Полный текст (8 396 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.
стр. 5076
الله الجبابرة بالشام وجعلهم ملوكها وسكانها، فدل ذلك أن الله هو الذي استخلفهم في الأرض، وبأمره صاروا خلفاء وأئمة، وأنهم كانوا يعبدون الله تعالى لا يشركون به شيئاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارتضى لَهُمْ﴾، أي: ليوطنن لهم دينهم وهو الإسلام الذي ارتضاه لهم وأمرهم به، وإنما جاء ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ في جواب ﴿وَعَدَ﴾ لأن الوعد قول فصار بمنزلة: قال لهم: ليستخلفنهم.
ثم قال: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، أي: يخضعون لي بالطاعة، لا يشركون في عبادتهم في الأوثان والأصنام، و " يعبدون ": حال أي وعدهم في هذه الحال، ويجوز أن يكون مستأنفاً على الثناء عليهم. ويروى أن بعض أصحاب النبي ﵇ شكى إليه ما هم فيه من العدو، وتضييقه عليهم، وشدة الخوف، وما يلقون من الأذى / فنزلت هذه الآية بالوعد الجميل لهم. فأنجزه الله لهم، وملكهم ما وعدهم وأظهرهم على عدوهم.
стр. 5077
قال أبو العالية: مكث النبي ﵇ عشر سنين خائفاً، يدعو إلى الله سراً وجهراً ثم أمر بالهجرة إلى المدينة فمكث بها واصحابه خائفين يصبحون في السلاح، ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع هنا السلاح.
فقال النبي ﷺ كلمة معناها: لا تَغْبُرون إلا يسيراً، حتى يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم محتبياً ليس بيده حديدة، فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك﴾، أي: من كفر بالنعمة لا بالله قاله: أبو العالية.
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾، أي: بحدودها ﴿وَآتُواْ الزكاة﴾، يعني التي فرض الله ﴿وَأَطِيعُواْ الرسول﴾، يعني فيما أمر به ونهى عنه
стр. 5078
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، أي: لعل ربكم يرحمكم، ولعل من الله خبر واجب يفعله بفضله.
قال تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾، من قرأه بالياء فالمفعول الأول لحسب محذوف على قول الفراء. والتقدير لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين.
وقال علي بن سليمان: ﴿الذين كَفَرُواْ﴾، في موضع نصب.
والتقدير لا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين. ويجوز أن يكون المعنى: لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين. فأما من قرأ بالتاء فهو الأمر الظاهر، والنبي ﵇ هو المخاطب، وهو الفاعل، و ﴿الذين كَفَرُواْ﴾، في موضع نصب. و ﴿مُعْجِزِينَ﴾، مفعول ثان. ومعنى الآية لا تحسبن يا محمد الذين كفروا
стр. 5079
معجزين في الأرض إذا أراد الله هلاكهم، وتم الكلام على الأرض. ثم ابتدأ بخبر آخر عن عاقبة أمرهم، فقال: ﴿ومأواهم النار﴾.
قيل: هو معطوف على محذوف تقديره: بل هم تحت القدرة ومأواهم النار بعد هلاكهم. ﴿وَلَبِئْسَ المصير﴾ أي: بئس الذي يصيرون إليه.
قال: ﴿يا أيها الذينءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم﴾.
قال ابن عمر: هي محكمة. ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]، يعني البالغين، أي يستأذن هؤلاء الأطفال إذا بلغوا على كل حال، كما استأذن البالغون في كل وقت، يعني من الرجال خاصة.
وقيل: عني به من مَلَكْتَهُ من الرجال والنساء ألا يدخل عليك في هذه الثلاثة الأوقات إلا بإذن.
وقوله: ﴿والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ﴾، يعني من لم يحتلم من الأحرار.
стр. 5080
ثم قال: ﴿ثَلاَثَ مَرَّاتٍ﴾، أي: في ثلاث مرات، يعني: بالمرات ثلاث أوقات. ثم بين الثلاث أوقات متى هن فقال: ﴿مِّن قَبْلِ صلاة الفجر﴾، إلى قوله: ﴿صلاة العشآء﴾، ولو حُمِلَ الكلام على ظاهره لوجب ألا يدخل إلا بعد استئذان ثلاث مرات، وليس الأمر كذلك إنما هو إذن واحد.
