← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

وقال الضحاك: " كان أصحاب النبي ﷺ أستأذنوه في قتال الكفار بمكة قبل الهجرة فأنزل الله: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. فلما هاجر رسول الله وأصحابه إلى المدينة، أطلق الله لهم قتل الكفار وقتالهم فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ. . .﴾ الآية. فالآية ناسخة عند الجميع لكل ما في القرآن من الأمر بالصفح عنهم، والصبر على أذاهم والمنع من قتالهم. وقال ابن زيد: هذا ناسخ لقوله: ﴿وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ في أَسْمَآئِهِ﴾ وخولف في ذلك، لأن هذا تهدد ووعيد، فلا ينسخ. ومعنى: " بأنهم ظلموا " بسبب ظلمهم. ثم قال: ﴿وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ هذا وعد من الله للمؤمنين بالنصر، فقد فعل تعالى ذلك بالمؤمنين، أعزهم ونصرهم، وأعلى كلمتهم. أهلك عدوهم. ثم قال: ﴿الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. تقديره: أذن للذين أخرجوا من ديارهم بغير حق. فالذين: بدل من الذين الأولى ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ. أو في موضع نصب على إضمار أعني. وقوله: إلا أن يقولوا. " إن ": في موضع خفض بدل من حق. هذا قول: الفراء وإبي إسحاق.

стр. 4832

وقال سيبويه: هي في موضع نصب استثناء ليس من الأول. فمعنى الآية: أذن للذين يقاتلون الذين أخرجوا من ديارهم. يعني من مكة، أخرجهم كفار قريش بغير حتق إلا بتوحيدهم الله، وذلك أن كفار قريش كانوا يسبون المؤمنين، ويعذبونهم ويوعدونهم حتى اضطروهم إلى الخروج عنهم. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. قال ابن جريج: معناه: ولولا دفاع الله المشركين بالمؤمنين. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ: إنما نزلت هذه الآية في أصحابِ رسول الله ﷺ لولا ما يدفع الله بأصحاب محمد ﷺ عن التابعين لهدمت صوامع وبيع. وقال ابن زيد: المعنى: لولا الجهاد والقتال في سبيل الله. وقال علي بن أبي طالب: نزلت الآية في أصحاب رسول الله ﷺ . فالمعنى: لولا دفاع الله المشركين بأصحاب رسول الله، لهدمت صوامع وبيع. وقيل: معناه: لولا أن الله يدفع أي يأخذ الحقوق والشهادات لمن أوجب قبلو شهادته عمن لا يجوز قبول شهادته، فتركوا المظالم من أجل ذلك، لتظالم الناس، فهدمت صوامع، قاله: مجاهد.

стр. 4833

وقال أبو الدرداء معنى: لولا أن الله يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد، وبمن يغزوا عمن ليس يغزو. لأتاهم العذاب ولاختلفوا، فهدمت صوامع. قال مجاهد والضحاك: هي صوامع الرهبان بينونها على الطريق. وقال قتادة: هي صوامع الصابئين. وقال البيع: بيع النصارى. وقال مجاهد: البِيَع: كنائس اليهود. وقال ابن زيد: البيع: الكنائس. وقال ابن عباس: الصلوات: الكنائس، يعني: ومواضع صلوات. وقال الضحاك: هي كنائس اليهود، يسمون الكنائس صلوات، وقاله: قتادة. وقال أبو العالية: الصَّلَوَاتُ: مساجد الصابئين. وقال مجاهد: هي مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام على الطرق. وقال ابن زيد: هي صلوات أهل الإسلام، تنقطع إذا دخل العدو عليهم.

стр. 4834

يعني النوافر. قال: وتهدم المساجد كما صنع بختنصر. وقوله: " وَمَسَاجِدُ " قال قتادة: هي مساجد المسلمين. وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله﴾. يعني: في المساجد، لأنها أقرب إلى الضمير من غيرها. وقيل الضمير في " فيها " يعود على جميع ما ذكره ومعناه: يذكر فيها اسم الله في وقت شرائعهم وإقامتهم للحق. قال خصيف: أما الصوامع، فصوامع الرهبن وأما " البيع "، فكنائس النصارى، وأما " الصلوات " فكنائس اليهود، وأما " المساجد " فمساجد المسلمين. ومعنى: " وصلوات " أي: مواضع صلوات، قاله: أبو حاتم. وقال الحسن: هدمها: تركها. وقال الأخفش: التقدير: وتركت صلوات. وقرأ عاصم الجحدري: " وصُلُوب " بالباء المعجمة، واحدة من أسفل من غير ألف بعد الواو، وضم اللام، يريد به الصلبان، كأنه اسم للجمع على فعول. وقرأه جعفر بن محمد، بإسكان اللام، وبالتاء المعجمة، باثنتين من فوق.

стр. 4835

ويروى أن مساجد اليهود تسمى صلوات. وعن مجاهد أنه قرأ: وَصِلْوِيتاً، بالياء والتاء، وبكسر الصاد والواو وإسكان اللام، وقال: هي القباب على شاطئ الأنهار. وقرأ الضحاك، بضم اللام من غير ألف بعد الواو على وزن فعول وبالثاء المعجمة، ثلاثة من فوق. وروي: أن مساجد الصابئين تسمى صُلُوثاً، وبذلك قرأ الكبي أعني بالثاء المعجمة ثلاثاً من فوق. ومعنى: " لهدمت " لضيعت وتركت. ومن جعل الضمير في " يذكر فيها " يعود على المساجد خاصة، وقف على صلوات، وهو قول نافع. ثم قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ﴾ أي: وليعينن الله من يقاتل في سبيله فيجعل كلمته العليا، كما أنه إنما يقاتل لتكون كلمة الله هيا العليا. ﴿إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: قوي على نصر من جاهد في سبيله، ونصر دنيه منيع لا يغلبه غالب.

