← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

قال ابن نجيح معناه: فليدعه في طغيانه. ثم قال تعالى: ﴿/حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العذاب﴾. يعني به النصر، فيعذبوا بالقتل والسبي. " وإما الساعة " يعني يوم القيامة، فيصيرون إلى النار. و " إما " للتخيير. وهي عند المبرد إن زيدت عليها " ما ". واستدل على ذلك أن الشاعر إذا اضطر، جاز له حذف " ما ". وليست عند غيره إلا حرفاً واحداً. ولم يختلفوا فيها في العطف أنها حرف واحد. وقال أبو العباس: إذا قلت ضرب ما زيداً وإما عمراً، فالأولى دخلت لبنية الكلام على الشك، والثانية للعطف. وقال ابن كيسان: " أما ": للشك والتخيير، والواو هي العاطفة. وأجاز الكسائي: إما زيد قائم على النفي يجعل " إما " بمنزلة " ما ". وأجاز الفراء أن تأتي " إما " مفردة بمنزلة " أو ". قوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً﴾.

стр. 4517

أي: مسكناً، منكم ومنهم. ﴿وَأَضْعَفُ جُنداً﴾ أهم؟ أم أنتم؟ يعني: إذا نصر الله المؤمنين. فأما قراءة طلحة، فإنما يجوز على تقدير. القلب وإلقاء حركة الهمزة على الياء بعد القلب. قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾. أي: ويزيد الله المؤمنين هدى، لأنهم يؤمنون بكل ما أنزل إليهم من الفرائض، ويصدقون بها، ويعملون بها، فهم في زيادة إيمان وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾. . [التوبة: ١٢٤] الآية. وقيل: يزيدهم بإيمانهم بالناسخ والمنسوخ. وقيل: هو زيادة في اليقين يجعل جزائهم في الدنيا أن يزيدهم في يقينهم هدى. ثم قال تعالى: ﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾. يعني: الأعمال الصالحات هي خير عند ربك جزاء لأهلها. ﴿وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ عليهم من مقامات هؤلاء المشركين في أنديتهم، وافتخارهم بها

стр. 4518

في الدنيا. وقد تقدم ذكر الباقيات الصالحات، واختلاف العلماء في معناها في " الكهف ". وقد قيل: " الباقيات الصالحات " الإيمان والأعمال الصالحة وسماها باقية، لأنها تنفع أهلها في الدنيا والآخرة ولا تبطل كأعمال الكفار الذين لا يريدون بها ما عند الله. وروي " أن النبي ﷺ جلس ذات يوم فأخذ عوداً يابساً فحط ورقه، ثم قال: إن لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله يحططن الخطايا كما تحط ورق الشجر الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك بينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة. فكان أبو الدرداء، إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون ". وإنما سميت هذه الكلمات بالباقيات الصالحات لأنها تبقى لأهلها حتى يردوا عليها في الجنة.

стр. 4519

وروى أبو هريرة " أن النبي ﷺ قال: خذوا جنتكم خذوا جنتكم فقالوا: يا رسول الله، أمن عدو قد حضر؟ قال: لا، ولكن من النار. قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات، هن الباقيات الصالحات ". ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾. هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي. قال خباب: كنت قينا - والقين الحداد - قال: وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ﷺ . قلت: والكله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم. قال: فإنه سكون لي ثم مال وولد، فأقضيك. فأنزل الله جل ثناؤه ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا. . .﴾ الآيات إلى

стр. 4520

﴿. . . فَرْداً﴾. وكذلك قال مجاهد: وقال ابن عباس: كان رجال من أصحاب النبي ﷺ يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوا يتقاضونه فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة فضة وذهباً وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله تعالى مثله في القرآن في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾. إلى ﴿فَرْداً﴾. ثم قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الغيب أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً﴾. أي: اعلم هذا القائل الغيب فقال ذلك عن علم/ غيب عنده؟ أم اتخذ عند الرحمن عهداً؟ أي: أم آمن بالله ورسوله وعمل بطاعته فكان له بذلك عهد عن الله فؤتيه ما يقوله له في الآخرة؟. قال قتادة: " عهداً " عملاً صالحاً قدمه. وقاله: سفيان.

