← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

وقوله: ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي: وبيس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون يوم القيامة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿يا أيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ﴾. ﴿ضُرِبَ﴾ هنا بمعنى: جعل: من قولهم: ضربت الجزية على النصارى، أي: جعلت. وضرب السلطان الخراج على الناس. أي: جعل، " والمثل " الشبه الذي جعلوه لله من الأصنام. فالمعنى: يا أيها الناس جعل شبه لي في عبادتي، يعني: الأصنام التي جعلوها شبهاً لله فعبدوها. ثم قال: فاستعموا الخبر هذا الذي جعل شبهاً لي. ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ من الأصنام والأثان، لن يخلقوا ذباباً، على صغر الذباب ولفطه، ولو أن الأصنام اجتمعت كلها لم تخلق ذلك ولا استطاعته، على أن الذباب واحد وهي كثيرة. وأن يسلبهم هذا الذباب على ضعفه وكثرتها شيئاً مما عليها من طيب وغيره، لا يقدرون بجماعتهم على استقاذ ذلك الشيء من الذباب الضعيف. روي أنهم كانوا يطلون آلهتهم بالزغفران، فكانت الذباب تختلس الزعفران، فلا تقدر الأصنام - وهي آلهة لهم - على استنقاذ ما تأخذ الذباب منها.

стр. 4867

ثم قال: ﴿ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾. أي: ضعفت الآلهة عن طلب ما أخذ الذباب منها، وضعف الذباب، قاله: ابن عباس. وقيل: المعنى: ضعف الطالب من بني آدم إلى الصنم حاجته، والمطلوب إليه أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله - فهذا توبيخ من الله لقريش وتنبيه، ومعناه: كيف تجعلون الله في العبادة مثل ما لا يقدر على خلق ذباب. ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً﴾ لم يمتنع ولا أنتصر، والله خالق من في السماوات والأرض. ومالك جميع ذلك، والمحيي جميع ذلك والمفني لهم. ثم قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾. أي: ما عظموه في العبادة حق عظمته حين عدلوا به من يضعف عن الامتناع من أذى الذباب. هذا معنى قول ابن زيد. وقد قال قوم: قوله تعالى: ضرب مثل، فأين المثل، ليس في الآية مثل والمعنى فيه على ما قمنا أن معناه، ضربتم لي مثلاً، أي جعلتم لي شبهاً ونداً. كما قال: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ [إبراهيم: ٣٠] ﴿فاستمعوا لَهُ﴾ أي: / فاستمعوا جواب ما ضربتموه شبهاً لله

стр. 4868

ونداً، فالضرب إنما هو للمشركين الذين عدلوا الله بالأصنام، فخبرنا الله تعالى عن ضعف الشبه والند الذي جعلوه له. قال الكلبي: كانوا يعمدون إلى المسك والزعفران، فيسحقونهما جميعاً، وهو عطر العرب ويطلون بهما الأصنام، فإذا يبس تشققق فربما وقع عليه الذباب فيأخذ منه، فكان يشتد عليهم. ثم قال: ﴿إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. أي: قوي على خلق ما يشاء من صغير وكبير، " عزيز " أي: منيع في ملكه، لا يقدر أحد أن يسلبه من ملكه شيئاً، وليس كآلهتهم التي يدعون من دون اكلله التي لا تقدر على خلق ذباب، ولا على الامتناع عن الذباب. ثم قال: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس﴾. أي: الله يختار من الملائكة رسلاً يرسلهم إلى من يشاء من خلقه، كجبريل وميكائيل صلى الله عليهما وسلم. ومن الناس، أي: يختار من شاء من الناس رسلاً يرسلهم إلى خلقه. ويقال: إن هذه الآية جواب لقول المشركين، ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] فأنزل الله تعالى: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس﴾ أي: ذلك إليه، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه.

