Полный текст (8 396 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.
стр. 5041
وقوله ﴿على نُورٍ﴾ يعني / الحجج والبيان الذي نصبه الله لهم مما يدل على وحدانيته قبل مجيء القرآن.
قال ابن زيد: ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾، يضيء بعضه بعضاً يعني القرآن.
قوله: ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي يوفق الله لاتباع نوره وهو القرآن من يشاء من عباده.
ثم قال: ﴿وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ﴾، أي ويمثل الله الأمثال للناس، يعني به ما مثل لهم من مثل القرآن في قلب المؤمن، بالمصباح في المشكاة، وسائر ما في الآية من الأمثال.
ثم قال: ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾، أي عليم بالأشياء كلها، ومن قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي نور المؤمن جاز له أن يقف على ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾، ومن قال المعنى: مثل نور الله لم يقف إلا على مصباح ﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ﴾، تمام، ﴿دُرِّيٌّ﴾ تمام ﴿تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، تمام [للناس]، قطع. و [عليم]،
стр. 5042
تمام إن جعلت في " بيوت " متعلقاً بيسبح. فإن جعلته على قول ابن زيد متعلقاً بقوله: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، لم تقف إلى ﴿عَلَيِمٌ﴾ وكذلك إن جعلته متعلقاً ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ وهو قول الطبري. وكذلك إن جعلته حالاً مما تقدم لم تقف على ﴿عَلَيِمٌ﴾ وهو قول: أحمد بن يحيى.
وفي هذه الآية، قول غريب منه ما يوافق ما تقدم، ومنه ما يخالف. ذكره الدمياطي في تفسيره وهو أن قوله ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي مثل نور محمد ﵇ إذ كان مستودعاً في صلب عبد المطلب كمشكاة يعني كوة غير نافذة على لغة الحبش، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ يعني قلب النبي، ضبهه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الحكمة والإيمان. ﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني قلبه في صدره ﴿الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان
стр. 5043
والحكمة ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يعني الزهرة. ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة، ومحمد ﵇ على ملته ودينه، فمنه استنار، ثم مثل إبراهيم فقال: ﴿زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا طلعت، ولا إذا غربت، فزيتها أضوى وأطيب.
وقيل معنى ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لا يهودي ولا نصراني بل هو حنيف مسلم. وهذا التفسير مخالف في أكثره لجميع ما قدمناه. والله أعلم بحقيقة ذلك، فهذا ما وصل إلينا في تفسير هذه الآية، والله أعلم بصحة معناها وبما أراد فيها.
قوله تعالى ذكره: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾.
أي الله نور السماوات والأرض مثل نوره أي نور القرآن ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾
стр. 5044
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ظرف للمصباح ويتعلق به فيكون على قول ابن زيد: يسبح له فيها: من صفة البيوت.
وقيل: المعنى ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون متعلقاً ﴿يُوقَدُ﴾ ويسبح أيضاً وما بعده صفة للبيوت.
وقيل: المعنى كمشكاة في بيوت، فيسبح أيضاً وما بعده صفة، فلا يقف على هذه الأقوال على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾
وقيل: المعنى: يسبح له رجال في بيوت فتقف على هذا على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾.
قال ابن عباس وأبو صاح، ومجاهد، والحسن، وابن زيد: هي المساجد.
стр. 5045
قال ابن عباس: نهي عن اللغو فيها.
وقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: المساجد بيوت الله، وأنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها.
وقال عكرمة: هي البيوت كلها.
وقال: الحسن: يعني به بيت المقدس.
وعن مجاهد أنه قال: هي بيوت النبي ﷺ .
وقيل: في الكلام معنى الإغراء والمعنى: صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع أي يرفع قدرها وتصان وتجل، وأذن الله أن يذكر فيها اسمه، وهي المساجد.
وروى ابن زيد / عن أبيه أن النبي ﷺ قال: " ما من أحد يغدو أو يروح إلى
стр. 5046
المسجد يؤثره على ما سواه، إلا وله عند الله منزلاً يعد له في الجنة، كلما غدا وراح، كما أن رجلاً منكم لو زاره من يحب زيارته لاجتهد في كرامته ".
وقوله: ﴿أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾، قال مجاهد: ترفع: تبنى.