стр. 4521

وقيل: " العهد " التوحيد: " لا إله إلا الله ". وقيل: " العهد: الوعد. وقال عبد الله بن عمر: يقول الله تعالى يوم القيامة: من كان له عندي عهد، فليقم، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، فعلّمنا. فقال قولوا: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك عهداً في هذه الحياة الدنيا، إنك إن تكلني إلى عملي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحتمك، فاجعلها لي عندك عهداً تؤديه إلى ايوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ المعنى: ليس الأمر كما قال أنه يؤتى في القيامة مالاً وولداً. قال أبو محمد ول " كلا " كتاب مفرد في القرآن، قد ألفناه وكتب عنا، ولذلك لم نشبع الكلام فيها ها هنا.

стр. 4522

ثم قال: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾. أي: سنكتب قوله، فنجازيه عليه، فنمد له من العذاب مداً. أي: نزيده زيادة من العذاب على قوله هذا. أي: نطول له العذاب غير ماله من العذاب على كفره. ثم قال: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. أي: نرث منه ماله وولده يوم القيامة ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ أي: وحده لا مال له، ولا ولد. وقوله: " ونرثه " هو، فعل من فعل يفعل بالكسر فيهما، كما جاء بالضم في الفعلين في مثل: ظرُف يظرُف. ونظيره: ورم يرم وومق يمق، ووري الزنديري، ووفق بأمره يفق، وورع يرع ووثق، يثق، ومنه وسع يسع ووطيء يطأ. وإنما فتح من أجل حرف الحلق، والدليل على أنه يفعل بالكسر في الأصل، حذف الواو منه في المستقبل. وبعدها فتحة، ولم يعتد بالفتحة، إذ هي غير أصلية، إنما أحدثها

стр. 4523

حرف الحلق، والكسر هو الأصل، فلذلك حذفت الواو في المستقبل على أصل حذفها في: يزن، ويعد وشبهه. وقد أتت أربعة أفعال من السالم على يفعَل ويفعِل باللغتين في المستقبل وهي حسب يحسب، ونعم ينعم، ويبس يبس ويئس ييسأس. وحرف الجر، مقدر محذوف من المفعول الأول في " ونرثه " أي ونرث منه قوله. وفي حرف ابن مسعود، و " نَرِثُهُ ما عِنْدَهُ ". وقال ابن زيد: " وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ " ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها. وقيل: معناه: ويبقى عليه الإثم. قوله تعالى ذكره: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً﴾ إلى قوله: ﴿عِندَ الرحمن عَهْداً﴾. المعنى: واتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة يعبدونها، لتكون لهم منعة من

стр. 4524

عذاب الله. ومعنى: " كلا " أي: ليس الأمر على ذلك، لا تمنعهم من عذاب الله. ثم قال: ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾. أي: ستجحد الآلهة يوم القيامة عبادتهم لها. وهو قوله تعالى: ﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] فتبرؤها منهم هو جحدها لعبادتهم إياها. ثم قال: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾. قال ابن عباس: " ضداً ": أعوانا. يعين على عذابهم. وقال مجاهد: عوناً عليهم، تخاصمهم وتكذيبهم. قال قتادة: " ضداً " قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض. وقال الضحاك: " ضداً " أعداء.

стр. 4525

وقال ابن زيد: معناه: ويكونون عليهم بلاء. وقيل: معناه أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله [يوم القيامة] تلعهنم وتدعو عليهم، لأنهم عبدوا الملائكة، فهي تلعنهم وتتبرأ منهم. وقيل: بل هي الأصنام يحييها الله تعالى [لهم] يوم القيامة لتوبخهم وتكذبهم. " والضد " في كلام العرب " المخالف ". ووحد " ضد لأنه في معن عوناً. وعون مصدر، فلذلك لم يجمع. ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾. أي: تزعجهم على المعاصي، وتقودهم إليها قياداً، وتغويهم بها. وقال ابن عباس: تغويهم أغواء. وقال ابن زيد: تشليهم إشلاء على المعاصي. ومنه أزيز القدر، وهو صوت غليانها. وهذا يؤكد تحقيق القدر. ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ أي: فلا تعجل يا محمد، على

стр. 4526

هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك، إنما نعد أعمالهم وأنفاسهم لنجازيهم على جميعها ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير نريده بهم، ولكن ليزدادوا إثماً. قال ابن عباس: " إنما نعد لهم عداً " يعني نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم وآجالهم. ثم قال تعالى: / ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً﴾. التقدير: إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها يوم نحشر المتقين. فالعامل في " يوم " ما دل عليه الكلام الأول وهو " نجازيهم " يوم كذا. ومعنى الآية: يوم يجمع الله الذين اتقوا في الدنيا، وخافوا عقابه إلى جاء الرحمن ووعده. " وفداً هو بمعنى جمع وافد، ونصبه على الحال، ووحد لأنه مصدر، " والوفد ": " الركبان. قال علي رضي الله عه: أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يوتون بنوق، ولم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، أزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة. وقال أبو هرية: " وفداً " على الإبل.