стр. 4869

ثم قال: ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ﴾ أي: يسمع ما يقول المشركون في محمد ﷺ ، وما جاء به وغير ذلك من كلامهم وسرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يختاره لرسالته. ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. أي: ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما هو كائن بعد فنائهم. ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ أي: إلى الله ترد أمور الدنيا والآخرة. ثم قال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾. أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسله وكتبه، اركعوا واسجدوا في صلاتكم، ﴿وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾، أي: ذلوا له واخضعوا بالطاعة ﴿وافعلوا الخير﴾ الذي أمركم بفعله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تدركون طلباتكم عند ربكم. وقال الطبري: لعل هنا بمعنى كي، وهي عند غيره على معنى، الرجاء و " لعل " من الله واجبة. ومذهب أهل المدينة، مالك وغيره أن لا يسجد في آخر هذه السورة، وإنما فيها سجدة واحدة عند قوله يفعل ما يشاء. ورأي جماعة من الفقهاء، السجود في آخر السورة. وروي عن ابن عباس أنه قال: فضلت سورة الحج بسجدتين على سا ئر القرآن. وعن عمر أنه سجد في آخرها. وعن ابن عباس ابن عمر أنهما لم يعدا الثانية في سجود القرآن.

стр. 4870

ثم قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ﴾. أي: جاهدوا المشركين حق الجهاد. قاله: ابن عباس. وعن ابن عباس: أن المعنى: لا تخافوا في الله لومة لائم، فذلك حق جهاده. وعن النبي ﷺ أنه قال: " المجاهد من جاهد نفسه لله ". وعنه أنه قال: " أفضل الجهاد، كلمة عدل عند سلطان جائر "، ومعنى: " حق جهاده " هو استفراغ الطاقة. يقول الله تعالى: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾. وأكثر الناس على أنه غير منسوخ وواجب على كل مسلم أن يجاهد في الله حق جهاده على قدر استطاعته ويكون قوله: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] بياناً لهذا وليس بناسخ له. قوله تعالى ذكره: ﴿هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ إلى آخر السورة. أي: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه. وقال ابن زيد: " هو اجتباكم " أي: هَدَاكم. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق لا مخرج لكم منه، بل وسع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجاً، والكفارة من بعض، والقصاص من بعض. فلا ذنب يذنبه المؤمن إلا وله في دين الإسلام منه مخرج، هذا معنى قول ابن عباس. " وقد سألت عائشة رضي الله عن ها النبي ﷺ عن ذلك فقال: هو الضيق " يعني أن الحرج: الضيق.

стр. 4871

وقيل: معناه، أن الله جعل للمؤمنين/ مكان كل شي يثقل في وقت ما هو أخف منه، فجعل للصائم الإفطار في السفر، وتقصير الصلاة وللمصلي إذا لم يطق القيام أن يصلي قاعداً، أو أن يتزوج أربعاً وما شاء من ملك اليمين. وعن ابن عباس أنه قال: هذا في شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شك في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليكم ستهلاله. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: وما جعل عليكم في الإسلام من ضيق بل وسعه عليكم، وهو قول الضحاك. وقال ابن عباس: وسع الله في الدين ولم يضيقه فبسط التوبة، وجعل الكفارات مخرجاً. ثم قال تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ﴾ اختلف في " هو " فقيل: ضمير الله جلّ ذكره. وقيل ضمير إبراهيم ﷺ أي: الله سماكم المسلمين، هذا قول: قتادة والضحاك ومجاهد. وقيل: المعنى: إبراهيم سماكم المسلمين، وهو قول الحسن وابن زيد لأن

