Полный текст (8 396 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.
стр. 5601
وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان وزفر.
وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل.
وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل.
وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر.
وعن عمر أيضاً أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك.
стр. 5602
وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي:
وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر.
وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعاً.
وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في وقتها.
ثم قال تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) أي: صلوا ما أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء فينبتها ويخرج زرعها بعد موتها.
(وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة.
وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي ﷺ -
стр. 5603
قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾.
أي: ومن علاماته وحججه على وحدانيته وأنه لا شريك له وأنه يحييكم بعد موتكم، أنه خلقكم من تراب، أي: خلق أصلكم وهو آدم من تراب.
﴿إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ﴾ أي: من ذرية من خلق من تراب.
﴿تَنتَشِرُونَ﴾ أي: تنصرفون وتنبسطون في الدنيا.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض﴾.
أي: ومن أدلته وحجته/ في قدرته على إحيائكم بعد موتكم أنه خلق السماوات والأرض، وهن أعظم خلقاً منكم فاخترعها وأنشأها، وجعل ألسنتكم مختلفة في الأصوات واللغات، وجعل ألوانكم مختلفة على كثرتكم، وهذا ألطف خلقا من خلق أجسامكم، فأتى تعالى ذكره بتمثيل الخلق العظيم واللطيف.
﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: لعلامات وأدلة في قدرة الله تعالى ووحدانيته، يعني: الجن والإنس.
стр. 5604
وهذا على قراءة من فتح اللام.
ومن كسرها فمعناه لم علم قدرة الله وأيقن بها.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا﴾.
أي: خلق لأبيكم آدم من ضلعه زوجة ليسكن إليها.
وقيل: خلق الزوجة من نطفة الرجل.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أي: بالمصاهرة والختونة يعطف بعضهم على بعض.
قال ابن عباس: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن لا يمسها بسوء.
وقال مجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: لمن تفكر في الله ووحدانيته، أي: من قدر
стр. 5605
على هذا فهو قادر على إحياء الموتى، وأنه واحد لا شريك له.
ثم قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم باليل والنهار وابتغآؤكم مِّن فَضْلِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته على إحياء الموتى، أنه يقدر الساعات والأوقات، ويخالف بين الليل والنهار، فجعل النهار تبتغون فيه الرزق والمعاش، وجعل الليل سكناً لتسكنوا فيه وتناموا.
وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالنهار، وحذف حرف الجر من النهار لا تصاله بالليل وعطفه عليه. والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة.
ومثله في التقديم والتأخير قوله: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣].
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: فيما نص من قدرته لدلالة وحججاً وعبرة وعظة لمن سمع مواعظ الله فيتعظ بها ويعتبر.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: ومن آياته أنه يريكم البرق. " وخوفاً وطمعاً " مفعولان من أجلهما.
وقيل التقدير: ويريكم البرق خوفاً وطمعاً من آياته.
стр. 5606
والمعنى: من حججه وأدلته على توحيده وإحياء الموتى أنه يريكم البرق خوفاً للمسافر أن يؤذيه المطر، وطمعاً للمقيم أن يسقي زرعه وتخصب أرضه.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مَآءً فَيُحْيِي بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: وينزل من السحاب مطراً فيحيي بذلك الماء الأرض الميتة التي قد يبست ولم تنبت نبتاً، فتنبت بعد جدوبها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يعقلونَ عن الله حججه وأدلته.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السمآء والأرض بِأَمْرِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته قيام السماوات والأرض بأمره خضوعاً له بالطاعة بغير عمد.
﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأرض إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا دعاكم للبعث خرجتم من بطن الأرض مستجيبين لدعائه إياكم.
روي عن نافع أنه وقف " دعاكم دعوة ". وكذلك قال يعقوب.
ثم يتبدئ " من الأرض ".
стр. 5607
﴿إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا أنتم تخرجون من الأرض.
والوقف عند أبي حاتم: من الأرض ". أي: دعاكم وأنتم في الأرض، كما تقول دعوت فلاناً من بيته. أي: وهو في بيته.
والأحسن عند أهل النظر أن على " تخرجون "، لأن إذا الثانية جواب للأولى على قول الخليل وسيبويه، كأنه قال: إذا دعاكم خرجتم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ أي: هم عبيد له ومُلك له، لا إله إلا هو.
﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون. وطاعة الكفار منهم انقيادهم على ما شاء من صحة وسقم وفقر وغنى، روى الخدري عن النبي ﷺ قال: " كُلُّ قُنُوتٍ فِي الْقُرآنِ
стр. 5608
فَهُوَ طَاعَة ".
قال ابن عباس: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون في الحياة والنشوز من الموت وإن كانوا عاصين له في غير ذلك. وهو اختيار الطبري وقيل: معناه أنهم مقرين/ كلهم بأنه ربهم وخالقهم، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزخرف: ٨٧].