قال ابن عباس: إن الله رفيق حليم رحيم بالمؤمنين يحب السترة عليهم، وكان القوم ليس لهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم والولد واليتيم على الرجل، وهو مع أهله في حال جماع، فأمر الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات الثلاث، ثم جاء الله باليسر وبسط في الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. وعنه أنه قال: الآية محكمة،
стр. 5081
والعمل بها لازم، ولكن الناس لا يعملون بها.
وقيل: إنما أمروا بالاستئذان لأنها أوقات يُتجرد فيها من الثياب، وتنكشف العورات، ودلت الآية على أن البالغين من ذوي المحارم عليهم الاستئذان في هذه الأوقات، وفي غيرها، وهؤلاء المذكورون في الآية إنما يستأذنون في هذه الأوقات خاصة.
وقال ابن المسيب: هي منسوخة: لا يُعمل بها اليوم. يعني أن الأبواب قد صنعت، والستور قد منعت من دخول هؤلاء وغيرهم على الإنسان، ودل على ذلك ما قال ابن عباس.
قال ابن عباس: جاء الله باليسر، وبسط الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستيذان الذي أمروا به. فكأنها على هذا القول ندب.
ثم قال: ﴿ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾، من نصب ثلاث رده على ثلاث مرات.
стр. 5082
وقيل: هو ظرف / والتقدير أوقات ثلاث عورات، والرفع على الابتداء وما بعده الخبر، والعورات الساعات التي تكون فيها العورة، والخلوة سميت عورة لكون ظهور العورة فيها، كما قالوا: ليلك نائم: لكون النوم فيه.
وقيل: التقدير: ثلاث أوقات ظهور عورات.
ثم قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أي: ليس عليكم معشر أهل البيوت ولا على الذين ملكت أيمانكم من الرجال والنساء، والذين لم يبلغوا الحلم من أولادكم الصغار إثم في الدخول عليكم بغير استئذان بعد الأوقات.
وهذا يدل على أن على الموالي من الاستئذان في الدخول على العبيد في هذه الأوقات، مثل ما على العبيد. لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أي: بعد هذه الأوقات في الدخول حرج. ويدل عليه أيضاً قوله: ﴿طوافون عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ﴾، أي: يطوفون عليهم، كما يطوفون عليكم في هذه الأوقات، فعليكم من الاستئذان مثل ما عليهم. لكن خص الله الموالي بالخطاب والذكر، لأنهم هم الذين عرفت لهم الخدمة من عبيدهم.
ثم قال تعالى: ﴿طوافون عَلَيْكُمْ﴾، أي: هؤلاء المماليك والصبيان الصغار: طوافون عليكم: أي يدخلون ويخرجون على مواليهم وأقربائهم في منازلهم غدوة وعشية بغير إذن.
وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ﴾، أي: يطوف بعضكم على بعض في سوى هذه
стр. 5083
الأوقات الثلاثة.
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الأيات﴾، أي: كما بين لكم أوقات الاستئذان كذلك يبين لكم جميع أعلامه، وأدلته ﴿والله عَلِيمٌ﴾، أي: ذو علم بمصالح عباده، حكيم في تدبيره إياهم.
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ﴾، أي: إذا بلغ الأطفال من أولادكم وأقربائكم الحلم فليستأذنوا أي إذا أرادوا الدخول عليكم في كل الأوقات.
﴿كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني البالغين.
وقيل: يعني الكبار من ولد الرجل وأقربائه الأحرار.
قال ابن عباس: أما من بلغ الحلم، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله، إلا بإذن على كل حال. وهو معنى الآية ﴿وَإِذَا بَلَغَ﴾.
وقال عطاء: واجب على الناس كلهم إذا بلغوا الحلم أن يستأذنوا على من كان من الناس.
وقال الزهري وابن المسيب: يستأذن الرجل على أمه.
ثم قال: ﴿كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ معناه كالأول.