وقال الحسن: ترفع: تعظم لذكره وتصان. وقول مجاهد أولى لقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل﴾ [البقرة: ١٢٧]، أي يبنيان.
وقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾ أي وأذن لعباده أن يذكروا فيها اسمه.
قال ابن عباس: ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾ [البقرة: ١١٤]، أي يتلى فيها كتابه.
стр. 5047
ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال﴾، أي: يصلي لله في هذه البيوت بالغدوات والعشيات رجال، يعني صلاة الصبح، وصلاة العصر وهما أول ما افترض الله من الصلاة.
وعن ابن عباس: أن كل تسبيح في القرآن فهو صلاة.
قال الحسن: أذن أن تبنى يصلى له فيها بالغدو والآصال.
وواحد الآصال: أُصُلٌ وواحد الأُصُل أصيل، والآصال: جمع الجمع.
وذكر ابن أبي مُلَيْكة عن ابن عباس أنه قال: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلا غواص ثم قرأ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال﴾. كأن ابن عباس جعل تسبيح الغدو صلاة الضحى.
стр. 5048
قال: ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله﴾، أي: لا يُشغلهم عن صلاتهم في هذه المساجد شيء.
ونظر سالم بن عبد الله إلى قوم من أهل السوق، قاموا وتركوا أشغالهم يريدون الصلاة فقال: هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله﴾.
وذكر الله هنا: الصلاة المكتوبة، قاله ابن عباس وغيره.
قال عطاء: ﴿عَن ذِكْرِ الله﴾، أي: عن حضور الصلاة المكتوبة.
وعن عبد الله بن عمر، وعن ابن مسعود مثل قول سالم بن عبد الله. في القائمين عن أشغالهم إلى الصلاة.
стр. 5049
وروت أسماء بنت يزيد الأنصارية أن رسول الله ﷺ قال: " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة نادى مناد يسمع الخلائق كلهم سيعلم الله الجمع من أولى بالكرم اليوم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت: ﴿تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ الآية قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانت ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله﴾، إلى قوله: ﴿الأبصار﴾ قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء، فيقومون وهم قليل.
قال: ثم يحاسب سائر الناس ".
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: " هم الذين يضربون في
стр. 5050
الأرض يبتغون من فضل الله. ثم قال: ﴿وَإِقَامِ الصلاة وَإِيتَآءِ الزكاة﴾ "، أي: ولا يلهيهم شيء عن إقامة الصلاة عند مواقيتها، وعن أداء الزكاة عند وقتها.
وإقام مصدر أقمت وأصله إقواماً، ثم قلبت الواو ألفاً، فاجتمع ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي إقاماً فدخلت الهاء عوضاً من المحذوف، فصارت إقامة، فلما أضيف المصدر: قالم المضاف إليه مقام الهاء التي دخلت عوضاً من الألف المحذوفة فإذا اضفت هذا المصدر جاز حذف الهاء، لأن المضاف إليه يقوم مقامها. ألا ترى أنك تقول: وعدته عدة فتثبت الهاء لأمها عوضاً من الفاء، فإن أضفته جاز حذف الهاء.
قال الشاعر:
إن الخليط أَجَدُّوا البين فانجردوا ... واخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا
يريد عدة الأمر.
стр. 5051
وقال ابن عباس: الزكاة هنا طاعة الله جل ذكره، والإخلاص، وكذلك عنده ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ وقوله ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة﴾ [مريم: ٥٥] وقوله:
﴿وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة﴾ [مريم: ٣١]، وقوله: ﴿مَا زكى مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور: ٢١]، وقوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً﴾ [مريم: ١٣]، هذا كله ونحوه عنده. عني به الطاعة لله والإخلاص.
/ ثم قال: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار﴾، أي: تعرف القلوب فيه الأمر عياناً ويقيناً، فتنقلب عما كانت عليه من الشك والكفر إلى اليقين، ويزداد المسلمون يقيناً، ويكشف عن الأبصار غظاؤها فتنظر الحق، ومثله
﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقيل: المعنى. تتقلب فيه
стр. 5052
القلوب من هوله بين طمع بالنجاة، وحذر من الهلاك، وتنقلب الأبصار في نظرها، أي ناحية يؤخذ بهم لذات اليمين أم ذات الشمال؟ ومن أين يوتون كتابهم، أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل؟ وذلك يوم القيامة.