стр. 4836

قوله تعالى ذكره: ﴿الذين إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُواْ الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾. المعنى: الذين إن وطأنا لهم في الأرض، فقهروا المشركين وقتلوهم، أقاموا الصلاة بحدودها، وآتوا الزكاة مما يجب عليهم فيه الزكاة من أموالهم، " وأمروا بالمعروف " اي: دعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته. " ونهوا عن المنكر " أي: عن الشرك والعمل بمعاصيه يعني بذلك: أصحاب النبي ﷺ ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا بتوحيدهم لله وقد تقدم ذكرهم. وقيل: إن هذه الآية مخصوصة في أربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وهم الذين أذن لهم بقتال المشركين في الآية الأولى، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عن هم. وقال الحسن: " هم أمة محمد ﷺ ". قال ابن أبي نجيح: " هم الولاة ". وروي: أن عثمان رضي الله عن هـ قال للذين أرادوا قتله: فينا نزلت هذه الآية. ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ. . .﴾ إلى ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور﴾. وقال: نحن الذي قوتلنا وظلمنا وأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا الله، فنصرنا الله ، فمكننا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر فهذه لي ولأصحابي وليست لكم.

стр. 4837

وقال الضحاك: هذا شرط اشترطه الله على من أعطاه الله الملك من هذه الأمة. ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور﴾. أي: له آخر أمور الخلق، يثيب على الحسنات مع الإيمان، ويعاقب على السيئات مع الكفر. ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾. هذه الآية تسلية لمحمد ﷺ وتعزية له، ليقوى عزمه على الصبر على ما يناله من المكذبين له، فالمعنى: أن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون فيما جئتهم به من الحق، فالتكذيب سنة أوليائهم من الأومم الخالية، كذبت رسلها فأمهلتهم، ثم أحللت عليهم نقمتي، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: انظر يا محمد: كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة، فكذلك أفعل بقريش الذين كذبوك، وإن أمليت له إلى آجالهم، فإني منجزك وعيدي فيهم، كما أنجزت ذلك لغيرك من الرسل في الأمم المكذبة لهم. وقوله: ﴿وَكُذِّبَ موسى﴾ ولم يقل: وقوم موسى، كما قال في نوح وعاد وثمود وإبراهيم، فإنما ذلك، لأن قوم موسى هم بنو إسرائيل وكانوا مؤمنين به وإنما كذبه فرعون وقومه، وهم من القبط ليسوا من قومه فلذلك قال: وكذ موسى ولم يقل وقوم موسى.

стр. 4838

قال أبو إسحاق: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار. ثم قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: وكثير من القرى أهلكنا أهلها وهم ظالمون. فعبر عن إهلاك القرية وهو يريد أهلها، مثل ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢]. فالمعنى: فما أهلكنا كثيراً من أهل القرى بظلمهم، كذلك نهلك أهل قريتك يا محمد بظلمهم إذا جاء الأجل. كل هذا تخويف وزجر لقريش/ و " كأين " هي كاف التشبيه دخلت على " أي " فصارتا بمنزلة " كم " في الخبر، هذا مذهب الخليل وسيبويه، والوقف على قولهما على الياء، لأنه تنوين دخل على " أي " فأما قراءة ابن كثير وكَائِنْ " يروى عن الخليل أنه قال: من قال كإن فإنه قدم الياء الساكنة قبل الهمزة ثم خلفها بألف، كما قالوا:، إن أصل آية: إيَّة، ثم أبدلوا من الياء الساكنة ألفاً، ثم اعتلت الياء الثانية، لأنها بعد متحرك وهو الهمز فصارت كياء قاض وارم. وقال ابن كيسان: هي أي: دخلت عليها الكاف وكثر استعمالها في الكلام حتى صار التنوين فيه بمنزلة النون الأصلية، فقالوا: كأين بنون في الوقف.

стр. 4839

قال: وفيها لغة أخرى، يقولون: كا إن، كفاعل من كنت، قال: وأصلها في المعنى كالعدد، كأنه قال كشيء من العدد لأن " أيا " شيء من الأشياء، فكأنه قال: كعدد كثير فعلنا ذلك بهم، فخرجت في الإبهام إلى باب " كم " وأكثر ما جاءت " كأي " مفسرة بـ " من " نحو: كأين من رجل رأيت فإن حذفت " من " نصبت، فقلت كأي رجلاً، كما قتول: عندي كذا وكذا درهماً فتنصب، وتقول: عندي كذا وكذا من رهم. وتقول: كم لك من درهمه، وكم لك درهماً، ولو خفضت فقلت كأين رجل جاز، كما تقول: كم رجل جاءك في الخبر. فتقدير النصب في ذلك أن تجعله بمنزلة عدد فيه نون أو تنوين. وتقدير الخفض أن تجعله بمنزل عدد يضاف إلى ما بعده. ثم قال تعالى: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾. أي: فالقرية خالية من سكانها فخربت وتداعت، فتساقطت حيطانها على سقوفها فصارت القرية عاليه سافلها السقوف تحت الحيطان. ثم قالت: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾. أي: تعطلت البير بهلاك أهلها ولا وارد ولا شارب منها، وخفض " البير " على العطف على العروش، وإن كان غير داخل في معنى العروش، ولكنه مثل: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالخفض كأنه أراد وثم بير وقصر، فلما لم يكن في الكلام ما يرفعه،

стр. 4840

عطفه على ما قبله، هذا مذهب الفراء. وقال أبو إسحاق هو عطف على " قرية ". أي: وكم من قرية وكم من بير ومن قصر. و" البير " مشتق من بأرت الأرض، إذا حفرتها، وابتأرتها، احتفرتها. وقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾. أي: مجصص، قاله عكرمة. وقال الضحاك: " مشيد " طويل. وقال أهل اللغة، شاد القصر يشيده، إذا بناه بالشيد وهو الجص. ومشيد: مفعل بمعنى مفعول، كمبيع بمعنى مبيوع. يقال قد شيد القصر: إذا طوله وأشاده أيضاً. وقال قتادة: " مشيد ": رفيع طويل. وعن ابن عباس: أن المشيد الحصين.