стр. 4527

وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة: " أن النبي ﷺ قال: يبعث الله الأنبياء يوم القيامة إذا حشروا، على الدواب، ويبعث صالح نبي الله على ناقته، حتى يوافوا بالمؤمنين من أصحابهم المحشر، ويبعث أبنائي الحسن والحسين على ناقتي العضباء والقصواء وأبعث أنا على البراق، وخطوها عند أقصى طرفها. ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة، ينادي بالأذان، غضا، حتى إذا بلغ. أشهد أن محمداً رسول الله، شهد بها جميع الخلائق من المؤمنين والكافرين، فيقبل ذلك من المؤمنين، ويرد على غيرهم من أهل الشك والتكذيب ". وقيل: معنى " وفداً " أي: وافدين على ما تحبون. من كان يحب ركوب الخيل، وفد على الله على خيل لا تروث، ولا تبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض، وسرجها من السندس والاستبرق. من كان يجب الإبل، فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، أزمتها الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب السفن،

стр. 4528

فعلى سفن من زبرجد أخضر، وأمواج مثل ما بين السماء والأرض قد أمنوا الغرق والأهوال. وروى عمرو بن قيس الملائي أن المؤمن إذاخرج من قبره، استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحاً. فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد طيب ريحك، وحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك، فاركبني أنت اليوم، وتلا ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً﴾. قال قتادة: " وفداً " إلى الجنة. وقال ابن جريح: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل والنوق. وفي هذا الخبر إيماء إلى الجزاء والثواب، لأن الوفد هم الواردون على الملوك، المنتظرون العطاء والبر والإكرام منهم. ورويَ أن المؤمن يستقبله عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبه

стр. 4529

ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلا أن الله ﵎ [قد] طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في الدنيا حسن العمل، طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلّما اركبني، فيركبه. فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً﴾ قال: ويستقبل الكافر أو قال الفاجر عند خروجه من قبره أقبح صورة رآها، وأنتنها ريحاً فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفين؟ فيقول: لا، إلا أن الله ﵎ قد قبح وجهك، وأنتن ريحك. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا فهلمّ أركبك، فيركبه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾. أي: عطاشاً، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وقتادة والثوري. فيكون تقديره: ذي ورد يقال للواردين الماء ورد وروداً، مصدر وصف به الجمع، فلذلك لم يجمع. وروى المقدام بن معد يكرب: " أن النبي ﷺ قال: يحشر المؤمنون يوم القيامة

стр. 4530

فيحشر السقط إلى الشيخ الفاني أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في مثل خلق آدم، وحسن يوسف وقلب أيوب، مرداء مكحلين، فسئل النبي ﷺ عن الكافر فقال: يعظم للنار حتى يصبر غلظ جلده أربعون ذراعاً وحتى يصير ناب من أنيابه مثل أحد ". ثم قال تعالى ﴿لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً﴾. أي: لا يملك أحد من المجرمين الشفاعة لأحد، لكن من اتخذ عندج الرحمن عهداً بالإيمان، فإنه يملك الشفاعة. ف " من " في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. وقيل: هي في موضع رفع على البدل من الضمير في " يملكون ". فيكون التقدير: لا يملك الشفاعة إلا المؤمنون، فإنهم يشفعون. وقيل: التقدير: لا يملك أحد من المتقين الشفاعة إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهداً، أي: من آمن في الدنيا، فلما حذفت اللام، صارت " من " في موضع نصب. وقال ابن عباس: " العهد " شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحلول والقوة، ولا يرجو إلا الله.