وقيل: معنى الآية الخصوص: يريد بها المؤمنين بالله خاصة.
قال ابن ز يد: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ مطيعون وليس شيء إلا هو قانت مطيع لله إلا ابن آدم، كان أحقهم أن يكون أطوعهم لله. قال: والقنوات في القرآن الطاعة إلا في قوله جل ذكره: ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] معناه: ساكتين لا يتكلمون كما يفعل أهل الكتاب.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
أي: والذي له هذه الصفات هو الذي يبدؤ الخلق من غير أصل وأمثال ثم يفنيه ثم يعيده بعد إفنائه كما بدأ.
стр. 5609
﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وإعادته هين عليه، قال ابن عباس.
وقيل: المعنى: الإعادة أهون على المخلوق لأنه يقوم بشراً سوياً، وقد كان في الابتداء ينقل من حال إلى حال.
روي ذلك أيضاً عن ابن عباس.
وعن ابن عباس: أن معناه: وهو أيسر عليه. وقاله مجاهد.
فيكون هذا بمنزلة قوله: ﴿وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً﴾ [النساء: ٣٠].
وقال عكرمة: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية.
فالمعنى عنده: إعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه.
وقال قتادة: إعادة أهون عليه من بدايته، وكل شيء عليه هين.
стр. 5610
وفي حرف ابن مسعود: " وَهُوَ عَلَيَّ هَيّن ".
وقيل أهون على بابها، على معنى أسهل عليه من الابتداء.
وجاز ذلك في صفات الله كما قال: ﴿وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً﴾ [النساء: ٣٠].
وحسن ذلك كله لأن الله خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء، فجعله مثلاً لهم لأنهم كذلك يعرفون في عادتهم أن إعادة الشيء مع تقدم مثال أسهل من اختراع الشيء بغير مثال تقدم، فهو مثل لهم على ما يفهمون، ألا ترى أن بعده: ﴿وَلَهُ المثل الأعلى﴾، معناه: أنه لا إله إلا هو لا مثال له.
قال ابن عباس: ﴿وَلَهُ المثل الأعلى﴾ ليس كمثله شيء.
وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره.
стр. 5611
وقيل: المعنى ما أراد كان. وحقيقته في اللغة أن المثل الوصف.
فمعنه وله الوصف الأعلى من كل وصف.
﴿وَهُوَ العزيز﴾ في انتقامه من أعدائه ﴿الحكيم﴾ في تدبيره خلقه على ما يشاء.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: مثل الله لكم أيها القوم مثلاً من أنفسكم.
ثم بيّن ذلك المثل فقال: ﴿هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: هل من مماليككم شركاء في أموالكم أنتم وهم في المال سواء.
﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تخافون من عبيدكم في أموالكم أن يرثوكم بعد وفاتكم كما يرث بعضكم بعضاً.
وقيل: المعنى تخافونهم كما يخاف الشريك شريكه إذا تعدى في المال بغيره - أي: شريكه -.
وقيل: المعنى تخافونهم أن يقاسموكم كما يقاسم الشريك شريكه فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسهم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم شركاء لله في العبادة، وأنتم وهم عبيد الله وخلقه، وهو تعالى ذِكْرُهُ مالك الجميع، فجعلتم له شركاء من مماليكه وخلقه، ولا ترضون أنتم أن يكون لكم شركاء من مماليككم.
هذا معنى قول قتادة.
стр. 5612
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: نفصل الآيات تفصيلاً، كذلك، أي: نفصلها في كل سورة ونبينها كما فصلنا هذه الآيات في هذه السورة لمن يعقل عن الله حججه.
ثم قال تعالى: ﴿بَلِ اتبع الذين ظلموا أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: عبدو الأصنام وأحدثوا لله شركاء اتباعاً منهم لما تهوى أنفسهم جهلاً منهم بطريق الحق.
﴿فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله﴾ أي: من يسدد للصواب ويوفق للإسلام من أضله الله عن الاستقامة والرشاد.
﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي: وما لمن أضل الله من ناصر ينصره من الضلالة.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾. أي: اتبع الذي أمرك الله به حنيفاً أي: مستقيماً.
﴿فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا﴾ انتصب " فطرت " على معنى اتبع فطرة الله وقيل: هو مصدر عمل فيه الجملة التي قبله. والمعنى فطر الله الناس/ على ذلك فطره.
فالحَنَفُ: الاستقامة، ولذلك قيل للمعوج الرِّجل: (أحنف) على التفاؤل، كما قيل للمهلكة مفازة، والمفازة: النجاة، وقيل للأعمى بصير على التفاؤل في ذلك.