стр. 4841

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض﴾ إلى قوله: ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. هذا تقرير وتوبيخ للكفار من قريش وغيرهم. ومعناه: أفلم يسر هؤلاء المكذبون بك يا محمد، فينظروا إلى مصارع أشباههم من الأمم المكذبة للرسل قبلهم، فيخافوا أن يحل عليهم مثل ذلك بتكذيبهم لك، فيرجعوا عن التكذيب إلى الإقرار والتصديق لك، ويفهموا ذلك بقلوبهم، ويسمعوه بآذانهم. وقوله: " فَتَكُونَ " جواب النفي. وقيل: هو جواب الاستفهام والمعنى: قد ساروا في الأرض فلم تكن لهم قلوب يعقلون بها مصارع من كان قبلهم من الأمم الماضية، يخاطب قريشاً، لأنهم كانوا يسافرون إلى الشام فيرون آثار الأمم الهالكة، فهو في المعنى: خبر فيه تنبيه وتقرير إخبار عن أمر قد كان. كما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. أي: قد شرحنا لك صدرك. ونصب " فَتَكُون " عند الكوفيين على الصرف، أذ معنى الكلام الخبر، فأكنهم صرفوه عن الجزم على العطف على يسيروا، فلما صرف عن الجزم، رد إلى آخر الجزم وهو النصب، فهذا معنى الصرف عندهم. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار﴾. أي: فإن القصة لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص، ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته.

стр. 4842

قال قتادة: البصر: الناظر بلغة ومنفعة والبصر النافع في القلب. وقال مجاهد: ليس من أحد إلا له عينان في رأسه وعينان في قلبه فأما اللتان في الرأس فظارهتان يبصر بهما الظاهر، وأما اللتان في القلب، فباطنتان يبصر بهما الغيب، وذلك قول الله : ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾. وقال ابن جبير نزلت في أبن أم مكتوم وكان أعمى ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار﴾ الآية. فالمعنى: لا تعمى الأبصار السالمة عن رؤية ما تعبتر به، ولكن تعمى القلوب عن رؤية الدلالات على صحة ما تعاينه الأبصار. وقوله: ﴿فِي الصدور﴾ توكيد، لأنه قد علم أن القلب لا يكون إلا في الصدور، ولكن/ أكده به كما قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧] وكما قال: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. ثم قال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ﴾. أي: ويستعجلك يا محمد مشركوا قومك بما تعدهم به، من عذاب الله على شركهم به، وليس يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه عليهم. ثم قال: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾. يعني: أحد الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. قاله ابن عباس،

стр. 4843

وقاله مجاهد وهي ستة أيام، كل يوم مقداره ألف سنة مما تعدون. وعن ابن عباس أن ذلك هو اليوم من أيام الآخرة في مقدار الحساب. وروى أبو هريرة أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، فقيل له: وما نصف يوم؟ فقال: أو ما تقرأ القرآن: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ فهذا يدل على أن المراد بالآية أيام الآخرة، وهو قول عكرمة. وروي أيضاً عن مجاهد وهو قول ابن يد. ومعنى إضافة ذكر اليوم إلى الاستعجال بالعذاب، أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا التي أيامها قليلة قصيرة، فاعلموا أن العذاب يحل بهم في وقتٍ اليوم منه كألف سنة من سني الدنيا، فلذلك أبقى لعذابهم وأشد. وقل: المعنى: أن الله جلّ ذكره أعلمهم أن الأيام التي بقيت لهم ويحل عليهم العذاب قليلة عنده، إذ اليوم عنده كألف سنة مما تعدون فوقت العذاب عندكم بطيء أيها المشركون، وهو قريب عند الله. وقيل معنى ذلك: وأن يوماً في الشدة والخوف

стр. 4844

في الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا فيها شدة وخوف وصعوبة، وهذا قول حسن. وقيل: المعنى، وإن مقدار يوم واحد من أيام الدنيا يعذب فيه الكافر في الآخرة كمقدار ألف سنة من الدنيا، يعذب فيها الكافر لو عذبه فيها ذلك المقدار. وذلك في كثرة الآلام والغموم، فالشدة على المعذبين، أجارنا الله من ذلك. قال بعض المفسرين، وكذلك سبيل المنعم عليه في الجنة، ينال فيها من اللذة والنعيم في قدر يوم من أيام الدنيا مثل ما كان ينال في نعيم الدنيا ولذتها في ألف سنة لو نعم فيها منعماً مسروراً. ثم قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾: أي: وكم من أهل قرية أمهلتهم وأخرت عذابهم " وهم ظالمون " أي: مشركون بالله، ثم أخذتهم بالعذاب. واستغنى عن ذكر العذاب لتقدم ذكره، فعذبتهم في الدنيا بعد الإمهال وإلى المصير في الآخرة، فليقون عذاباً لا انقطاع له. وفي الكلام حذف. والتقدير: فكذلك حال متسعجليك بالعذاب يا محمد، فإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني آخذهم بالعذاب في الدنيا بالسيف والمصائب ثم يصيرون إلي في الآخرة فيصل بهم العذاب المقيم. كل هذا تخويف ووعيد وزجر للكفار من قريش وغيرهم. ثم قال: ﴿قُلْ يا أيها الناس إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. أي: قل يا محمد لمشركي قومك إنما أنذركم عذاب الله أن يحل بكم في الدنيا والآخرة " مُبِينٌ " أي: أبين لكم إنذاري وأظهره لتحذروا وتزدجروا وتتوبوا من شرككم لم أملك لكم غير ذلك، فأما استعجالكم بالعذاب، فليس ذلك إلي، إنما هو

стр. 4845

إلى الله جلّ ذكره. ثم وصف مَنْ قبل إنذاره وآمن به فقال: ﴿فالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾: أي، منكم ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ أي، ستر من الله على ذنوبهم التي سلفت، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: الجنة. ثم وصف من لم يقبل إنذاره وتمادى على كفره فقال: ﴿والذين سَعَوْاْ في آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي: عملوا في الصد في أتباع النبي ﵇، وترك الإقرار بما جاء به ورد آيات الله، والتكذيب بها. ومعنى: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: معاندين، قاله: الفراء. وقال ابن عباس: معاجزين: مشاقين. وقال قتادة: سابقين، قال: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه. وقيل: معناه معاندين للنبي ﷺ مغالبين له، يفعلون من ذلكما يظنون أن النبي ﷺ يعجز عن رده وإنكاره.