وقيل: معناه تنقلب في النار من حال إلى حال، ومن عذاب إلى عذاب مرة إنضاج، ومرة إحراق، ومرة لَفْح.
وقيل: هو تقلبها على جمر جهنم، كما قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ [الأحزاب: ٦٦]، وكما قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، أي: نقلبها في النار.
قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾، أي وأطاعوا، وعملوا ما تقدم ذكره خوف عقاب الله ولكي يثيبهم يوم القيامة بأحسن أعمالهم في الدنيا،
стр. 5053
ولكي يزيدهم من ثوابه ومن فضله. ﴿والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي يتفضل على من يشاء بما لم يستحقه من ثواب عمله بغير محسبة، ولا يوقف على ﴿الآصال﴾ لأن رجالاً مرفوعون بيسبح، فأما على قراءة من قرأ يسبح على ما لم يسم فاعله، فيقف على ﴿الآصال﴾ لأن رجالاً عند سيبويه: مرفوعون بإضمار فعل، كأنه قيل: من يسبحه؟ فقيل: يسبحه رجال.
ومن رفع رجالاً على هذه القراءة بالابتداء، و ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ الخبر لم يقف على ﴿الآصال﴾.
قال تعالى: ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، هذا مثال ضربه الله لأعمال الكفار، أي والذين جحدوا آيات الله، أعمالهم التي عملوها في الدنيا مثل سراب. والسراب ما لصق بالأرض وذلك يكون نصف النهار، وحين يشتد
стр. 5054
الحر. وإذا أري من بعد ظن أنه ماء. والآل ما رأيت أول النهار وآخره الذي يرفع كل شيء.
وقوله ﴿بِقِيعَةٍ﴾ هو جمع قاع، كالجيرة: جمع جار، هذا قول الفراء.
وقال: أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد، والقاع والقيعة ما انبسط من الأرض، ولم يكن فيه نبت، وفيه يكون السراب.
و ﴿يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً﴾، أي يحسب العطشان ذلك السراب ماء حتى إذا جاء السراب ليشرب منه لم يجده شيئاً.
وقيل: المعنى: جاء موضع السراب لأن السراب ليس بشيء، وكذلك الكافر بالله، عمله يحسب أنه ينجيه عند الله من عذابه. حتى إذا هلك وجاء وقت حاجته إلى عمله لم يجده شيئاً يفعله إذا كان على كفر بالله.
ثم قال: ﴿وَوَجَدَ الله عِندَهُ﴾، أي ووجد هذا الكافر وعد الله بالجزاء على
стр. 5055
عمله بالمرصاد، فوفاه حساب عمله وجازاه عليه. هذا معنى قول ابن عباس وأبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد.
فالضمير في لم يجده و ﴿جَآءَهُ﴾ للظمآن، والضمير في ﴿وَجَدَ﴾ للكافر الذي ضرب الله مثلاً بالظمآن. فالمعنى أن الكافر يأتي يوم القيامة أحوج ما كان إلى عمله فلا يجد شيئاً، كهذا الظمآن يأتي إلى السراب الذي يظنه ماء أحوج ما كان إليه لشدة عطشه فلا يجد شيئاً. وقوله ﴿والله سَرِيعُ الحساب﴾، أي لا يحتاج إلى عقد عند حساب، هو عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد وإنما، سماه حساباً لأنه أعطاه جزاء عمله على قدر ما استحقه.
стр. 5056
وقال ﴿سَرِيعُ الحساب﴾، لأن محاسبته لعبد وإعطاءه جزاء عمله لا يشغله عن محاسبة غيره من عبيده، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن.
قوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾ [٣٩]، إلى قوله (لَعِبْرَةً) (لِأُولِي الْأَبْصَارِ) [٤٢].
الكاف في ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾، في موضع / رفع عطف على الكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، والكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، في موضع رفع خبر الابتداء، وهو أعمالهم.
وقيل: التقدير أو هي كظلمات، فتقف على هذا القول على ما قبل ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ ولا تقف على القول الأول لأنه معطوف على ما قبله. وهنا مثل آخر ضربه الله تعالى لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ، وفساد،
стр. 5057
وضلالة من، فأعمالهم مثل ظلمات في بحر لجي، أي عميق كثير الماء، ولجة البحر معظمه ووسطه.
﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، أي يغشى البحر موج، من فوق ذلك الموج موج، من فوق ذلك الموج سحاب.
﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، فالظلمات مثل لأعمال الكفار، والبحر اللجي مثل لقلب الكافر، أي عمله بنية قلب قد غمره الجهل، وغشيته الضلالة والحيرة. كما يغشى هذا البحر موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب الكافر الذي عملُه كالظلمات يغشاه الجهل بالله، إذ الله ختم عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وعلى بصره غشاوة، فلا يبصر حجج الله، فتلك الظلمات بعضها فوق بعض.
قال: ابن عباس: الظلمات: الأعمال، والبحر اللجي: قلب الإنسان. وقوله:
стр. 5058
﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، إلى ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾، يعني به الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر.
وقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار، فأعلمنا الله بهذه الآيات أمثال المؤمنين وأعمالهم، وأمثال الكفار وأعمالهم، وأن المؤمن يجد عمله عند الله فيجازيه عليه، ويزيده تفضلاً، وأن الكافر لا يجد شيئاً إذ لم يكن معه توحيد تقبل الأعمال معه.
ولا تقف على ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، نعت له، وكذا ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، لا تقف عليه لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾،
стр. 5059
نعت له، وتقف على ﴿سَحَابٌ﴾ على قراءة من رفع " سحاباً " و " ظلمات " وإن كسرت التاء، وأضفت سحاباً إلى ظلمات لم تقف على سحاب لأنه مضاف إلى الظلمات، فإن نونت وكسرتها، لم تقف على سحاب أيضاً، لأن ظلمات بدل من ظلمات الأول.
ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، أي إذا أخرج الناظر يده من هذه الظلمات التي وصفت لم يكد يراها، أي رآها بعد تعب وشدة. رؤية خفية، فإن قيل: كيف رآها مع هذه الظلمات المتضاعفة، فالجواب: أنه كقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة أي ما رأيتك إلا بعد نظر وشدة، وتعب، فكذلك هذا.
وقيل: المعنى إذا أخرج يده رائياً لها لم يكد يراها، أي لم يقرب من أن
стр. 5060
يراها، فهو لم يراها من شدة الظلمة.
وقيل: المعنى: إذا أخرج يده لم يراها، ويكد داخل كدخول الظل فيما معناه اليقين كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨].
وقيل: المعنى لم يرها ولم يكد أي لم يقرب من الرؤية لشدة الظلمة.
ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾، أي من لم يرزقه الله إيماناً وهدى من الضلالة، ومعرفة بكتابه فما له من هدى ولا إيمان ولا معرفة.
وقال الزجاج: ذلك في الدنيا: أي من لم يجعل الله له هداية إلى الإسلام في الدنيا لم يهتد. وغيره يتأوله في الآخرة، أي من لم يجعل الله له نوراً إلى الجنة، والنور الإيمان بالله.
قال تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ﴾،
стр. 5061
أي أَلَم يا محمد بعين قلبك أن الله يصلي له من في السماوات والأرض من مَلَكٍ، وإنس، وجن، والطير صافات أيضاً في الهواء تسبح لله، كل قد علم الله صلاته وتسبيحه، فال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق.
وقيل: المعنى كل قد علم صلاة الله. أي الصلاة التي فرض الله وتسبيح الله.
وقوله: ﴿والله عَلِيمٌ / بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، يدل على قوة قول من قال: معناه: قد علم الله صلاته وتسبيحه. وإظهار اسم الله في ﴿والله عَلِيمٌ﴾، يدل على قول كون الضمير في الموضعين لغير الله، إذ لو كان لله لم يظهر الاسم، لتقدم ذكره في قوله تعالى: ﴿أَنَّ الله يُسَبِّحُ﴾، وكان يلزم أن يكون " وهو عليم ". وإنما يجوز في هذا لأن المعنى لا يشكل، فلا يظن فيه أن الثاني غير الأول، وهو مثل:
" لا أرى الموت يسبق الموت شيء ".
стр. 5062
وقيل: معنى التسبيح من الخلق كلهم، في هذا هو أن ما في الخلق من الدلالة على قدرة الله، تنزيه له من كل سوء، ومن أن يعبد غيره، وليس هو تسبيح على الحقيقة، إذ لو كانت الطير تسبح على الحقيقة لكانت مكلفة بالطاعة، ولكانت بمنزلة العقلاء من الناس المكلفين، فهو مجاز في ما لا يعقل. والقول الأول عليه أكثر الناس. ومعنى ﴿عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، أي هو ذو علم بما يفعل كل مصل ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء.