стр. 4872

إبراهيم ﵇ قال: ﴿رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾. وهذا القول يضعفه قوله من قبل. وفي هذا، فيكون إبراهيم سمانا مسلمين من قبل القرآن وفي القرآن، والقرآن إنما نزل بعد إبراهيم، فهذا بعيد، وإنما يجوز قول ابن زيد والحسن على معنى، إبراهيم سماكم المسلمين فيما تقدم وفي هذا، أي: وفي حكمه أن من اتبع محمداً موحد. والأحسن أن يكون سمانا بذلك، من قبل القرآن، وفي الكتب المتقدمة وفي القرآن. قال مجاهد سماكم الله مسلمين في الكتب كلها، وفي الذكر، وفي هذا القرآن. وكل من آمن بنبيه من الأمم الماضية، فإنما سميت بالإيمان ولم يسم بالإيمان والإسلام غير هذه الأمة. ثم قال: ﴿لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾. أي: اجتباكم وسماكم مسلمين ليكون محمد شهيداً عليكم يوم القيامة، لأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم حنيئذٍ شهداء على الرسل أجمعين أنهم قد بلغوا أمتهم ما أرسلوا به إليهم. قال قتادة: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي كان. يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وكان يقال للنبي: إنك شهيد على قومك. وقال الله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال: " لتكونوا شهداء على الناس " وكان يقال للنبي: سل تعطه، وقال الله جلّ ذكره: ادعوني أستجب لكم. ثم قال: ﴿فَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾. أي: أقيموها بحدودها في أوقاتها، وآتوا الزكاة الواجبة عليكم. ثم قال: ﴿واعتصموا بالله هُوَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: ثقوا بالله وامتنعوا به من عدوكم، وتوكلوا

стр. 4873

عليه في أموركم، ﴿فَنِعْمَ المولى﴾ هو لمن فعل ذلك منكم ﴿وَنِعْمَ النصير﴾، أي: نعم الناصر هو على من بغاه بسوء. وقوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ وقف، إن نصبت ملة، بمعنى اتبعوا ملة فإن نصبته على قول الفراء على معنى كَ " مِلّةِ " إبراهيم لم تقف على " حرج " ويلزم الفراء في النصب عند عدم الكاف أن يقول زيد الأسد، فينصب الأسد، لأن المعنى، زيد كالأسد، وهذا لا يجوز عند أحد. " إبراهيم " وقف، إن جعلت " هو " من ذكر الله جلّ ثناؤه، وهو مذهب نافع ويعقوب وغيرهما. وإن جعلت " هو " من ذكر إبراهيم لم تقف على " إبراهيم "، وكان التمام " وفي هذ " إن جعلت اللام من لتكون متعلقة بفعل مضمر، فإن جعلتها متعلقة بـ: " اجتباكم " و " سماكم " لم يكن التمام إلا على الناس.

стр. 4874

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة المؤمنون: مكية قوله تعالى ذكره: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾. قال مجاهد إن الله تعالى وجلّ ثناؤه غرس جنة عدن بيده، ثم قال حين فرغ، ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون. . .﴾ الآيات، ثم أغلقت فلم يدخلها إلا من شاء الله، ولا تفتح إلا بالسحَر مرة، ثم قرأ: قد أفلح المؤمنون. وعن ابن عباس: أنه قال: خلق الله جنة عدن بيده، فتكلمت فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ / أي: قد سعد المصدقون وبقوا في الجنة. فالمعنى: قد بقي الذي صدقوا محمداً وما جاء به في النعيم الدائم، وأصل الفلاح، البقاء في الخير. ثم قال: ﴿الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. أي: هم متذللون لربهم إذا قاموا إلى صلاتهم.

стр. 4875

قال أنهم خشعت قلوبهم، فلا يعرف أحدهم من عن يمينه ولا من عن شماله، كان يستجب أن لا يجاوز المصلي ببصره موضع سجوده إلا بمكة، فإنه يستحب أن ينظر إلى البيت ولم يوقت مالك في ذلك وكان يقال: نزلت أدباً لقوم كانوا يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء فنهوا عن ذلك. قال ابن سيرين كان رسول الله ﷺ ينظر إلى السماء في صلاته، فلما أنزل الله هذه الآية، جعل رسول الله وجهه حيث يسجد. وقال مجاهد والزهري: الخشوع: سكون الأطراف في الصلاة. وقال الحسن: خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا به الجناح. وقال علي بن أبي طالب: خشوع في القلب، لا تلتفت في صَلاتك.