стр. 5084
قوله: ﴿ثَلاَثَ مَرَّاتٍ﴾ قال يعقوب: هو تمام. وقال غيره: التمام العشاء. لأن ما بعد مرات تبيين لها، فأما من قرأ ﴿ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾، بالنصب فلا يكون الوقت على قوله إلا ثلاث عورات لكم، (وبعدهن) تمام.
قوله تعالى: ﴿والقواعد مِنَ النسآء اللاتي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾.
أي: واللواتي قعدن من النساء عن التزويج وعن الولد من الكبر، ولا يرجون نكاحاً، ولا يرغب في نكاح مثلهن، فلا إثم عليهن، أن يضعن القناع الذي يكون فوق الخمار، والرداء عند أولي المحارم من الرجال غير متبرجات بزينة. خفف الله تعالى عنهن في وضع ثيابهن، إذ لا يرغب في النظر إليهن الرجال، ولا في نكاحهن، والنظر إلى شعورهن وما هو عورة منهن، لا يجوز لأحد فعله بمثل الشابة.
وإنما خفف الله تعالى ذلك عنها ولم يبح للرجال النظر إلى شيء من
стр. 5085
عوراتهن من شعر وغيره، وإن كن لا يرغب في نكاحهن. واحدتهن قاعد بغير هاء وحذفت الهاء عند البصريين على النسبة.
وقال الكوفيون: لما كان لا يقع إلا لمؤنث حذفت الهاء.
وقيل: حذفت منه الهاء ليفرق بينه وبين القاعدة التي هي الجالسة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ﴾، أي: ألا يضعن ذلك خير لهن.
وقال مجاهد: معناه: أن يلبسن جلابيبهن فلا يضعنه خير لهن:
﴿والله سَمِيعٌ﴾، أي: يسمع ما تنطق ألسنتهم عليم بما تضمره صدورهم.
قال: ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ﴾، الآية.
هذه الآية نزلت ترخيصاً للمسلمين أن يأكلوا مع العميان والعرج /
стр. 5086
والمرضى، وأن يأكلوا في بيوت غيرهم، وعلى بمعنى " في " وذلك أنهم تحرجوا من ذلك لما نزلت ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل﴾، قاله ابن عباس.
وقال الضحاك: كان أهل المدينة قبل النبي ﷺ لا يخالطهم في طعامهم أعمى، ولا أعرج، ولا مريض على طريق التقزز.
وقيل: على طريق التحرج. لأن المريض لا يستوفي الطعام كما يستوفي الصحيح، والأعرج المحتبس لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والأعمى لا يبصر طيب الطعام، فأنزل الله تعالى إباحة ذلك في هذه الآية.
وقيل: نزلت ترخيصاً لأهل الزمانة في الأكل من بيوت من سمى الله في
стр. 5087
هذه الآية. لأن قوماً من أصحاب النبي ﷺ كانوا إذا لم يكن عندهم في بيوتهم ما يطعمونهم ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله، وكان أهل الزمانة يتحرجون أن يطعموا ذلك الطعام، قال ذلك مجاهد. وقيل: نزلت ترخيصاً لأهل الزمانة أن يأكلوا من بيوت من خلفهم في بيوته من الغزاة. وكان الغزاة يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك. قاله الزهري.
وقيل: بل عني بذلك الجهاد، أي لا إثم عليهم في التخلف عن الجهاد. ثم ابتدأ كلاماً آخر فقال: ﴿وَلاَ على أَنفُسِكُمْ﴾، قاله ابن زيد.
وقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ [النور: ٢٧]،
стр. 5088
فإذا فرض عليهم ألا يدخلوا حتى يستأذنوا، فالدخول والأكل آكد ألا يفعل إلا بعد إذن، ولا يأكل حتى يدخل، وقد فرض عليه ألا يدخل إذا لم يجد فيها أحداً، فالأكل ممتنع لامتناع الدخول فهو ناسخ له.
قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ﴾، الآية. هذا شيء قد انقطع ونسخ؛ إنما كان هذا في أول الإسلام، ولم تكن لهم أبواب، وكانت الستور مرخاة، فربما دخل الرجل البيت ولا أحد فيه، وهو جائع فيجد طعاماً فسوغه الله أن يأكله، وقد ذهب ذلك، اليوم البيوت فيها أهلها وإذا خرجوا أغلقوها ولا يحل لأحد أن يفتح باب أحد، فليأكل متاعه بإجماع. وأكثر أهل النظر على أن الآية منسوخة بقوله: ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨]، وبقوله: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]
стр. 5089
وبقول النبي ﷺ : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه ".