وتقف على ﴿تَسْبِيحَهُ﴾، إذا جعلت الضمير يعود على المصلي والمسبح، ثم تبتدئ ﴿والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وإن جعلت الضمير يعود على الله أو جعلت الضمير في علم الله، لم تقف إلا على ﴿يَفْعَلُونَ﴾ لأن الاسم قد ظهر وهو أفخم عند سيبويه من إضماره في مثل هذا المعنى لا يشكل.
стр. 5063
قال تعالى: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾، أي: له سلطانهما وملكهما دون كل من هو دونه من سلطان ومَلِكٍ.
ثم قال: ﴿وإلى الله المصير﴾، أي: الله مرجعكم بعد موتكم فيوفيكم أجور أعمالكم فأحسنوا العمل تدركوا الأمل.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، يزجي يسوق السحاب حيث يريد ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أي: يؤلف قطعه أي يلصق بعضها إلى بعض ويقربها، لأن السحاب يحدث قطعاً، قطعاً.
وقيل: معناه يؤلف متفرقة لأن السحاب جمع سحابة.
وقال عبيد بن عمر: " الرياح أربع: يبعث الله الريح الأولى: فَتَقُمُّ
стр. 5064
الأرض قَمّاً، ثم يبعث الثانية فتنشئه سحاباً، ثم يبعث الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، أي متراكماً بعضه على بعض، ثم يبعث الرابعة فتمطره، والودق المطر ".
ومعنى: ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾، أي: من بين السحاب، والهاء من ﴿خِلاَلِهِ﴾ تعود على السحاب والخلال جمع خَلَلٍ.
وقرأ ابن عباس، والضحاك: من خلَلِه بالتوحيد لأنه مثل: جمل وجمال:
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾، فمن يرد صفة للجبال، كما يقول: أعطيتك من طعام من بُرٍٍّ، فالجبال هي من برد مخلوقة، وفيها صفة أيضاً لجبال، كأنه قال: وينزل من السماء من جبال مستقرة في السماء مخلوقة من برد.
وقيل: المعنى: وينزل من السماء قدر جبال أو أمثال جبال، من برد إلى الأرض.
стр. 5065
فيكون ﴿مِن بَرَدٍ﴾، في موضع نصب على البيان كقوله: ﴿أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥].
وقال الزجاج: معناه وينزل من السماء من جبال من برد فيها. كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، أي خاتم حديد في يدي وإنما جئت في (هذا) وفي الآية بـ (من) لما فرقت، ولأنك إذا قلت: هذا خاتم من حديد، وخاتم حديد، كان المعنى واحداً، ويجوز أن يكون من برد في موضع نصب كما تقول: مررت بخاتم حديداً على الحال عند سبيويه. وعلى البيان عند المبرد، وإن شئت كان في موضع خفض على البدل كما تقول: مررت بخاتم حديد على البدل.
وقيل: التقدير من جبال برد يتنوينهما، قاله الفراء. كما تقول: الإنسان من لحم ودم، والإنسان لحم ودم، فالجبال عنده هي البرد وليست الآية كالتمثيل الذي مثل، لأن حرف العطف في التمثيل وليس في الآية حرف عطف.
стр. 5066
وذهب الأخفش إلى أن من زائدة فيهما، ومن جبال، ومن برد في موضع نصب عنده.
وقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي: فيصيب بالبرد من يشاء فيهلكه أو يهلك به زرعه، ويصرفه عن من يشاء أي عن إهلاك من يشاء.
ثم قال: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾، أي: ضوؤه يذهب بالأبصار لشدة لمعانه. وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: ﴿يَذْهَبُ بالأبصار﴾، بالضم وخطأه / الأخفش، وأبو حاتم لأن " الباء " تعاقب الهمزة. وقيل: إن " جوازه " على زيادة الباء.
стр. 5067
وقيل: الباء متعلقة بالمصدر. والتقدير: يذهب إذهابه بالأبصار. وكذلك أجازوا أُدِخِلَ بالمُدْخَلِ " السجن " الدار فجمعوا بين الهمزة والباء على أن يتعلق الباء بالمصدر. وهو قول علي بن سلمان عن المبرد.