стр. 4876

وقال معمر عن الحسن: خاشعون " خائفون. وعن ابن عباس: خاشعون "، خائفون ساكنون. وحقيقة الخاشع، المنكسر قلبه إجلالاً لله ورهبة منه. وقال مالك: الخشوع في الصلاة: الإقبال عليها. السكون فيها. ثم قال تعالى ذكره: ﴿والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ﴾. أي: هم عن الباطل وما يكرهه الله معرضون. قال ابن عباس: عن الباطل. وقال الحسن: عن المعاصي. وقال ابن زيد: هم النبي ﷺ وأصحابه، كانوا عن اللغو [معرضين]. وقال الضحاك: اللغو: الشك. وقيل: الغناء. وروى مالك عن محمد بن المنكدر أنه قال: يقول الله جلّ ذكره يوم القيامة أين

стр. 4877

الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللغو ومزامير الشيطان، أدخلوهم في رياض المسك، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثنائي علي وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وقال الضحاك: اللغو: الشرك بالله. " واللغو " في اللغة، ما يجب أن يلغى ويطرح ويترك من اللعب والهزل والمعاصي. والمعنى، والذين شغلهم الجد عن اللغو. ثم قال تعالى: ﴿والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾. أي: مؤدون زكاة أموالهم، فمدح الله مخرجي الزكاة، وإن لم يخرجوا غيرها، وذم الذين يكنزون الذهب والفضة ولا يزكون. قوله تعالى ذكره: ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَحْسَنُ الخالقين﴾. أي: والذين يحفظون فروج أنفسهم فلا يستعملونها في شيء إلا في أزواجهم التي أحلها لهم النكاح، أو في ملك أيمانهم، يعني: الإماء، فليس يلامون على ذلك. ثم قال: ﴿فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذلك فأولئك هُمُ العادون﴾. أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، فهم العادون

стр. 4878

حد الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم. قال ابن عباس: الزاني من العادين. وقاله عطاء. قال ابن زيد: ﴿فأولئك هُمُ العادون﴾ يقول: الذين يعبدون من الحلال إلى الحرام. وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة، فقال: هي محرمة في كتاب الله، ثم تلا. ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. . .﴾ إلى قوله: ﴿العادون﴾ أي: فمن طلب سوى أربع نسوة وما ملكت يمينه فهو متعد إلى ما لا يحل له. وهذه الآية عمت تحليل الأزواج وملك اليمين على كل حال، وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين اختلاف، وكذلك الجمع بين المملوكة وعمتها، وبين المملوكة وخالتها، وفيها تخصيص بالتحريم لوطإ الحائض، وتحرم وطئ الأمة إذا زوجت وتحريم وطئ المظاهر منها حتى يكفر. ثم قال تعالى: ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: يقومون حفظ أماناتهم وعهدهم ويرعون ذلك. قيل: عنى بالأمانات هنا، الصلاة والطهر من الجنابة وجميع الفرائض.

стр. 4879

وقيل: هو عام في كل أمانة. وأصل الرعي في اللغة القيامة على إصلاح ما يتولاه الراعي لأحواله. ثم قال: ﴿والذين هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: يحافظون على وقتها وأدائها/ بحدودها، لا يفوتهم وقتها. وقال النخعي: " يحافظون " يداومون على أداء المكتوبة. ثم قال تعالى: ﴿أولئك هُمُ الوارثون﴾. أي: أولئك الذين تقدمت صفتهم هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " ما منكم أحد إلا له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله. قال: فذلك قوله: ﴿أولئك هُمُ الوارثون﴾ ". قال أبو هريرة: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله.