وقيل: نزلت ترخيصاً لمن كان يتقي مؤاكلة الزمنى.
فالآية على قول ابن زيد: منسوخة، وهي ناسخة لتحرجهم عن الأكل مع الزمنى على قول ابن عباس المتقدم، وهو قول جماعة من أهل العلم.
وقوله ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾، يعني وكيل الرجل وقيِّمه في ضيعته أنه لا بأس أن يأكل من الثمر ونحوه. قال ابن عباس.
قال أبو عبيد: هذا كله إنما هو بعد الإذن لأن الناس توقفوا أن يأكلوا
стр. 5090
لأحد شيئاً بإذن أو بغير إذن لما نزلت: ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقيل: عني به منزل الرجل نفسه. أنه لا بأس عليه أن يأكل منه.
وقال مجاهد: يعني خزائن الرجل ومتاعه.
وقرأ قتادة: ﴿مَّفَاتِحهُ﴾ وهي لغة، ومفتح أكثر من مفتاح والمفتح: الخزانة.
وقرأ ابن جبير: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾، على من لم يسم فاعله، ومعنى ﴿وَلاَ على أَنفُسِكُمْ﴾، ولا عليكم أيها الناس. ولما اجتمع مخاطب وغير مخاطب غلب المخاطب. فقوله ﴿أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾، وما بعده من المخاطبة، يراد به جميع من ذكر من الأعمى، والأعرج، والمريض، وأصحاب البيوت.
стр. 5091
وقوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، قال قتادة: فلو أكلت من بيت صديقك من غير أمره لم يكن بذلك بأس.
وقوله: ﴿أَوْ بُيُوتِءَابَآئِكُمْ﴾، وما بعده، ولم يذكر بيوت الأبناء يدل على أن بيت الابن داخل في بيت الرجل، فهو داخل في قوله: ﴿أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾، فبيت ابن الرجل مثل بيته، ذلك على صحة قول النبي ﷺ : " أنت ومالك لأبيك ".
فمال ابن الرجل كمال الرجل، إلا ما أحكمته السنة في غير المأكول في بيت الإبن، وهذه الآية تدل على أن / للرجل أن يأكل من بيت ابنه بغير إذنه، كما يأكل من بيته نفسه، لأن له أن يأخذ ماله ويستحل كسبه، وهو غني عن ذلك، فإن كان الأب فقيراً، فليس له على الابن إلا ما أحكمته السنة من النفقة بالمعروف.
ثم قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾، أي إثم وحرج أن تأكلوا جميعاً أي مع الفقراء
стр. 5092
والزمنى ﴿أَوْ أَشْتَاتاً﴾ أي متفرقين، وأشتاتاً نصب على الحال، وكذلك جميعاً.
قال ابن عباس: كان الرجل الغني يدخل على الفقير، من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى الطعام، فيتحرج أن يأكل معه، لأنه فقير، فأمروا أن يأكلوا جميعاً أو أشتاتاً.
وقيل: عني بذلك حي من العرب، كان لا يأكل أحدهم شيئاً وحده، ولا يأكل إلا مع غيره، فأذن الله أن يأكل من شاء منهم وحده، ومن شاء مع غيره.
وعن ابن عباس أيضاً قال: كانوا يأنفون أن يأكل الرجل وحده حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم في ذلك.
وقال ابن جريج: كانت بنو كنانة يستحي الرجل منهم أن يأكل وحده،
стр. 5093
حتى نزلت الآية.
وقال الضحاك: كانوا لا يأكلون متفرقين ديناً لهم فأنزل الله إباحة ذلك.
وقيل: عني به قوم من الأنصار. كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ذيف إلا مع ضيفهم فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاءوا. روي في ذلك عن أبي صالح وعكرمة.