стр. 4531

وقال ابن جريج: " عهد " عمل صالح. وقال الليث: " العهد " حفظ كتاب الله. وقال مقاتل: " عهداً صلاة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الشهيد ليشفع في سبعين من أهل بيته ". وأنه قال: " إن من أمتي رجلاً ليدخلن الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم ". وقال ﷺ : " إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً ". فيكون قوله: " لا يملكون ". . ومابعده. في موضع نصب حال من المجرمين، أو من المتقين. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ إلى قوله:

стр. 4532

﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً﴾. معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولداً، فقال لهم جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾. أي: عظيماً. أي: قلتم قولاً عظيماً. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة. ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد. ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾. أيك يتشققن مما قلتم. ﴿وَتَنشَقُّ الأرض﴾ أي: تتصدع. ﴿وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً﴾ أي: يسبقط بعضها على بعض سقوطاً. وقال ابن عباس: " هداً " هدمً. والهد الأنقاض. وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله. وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد.

стр. 4533

قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة. وقال النبي ﷺ : " لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله. ومن قالها عند موته وجبت له الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ مقال: تلك أوجب وأوجب. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن ". قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا. ثم قال تعالى جل ثناؤه: ﴿أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً﴾. أي: من أجل أهم جعلوا له ولداً. قال أبو ذؤيب: " دعوا " بمعنى " جعلوا. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾. أي ما يصلح له أن يتخذ ولداً، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه شيء. ثم قال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً﴾. أي: إلا هو عبد الكله، خاضعاً، ذليلاً.

стр. 4534

وهذه الآية تدل على أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى. ومعنى: ﴿وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أن الرحمن لا شبيه له، والولد يشبه والده ومن جنسه يكون. فلو كان له ولد لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا شبيه له وإلا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ينبغي أن يكمون، فهو مستحيل ممتنع سبحانه لا إله إلا هو. ثم قال: ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾. أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً﴾. أي: جميع الخلائق يعرضون على الله يوم القيامة منفردين، لا ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً﴾. أي: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، سيجعل لهم/ الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن عباس.

стр. 4535

وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل بقلبه إلى الله ، إلا أقبل الله تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يزرقه مودتهم ومحبتهم. وكان عثمان بن عفان رضي الله عن هـ يقول: " ما من الناس أحد يبذل خيراً أو شراً، إلا كساه الله رداء عمله. ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الحرمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية يعزّيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة. وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمناً إلا يحبه.

стр. 4536

قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ إلى آخر السورة. فإنما سلهنا يا محمد، هذا القرآن بلسانك، وبلغتتك لتبشر به من آمن وتنذر من كفر من قومك. ومعنى: ﴿قَوْماً لُّدّاً﴾ أي: أشداء في الخصومة، لا يقبلون الحق. قال ابن عباس: " قَوْماً لُدّاً " أي: ظلمة. وقال أبو صالح: لداً: عوجاً ع الحق. وقال مجاهد: اللّد ": الظالم الذي لا يستقيم. وقال قتادة: " لداً " جدلاً بالباطل. وقال حسن: " لدا " صماً ". وقال أبو عبيدة: " اللّد " الذي لا يقبل الحق، ويدعي الباطل. وعن مجاهد: " قوماً لداً " فجاراً. ثم قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾. أي: وكثير من القرون أهلكنا قبل هؤلاء المشركين، بلسوكهمه مسلك قومك في الكفر والخصومة في الدين. ﴿تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾.

стр. 4537

أي: هل ترى منهم من أحد أو تعاينه ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾. أي: صوتاً. بل بادوا وهلكوا، ولقوا ما عملوا، وكذلك، قومك يا محمد صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن ماتوا على ما هم عليه من الكفر، يقال: أحسست فلاناً: أبصرته، وحسسته أحسه قتلته. قال قتادة: معناه: هل ترى عيناً أو تسمع صوتاً. والرِكْز في كلام العرب الصوت الخفي.

стр. 4538

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة طه (مكية) قوله تعالى ذكره: ﴿طه * مَآ أَنَزَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا تَحْتَ الثرى﴾. قد قدمت علة الإمالة في هذه الحروف في أول " مريم ". وأتى أول هذه السورة على غير ترتيب أوائل السور، لأن جميع أوائل السور يحتمل أن يكون ما بعدها خبراً لها، ولا يجوز أن يكون ما بعد " طه " خبراً لها، لأنه نفي، فلذلك تأولوه بمعنى " يا رجل " و " يا إنسان ". وقيل: هو أمر من وطيء. وروي عن بعضهم أنه قرأ " طه " بإسكان الهاء. وهي قراءة مروية عن الحسن وعكرمة، وفيها تقديران أحدهما أنه أراد الأمر من وطيء. أي: طأ الأرض. ولكن أبدل من الهزة هاء، كما قالوا: إياك وهياك. وقيل: إنه إبدل من الهمزة ألفاً، ثم حذف الألف لدلالة الفتح عليها، وأتى بهاء للسكت.