стр. 4880

وقال مجاهد يرث [الذي] من أهل الجنة، أهله وأهل غيره، ومنزل الذي من أهل النار. فهم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أن له منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فأما المؤمن فيبني منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيورث منزله الذي في الجنة، ويبني منزله الذي في النار. وروى عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: " لقد أنزلت عَليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ". يعني: من قام عليهن ولم يخالف ما فيهن، يعني: ثمان آيات في أول هذه السورة، وآيتين فيهما فرض الصوم والحج. ثم قال: ﴿الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: يرثون الجنة، مقامهم دائم فيها. والفردوس عند العرب، البستان ذو الكرم. وروى قتادة عن أنس أن الفردوس ربوة الجنة، أو وسطها وأفضلها. وقال كعب: خلق الله جلّ ذكره بيده جنة الفردوس، وغرسها بيده، ثم قال

стр. 4881

لها: تكلمي، فقالت: " قد أفلح المؤمنون ". وقال داود بن بقيع لما خلقها الله قال لها: تزيني، فتزينت. ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه. وقال أحمد بن حنبل في كتاب التفسير: إن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل جبالها المسك الأذفر. وعن أبي هريرة أنه قال: " الفردوس جبل في الجنة من مسك تفجر من أصله أنهار [أهل] الجنة ". وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ " الجنة مائة درجة، أعلاها وأوسطها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة ". ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾. يعني: آدم استل من الطين والسلالة: القليل منه، وكذلك باب الفعالة، يأتي للتقليل من الشيء، كالقلالة والنخالة، فالسلالة المستلة من كل تربة فكان خلق آدم ﵇ من تربة أخذت من أديم الأرض، وخلقت حواء من ضلعه. وقيل: خلقت من فضلة طين آدم.

стр. 4882

قال قتادة: استل آدم من الطين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقيل: معناه، ولقد خلقنا الإنسان، يعني: ولد آدم من سلالة، وهي النطفة استلت من ظهر الرجل " من طين " وهو آدم الذي خلق من طين، وهو قول مجاهد، وهو اختيار الطبري كأنه قال: ولقد خلقنا ولد آدم من سلالة آدم. وآدم: هو الطين، لأنه منه خلق، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. وآدم لم يكن نطفة، إنما كان ولده نطفة، فدل على أن المراد بالإنسان ولد آدم، دون آدم. فالطين كناية عن آدم، كأنه قال: خلقنا ولد آدم من سلالة والسلالة من طين، أي: من آدم. والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته سليلته وسلالته لأنه مسلول منه. قال ابن عباس: السلالة، صفوة الماء. وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. أي: ثم جعلنا الإنسان الذي خلقناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، يعني: الرحم، وسمي " مكين " لأنه مكن لذلك، وهيء له ليستقر فيه إلى بلوغ أمره.

стр. 4883

ثم قال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً﴾. أي: قطعة من دم ﴿فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً﴾، هي القطعة من اللحم، وسميت مضغة لأنها قدر ما تمضغ ﴿فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً﴾. أي: كل عضو عظم، ﴿فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً﴾ أي: ألبسنا كل عظم لحماً. ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾. أي: أنشأنا الإنسان خلقاً آخر. وقيل: المعنى، ثم أنشأنا/ هذا الخلق المتقدم ذكره وانتقاله خلقاً آخر، وهو نفخه الروح فيه، فيصير إنساناً، وكان قبل ذلك صورة، هذا قول: ابن عباس وأبي العالية والشعبي وأبن زيد. وقال ابن عباس: هو انتقاله في الأحوال بعد الولادة من الطفولة إلى الصبا إلى الكهولة، ونبات الشعر وخروج السن وغير ذلك من الأحوال. وقال قتادة قيل: هو نبات الشعر وقيل هو نفخ الروح.

стр. 4884

وقال مجاهد: هو استواء شبابه. وقيل: هو خلقه ذكراً أو أنثى. وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: " إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح ". وروي: أن النطفة تقيم في الرحم أربعين يوماً نطفة، ثم تصير علقة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير مضغة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير عظاماً مكسواً لحماً، وذلك في تمام أربعة أشهر، ثم في العشر الأول من الشهر الخامس يصور وينفخ فيه الروح ويتحرك، ولذلك جعل الله عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، لأنها تعلم في ذلك هل في جوفها حمل أو لا، إذ مدة تحرك المولود في البطن أربعة أشهر وعشر، فإذا تحرك، انتقلت عدتها إلى أن تضع حملها. ط ثم قال: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ أي: أحسن الصانعين قاله مجاهد. ويروى: أن هذا مما تكلم به عمر قبل أن ينزل، فنزل على ما قاله عمر

