتقدير: لنأخذن من كل أمة تعاونت على الكفر أشدهم كفراً ثم الذي يليه. " أيهم " رفع عند الخليل على الحكاية. أي لننزعنّ الذي يقال له من أجل عتوه أيهم أشد. ومعناه: لننزعن من كل فرقة الأعتى فالأعتى، عذب أولاً أشدهم كفراً ثم

стр. 4506

الذي يليه. ومذهب يونس أن " لننزعن " معلق. " وأيهم " رفع بالابتداء وليس هذا الفعل مما يجوز أن يعلق عند غيره. ومذهب سيبويه أن " أيهم " مبنية على الضم، لأنها خالفت أخواتها في الحذف، لأنك لو قلت رأيت الذي أفضل منك، ومررت بمن أفضل منك قبح، وذلك حسن في " أيهم " فخالفت أختها بحسن حذف الصلة بعدها، فبنيت على الضم. وقد خطيء سيبويه في هذا القول، لأن مذهبه أنه إنما أعرب " أيا " إذا انفردت من أجل أنها تضاف. فكيف يعربها من أجل أنها تضاف ويبينها وهي مضافة. وقال الكسائي: " لننزعن " واقع على المعنى. كم تقول: لبست من الثياب، وأكلت من الطعام. فترفع " أيهم " بالابتداء.

стр. 4507

وقال الفراء: المعنى: " لننزعن " بالنداء، فيكون معنى " لننزعن ": لننادين. وهذا يتعلق، ولا يتعدى، فحسن الرفع بالابتداء، إذ هو في موضع فعل يجوز أن يعلق عن العمل. أعني " لننزعن " وقع موقع " لننادين ". ونادى/ فعل يعلق عن العمل إذا كان بعده جملة. فلا يعمل في اللفظ ويعمل في المعنى كظننت وحسبت. وقال بعض الكوفيين في " أي " معنى الشرط والمجازاة فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها. وقال المبرد: " أيهم " متعلقة بشيعة لا بننزعن. والمعنى: ثم لننزعن من الذين تشايعوا أيهم. أي: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد. فيكون المعنى على هذا ثم لننزعن من هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصف عنهم. قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ إلى قوله ﴿فِيهَا جِثِيّاً﴾. أي: ثم لنحن أعلم بالذين ننزعهم من كل شيعة فيقدمهم إلى العذاب فيصلونه. " وصلياً " مصدر صلى يصلي صلياً، على فعول وأصله صلوي: ثم أعل وكسرت اللام. ثم قال: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾. المعنى: وإنّ من هؤلاء القوم، الذين هذا القول المتقدم قولهم في البعث، إلا وارد

стр. 4508

جهنم. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾. أي: اتقوا الشرك، وأمنوا بالبعث، فهي مخصوصة فيمن تقدم ذكره على هذا القول. وقيل: هي عامة. والمعنى: ما منكم أحد إلا يرد جهنم. كان ذلك على ربك يا محمد قضاء مقضياً في أم الكتاب. وقال ابن مسعود وقتادة معناه: قضاءً واجباً. قال ابن عباس: الورود، الدخول. واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ وبقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ وقل محتجاً للدخول: دخل هؤلاء؟ أم لا؟. وقاله ابن جريج. وقاله ابن عباس: يردها البر والفاجر. وقيل: إنهم يردونها وهي خامدة.

стр. 4509

وعن كعب أنه قال: تمسك النار للناس كأنها متن أهالة، حتى تستوي عليها أقدام الخلق، برّهم وفاجرهم. ثم ينادي بها مناد امسكي أصحابك ودعي أصحابي. فتخسف بكل ولي لها. فلهي أعلم بهم من الرجل بولده، وخرج المؤمنون ندية ثيابهم. وقال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنة جهنم مسيرة سنة. وقال ابن مسعود: الورود: الدخول. وقال قتادة: هو الممر عليها. وقيل: الورود هو الجواز على الصراط. والصراط على شفير جهنم مثل حد السيف. فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة، كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم. ثم يمرون، والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم. وعن ابن عباس، أن الورود الدخول، ولكن المخاطبة للكفار خاصة. وذلك قال عكرمة.

стр. 4510

وقال ابن زيد: الورود عام، للمسلم والكافر، إلا أن ورود المؤمن المرور. ودل على هذا أن ابن عباس وعكرمة قرآ: وإن منهم إلا واردها يريدان الكفار برد الهاء والميم على ما تقدم من ذكر الكفار. وقرأ ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عن هما: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين﴾ بفتح التاء. إلا أن عليا قرأ " تَنحَّى بالحاء " وكذلك قرأ ابن أبي ليلى بفتح التاء. فورود المؤمن على الجسر بين ظهريها، وورود الكافر الدخول. وعن النبي ﷺ أنه قال: " الزالون والزالات يؤمئذٍ كثيرة وقد أحاط بالجسر سماطان من الملائكة، دعواهم يومئذٍ يا الله سلم سلم ". وقال مجاهد: " الحمى حظ كل مسلم من النار. وقال أبو هريرة: " خرج رسول الله ﷺ يعود رجلاً من أصحابه وعكَ، وأنا معه.