стр. 4846

ومن قرأه مُعْجِزِينَ بغير ألف مشدداً، فمعناه مثبطين مبطئين. تأويله يتبطون الناس ويبطئونهم عن اتباع النبي ﵇. ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ﴾. قوله: " من رسول ولا نبي ": يدل على أن النبي هو المرسل، وأن المرسل نبي، لأنه أوجب في الآية للنبي الرسالة، لأن معنى نبي: أنبأ عن الله، ومعنى أنبأ عن الله: هو أخبر عن الله بما أرسله به، فالنبي رسول والرسول نبي. وقد قال قوم: / كل رسول نبي وليس كل نبي رسول، وهذه الآية تدل على

стр. 4847

القول الأول. ومعنى الآية عند أهل القول الثاني: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى أمة ولا نبي محدث ليس بمرسل. وكان نزول هذه الآية، أن الشيطان ألقى لفظاً من عنده على لسان النبي ﷺ فيما كان يتلوه من القرآن، فاشتد ذلك على رسول الله فسلّى الله بهذه الآية. قال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس: جلس رسول الله في نادٍ من أندية قريش، كثير أهله، يتمنى ألا يأتيه من الله شيء، فينفروا عنه، فأنزل الله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: ١] فقرأها النبي ﷺ حتى إذا بلغ. " أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثلاثة الأخرى "، ألقى الشيطان في تلاوته كلمتني " تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترجى ". فتكلم بها ثم مضى فقرأ إلى آخر السورة كلها فسجد وسجد القوم معه جميعاً ورضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده إذا جعلت لها نصيباً فنحن معك. فلما أمسى النبي أتاه جبريل ﵇، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال جبريل ﷺ : ما جئتك بهاتين. فقال رسول الله ﷺ : افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله تعالى إليه ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ إلى

стр. 4848

قوله: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥] فما زال النبي ﷺ مغموماً بذلك حتى نزلت: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وعلى هذا المعنى ذكره ابن جبير وأبو معادز وقال ابن عباس: في الآية أن النبي ﷺ بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا سمعناه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه فينما هو يتلوها وهو يقول: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان أن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فجعل يتلوها، فنزل جبريل ﵇ فنسخها قال له: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وكذلك رواه ابن شهاب على هذا المعنى وان اختلفت الألفاظ. وقيل: معنى الآية: هو ما يقع للنبي ﷺ من السهو والغلط إذ قرأ فينتبه إلى ذلك أو ينبهه الله عليه، فيرجع عنه كما يعرض له من السهو في الصلاة فنسخ الله لذلك هو تنبيه نبيه عليه. وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ﴾. هو رجوع النبي ﷺ عن سهوه وغلطه إلى الصواب، كل بلطف الله وتيسيره له. وقوله: ﴿وَأَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: وسوس إليه فغلطه في قراءته. وقوله: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشيطان فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. هو أن المشركين والمنافقين كانوا يطلبون

стр. 4849

على النبي ﵇ زلة أو غلطاً يطعنون بذلك عليه. فإذا غلط في قراءته أو سهى، تلقوا ذلكك بالقبول، وقالو: رجع عن بعض ما قرأ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يبين فيها أن الغلط والسهو لا حجة فيهما على النبي ﷺ ، ولا طعن، لأنه شيء يجوز على جميع الخلق، ولا يمتنع من ذلك أحد إلا رب العالمين، فأخبرهم أن الأنبياء قبل محمد والرسل هكذ كانوا، فلا نقص في ذلك على محمد ﷺ . وقد استدل بعض الناس على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي بهذه الآية، لأنه قال في النبي والرسول: إذا تمنى، أي قرأ ما أرسل به إلى قومه، فكلاهما مرسل ونبي، وقال: إن الأنبياء إنما يصيرون أنبياء إذا أرسلهم الله إلى عباده، ومن لم يرسله الله إلى عبده فليس بنبي، كما لا يكون رسولاً. والذي عليه أكثر الناس، أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. والرسل قليلون، والأنبياء كثيرون. وقد ذكرنا عدة هؤلاء وهؤلاء في غير هذ الموضع، وعلى هذا دلائل كثيرة تدل على صحته بطول ذكرها. ومعنى: " إذا تمنى " إذا تحدث في نفسه. وقال ابن عباس: " إذا تمنى " إذ حدث. وقال الضحاك إذا قال.

стр. 4850

وقال مجاهد: إلا تلا وقرأ. وقيل: إن قوله: (والغرانيق العلى) عنى بها الملائكة، وكذلك الضمير في وأن شفاعتهم ترتجى، هو للملائكة/. واختار الطبري أن يكون تمنى، بمعنى حدث، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. وقيل: معنى الآية، أن النبي ﷺ إذا حدث نفسه، ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول: لو سألت الله أن يغنمك كذا ليتسع المسلمون، ويعلم الله الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقى الشيطان. وحكى الكسائي والفراء " تمنى " بمعنى حدّث نفسه. وقوله: ﴿فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشيطان﴾ أي: يبطله، من قولهم: نسخت الشمس الظل. وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ﴾ أي يخلصها من الباطل الذي ألقى الشيطان. والله عليهم بما يحدث في خلقه من حدث، حكيم في تدبيره إياهم. قوله تعالى ذكره: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشيطان فِتْنَةً﴾. إلى قوله: ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. المعنى: فعل ذلك من نسخ ما ألقى الشيطان ليجعله فتنة للذين في قلوبهم مرض، أي: اختباراً للذين في قلوبهم نفاق ﴿والقاسية قُلُوبُهُمْ﴾ هم المشركون الذين