ثم قال: ﴿يُقَلِّبُ الله الليل والنهار﴾، أي: يقلب من هذا في هذا، ومن هذا في هذا.
وقيل: معناه يعقب بينهما: إذا ذهب هذا أتى هذا، فيقلب موضع الليل نهاراً وموضع النهار ليلاً.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار﴾، أي: إن في إنشاء السحاب، ونزول المطر والبرد، وتقليب الليل والنهار لعبرة لمن اعتبر، والكاف من ذلك خطاب للنبي ﷺ .
قوله تعالى ذكره: ﴿والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾، إلى قوله: ﴿أولئك هُمُ الظالمون﴾،
معناه: والله خلق كا ما يدب من نطفة، فمنهم من يمشي على بطنه كالحيات، ومنهم من يمشي على رجلين: كبني آدم، والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالبهائم.
стр. 5068
وجاز أن تأتي ﴿مَّن﴾ هنا لأنه لما خلط من يعقل لمن لا يعقل غَلَّبَ ما يعقل فقوله: ﴿والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ﴾، قد يدخل فيه الناس وغيرهم من البهائم ولذلك قال: " فمنهم " ولم يقل: فمنها ولا منهن.
﴿يَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ﴾، أي: يحدث من يشاء من الخلق ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾، أي: علامات واضحات دالات على طريق الحق.
وقوله: ﴿والله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾، أي: يرشد من يشاء من خلقه إلى دين الإسلام وهو الطريق المستقيم.
وقوله: ﴿على أَرْبَعٍ﴾، تمام. قوله مبينات، قطع حسن.
ثم قال: ﴿وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بالله وبالرسول وَأَطَعْنَا﴾، أي: ويقول المنافقون: صدقنا بالله وبالرسول وأطعناهما. ﴿ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذلك﴾، أي: ثم تُدْبِرُ طائفة منهم من بعد قولهم وإقرارهم بالإيمان.
стр. 5069
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أولئك بالمؤمنين﴾، أي: ليس قائلو هذه المقالة بمؤمنين. ﴿مِّن بَعْدِ ذلك﴾ قطع.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا دعوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، يعني هؤلاء المنافقين إذا دعوا إلى كتاب الله، وإلى رسوله ليحكم بينهم فيما اختصموا فيه بحكم الله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، أي: يعرضون عن قبول الحق.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الحق يأتوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾، أي: إن يكن لهؤلاء المنافقين حق قِبَلَ الذين يدعونهم إلى كتاب الله يأتون إلى رسول الله منقادين لحكمه طائعين غير مكرهين.
يقال: أذعن فلان بالحق إذا أقر به طائعاً.
قال مجاهد: مذعنين سراعاً.
стр. 5070
وقال عطاء: هم قريش. ثم قال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارتابوا﴾، أي: أشكّوا في رسول الله أنه نبي ورسول فيأبوا الإتيان إليه أم يخافون أن يحيف الله عليهم، أن يجور عليهم بحكمه فيهم ومعناه: أن يحيف رسول الله، ولكن بدأ باسمه جل ذكره تعظيماً. كما يقال: قد أعتقك الله ثم أعتقك، وما شاء الله ثم شئت. ويدل على ذلك قوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾، ولم يقل ليحكما.
ثم قال: ﴿بَلْ أولئك هُمُ الظالمون﴾، أي: لم يخافوا أن يحيف رسول الله عليهم فيتخلفون عنه لذلك، بل تخلفوا لأنهم قوم ظالمون لأنفسهم بخلافهم أمر ربهم.
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين﴾.
قرأ الحسن ﴿قَوْلَ﴾ بالرفع على اسم كان، وهذه الآية تأديب للمؤمنين ليسارعوا إلى طاعة الله ورسوله إذا دعوا إلى حكم. ولفظه لفظ الخبر ومعناه التحضيض أن يفعل المؤمنون كذلك.
وقوله: ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾، معناه المدركون طلباتهم بفعلهم. ثم
стр. 5071
قال: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ﴾. قال ابن أبي كُريمة: معناه من يطع الله فيوحده، ورسوله فيصدقه، ويخش الله فيما مضى من ذنوبه، ويتقه فيما بقي من عمره فأولئك هم الفائزون.