стр. 4539

وقيل: الهاء هاء الكناية عن المكان. أي: طأ يا محمد المكان الذي تصلي فيه برجليك، ولا تقف على رجل واحدة، فتتعب. ودل على هذا المعنى قوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ فأسكنت هاء الكناية على نية الوقف، أو على التشبيه بهاء السكت. وقد قيل: إن الهاء في قراءة الجماعة تعود على الأرض، أي: طأ الأرض يا محمد برجليك في صلاتك، والألف في طأ بدل من همزة ساكنة. ومن قرأ " طه " بحذف الألف، وإسكان الهاء فهو أمر بالوطء لكنه أبدل من الهمزة ألفاً قبل الأمر، ثم حذف الألف للأمر، والهاء تعود على المكان على ما ذكرنا، أو هي هاء سكت كما ذكرنا، أو هي بدل من همزة ساكنة على ما قدمنا، فهذه ثلاثة أقوال في الهاء في قراءة من قرأ " طه " بحذف الألف، وإسكان الهاء، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " لي عند ربي جلّ وعزّ عشرة أسماء " " فذكر أن منها " طه " و " يس " إسمان له.

стр. 4540

قال ابن عباس: " طه " بالنبطية: يا رجل. وهو قول الضحاك. وقال أبو صالح: هي بالنبطية أيطأ. وقال ابن جبير: طه بالسريانية: يا رجل. وهو قول قتادة. وقال عكرمة: " طه " بالنبطية: يا إنسان. وعن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم [الله به]. وهذه الآية نزلت فيما كان النبي ﷺ يصعنه من السهر والتعب والقيام بالليل. قال الضحاك: كانوا يقومون حتى تتشقق، أقدامهم، فقال المشركون: ما نزل هذا القرآن إلا للشقاء، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يخشى﴾.

стр. 4541

أي: ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى. وقيل: كان النبي ﷺ يتعب في صلاته، ويقف على رجل واحدة، فأنزل الله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾. قال مجاهد: هذا في الصلاة. قال: هي مثل قوله تعالى: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. قال قتادة: " أنزل الله كتابه، وبعث رسوله رحمة، رحم بها الله العباد، ليتذكروا، وينتفع رجل بما سمع منه. ونصب تذكرة على البدل من " لتشقى ". وقيل: هي مفعول من أجله. وقيل " نصبها على المصدر. وقال الكوفيون: هي تكرير. وقيل: من حروف الهجاء. وقيل: هي حروف مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى، وقد تقدم ذكر ذلك.

стр. 4542

وقال الطبري: " طه " يا رجل، لغة معروفة في عك. قال الشاعر: هَتَفْتُ بِطَهَ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ ... فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلاَ وقال آخر: إنَّ السًَّفاهَةَ طَهَ مِنْ خَلائِقِكُمْ ... لا بارَكَ اللهُ في الْقَوْمِ الملاَعِينِ والتقدير على هذا: يا رجل، ما أنزلن عليك القرآن لتشقى بإنزاله عليك. ولا يوقف على " طه " على هذا القول، لأن النداء تنبيه على ما بعده. ومن جعلها افتتاحاً وقف عليها، وهو مذهب أبي حاتم. ثم ابتدأ فخاطب النبي ﷺ بقوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ وكذلك لا يقف عليها على قول من جعلها قسماً، لأن القسم يحتاج إلى جواب، وجوابه: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا﴾. وأجاز أبو حاتم الوقف على " طا " ويبتدئ ها. وليس عليه عمل عند أهل النقل من المقرئين. وقيل: تقدير الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، لا لتشقى.

стр. 4543

ثم قال تعالى: ﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأرض والسماوات العلى﴾. أي: نزلناه تنزيلاً من الله الذي خلق الأرض والسموات العلى. " والعلى " جمع " علياً ": كالفضلى. والفضل. ثم قال: ﴿الرحمن عَلَى العرش استوى﴾. أي: على عرشه، ارتفع وعلا. قال أبو عبيدة: استوى: " علا. وقال القتبي: استقر. وقيل: معناها: استولى. وأحسن الأقوال في هذه " علا " والذي يعتقده أهل السنة، ويقولونه في هذا: إن الله جلّ ذكره، سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل م كان بعلمه، وله تعالى ذكره كرسي وسع السماوات والأرض كما قال جل ذكره. وكذلك ذكر شيخنا أبو محمد بن أبي زيد ﵀.