стр. 4851

قست قلوبهم عن الإيمان فلا تلين ولا ترعوي. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظالمين لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. أي: وإن مشركي قومك لفي خلاف لله، في أمر بعيد من الحق. والشقاق: أشد العداوة. ثم قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الذين أُوتُواْ العلم أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ﴾. أي: نسخ ما ألقى الشيطان ليعلم الذين أتوا العلم بالله أنه الحق من ربك. أي: أن الذي أنزله إليه هو الحق، لا ما نسخ مما ألقى الشيطان ﴿فَيُؤْمِنُواْ بِهِ﴾ أي: فيصدقوا به. ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تخضع للقرآن قلوبهم وتذعن بالتصديق به والإقرار بما فيه. ثم قال: ﴿وَإِنَّ الله لَهَادِ الذين آمنوا﴾. أي: المرشد المؤمنين إلى الطريق القاصد والحق الواضح، فينسخ ما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله ﷺ ، فلا يضرهم كيد الشيطان شيئاً. وقيل: المعنى: لهاديهم إلى طريق الجنة في الآخرة. وقيل: المعنى: لهاديهم إلى الثبات على الإيمان في بقية أعمارهم. وقال ابن جريج: ﴿أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ﴾ يعني: القرآن. ويروى: أن قوماً من المهاجرين بأرض الحبشة بلغهم أن أهل مكة سلموا حين تقربوا من النبي ﵇ لما سمعوا منه ما ألقى الشيطان في تلاوته، فرجعوا إلى

стр. 4852

عشائرهم، وقالوا هم أحب إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشطيان. وقوله: " الهاد " حذفت الياء في الوصل لسكونها وسكون اللام بعدها وحذفت من الخط، لأن الكاتب كتبها على لفظ الوصل، ولو كتبها على الوقف لكتبها بالياء كما كتب ﴿بِهَادِي العمي﴾ [النمل: ٨١] في النمل بالياء على الوقف، وكتب " بهاد العمي " في الروم بغير ياء على الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، لأنك إن وقفت بالياء خالفت الخط، وإن وقفت بغير ياء، حذفت لام الفعل لغير علة. وقد قال يعقوب وسلام: الوقف " الهادي " بالياء على الأصل، والأحسن ألا تقف عليه لما ذكرت لك. ولأنه ليس بتمام ولا قطع، ولأنك تفرق بين المضاف والمضاف إليه، وكلاهما كالشيء الواحد. وقد روى أبو محمد اليزيدي عن أبي عمرو في " لهاد الذين آمنوا " قال: الوصل بالياء، والوقف على الكتب. وروي ذلك عن اليزيدي أبو عبد الرحمان وأبو حمدون. ومعنى هذا أنه ينوي الياء في الوصل وإن كان لا يلفظ بها، فإذا وقف،

стр. 4853

وقف بغير ياء اتباعاً للخط فكأنه قال: الوصل بنية الياء. وهذا كلام مستقيم. وقد استجهل اليزيدي في هذه الرواية ومجازها ما ذكرنا. ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾. أي: لا يزال الكفار في شك من القرآن. وقيل: من النبي. وقيل: من سجوده معهم في آخر النجم. وقيل: مما ألقى الشيطان في تلاوة النبي ﷺ من قوله: تلك الغرانيق العلى " قال هذا القول الأخير ابن جبير وابن زيد. قال ابن زيد: لا يخرج ذلك من قلوبهم زادهم ضلالة. وكونها تعود على القرآن أبين، لقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الذين أُوتُواْ العلم أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ﴾ يعني: القرآن وهو أقرب إليه. وقوله: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً﴾. أي: حتى تأتيهم ساعة حشر الناس لموقف الحساب " بغتة " أي: فجأة، وهو مصدر في موضع الحال.

стр. 4854

ثم قال تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. أي: عذاب يوم القيامة، ومعنى عقيم لا ليلة له شبهت/ الليلة باليوم، بمنزلة الولد للوالدة، هذا قول الضحاك وعكرمة. وقيل: عنى به يوم بدر. وسمي عقيماً لأنهم لم ينظروا إلى الليل، قال ذلك: مجاهد وابن جبير وقتادة وأبي بن كعب. وهذا القول: حسن لأنه قد تقدم ذكر يوم القيامة في قوله: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً﴾ فلا يكون يوم القيامة مرة آخرى، وإنما المعنى: لا يزالون في شك من القرآن حتى تقوم الساعة أو يقتلوا يوم بدر. قال أبي بن كعب: " عذاب يوم عقيم "، يوم بدر، والزام: القتال في يوم بدر، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى﴾ [الدخان: ١٦] يوم بدر، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى﴾ [السجدة: ٢١]، يوم بدر، فذلك أربع آيات نزلن في يوم بدر. وقيل: إنما سمي يوم بدر عقيماً لأنه عقيم فيه الخير والفرج عن الكفار. وقيل: هو يوم القيامة، عقم أن يكون بعده يوم مثله، أي: منع من ذلك.

стр. 4855

قوله تعالى ذكره: ﴿الملك يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. أي: السلطان لله وحده يوم مجيء الساعة لا ينازعه فيه أحد إذ قد كان في الدنيا ملوك يدعون ذلك، قد ملكهم الله أمر عباده، فيوم القيامة لا يملك الله فيه أحداً شيئاً من الأمور، بل هو المتفرد بذلك، والحاكم فيه كله، وقد كان الملك كله لله في الدنيا، إلا أنه تعالى ملك قوماً أمور عباده، وليس يكون ذلك في الآخرة، لا يملك أحد أمر أحد. ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين خلقه، المؤمن والكافر، ﴿فالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ يومئذ ﴿والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا فأولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: مذل لهم في جهنم. ثم قال تعالى: ﴿والذين هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ قتلوا أَوْ مَاتُواْ﴾. أي: والذين فارقوا أوطانهم وهجروا بلدهم في رضى الله ثم قتلوا في ذلك أو ماتوا ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله رِزْقاً حَسَناً﴾ وهو الثواب الجزيل، ﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ أي: خير من بسط رزقه على أهل طاعته. وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: الميت والمقتول منهم سواء، وقال آخرون: بل