стр. 4511

فقال: إن الله جلّ ذكره يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة ". وقال السدي: يردونها كلهم، ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم. وروت حفصة، " أن النبي ﷺ : قال إني لأرجو أن لا يدخل أحد شهد بدراً والحديبية. قالت: فقلت: يا رسول الله، أليس الله جلّ وعزّ يقول: " وإن منكم إلا واردها؟ قال لها: أولم تسمعيه يقول: " ثم نُنَجي الذين اتقوا ". وقيل: المعنى: وإن منكم إلا وارد القيامة. وهذا اختيار الطبري ودل على هذا قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] وقوله: ﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]. ودل على هذا أيضاً قوله تعالى/ قبل الآية " ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين﴾

стр. 4512

فالحشر إنما هو في القيامة. وروى ابن وهب عن زيد بن أسلم أنه قال في تفسير الورود: " وإن منكم يا أهل هذا القول إلا وارد جهنم ". يعني: الذين أنكروا البعث فقالوا: أإذا متنا لسوف نخرج أحياء إنكاراً منهم بالبعث. وقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾ أي: ننجيهم من ورودها فلا يردونها. وقيل: معناه: وإن منكم إلاّ يحضر جهنم ويعاينها، لا يدخلها إلا من وجب عليه دخولها. ودليله قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] فهو لم يدخل الماء، إنما حضر قرب الماء وعاينه، لم يدخله فكذلك هذا، يحضرون كلهم جهنم ويعاينونها وينجي الله من دخولها المتقين وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾. ثم قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾. أي: ننجي من النار بعد الورود الذين اتقوا الله وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه. ثم قال: ﴿وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً﴾ أي: وندعهم في النار بروكاً على ركبهم. كذا قال قادة. وقال: إن الناس يردون جهنم وهي سوداء مظلمة، فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتهم فأنجوا منها، وأما الكفار فأوبقتهم أعمالهم واحتبسوا بذنوبهم. قال ابن زيد: لا يجلس الرجل جاثياً إلا عند كرب ينزل به.

стр. 4513

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بينات﴾ إلى قوله: ﴿وَأَضْعَفُ جُنداً﴾. المعنى: أن الكفار من قريش كانوا إذا تلا عليهم النبي ﷺ آيات القرآن، قالوا للذين آمنوا (أي الفريقين منا ومنكم خير مقاماً) أي: خير موضع إقامة، وهي مساكنهم " وأحسن ندياً " أي [مجلسا]. يتركون التفكير في آيات الله والاعتبار بها ويأخذون في التفاخر بحسن المسكن وحسن المجلس. قال ابن عباس: " المقام " المسكن. و " الندي " المجلس. يقال: ندوت القوم أندوهم ندواً، إذا جمعتهم في مجلس [واحد]. ومنه دار الندوة المتصلة بالمسجد الحرام، لأنهم كانوا يجتمعون فيها إذا كربهم أمر. ومنه قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: ٢٩] ومنه ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أي أهل مجلسه. ويقال: هو في ندي قومه، وفي ناديهم بمعنى: مجلسهم وندي: جمع أندية. ثم قالت تعالى ذكره: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾. أي: وكثيراً يا محمد أهلكنا من القرون هم أحسن أثاثاً ورِئْيا قبل هؤلاء القائلين للمؤمنين: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً. قال ابن عباس: " الأثاث ": المتاع. " والرئي: المنظر. أي: أحسن متاعاً وأحسن مرئى ومنظراً من هؤلاء فأهلك الله أموالهم،

стр. 4514

وأفسد صورهم وكذلك قال ابن زيد ومجاهد: " الأثاث: المتاع و " الرئي ": المنظر. وقال معمر: أحسن أثاثاً: أحسن صوراً. ورئياً: أموالاً. وروي عن ابن عباس: " أحسن أثاثاً وزياً " بالزاي. وقرأ طلحة " ورياً " خفيفة الياء من غير همز. ومن شدد الياء، جعله من رأيت، ولكن خفف الهمزة، فأبدل وأدغم. ويجوز أن يكون من رويت روية ورياء فيكون معناه أيضاً منظراً، لأن العرب تقول: ما أحسن روية فلان في هذا الأمر؟. . إذا كان حسن النظر فيه، والمعرفة به. ويجوز أن يكون من ري الشارب. فيكون المعنى أن جلودهم مرتوية من النعمة.