стр. 4885

و " تبارك " تفاعل من البركة. وقال ابن جريج: كان عيسى يخلق بأمر الله تعالى فلذلك قال: ﴿أَحْسَنُ الخالقين﴾. وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين، وهذا اختيار الطبري. لأن العرب تسمي كل صانع خالقاً. قال الشاعر، وهو زهير: ولأَنْتَ تَفْرِيَ ما خَلقْتَ وَبَعْ ... ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَيَفْري. أي: ما صنعت. وقيل: معناه، أحسن المقدرين. فالناس يقدرون. ولا يتم ما يريدزون لعجزهم والله يتمم ما يقدر، فهو خير المقدرين. وقيل المعنى، أن المشركين صنعوا تماثيل ولا ينفخون فيها الروح فخلق الله آدم ونفخ فيه الروح، فهو أحسن الصانعين، إذ لا يطيق أحد نفخ الروح غيره. ورويَ: أن عمر بن الخطاب لما سمع الآيات إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾. فنزلت ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ﴾. إلى قوله: ﴿في آبَآئِنَا الأولين﴾. أي: ثم إنكم يا بني آدم بعد إنشاء الله لكم خلقاً آخر تموتون تصيرون رفاتاً ثم

стр. 4886

إنكم بعد موتكم وتصييركم رفاتاً تبعثون فتحيون للحساب والجزاء في القيامة. ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ﴾. يعني: سماوات بعضها فوق بعض. والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. فلذلك قيل للسماوات طرائق، إذ بعضها فوق بعض. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الخلق غَافِلِينَ﴾. أي: لم نغفل عن خلق السماوات أن تسقط عليكم، بل كنا حافظين لهن. وهذا بمنزلة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] أي: محفوظاً أن يسقط عليكم. وقيل: محفوظاً من الشياطين. وقيل: المعنى، إنا لحفظنا إياكم خلقنا السماوات هذا الخلق، ويجوز أن يكون المعنى: ليس يغفل عن أعمال الخلق، وأحصى أفعالهم مع كون سبع طرائق فوقهم. ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً بِقَدَرٍ﴾، يعني: مياه الأرض كلها أصلها من السماء، أسكنه الله الأرض لينتفع به خلقه. قال ابن جريج: " ماء الأرض هو ماء السماء ". فماء الآبار والأدوية والعيون، هو من ماء السماء أصله، أسكنه الله الأرض.

стр. 4887

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ لقادرون﴾. أي: وإنا لقادرون على أن نذهب بالماء الذي أسكناه الأرض فتهلكوا بالعطش وتهلك مواشيكم وهذا مثل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ/ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. فمن نعمة الله على خلقه أن أسكن لهم الماء في الأرض مخزوناً يشربونه ويسقون مواشيهم ويسقون زرعهم وأَجْنُنَهم، ويتطهرون به وغير ذلك من منافعهم به. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسى أنهار: سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنير وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، فاستودعها الجبال وأجاراها في الأرض، وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً بِقَدَرٍ فأسكناه فِي الأرض﴾ وإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل الله جبريل ﷺ ، فرفع من الأرض القرآن والعلم وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ لقادرون﴾ ". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. أي: فأحدثنا لكم بالماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾ أي: من

стр. 4888

الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: ومن الفواكه تأكلون. وقيل المعنى: ومن الجنات تأكلون. وقيل المعنى: من النخيل والأعناب تأكلون. وخص ذكر النخيل والأعناب دون سائر الثمار، لأن القوم الذين نزل عليهم القرآن كان عامة فاكهة بلدهم النخيل والأعناب، فخوطبوا بهما عندهم من الثمار ليذكروا أنعم الله عليهم، فكان النخيل لأهل الحجاز والمدينة، وكانت الأعناب لأهل الطائف. ثم قال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن﴾. أي: وأنشأنا لكم ذلك، يعني شجرة الزيتون تخرج من جبل فلسطين. " وطور سيناء " الجبل الحسن. فالمعنى وأنشأنا لكم شجرة خارجة من هذا الجبل. ومن كسر السين من " سيناء " جعله فعلالاً وليس بفعلاْ إذ ليس في الكلام هذا المثال فيه همزة التأنيث، ولم يصرف لأنه اسم للبقعة، ولأنه معرفة. وقال الأخفش: هو اسم أعجمي.