стр. 4856

المقتول أفضل فأعلمهم الله جلّ ذكره بهذه الآية أن المقتول في سبيل الله والميت فيه سوا عنده في الثواب. ثم قال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾. يعني: الجنة. وقال: ﴿وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ أي: " لعليم بمن هاجر في سبيله ممن خرج لغنمية أو عرض من أعراض الدنيا ". " حليم " عمن عصاه من خلقه لا يعاجله بالعقوبة ثم قال: ﴿ذلك وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾. أي: الأمر ذلك وعن عاقب. وقيل: معناه: هذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ولهم مع ذلك القضاء على المشركين الذين بغوا عليهم، وآخرجوهم من ديارهم. قال ابن جريج في الآية: هم المشركون، بغوا على النبي ﷺ وأخرجوه، فوعده الله أن ينصره وقال: إن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فكره المسلمون القتال في الشهر الحرام، وسألوا المشركين أن يكفروا عن القتال، فأبى المشركون ذلك فقاتلوهم وبغوا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فأنزل الله الآية فيكون معنى ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾: بدئ بالقتال وهو له كاره لينصرنه الله على من بَغَى عليه. وسمى الجزاء عقوبة لأنه جزاء على عقوبة فسمي

стр. 4857

باسمه، كما قال: ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و ﴿مَكَرَ الله﴾ [آل عمران: ٥٤] وشبهه، ومثل ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فالأولى: سيئة والثانية حسنة، إلا أنها سميت سيئة، لأنها وقعت إساءة بالمفعول، لأنه فعل به مايسوء، كذلك سمي الجزاء على العقوبة عقوبة لأنه عقوبة بالمبتدئ بالشر. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾. أي: لذو عفو وصفح لمن انتصر به من ظلمه من بعدما ظلمه الظالم، غفور لمن فعل بمن ظلمه. ثم قال: ﴿ذلك بِأَنَّ الله يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل﴾ أي: يقول الله جلّ ذكره: هذا النصر الذي أنصر من بُغِيَ عليه بأني قادر على ما شاء، ومن قدرتي أني أولج الليل في النهار وأولج النهار في الليل. ومعناه: يدخل ما انتقص/ من ساعات الليل في ساعات النهار، وما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا، زاد في طول هذا. فالبقدرة: التي فعل هذا، ينصر محمداً وأصحابه على الذين بغوا عليهم،

стр. 4858

وأخرجوهم من ديارهم. ثم قال: ﴿وَأَنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي، وفعل ذلك بهم أيضاً، لأنه ذو سمع لما يقولون من قول خفي وغيره، عليم بكل شيء. ثم قال: ﴿ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق﴾. أي: ذلك الفعل الذي فعل من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، ونصره أولياءه لعى من بغى عليهم، لأنه الحق الذي لا مثل له، ولا شريك، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون آلهة من دونه، هو الباطل الذي لا يقدر على شيء. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الله هُوَ العلي الكبير﴾. أي: هو العلو على كل شيء وهو فوق كل شيء، وكل شيء دونه. " والكبير: " أي: العظيم الذي لا شيء أعظم منه. قال ابن جريج: " هو الباطل " يعني: الشيطان. ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً﴾. " فتصبح " مرفوع لأن صدر الكلام واجب، ولس استفهام، إنما هو تنبيه، هذا قول الخليل. وقال الفراء: " ألم تر " خبر، كما تقول في الكلام: أعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا. وخص ذكر الصباح بهذا دون سائر أخواتها، لأن رؤية الخضرة بالنهار أوضح

стр. 4859

منه بالليل، والمعنى: أن الأرض صارت على هذا بالليل والنهار، فتصبح بمعنى فأصبحت، وهذه أصول من باب صار وأخواتها، وأعلم أن أصل أصبح وأمسى أن تقول: أصبح الرجل وأمسى أي: وافق الصباح ووافق المساء، وكذلك أصبحنا وأمسينا، معناه: دخلنا في الصباح والمساء. ثم قالوا: أصبح زيد عالماً، وأمسى جاهلاً. أي: تبين ذلك منه في وقت الصباح والمساء ولم يرد أنه يكون في الصباح على حال لا يكون عليها في المساء، وقولهمه ظل فلان قائماً، فلا يكون ظل إلا بالنهار، كما أن بات بالليل، واشتقاقه من الظل، والظل إنما يكون بالنهار، فلذلك لم يقع " ظل " إلا بالنهار. وقولهم: " صار زيد عالماً. أصلها من صرت إلى موضع كذا، أي: بلغته، فالمصير انقطاع البلوغ. ومنه قوله: " إليه المصير "، أي: غاية البلوغ والانتهاء، ثم اتسع فيها حتى جعلت للخبر، فقيل: صار عبد الله عالماً أي: بلغ هذه الصفة، فلذلك كانت للشيء الذي ينقطع إلى وقتك تقول: صار عبد الله رجلاً. أي: بلغ ذلك هذا الوقت، وليست بمنزل " كان " التي توجب علمه قبل ذلك، فصارت لانقطاع الغاية، وانطقاع الغاية وقت خبرك، فإن أردت أن تخبر بـ " صار " إنما هو كان قبل وقتك، أدخلت " كان " فقلت: كان زيد قد صار عالمً، ورأيته أمسى صار عالماً.

стр. 4860

وأما ما زال فأصلها من زال الشيء عن الموضع، إذا فارقه وما زلت عن موضع، أي: ما فارقته. ثم جعل ذلك للخبر فلزمه الجحد، فثبت الخبر عن الاسم بنفي مفارقته، فقلت: ما زال زيد عالماً، فنيت مفارقته للعلم، ونفي ذلك إيجاب له، فصار المعنى: زيد علام، ففيه معنى تراخي الزمان، فإذا قلت ما زلت سائراً، فمعناه ما زلت أسير شيئاً بعد شيء. ونظير ما زال، ما برح وما انفك، وما فتئ. فأصل ما برح، من برحت من موضع، أي: فارقته. وأصل ما انفك من انفكاك الشيء من الشيء ومفارقته إياه. وأما ما فتئ، فلم ينفرد باسم كظلت. وأما ما دام، فما فيها غير جحد، إنما هي زمان. وأصل دام، من دمت على الشيء، مكثت فيه، وطاولته، ثم جعلت لديمومة الخبر، وجعل الاسم وخبره صلة " ما " التي هي وقت. ولو قلت دام زيد عالماً، لم يكن كلاماً حتى تأتي الموصول، وهو " ما ". ولو قيل: قد دام زيد أميراً، لجاز في القياس، لأن معناه: طالت إمارته، ولكن لم يستعمل وقوله: ﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. أي: لطيف باستخراجه النبات من الأرض بالماء الذي ينزل من السماء. " خبير " بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وغيره. قوله تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾. أي: له ملك ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله لهو الغني عن خلقه. وهم