стр. 4515

وأجاز الأخفش أن يكون من ري المنظر. ومن همز جعله من رؤية العين. " والأثاث " جمع واحدة أثاثه كالحمام والسحاب. هذا مذهب الأخفش. وقال الفراء: لا واحد له كالمتاع. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء القائلين - إذا تتلى عليهم آياتنا بينات - أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً من كان من ومنكم في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً. فهو لفظأ مر، ومعناه الخير. جعل الله جزاء ضلالته في الدنيا أن يطول فيها، ويمد له كما قال تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كأن المتكلم يلزمه نفسه، كأنه يقول: أفعل ذلك وآمر نفسي به، فهو أبلغ. فلذلك أتى به على الخبر. ومعناه: فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر، فإن مصيره إلى الموت والعذاب.

стр. 4516

قال ابن نجيح معناه: فليدعه في طغيانه. ثم قال تعالى: ﴿/حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العذاب﴾. يعني به النصر، فيعذبوا بالقتل والسبي. " وإما الساعة " يعني يوم القيامة، فيصيرون إلى النار. و " إما " للتخيير. وهي عند المبرد إن زيدت عليها " ما ". واستدل على ذلك أن الشاعر إذا اضطر، جاز له حذف " ما ". وليست عند غيره إلا حرفاً واحداً. ولم يختلفوا فيها في العطف أنها حرف واحد. وقال أبو العباس: إذا قلت ضرب ما زيداً وإما عمراً، فالأولى دخلت لبنية الكلام على الشك، والثانية للعطف. وقال ابن كيسان: " أما ": للشك والتخيير، والواو هي العاطفة. وأجاز الكسائي: إما زيد قائم على النفي يجعل " إما " بمنزلة " ما ". وأجاز الفراء أن تأتي " إما " مفردة بمنزلة " أو ". قوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً﴾.

стр. 4517

أي: مسكناً، منكم ومنهم. ﴿وَأَضْعَفُ جُنداً﴾ أهم؟ أم أنتم؟ يعني: إذا نصر الله المؤمنين. فأما قراءة طلحة، فإنما يجوز على تقدير. القلب وإلقاء حركة الهمزة على الياء بعد القلب. قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾. أي: ويزيد الله المؤمنين هدى، لأنهم يؤمنون بكل ما أنزل إليهم من الفرائض، ويصدقون بها، ويعملون بها، فهم في زيادة إيمان وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾. . [التوبة: ١٢٤] الآية. وقيل: يزيدهم بإيمانهم بالناسخ والمنسوخ. وقيل: هو زيادة في اليقين يجعل جزائهم في الدنيا أن يزيدهم في يقينهم هدى. ثم قال تعالى: ﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾. يعني: الأعمال الصالحات هي خير عند ربك جزاء لأهلها. ﴿وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ عليهم من مقامات هؤلاء المشركين في أنديتهم، وافتخارهم بها

стр. 4518

في الدنيا. وقد تقدم ذكر الباقيات الصالحات، واختلاف العلماء في معناها في " الكهف ". وقد قيل: " الباقيات الصالحات " الإيمان والأعمال الصالحة وسماها باقية، لأنها تنفع أهلها في الدنيا والآخرة ولا تبطل كأعمال الكفار الذين لا يريدون بها ما عند الله. وروي " أن النبي ﷺ جلس ذات يوم فأخذ عوداً يابساً فحط ورقه، ثم قال: إن لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله يحططن الخطايا كما تحط ورق الشجر الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك بينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة. فكان أبو الدرداء، إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون ". وإنما سميت هذه الكلمات بالباقيات الصالحات لأنها تبقى لأهلها حتى يردوا عليها في الجنة.

стр. 4519

وروى أبو هريرة " أن النبي ﷺ قال: خذوا جنتكم خذوا جنتكم فقالوا: يا رسول الله، أمن عدو قد حضر؟ قال: لا، ولكن من النار. قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات، هن الباقيات الصالحات ". ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾. هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي. قال خباب: كنت قينا - والقين الحداد - قال: وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ﷺ . قلت: والكله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم. قال: فإنه سكون لي ثم مال وولد، فأقضيك. فأنزل الله جل ثناؤه ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا. . .﴾ الآيات إلى

стр. 4520

﴿. . . فَرْداً﴾. وكذلك قال مجاهد: وقال ابن عباس: كان رجال من أصحاب النبي ﷺ يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوا يتقاضونه فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة فضة وذهباً وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله تعالى مثله في القرآن في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾. إلى ﴿فَرْداً﴾. ثم قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الغيب أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً﴾. أي: اعلم هذا القائل الغيب فقال ذلك عن علم/ غيب عنده؟ أم اتخذ عند الرحمن عهداً؟ أي: أم آمن بالله ورسوله وعمل بطاعته فكان له بذلك عهد عن الله فؤتيه ما يقوله له في الآخرة؟. قال قتادة: " عهداً " عملاً صالحاً قدمه. وقاله: سفيان.
следующие страницы →