стр. 4889

فأما من فتح السين، فإنه فعلاء، كحمراء، فلم ينصرف للتأنيث وهما لغتان وقال أبو عمرو: الفتح لغة بني تميم. وقال الفراء: لم يكسر السين إلا بنو كنانة. وقال مجاهد: معنى سيناء: المبارك. وقال ابن عباس: هو جبل بالشام مبارك. وقال قتادة: معنى: " سيناء " و " سينين "، حسن. وقال ابن عباس أيضاً: سيناء، الجبل الذي نودي منه موسى. وقال ابن زيد: هو الطور الذي بالشام جبل ببيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة. وقيل: هو جبل ذو شجر. والمعنى فيه: أن سيناء اسم معرفة، أضيف إليه الطور فعرف به كما قيل: جبلا طيء، وهو معنى قول ابن عباس: أن سيناء الجبل الذي نودي منه موسى، وهو مع ذلك مبارك.

стр. 4890

ويلزم من قال معناه جبل مبارك أو جبل حسن أون ينون طوراً ويجعل سيناء له نعتاً. وقوله: ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ مذهب أبي عبيدة أن الباء زائدة والتقدير، تنبت الدهن. ومذهب الفراء وأبي إسحاق أن الباء متعلقة بالمصدر الذي دلّ عليه الفعل، فالمصدر في كل الأفعال يحسن دخول الحرف معه على المفعول، وإن كان لا يحسن مع الفعل. ألا ترى أنك تقول: هو ضارب لزيد، فتدخل اللام. وتقول: أعجبني أكل للخبز زيد، ولو قلت: هو ضارب لزيد لم يجز، لأن اسم الفاعل أضعف في العمل من الفعل. فكذلك المصدر، هو أضعف في العمل من الفعل. فجاز دخول حرف الجر معه، وإن كان لا يدخل مع الفعل لقوة الفعل في التعدي. وتنبُتُ وتنبِتُ لغتان بمعنى كما يقال: مطرت السماء، وأمطرت وسرى وأسرى بمعنى والتقدير في العربية تنبت وفيها دهن أو معها دهن. وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ يعني الزيتون.

стр. 4891

قال ابن عباس: يصطبغ بالزيت الذي يأكلونه. يعني يأتدمون به/. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾. أي: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم والمعز لعبرة تعتبرون بها فتعرفون نهم الله عندكم، وأنه لا يعجزه شيء أراده فهو يسقيكم من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ولكم فيها أيضاً مع ذلك منافع كثيرة، كالإبل يحمل عليها، وكالبقر يحرث بها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: من لحومها تأكلون. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ﴾ أي: وعلى الإبل والسفن يحملون براً وبحراً. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾. أي: أرسل نوحاً إلى قومه داعياً لهم إلى الإيمان بالله وإلى طاعته. فقال لهم: ﴿ياقوم اعبدوا الله﴾ أي: ذلوا له بالطاعة لا معبود لكم غيره ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: تخشون بعبادتكم سواه العقوبة أن تحل بكم. ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾. أي: فقال جماعة أشراف قومه الذين جحدوا توحيج الله وكذبوه لقومهم: يا قوم، ما هذا إلا بشر مثلكم. أي: ما نوح إلا ابن آدم ﴿مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يريد أن يكون له الفضل عليكم، فيكون متبوعاً وأنتم له تبع. ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾.