стр. 4861

المحتاجون إليه. ﴿الحميد﴾ أي: المحمود عند/ عباده في أفضاله ونعمه عندهمه. ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأرض﴾. أي: سخر لكم ما في الأرض من الدواب والأنعام وغير ذلك تنتفعون وتأكلون وتركبون وتلبسون منه، وسخر لكم " الفلك لتجري في البحر بأمره " أي: بقدرته وتذليله أياها لكم. ثم قال: ﴿وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾. أي: يمسكها بقدرته لئلا تقع على الأرض. ﴿إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: لذو رأفة ورحمة بهم. ثم قال: ﴿وَهُوَ الذي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾. أي: والذي أنعم عليكم هذه النعم المذكورة، هو الذي خلقكم أجساماً أحياء بحياة أحدثها فيكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يميتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم يحييكم عند بعثكم لقيام الساعة، ﴿إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ﴾ أي: إن ابن آدم لجحود لنعم الله عليه، إذ يعبد غير من أنعم عليه بهذه النعم المتكررة وبغيرها. ثم قال تعالى: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾. أي: لكل جماعة قوم لنبي خلا قبلك يا محمد، جعلنا مألوفاً يألفونه، وماكناً يعتادونه لعبادة الله تعالى، وقضاء فرائضه، وعملاً يلزمونه.

стр. 4862

وأصل المنسك: المكان المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر، وإنما سميت المناسك مناسك الحج لتردد الناس إليها للعمل الذي فرض عليهم لعمل الحج والعمرة فألفوه. وكسر " السين " لغة أهل الحجاز، وفتحها لغد أسد. قال ابن عباس: جعلنا منسكاً. أي: عيداً. وقال مجاهد: وهو أراقة الدم بمكة. وقال قتادة: " منسكاً " ذبحاً وحجاً. وقد رويَ أن المشركين جادلوا النبي ﷺ في إراقة الدم أيام النحر. فهذه الآية في ذلك والله أعلم. دل على هذا التأويل قوله: ﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمر﴾ أي: فلا يجادلنك في ذبحك ونسكك قولهم: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله وهو الميتة. ومعنى: " فلا ينازعنك "، أي: فلا تنازعنهم لأنهم قد نازعوه في ذلك قبل نزول الآية.

стр. 4863

ثم قال: ﴿وادع إلى رَبِّكَ﴾. أي: ادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك بأن يأكلوا ما ذبحوه بعد اتباعك والتصديق بما جئتهم به. ﴿إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق غير زائل عن الحق والصواب. ثم قال تعالى: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي: إن جادلك هؤلاء المشركون في نسكك، ﴿فَقُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ " لنا أعمالنا ولكم أعمالكم " ﴿الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة﴾ أي: يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون من أمر دينكم. فتعلمون حينئذٍ المحق من المبطل. ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السمآء والأرض﴾. أي: يعلم ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو حاكم بين خلقه يوم القيامة على علم منه بجميع ما علموه في الدنيا، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ﴿إِنَّ ذلك فِي كِتَابٍ﴾ أي: إن علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جلّ ذكره قبل أن يخلق الخلق ما هوكائن إلى يوم القيامة. ﴿إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ أي: سهل. يعني: حكمه بين المختلفين يوم القيامة. وقيل: معناه: أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب ما هو كائن يسير على الله. أي: هين. فصاحب هذا القول رده على الأقرب، وهو: " أن ذلك في كتاب ". وصاحب القول الأول رده على " يحكم بينكم ". قال ضمرة بن حبيب: إن الله جلّ ذكره كان عرشه على الماء، فخلق السماوات

стр. 4864

والأرض بالحق، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يبتدئ شيئاً من الخلق. وقال كعب الأحبار " علم الله تعالى ما هو خالق، وما خلقه عاملون ". وقال ابن جريج قوله: " إن ذلك في كتاب " يعني: قوله: ﴿الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة/ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾. أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لم ينزل لهم به حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها على رسله، وما ليس لهم به علم، أي: لا علم لهم أنها آله، فيعبدونها بعد علم، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ ينصرهم من عذاب الله. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾. أي: وإذا تتلى على المشركين آيات القرآن واضحات حججها وأدلتها، ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر﴾، أي تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها بسماعهم القرآن.

стр. 4865

﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾. أي: يبطشون بالذين يتلون عليهم كتاب الله من أصحاب النبي ﷺ ، وذلك لشدة كراهيتهم أن يسمعوا القرآن ويتلى عليهم. قال الضحاك: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ أي: يأخذون المؤمنين بأيديهم أخذاً. والسطو في اللغة: البطش. وروى أحمد عن قالون والأعشى عن أبي بكر " يصطون " بالصاد من أجل الطاء. ثم قال: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذلكم النار﴾. أي: قل يا محمد للمشركين أفأنبئكم بشر مما تكرهونه من قراءة القرآن عليكم؟ فقالوا: ما هو فقيل لهم: النار، أي هي النار وعدها الله الذين كفروا، أي: وعدكم وأمثالكم من الكفار أياها. وروي: أن المشركين قالوا محمد وأصحابه شر خلق، فقال الله تعالى: قل لهم يا محمد أفأنبئكم بشر من محمد وأصحابه على قولكم وزعمكم، أهل النار فهم أنتم شرار خلق الله تعالى لا محمد وأصحابه.