стр. 4544

وقد سأل رجل مالكاً عن هذا، فقال له: كيف استوى؟ فاحمرت وجنتا مالك، وطأطأ رأسه، ثم رفع رأسه فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والإيما به واجب والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن يكون ضالاً. أخرجوه، فأخرج، فناداه الرجل، يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله غيره، لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل العراق، إلى أن وردت عليك، فلم أجد أحداً وفق لما وفقت له. وروي أن خباب بن الأرت قرأ " طه " على عمر بن الخطاب إلى قوله: " فتردى " فأسلم عمر عند ذلك. و" العلى " تمام إن رفعت " الرحمن على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ، فإن جهلته بدلاً من الضمير في " خلق " لم تقف عليه. و" أستوى " تمام إن جعلت " الرحمن " بدلاً من الضمير في " خلق " أو على إضمار مبتدأ، فإن جعلت " له ما في السموات " في موضع خبر الرحمن، لم تقف على استوى. ثم قال: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. أي: هو يملك ذلك كله ويدبره/.

стр. 4545

وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ الثرى﴾: الثرى: التراب المبتل الندي يعني: وما تحت الأرضين السبع. وقال محمد بن كعب: الثرى: سبع أرضين. وقال ابن عباس: الأرض على نون، ونون على البحر، والبحر على صخرة وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات﴾ [لقمان: ١٦] والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما يعلم ما تحت الثرى إلا الله. وروي عن وهب بن منبه أنه قال: على وجه الأرض سبعة أبحر والأرضين سبعة بين كل أرضين بحر، فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم، ولولا عظم ذلك البحر، وكثرة مائة وبرده، لأحرقت جهنم كل شيء فوقها. قال: وجهنم على متن الريح ومتن الريح على حجاب من ظلمة لا يعلم غلظه إلا الله، وذلك الحجاب على الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، لا يعلك ما تحت الثرى إلا الله. وقال الضحاك: الأرض السابعة على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.

стр. 4546

وسئل كعب ما تحت الأرض؟ قال ماء، قيل: فما تحت الماء؟ قال أرض. قيل فما تحت الأرض؟ قال: ماء، حتى بلغ سبع أرضين. قيل: له: لما تحت الأرض السابعة. قال: ماء. قيل فما حت الماء. قال صخرة، قيل فما تحت الصخرة؟ قال: هي على منكب ملك. قيل: فما تحت الملك؟ قال: هو قائم على وسط حوت معلق طرفاه بالعرش. قيل له: فما تحت الحوت قال: هواء وظلمات وانقطع العلم. وروى ابن وهب عن رجاله أن كعب الأحبار قال: إن إبليس يقلقل للحوت الذي على ظهره الأرض كلها. قال: فألقى في قلبه. فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوبيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال، لو هضتهم فألقيتهم عن ظهرك كلهم. قال: فهم لوبيا يفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة، فدخلت في منخره حتى دخلت في دماغه فعج إلى الله منها، فخرجت. قال: وكان كعب يقول: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها، بين يديه وتنظر إليه، إن همَّ بشيء من ذلك عادت حيث كانت. وروى عاصم عن زر عن ابن مسعود أنه قال: ما بين سماء الدنيا والتي تليها

стр. 4547

مسيرة خمس مائة عام، وما بين سماء إلى سماء مسيرة خمس مائة عام، وما بين السماء السابعة والكرسي خمسة مائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء مسيرة خمس مائة عام، والعرش فوق ذلك، والله جل ذكره فوق العرِِش. وعن ابن عباس: أيضاً أنه قال: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمس مائة عام، وذكر أن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب. قوله تعالى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى﴾. أي: وإن تجهر بالقول يا محمد، فإن الله تعالى يعلم ما أسررت في نفسك، وأخفى منه. قال الحسن ومجاهد وعكرمة: " السر ": ما أسررته إلى غيرك، " وأخفى " ما حدثت به نفسك. وقال الضحاك: " السر " ما حدثت به نفسك، و " أخفى " ما لم تفعله وأنت فاعله "، وكذلك، روي عن ابن عباس. قال ابن عباس: و " أخفى " ما تعمل غداً.