стр. 4892

أي: لو شاء الله ألا نعبد سواه لأرسل إلينا ملائكة تدعونا إلى ذلك. ﴿مَّا سَمِعْنَا بهذا في آبَآئِنَا الأولين﴾ أي: قالوا لهم: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهم آباؤهم. قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حتى حِينٍ﴾ أي: تملهوا به إلى وقت ما. قال نوح: ﴿رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي. دعا ﷺ واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبو إلا تكذيبه. ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. ﴿وَفَارَ التنور﴾ قد تقدم في " هود " ومعنى " فار التنور ". وقد قال علي بن أبي طالب: " فار التنور " من مسجد الكوفة. وعنه أنه قال: " فار التنور " هو تنور الصبح. قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد

стр. 4893

خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. ثم قال: ﴿فاسلك فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾. أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. ﴿ن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا﴾. أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم. ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك فَقُلِ الحمد للَّهِ﴾. أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ " مُنزَلاً "

стр. 4894

بضم الميم، جعله مصدراً، لأن مصدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً. ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي يجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب. وقوله/: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. وقيل معنى " لمبتلين " لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾. أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم

стр. 4895

أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ﴾. أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود ﵇. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الحياة الدنيا﴾. أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل. ﴿مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه. (ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه. ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾.

стр. 4896

" أنّ " الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم. وقال الفراء والجرمي " أنَّ الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال الكلام. وذهب الأخفش إلى " أنّ " الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم. كما تقول: اليوم القتال. المعن عنده اليوم يحدث القتال. ومعنى الآية أن الأشراف من وقم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم. ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للألف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة

стр. 4897

عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع المؤنث لازم. وقيل: " هو " في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم " صه " عن السكوت. فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم. قال ابن عباس: " هيهات هيهات ": بعيد بعيد. ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ... وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله.

стр. 4898

وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر،: أنه قال: بعداً بعداً لما توعدون. ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا. قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افترى على الله كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. أي: قالوا: ما هو إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ وفي وعده/ إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال. ﴿قَالَ رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب.

стр. 4899

ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق﴾. أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى " بالحق " باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. وقيل: معنى " بالحق " بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾. أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل. وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر ". وقال مجاهد: " كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل "، وهم قوم صالح. روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. وروي أنه جبريل ﷺ وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾. أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذا كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة.

стр. 4900

وقال مجاهد أولئك ثمود. وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود. ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾. أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك

стр. 4901

بعضهم في آثار بعض. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا موسى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. ثم قال تعالى: ﴿فقالوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان لملك: هو عابد له. ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ المهلكين﴾.

стр. 4902

أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على/ إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمة آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير وكل بإذن الله جلّ ذكره. ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. " وروي أن النبي ﷺ قال: هي الرملة

стр. 4903

" وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. قال ابن جبير الربوة: النشرز من الأرض. وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر.

стр. 4904

قال ابن عباس " ومعين " هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ ". وقال الضحاك: " ومعين " الماء الظاهر. وقال قتادة ذات قرار أي ثمار " ومعين " وماء وهي بيت المقدس. وقوله: " ومعين " هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معهين وممعون. وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً. وقيل: يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعنى في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا.

стр. 4905

ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذا هي ربع عشرة في العين. قوله تعالى ذكره: ﴿يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات﴾ إلى قوله: ﴿إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. معناه وكلوا من الحلال الطيب دون الحرام ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ أي: بما أمرتكم به. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " إن الله جل ذكره طيب لا يقبل إلا طيباً "، وإن الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنين فقال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقال: ﴿يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات﴾. وقد قيل: إن قوله يا أيها الرسل مخاطبة للنبي وحده كما قال: " الذين قال لهم الناس " يعني نعيم بن مسعود وحده. وقيل: إنما قيل للنبي وحده ﴿يا أيها الرسل﴾ " لتدل بذلك على أن الرسل كلهم أمروا بأكل الطيبات وهو الحلال الذي طيبه الله تعالى لآكله. وقيل: هو مخاطبة لعيسى، وهو قل الزجاج وهو اختيار الطبري.
следующие страницы →