الفوز في اللغة: النجاة، والفلاح: البقاء في النعيم.
وقيل: المعنى: من يطع الله فيما أمره به، ونهاه عنه ويسلم لحكمه له / وعليه، ويخشى عاقبة معصية الله، ويتق عذاب الله، فأولئك هم الفائزون أي الناجون من عذاب الله.
قال: ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾، أي: وحلف هؤلاء المعرضون عن حكم الله ورسوله إذا دعوا إليه: جهد أيمانهم، أي: أغلظ
стр. 5072
أيمانهم وأشدها لئن أمرتهم يا محمد بالخروج إلى الجهاد ليخرجن. قل لهم يا محمد: لا تقسموا أي لا تحلفوا هذه طاعة معروفة بينكم فيها التكذيب.
وقيل: المعنى لا تحلفوا طاعة معروفة أمثل: من قسمكم.
وقال مجاهد: معنى طاعة معروفة: أي قد عرفت طاعتكم أي أنكم تكذبون.
ثم قال: ﴿إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، من طاعتكم له ولرسوله وخلاف أمرهما وغير ذلك من أموركم.
وأجاز الزجاج: ﴿طَاعَةٌ﴾ بالنصب على المصدر ﴿لاَّ تُقْسِمُواْ﴾، تمام. ثم قال: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المقسمين ليخرجن
стр. 5073
معك إذا أمرتهم: أطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعوا الرسول ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾، يصلح أن يكون ماضياً، ومستقبلاً، ولكن هو هنا مستقبلاً بدليل قوله: ﴿عَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ﴾، ولو كان ماضياً لقال: عليهم ما حملوا. ومعنى: " عليكم ما حملتم " أي عليكم ما أمركم به الرسول. وعليه ما حمل أي ما كلف من التبليغ.
ثم قال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾، أي: إن تطيعوا الرسول فيما أمركم به، ونهاكم عنه: تهتدوا أي ترشدوا وتصيبوا الحق ﴿وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين﴾، أي: ليس على من أرسله الله إلى قوم برسالة إلا أن يبلغهم رسالات الله بلاغاً بيناً، ويفهمهم ما أراد الله منهم فيما أرسله به إليهم.
стр. 5074
قوله تعالى ذكره: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ﴾.
أي وعد الله المؤمنين منك أيها الناس، وعملوا الأعمال الصالحات ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض﴾ قيل: أرض المشركين بعد النبي. فأخبر الله نبيه ووعده أنه سيمكن من آمن به من ملك أرض العدو، وأنه سيستخلفهم في تلك آمنين، فكان ما وعد به، وهذا من أدل ما يكون على صحة نبوة محمد ﵇ لأنه أخبر بما يكون قبل أن يكون، فكان كما أخبر ﷺ ، فلا يكون ذلك إِلا عن وحي من الله إليه بذلك، ولا يجوز أن يكون هذا الإخبار من متخرص يصيب ويخطئ، ويصيب بعضاً ويخطئ في بعض لأنه قد كان كل ما وعدهم به، لم يمتنع منه
стр. 5075
شيء، والمتخرص يقع خبره كذباً في أكثر أقواله، وربما وافق بعض ما أخبر به، وأخطأ في بعض، ولا يصيب المتخرص في كل ما وعد به، فلما كان كل ما أخبر به النبي ﷺ لم يمتنع منه شيء علمنا أنه بوحى، والوحي لا يكون إلا للنبي والرسول الصادق في أخباره، فكان في ذلك دلالة على نبوة محمد ﵇. لأن الله تعالى ذكره قد أنجز له وعده. وفيها دلالة على خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان وعلي رضي الله عن هم، وعلى أمانتهم، لأنه لم يستخلف بعد رسول الله أحد ممن خوطب بهذه الآية غيرهم. لأن هذه الآية نزلت قبل فتح مكة.
وقال النبي ﷺ : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة " وهذا موافق للآية
ومعنى: ﴿كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾، عني به بنو إسرائيل إذ أهلك
стр. 5076
الله الجبابرة بالشام وجعلهم ملوكها وسكانها، فدل ذلك أن الله هو الذي استخلفهم في الأرض، وبأمره صاروا خلفاء وأئمة، وأنهم كانوا يعبدون الله تعالى لا يشركون به شيئاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارتضى لَهُمْ﴾، أي: ليوطنن لهم دينهم وهو الإسلام الذي ارتضاه لهم وأمرهم به، وإنما جاء ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ في جواب ﴿وَعَدَ﴾ لأن الوعد قول فصار بمنزلة: قال لهم: ليستخلفنهم.