وروى مطرف عن مالك عن ابن شهاب، عن ابن المسيب: أنه كان يقول في هذه الآية: إنها نزلت في ناس كانوا إذا خرجوا مع رسول الله ﷺ في مغازيه وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى، والأعرج، والمريض، وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم، إذا احتاجوا إلى ذلك، فكانوا يتقون أن يأكلوا منها، ويقولون: نخشى ألا تكون أنفسهم طيبة بذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية أباح لهم الأكل منها.
стр. 5094
وقوله: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِءَابَآئِكُمْ﴾، ولم يذكر الأبناء، يدل على أن بيت الابن بيت الأب مع قول النبي ﷺ " أنت ومالك لأبيك "، ولما كانت بيوت الأب لا يملكها الابن قال: ﴿أَوْ بُيُوتِءَابَآئِكُمْ﴾، لو كان يملكها لكانت كبيته وبيت أبيه.
وقوله عن أم مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [آل عمران: ٣٥] يدل على أن الرجل يملك أمر ابنه وماله حتى يبلغ، إذ لم تنذر أم مريم إلا فيما تملك، فإذا بلغ الولد فعل بنفسه ما شاء بالإجماع على ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ﴾، أي يسلم بعضكم على بعض، أي سلموا على أهليكم وعيالكم.
стр. 5095
قال عمرو بن دينار: فإن لم يكن في البيت أحد فقل السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله.
وقال ابن عباس: يقول إذا لم يكن في البيت أحد: السلام علينا من ربنا.
وعن ابن عباس أنه: عني به المساجد تسلم إذا دخلت فإن لم يكن فيها أحد قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
وقال النخعي: إذا لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله، وإذا لم يكن في البيت أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
وقال الحسن معناه: إذا دخلتم بيوتاً من بيوت المسلمين فليسلم بعضكم
стр. 5096
على بعض.
وقيل معناه: إذا دخلتم بيوتاً لا أحد فيها: فسلموا على أنفسكم.
وقوله: ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله﴾، أي ليحيي بعضكم بعضاً، والتحية البركة، ويكون في غير هذا الملك نعتت بطيبة لأن سامعها يستطيب سماعها.
ثم قال تعالى: ﴿كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات﴾، أي هكذا يفضل لكم معالم دينكم، لعلكم تعقلون عنه أمره، ونهيه، وأدبه.
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾.
أي إنما المؤمنون حق الإيمان: الذين صدقوا الله ورسوله وإذا كانوا مع رسوله على أمر يجتمع إليه الجميع من حرب، أو صلاة، أو تشاور في رأي / يعم نفعه لم يذهبوا عنه حتى يستأذنوه.
ثم قال: ﴿إِنَّ الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ﴾ أي إن الذين
стр. 5097
يستأذنونك يا محمد في الانصراف، ولا يمضون عنك بغير رأيك أولئك هم المؤمنون بالله ورسوله حقاً.
ثم قال تعالى لنبيه: ﴿فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أي: لبعض حاجاتهم ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾، في الانصراف عنك ﴿واستغفر لَهُمُ الله﴾، أي: وادع لهم الله أن يتفضل عليهم بالمغفرة، إن الله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها.
وقيل: المعنى: واستغفر لهم الله لخروجهم عن الجماعة إن رأيت لهم عذراً.
ويروى: أن هذه الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ: استأذن النبي ﷺ في العمرة فأذن له ثم قال: " يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك "، فأمر الله نبيه بالإذن لمن استأذنه، وأمره، يستغفر لهم، ودل قوله:
стр. 5098
﴿أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ﴾، على أن العمل بأوامر الله هو من الإيمان، فالعمل بالاستئذان الذي أمرهم به من الإيمان.
قال تعالى يخاطب المؤمنين: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾، أي: اتقوا دعاء الرسول عليكم إن مضيتم بغير أمره، فتهلكوا ولا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فإن دعاءه مجاب. قال ابن عباس.
وقال مجاهد: أمروا أن يدعوا الرسول بلين وتواضع، ولا يدعوه بغلظ وجفاء، كما يخاطب بعضكم بعضاً. وهذا مثل قوله: ﴿لاَ ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي، وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ﴾ [الحجرات: ٢].