стр. 4548

وقال ابن جبير: " السر ": ما أسره الإنسان في نفسه، " وأخفى ": ما لم يعلم الإنسان مما هو كائن. وقيل: معنى: " وآخفى ": ما ليس في نفس الإنسان. وسيكومن ذلك في نفسه، فهو لا إله إلا هو يعلم ما سيجري في نفس الإنسان قبل أن تجري. وقال ابن زيد: " يعلم السر " أسرار العباد وأخفى سره. وقاله أبوه زيد بن أسلم. أي: يعلم سر عباده، وأخفى سره، فلا يعلمه أحد جلّ وعزّ، وهذا اختيار النحاس. وأنكر هذا القول الطبري. وقوله: ﴿يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى﴾، أتى على غير ظاهر، جواب قوله: " وإن تجهر بالقول، إنما هو جواب لمن قيل له وأن تستر بالقول، فإن الله يعلم السر وأخفى، ولكنه محمول على المعنى، كأنه قال: ما حاجتك إلى الجهر، والله يعلم السر وأخفى من السر. ثم قال: ﴿الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسمآء الحسنى﴾. من جعل الله بدلاً من الضمير في " يعلم " لم يقف على " أخفى "، ومن جعله مبتدأ، وقف على أخفى.

стр. 4549

أي: معبودكم واحد، لا معبود غيره، ولا إله إلا هو ﴿لَهُ الأسمآء الحسنى﴾ /. هي تسعة وتسعون أسماً على ما روي عن النبي ﷺ ، وفي ألفاضها اختلاف. قال النبي ﷺ : " لله تسعة وتسعون اسماً: مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة " أي: من حفظها. وقيل: من آمن بها. وقيل: من قالها معتقداً لصحتها. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى﴾ ﴿إِذْ رَأَى نَاراً﴾. معناه: أن الله يخبر نبيه ﷺ بما مضى من أخبار الأنبياء ﵈ قبله، وما مضى عليهم ليتعزى بذلك مما يناله من قريش. ذكر: أن موسى ﵇ أضل الطريق في شتاء ليلاً، فلما رأى ضوء النار، قال لأهله: امثكوا لعلي أتكيم بخبر نهتدي به على الطريق أو آتيكم بقبس توقدونه في هذا البرد. قال ابن عباس: لما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضل الطريق. قال وهب بن منبه: لما قضى موسى الأجل. خرج ومعه غنم له، ومعه زندله وعصاه في يده، يهش بها على غنمه نهاراً، وإذا أمسى اقتدح ناراً فبات عليها وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بغنمه وبأهله يتوكأ على عصاه، فلما كان الليلة التي أراد الله

стр. 4550

جلّ وعزّ بموسى كرامته، وابتدأه فيها بنبوته، أخرج زنده ليقدح ناراً لأهله ليبيتوا عليها ويصبح ويعلم وجه سبيله، فقدح حتى إذا أعياه لاحت النار فرآها. ﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً﴾، أي أبصرتها، لعلي آتيكم منها. . . الآية. .. وقيل: معنى: " آنست " علمت ووجدت. و" القبس " النار في طرف العود أو قصبة. ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى﴾. أي: دلالة تدلني على الطريق، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: " هدى " أي: هادياً يهدي إلى الطريق. وقال وهب: " أو أجد على النار هدى " أي: علماً من أعلام الطريق يدلني عليه. قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ ياموسى * إني أَنَاْ رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تسعى﴾. أي: فلما أتى النار موسى، ناداه ربه: يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك. قال وهب: خرج موسى نحو النار، فإذا هي في شجرة من العليق. (وبعض

стр. 4551

أهل الكتاب يقول في عوسجه] فلما دنا، استأخرت عنه، فلما رأى تأخرها عنه، رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد أن يرجع دنت منه ثم كلم من الشجرة، فلما سمع الصوت، استأنس فقال له الله ﴿فاخلع نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بالواد المقدس طُوًى﴾ فخلعهما وألقاهما. قال كعب: " كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلعهما، وأراد الله أن يمسه القدس، وكذلك قال عكرمة وقتادة. وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: " كانت على موسى يوم كلّمه الله جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلاه من جلد حمار غير ذكي ". وقال الحسن: كانتا من جلد بقر، ولكن الله تعالى أراد أن يباشر بقدميه بركة الأرض. وكان قد قدس الوادي مرتين. وكذلك قال ابن جريج. وهذا القول اختيار الطبري، لأن الحديث لم يصح عن النبي ﷺ أنهما من جلد حمار غير ذكي. وقوله: ﴿إِنَّكَ بالواد المقدس طُوًى﴾. أي: المطهر.