ثم قال: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، أي: يخضعون لي بالطاعة، لا يشركون في عبادتهم في الأوثان والأصنام، و " يعبدون ": حال أي وعدهم في هذه الحال، ويجوز أن يكون مستأنفاً على الثناء عليهم. ويروى أن بعض أصحاب النبي ﵇ شكى إليه ما هم فيه من العدو، وتضييقه عليهم، وشدة الخوف، وما يلقون من الأذى / فنزلت هذه الآية بالوعد الجميل لهم. فأنجزه الله لهم، وملكهم ما وعدهم وأظهرهم على عدوهم.
стр. 5077
قال أبو العالية: مكث النبي ﵇ عشر سنين خائفاً، يدعو إلى الله سراً وجهراً ثم أمر بالهجرة إلى المدينة فمكث بها واصحابه خائفين يصبحون في السلاح، ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع هنا السلاح.
فقال النبي ﷺ كلمة معناها: لا تَغْبُرون إلا يسيراً، حتى يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم محتبياً ليس بيده حديدة، فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك﴾، أي: من كفر بالنعمة لا بالله قاله: أبو العالية.
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾، أي: بحدودها ﴿وَآتُواْ الزكاة﴾، يعني التي فرض الله ﴿وَأَطِيعُواْ الرسول﴾، يعني فيما أمر به ونهى عنه
стр. 5078
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، أي: لعل ربكم يرحمكم، ولعل من الله خبر واجب يفعله بفضله.
قال تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾، من قرأه بالياء فالمفعول الأول لحسب محذوف على قول الفراء. والتقدير لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين.
وقال علي بن سليمان: ﴿الذين كَفَرُواْ﴾، في موضع نصب.
والتقدير لا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين. ويجوز أن يكون المعنى: لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين. فأما من قرأ بالتاء فهو الأمر الظاهر، والنبي ﵇ هو المخاطب، وهو الفاعل، و ﴿الذين كَفَرُواْ﴾، في موضع نصب. و ﴿مُعْجِزِينَ﴾، مفعول ثان. ومعنى الآية لا تحسبن يا محمد الذين كفروا
стр. 5079
معجزين في الأرض إذا أراد الله هلاكهم، وتم الكلام على الأرض. ثم ابتدأ بخبر آخر عن عاقبة أمرهم، فقال: ﴿ومأواهم النار﴾.
قيل: هو معطوف على محذوف تقديره: بل هم تحت القدرة ومأواهم النار بعد هلاكهم. ﴿وَلَبِئْسَ المصير﴾ أي: بئس الذي يصيرون إليه.
قال: ﴿يا أيها الذينءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم﴾.
قال ابن عمر: هي محكمة. ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]، يعني البالغين، أي يستأذن هؤلاء الأطفال إذا بلغوا على كل حال، كما استأذن البالغون في كل وقت، يعني من الرجال خاصة.
وقيل: عني به من مَلَكْتَهُ من الرجال والنساء ألا يدخل عليك في هذه الثلاثة الأوقات إلا بإذن.
وقوله: ﴿والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ﴾، يعني من لم يحتلم من الأحرار.
стр. 5080
ثم قال: ﴿ثَلاَثَ مَرَّاتٍ﴾، أي: في ثلاث مرات، يعني: بالمرات ثلاث أوقات. ثم بين الثلاث أوقات متى هن فقال: ﴿مِّن قَبْلِ صلاة الفجر﴾، إلى قوله: ﴿صلاة العشآء﴾، ولو حُمِلَ الكلام على ظاهره لوجب ألا يدخل إلا بعد استئذان ثلاث مرات، وليس الأمر كذلك إنما هو إذن واحد.
قال ابن عباس: إن الله رفيق حليم رحيم بالمؤمنين يحب السترة عليهم، وكان القوم ليس لهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم والولد واليتيم على الرجل، وهو مع أهله في حال جماع، فأمر الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات الثلاث، ثم جاء الله باليسر وبسط في الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. وعنه أنه قال: الآية محكمة،
следующие страницы →