стр. 5099
وقال قتادة: أمروا أن يفخموه ويشرفوه، وقول ابن عباس: أليق بما تقدم قبله من المعنى.
ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً﴾، الآية، هذه الآية نزلت في حفر الخندق حول المدينة، وذلك أن اليهود سعت في البلاد على حرب النبي ﷺ ، فأتت قريش وقائدها أبو سفيان، وأتت
стр. 5100
غطفان من قيس وقائدها عيينة بم حصن، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ ضرب الخندق على المدينة، وذلك في شوال من سنة خمس من الهجرة فعمل رسول الله ﷺ في الخندق بيده، وعمل معه المسلمون، وتخلف عن العمل رجال من المنافقين، وجعلوا يعتذرون بالضعف ويتسللون إلى أهليهم بغير إذن من رسول الله وجعل المؤمنون يستأذنون النبي ﵇ غذا عرضت لهم حاجة، فأنزل الله هذه الآية في ذلك.
قال الضحاك: كان يستتر بعضهم ببعض فيقومون. ولواذاً مصدر لاوذ ويجوز أن يكون في موضع الحال، أي متلاوذين أي مخالفين، يلوذ بعضهم ببعض، فيستتر به لئلا يُرى عند انصرافه.
قال مجاهد: لواذاً خلافاً. ولم يعتل لواذاً، كما اعتل قياماً، لأن الواو صحت في
стр. 5101
الفعل، فقيل لاوذ يُلاوذ فصحت في المصدر واعتلت في الفعل من قيام، فقيل: قام يقوم فوجب أن يعتل في المصدر، فقيل: من أجل ذلك قياماً فما عرفه.
ثم قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، أي ليحذر من يخالف أمر النبي ﵇ أن تصيبه فتنة وهي: أن يطبع على قلبه فلا يؤمن، أي يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه.
قال ابن زيد: هؤلاء المنافقون الذين يرجعون بغير إذن النبي ﷺ ، وقال: اللواذ: الروغان، ثم قال: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي في الدنيا على صنعهم ذلك.
وقال أبو عبيدة: " عن " هنا زائدة. وذلك بعيد، على مذهب سيبويه، وغيره لأن " عن " و " على " لا تزادان. ومعناه يخالفون بعدما أمرهم النبي ﵇.
وقال الطبري: المعنى: فليحذر الذين يولون عن أمره، ويدبرون عنه
стр. 5102
معرضين.
قال: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾، أي ملك ما فيها، فلاينبغي لخلوقٍ مملوكٍ أن يخالف أمر مالكه، وخالقه فيستوجب عقوبته.
/ ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الطاعة والمعصية والمعنى: قد علم ذلك، فيجازيكم على ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾، أي يرجع الذين يخالفون عن أمر الله ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ﴾، أي يخبرهم بأعمالهم السيئة ويجازيهم عليها. ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ﴾.
أي ذو علم بكل شيء، من عملكم وغيره، وعمل غيركم لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو يجازي كلاًّ بعمله يوم الرجوع إليه وهو يوم القيامة.
стр. 5103
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الفرقان
مكية
وقال الضحاك: هي مدنية - وفيها آيتان مكيتان أو ثلاثة.
قوله: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) [٦٨] الآيتان، وقيل إلى قوله (كِرَاماً) [٧٢].
قوله تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾ [١] ، إلى قوله (رَجُلًا مَسْحُورًا) [٨].
قال ابن عباس تبارك من البركة.
وقال الفراء هي في العربية وتقدس واحد وهما العظمة.
стр. 5104
وقال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة ومعنى البركة الكثرة من كل خيره.
وقيل: تبارك: تعالى عطاؤه، أي: زاد وكثر.
وقيل: معناه: دام وثبت إنعامه.
وقيل: معناه: دام بقاء ﴿الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾، وثبتت نعمه على عباده، وهو كله مشتق من برك الشيء: إذا ثبت ومنه برك الجمل.
وقال النحاس، تبارك: تفاعل من البركة. وهو حلول الخير، ومنه فلان: مبارك أي: ألخير يحل بحلوله، مشتق من البرك، والبركة وهما المصدر.
والفرقان: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر.
وقوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾، أي: الذي أنزل عليه الفرقان ليكون لجميع الجن والإنس.
стр. 5105
﴿نَذِيراً﴾، أي: منذراً لهم عقاب الله والنذير: المخوف عقاب الله، والنذير هو محمد ﷺ .
وقيل: هو القرآن.
وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢ ٤] يدل على أنه: محمد ﷺ ومثله ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وأنذركم بالوحي ونذير بمعنى: منذر ولكن تضمن بناء فعيل للتكثير.
قال: ﴿الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾، أي: سلطان ذلك كله وملكه. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾، هذا رد على من أضاف إليه الولد.
ثم قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾، هذا رد وتكذيب لمن عبد مع الله غيره، ورد على قول العرب فب التلبية: (لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه
стр. 5106
وما ملك).
ثم قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: اخترعه ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: هيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت.
وقيل: معناه: خلق الحيوان وقدَّر له ما يصلحه ويهيئه.
قال: ﴿واتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾، أي: اتخذ مشركو قريش آلهة يعبدونها من دون الله يقرعهم بذلك، ويعجب أهل النهي من فعلهم وعبادتهم ما لايخلق شيئا وهو يُخلق، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً أي: لا يملك الآلهة دفع ضر، ولا استجلاب نفع. ولا يملك إماتة حي، ولا إحياء ميت، ولا ينشره بعد مماته.
وتركوا عبادة من يملك الخير والنفع ويحيي ويميت، خلق كل شيء وهو
стр. 5107
مالك كل شيء، ينشر الأموات إذا أراد، ويرزق الخلق بمشيئته.
قال: ﴿وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه﴾،: أي: قال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي أتى به محمد إلا كذب وبهتان إخترعه واختلقه ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يعنون أن اليهود هم يعلمون محمداً ﷺ . ما يأتي به من القرآن قاله مجاهد.
وعن ابن عباس: أنهم عنوا بقولهم ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يسارا أبا فُكيهة مولى الحضرمي وعداساً وجبراً.
ثم قال: ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾، أي: أتى هؤلاء القائلون: إن الذي أتى به محمد ﷺ إفك افتران بظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، إذ وصفوا كلام الله بغير صفته. والزور أصله تحسين الباطل، والمعنى: فقد جاء هؤلاء القائلون: إن القرآن: إفك وزور بكذب مُحَسَّنٍ.
стр. 5108
قال تعالى: ﴿وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين﴾، أي: قال أيضاً هؤلاء المشركون: الذي جاء به / محمد ﷺ : وهو أساطير الأولين أي: أخبارهم، وما سطروا في كتبهم، ﴿اكتتبها﴾، محمد ﴿فَهِيَ تملى عَلَيْهِ﴾، أي تقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾، أي: غدوة وعشياً.
ويروى أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث بن كلدة.
قال ابن عباس، كان النضر من شياطين قريش، وكان يؤذي النبي ﷺ ، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وكان النبي ﷺ إذا جلس مجلساً
стр. 5109
فذكر فيه بالله، وحذر قومه، ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقم الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ويقول: ما محمد أحسن حديثا مني، فأنزل الله جل ذكره في النضر ثمان آيات كل ما ذكر فيها ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾، ففيه نزل.
وقال ابن جريج ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾، أشعارهم وكهانتهم.
وواحد الأساطير أسطورة مثل: أحدوثة وأحاديث.
وقيل واحدها: أسطار كأقوال وأقاويل. وأسطار جمع سطر، فهو جمع الجمع على هذا القول.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض﴾، أي: قل يا محمد
стр. 5110
لهؤلاء المشركين أنزل القرآن الذي يعلم سراً من السماوات والارض، ولا يخفى عليه شيء.
قال ابن جريج: يعلم ما يسر أهل الأرض وأهل السماء.
﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، أي: لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم.
قال: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق﴾.
أي: ما له يأكل ويمشي، أنكروا عليه ذلك، ثم قالوا: ﴿لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾، أي: هلا نزل معه ملك من السماء فينذرنا معه ﴿أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، أي: يطلع على كنز من كنوز الأرض ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾،. أي يحدث الله له جنة يأكل منها.