стр. 4866

وقوله: ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي: وبيس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون يوم القيامة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿يا أيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ﴾. ﴿ضُرِبَ﴾ هنا بمعنى: جعل: من قولهم: ضربت الجزية على النصارى، أي: جعلت. وضرب السلطان الخراج على الناس. أي: جعل، " والمثل " الشبه الذي جعلوه لله من الأصنام. فالمعنى: يا أيها الناس جعل شبه لي في عبادتي، يعني: الأصنام التي جعلوها شبهاً لله فعبدوها. ثم قال: فاستعموا الخبر هذا الذي جعل شبهاً لي. ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ من الأصنام والأثان، لن يخلقوا ذباباً، على صغر الذباب ولفطه، ولو أن الأصنام اجتمعت كلها لم تخلق ذلك ولا استطاعته، على أن الذباب واحد وهي كثيرة. وأن يسلبهم هذا الذباب على ضعفه وكثرتها شيئاً مما عليها من طيب وغيره، لا يقدرون بجماعتهم على استقاذ ذلك الشيء من الذباب الضعيف. روي أنهم كانوا يطلون آلهتهم بالزغفران، فكانت الذباب تختلس الزعفران، فلا تقدر الأصنام - وهي آلهة لهم - على استنقاذ ما تأخذ الذباب منها.

стр. 4867

ثم قال: ﴿ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾. أي: ضعفت الآلهة عن طلب ما أخذ الذباب منها، وضعف الذباب، قاله: ابن عباس. وقيل: المعنى: ضعف الطالب من بني آدم إلى الصنم حاجته، والمطلوب إليه أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله - فهذا توبيخ من الله لقريش وتنبيه، ومعناه: كيف تجعلون الله في العبادة مثل ما لا يقدر على خلق ذباب. ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً﴾ لم يمتنع ولا أنتصر، والله خالق من في السماوات والأرض. ومالك جميع ذلك، والمحيي جميع ذلك والمفني لهم. ثم قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾. أي: ما عظموه في العبادة حق عظمته حين عدلوا به من يضعف عن الامتناع من أذى الذباب. هذا معنى قول ابن زيد. وقد قال قوم: قوله تعالى: ضرب مثل، فأين المثل، ليس في الآية مثل والمعنى فيه على ما قمنا أن معناه، ضربتم لي مثلاً، أي جعلتم لي شبهاً ونداً. كما قال: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ [إبراهيم: ٣٠] ﴿فاستمعوا لَهُ﴾ أي: / فاستمعوا جواب ما ضربتموه شبهاً لله

стр. 4868

ونداً، فالضرب إنما هو للمشركين الذين عدلوا الله بالأصنام، فخبرنا الله تعالى عن ضعف الشبه والند الذي جعلوه له. قال الكلبي: كانوا يعمدون إلى المسك والزعفران، فيسحقونهما جميعاً، وهو عطر العرب ويطلون بهما الأصنام، فإذا يبس تشققق فربما وقع عليه الذباب فيأخذ منه، فكان يشتد عليهم. ثم قال: ﴿إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. أي: قوي على خلق ما يشاء من صغير وكبير، " عزيز " أي: منيع في ملكه، لا يقدر أحد أن يسلبه من ملكه شيئاً، وليس كآلهتهم التي يدعون من دون اكلله التي لا تقدر على خلق ذباب، ولا على الامتناع عن الذباب. ثم قال: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس﴾. أي: الله يختار من الملائكة رسلاً يرسلهم إلى من يشاء من خلقه، كجبريل وميكائيل صلى الله عليهما وسلم. ومن الناس، أي: يختار من شاء من الناس رسلاً يرسلهم إلى خلقه. ويقال: إن هذه الآية جواب لقول المشركين، ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] فأنزل الله تعالى: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس﴾ أي: ذلك إليه، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه.

стр. 4869

ثم قال: ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ﴾ أي: يسمع ما يقول المشركون في محمد ﷺ ، وما جاء به وغير ذلك من كلامهم وسرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يختاره لرسالته. ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. أي: ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما هو كائن بعد فنائهم. ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ أي: إلى الله ترد أمور الدنيا والآخرة. ثم قال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾. أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسله وكتبه، اركعوا واسجدوا في صلاتكم، ﴿وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾، أي: ذلوا له واخضعوا بالطاعة ﴿وافعلوا الخير﴾ الذي أمركم بفعله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تدركون طلباتكم عند ربكم. وقال الطبري: لعل هنا بمعنى كي، وهي عند غيره على معنى، الرجاء و " لعل " من الله واجبة. ومذهب أهل المدينة، مالك وغيره أن لا يسجد في آخر هذه السورة، وإنما فيها سجدة واحدة عند قوله يفعل ما يشاء. ورأي جماعة من الفقهاء، السجود في آخر السورة. وروي عن ابن عباس أنه قال: فضلت سورة الحج بسجدتين على سا ئر القرآن. وعن عمر أنه سجد في آخرها. وعن ابن عباس ابن عمر أنهما لم يعدا الثانية في سجود القرآن.

стр. 4870

ثم قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ﴾. أي: جاهدوا المشركين حق الجهاد. قاله: ابن عباس. وعن ابن عباس: أن المعنى: لا تخافوا في الله لومة لائم، فذلك حق جهاده. وعن النبي ﷺ أنه قال: " المجاهد من جاهد نفسه لله ". وعنه أنه قال: " أفضل الجهاد، كلمة عدل عند سلطان جائر "، ومعنى: " حق جهاده " هو استفراغ الطاقة. يقول الله تعالى: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾. وأكثر الناس على أنه غير منسوخ وواجب على كل مسلم أن يجاهد في الله حق جهاده على قدر استطاعته ويكون قوله: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] بياناً لهذا وليس بناسخ له. قوله تعالى ذكره: ﴿هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ إلى آخر السورة. أي: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه. وقال ابن زيد: " هو اجتباكم " أي: هَدَاكم. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق لا مخرج لكم منه، بل وسع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجاً، والكفارة من بعض، والقصاص من بعض. فلا ذنب يذنبه المؤمن إلا وله في دين الإسلام منه مخرج، هذا معنى قول ابن عباس. " وقد سألت عائشة رضي الله عن ها النبي ﷺ عن ذلك فقال: هو الضيق " يعني أن الحرج: الضيق.
следующие страницы →