стр. 4552

وقال ابن عباس: " المقدس ": المبارك. وقال مجاهد: ﴿المقدس طُوًى﴾: بورك فيه مرتين. ويروى أن موسى ﷺ لما خرج من مدين ومعه امرأته بنت شعيب ريد مصر أخطأ الطريق، وكان ﷺ رجلاً غيوراً، فكان يصحب الناس بالليل، ولا يصحبهم بالنهار، فأخطأ الطريق عند انفراده لما سبق في علم الله من أمره. فرأى ناراً. فقال لأهله امكثوا، إني أبصرت ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى. أي: من يهديني إلى الطريق، وكانت ليلة مظلمة، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجر عناب، فوقف متعجباً من ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة. فلا شدة النار تغيّر خضرة تلك الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة يغيّر حسن ضوء النار. فلما أتى الشجرة سمع النداء، يا موسى، إني أنا ربك، فاخلع نعليك، وكانتا من جلد حمار ميت. وقال ابن عباس/: في معنى " طوى " أن موسى طواه الليل إذا مر به فارتفع إلى

стр. 4553

أعلى الوادي. فيكون على هذا مصدراً عمل فيه ما هو من غير لفظه. كأنه قال: إنك يا موسى بالواد الذي طويته طوى: أي: تجاوزته فطويته بسيرك. وقال قتادة: معناه: قدس مرتين، أين طهره وهو قول الحسن. وقال مجاهد وابن أبي نجيج: " طوى " اسم الوادي. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس: أنه أمر من الله تعالى لموسى أن يطأ الوادي بقدمه. فالمعنى: اخلع نعليك. طأ الوادي. وقال ابن جبير: معنه: طأ الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً. وكذلك روي أيضاً عن مجاهد. ومن فتح الهمزة في " إني أنا " فعلى تقدير: " نودي بأني ". ومن كسرها فعلى الاستئناف، لأن النداء وقع على موسى فاستؤنفت " إن بعده، فكسرت.

стр. 4554

وقيل: كسرت لأنها حكاية بعدها. معناه: القول، لأن نؤدي مثل قيل. ومن صرف " طوى " جعله اسما للوادي مذكراً، فصرفه، وجعله مصدراً. والأكثر في المصدر من هذا أن يكون مكسور الأول مثل ثنى. ومن لم يصرفه جعله اسماً للبقعة. وقيل: هو معدول عن طاوي. كعمر، معدول عن عامر، وقد ذهب الكسائي في صرفه إلى أنه صرف لخفته. وكان حقه ألا ينصرف. ولكن سمع صرفه من العرب. وعلقة صرفه قلة حروفه وخفته. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَنَا اخترتك فاستمع لِمَا يوحى﴾. أي: وأنا اجتبيتك لرسالتي، فاستمع لما يوحى وَعِهِ بقلبك، واعمل به. ﴿إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ فاعبدني﴾. أي: إني أنا المعبود، لا معبود غيري يستحق العبادة فاعبدني. ﴿وَأَقِمِ الصلاة لذكري﴾، أي: أقم الصلاة فإنك إذا أقمتها ذكرتني. فتقديره: أقم الصلاة، لأن تذكرني بها، هذا معنى قول مجاهد. وقيل: معناه: أقم الصلاة حين تذكرها.

стр. 4555

ورو ى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها "، قال الله : ﴿ وَأَقِمِ الصلاة لذكري﴾ وزاد فيه قتادة " لا كفارة لها إلا ذلك ". وقيل: المعنى: أقم الصلاة لأن أذكرها بالمدح. وقيل: المعنى: أقم الصلاة إذا ذكرتني. وقيل: المعنى: أقم الصلاة لتذكرني فيها. وشاهده أن ابن عباس وأبا عبد الرحمن السلمي قرآ: ﴿وَأَقِمِ الصلاة لذكري﴾ بلامين، مشددة الذال. أي: لتذكرني فيها. وقرأ الأعرج وأبو رجا والشعبي: " لِذِكْرَاً " أبدلوا من الياء ألفا. كما
следующие страницы →