قال ابن عباس: اجتمع أشراف قريش بظهر الكعبة وعرضوا عليه أشياء يفعلها لهم من تسيير جبالهم، وإحياء آبائهم، والمجيء بالله والملائكة قبيلا، وما ذكر
стр. 5111
الله في بني إسرائيل. وقالوا له سل ربك يبعث معك ملكا نصدقك بما تقول، وسله يجعل لك قصورا، وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة، تغنيك على ما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه حتى يعرف فضلك ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. فقال النبي ﷺ ، ما أنا بفاعل ذلك، فحكى الله ذلك من قولهم له.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَقَالَ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ أي: قال ذلك بعضهم لبعض.
وقيل، قالوه للمؤمنين، أي: تتبعون رجلا له سَحر، والسَّحْر: الرئة أي:
стр. 5112
وما تتبعون إلا رجلاً مخلوقاً مثلكم من بني آدم.
قوله تعالى ذكره: ﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال﴾.
أي: انظر يا محمد كيف شبه لك هؤلاء المشركون الأشياء بقولهم: هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾، أي: لا يجدون طريقاً إلى الحق الذي بعثتك به. قال ابن عباس.
وقال مجاهد: لا يجدون مخرجاً يخرجهم عن الأمثال التي ضربوا لك. ومعناه: إنهم ضربوا هذه الأمثال ليتوصلوا بها إلى تكذيب محمد ﷺ فضلوا بذلك عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا.
قال ﴿تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذلك﴾، أي: خيراً ممّا قال المشركون لك هلا أوتيته. قاله مجاهد.
стр. 5113
وقال ابن عباس: خيراً من ذلك، أي: من مشيك في الأسواق، والتماسك المعاش. ثم بين ما هو الذي يجعل له فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾، قال خيثمة: " قيل للنبي ﷺ : إن شئت أن يعطوك خيرا من الدنيا ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك، ولا يعطه أحد بعدك، وليس ذلك يناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة.
فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة "، فأنزل الله ﵎: ﴿تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ / خَيْراً مِّن ذلك﴾ الآية.
قال: مجاهد: قصوراً بيوتا مبنية مشيدة. وكانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان.
قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً﴾، أي: ما فعل
стр. 5114
هؤلاء المشركون، ما فعلوا من تكذيب يا محمد إلا لأنهم كذبوا بالبعث، والنشر والقيامة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً﴾، أي: ناراً تسعر عليهم وتتقد. ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، أي: إذا رأت النار أشخاصهم من مكان بعيد. ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، أي: غلياناً وفواراً.
يقال، فلان يتغيظ على فلان: إذا غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه. وزفيراً: أي: صوتها حين تزفر، والتقدير سمعوا صوت التغيظ من التلهب والتوقد.
وقيل: معناه: سمعوا لمن فيها من المعذبين تغيظاً وزفيراً.
وقال المسيب بن رافع: يكون الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، فتخرج عنق من النار. فتقول: إني وكلت بثلاثة بمن دعا مع الله إلهاً آخر وبالعزيز الكريم، وبكل جبار عنيد. فتنطوي بهم فتدخلهم النار قبل
стр. 5115
الناس بنصف يوم. ثم ينطلق الفقراء إلى الجنة فتقول لهم خزنة الجنة: أنَّ لكم هذا قبل الحساب؟ فيقولون والله ما أعطيتمونا أموالاً وما كنا أمراء فتصدقهم الملائكة فتأذن، فيدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم ويبقى الحساب على الأغنياء والأمراء، فيقول الرب ﵎: (إياكم أعطيت، وإياكم ابتليت) فيحاسبون.
وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أتى على لفظ التأنيث، والسعير مذكر، فإنما ذلك: لأن التأنيث راجع إلى النار، لأن السعير هي النار وهذا كقول الشاعر:
إن تميما خلقت ملوما ... فقال خلقت لأن تميما قبيلة، ثم رجع إلى لفظ تميم فقال: (مَلُومَاً) ثم رجع إلى الجماعة فقال:
قوما ترى واحدهم صهميما. ... والصهميم: الجمل القوي الشديد النفس.
следующие страницы →