стр. 5613
قيل معنى حنيفاً: مائلاً عن كل الأديان إلى الإسلام. فيكون الحَنَف على هذا: الميل، كما قيل للمائل الرِّجل: أحنف وقيل: على بمعنى اللام، والتقدير: التي فطر الناس لها، أي: لاتباعها، أي: دين الله خلق الناس لاتباعه.
كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
فالمعنى دين الله المفطور له الناس، أي: المخلوق الناس له أي: خلقوا لاتباع الدين.
قال ابن زيد " فطرت الله " الإسلام، منذ خلقهم يقرون بذلك، وقرأ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية.
وهو قوله: ﴿كَانَ الناس أُمَّةً واحدة﴾ [البقرة: ٢١٣] وقاله مجاهد أيضاً.
وفي الحديث: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَى يَكُونَ أبَواهُ هُمَا اللَّذَانَ يُهَوِّدَانِهِ
стр. 5614
أَوْ يُنَصّرَانِهِ ".
قال الأوزاعي وحماد بن سلمة: هذا الحديث مثل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ﴾ الآية فالمعنى: كل مولود يولد على العهد الذي أخذ عليه.
وفي الحديث: " أَخْرَجَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَمْثَالَ الذَّرِّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ عَلَى ذَلِكَ الْعَهْدِ يُولَدُ " وقيل: معنى الآية: خلقة الله التي لا يعرفونها لا تميز شيئاً.
стр. 5615
وقال ابن المبارك: هذا لمن يكون مسلماً، يذهب إلى أنه مخصوص.
وقال محمد بن الحسن: هذا قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد.
وقوله جلّ ذكره: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾. معناه: لا تبديل لدين الله، أي: لا ينبغي لك أن تفعل ذلك، قاله مجاهد وعكرمة قتادة والضحاك والنخعي وابن زيد.
وقال ابن عباس: معناه لا تغيير لما خلق الله من البهائم، لا تخصى، وكره خصاء البهائم وقرأ الآية.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدين القيم﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره هو الدين المستقيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ واتقوه﴾ أي: أقيموا وجوهكم للدين حنفاء منيبين إليه، أي: راجعين إلى طاعته.
وقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ هو خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته فلذلك جاء الحال بلفظ الجمع. فلا تقف على يعلمون.
وقيل: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين إليه.
стр. 5616
قال ابن عباس: " منيبين ": مقبلين بكل قلوبكم.
قال ابن زيد: المنيب: المطيع. وأصله في اللغة الراجع عن الشيء.
﴿واتقوه﴾ أي: وخافوه أن تفرطوا في طاعته.
﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ أي: بحدودها في أوقاتها.
﴿وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين﴾ أي: ممن عبد مع الله غيره وضيع فرائضه. ثم بينهم فقال تعالى ذكره: ﴿مِنَ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ يعني اليهود والنصارى، قاله قتادة.
وقال ابن زيد: هم اليهود.
وقالت عائشة رضي الله عن هـ وأبو هريرة: هي في أهل القبلة.
ومعنى ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ أي: أحزاباً.
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: كل طائفة تفرح بما هم عليه من الدين وتظن أن الصواب معها.
وهذا أمر من الله جل ذكره بلزوم الجماعة وترك تفريق الكلمة وتنبيه منه أن
стр. 5617
الفرقة معها الضلالة.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾.
أي: وإذا مس هؤلاء المشركين وغيرهم ضر من مرض أو جدب ونحوه ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي: أخصلوا له الدعاء والتضرع، ﴿ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً﴾، إي: فرج عنهم الضر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعني المشركين.
ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾.
إن جعلت اللام لام كي لم تقف على " يشركون "، ولكن تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، وإن جعلتها لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد ابتدأت بها إن شئت، ووقفت على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ولم تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾.
وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أنها لام أمر لأن هذا وعيد وتهديد لا شك فيه، فحمل الكلام على معنى واحد أحسن. والمعنى على الأمر: اكفروا وتمتعوا بالصحة والرخاء فسوف تعلمون عاقبتكم إذا أوردتم على ربكم.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: كتاباً وحجة في عبادتهم الأوثان.
﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم.
فالمعنى: لم ننزل عليهم شيئاً من ذلك إنما اختلفوا من عند أنفسهم اتباعاً لأهوائهم.
стр. 5618
قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو عذر وحجة/.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: وإذا مس الناس خصب ورخاء وصحة فرحوا بذلك.
﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: وإن تصبهم شدة جدب أو مرض أو إتلاف مال بذنوبهم المتقدمة ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: يئسون من الفرح، والقنوط: اليأس.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: ألم ير هؤلاء الذين ييأسوا عند الشدة ويفرحون عند الرخاء أن الله يوسع على من يشاء في رزقه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق على من يشاء في رزقه.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في توسيعه الرزق على بعض خلقه وتضييقه على بعض، لدلالات وحججاً على قدرة الله لمن آمن بالله.
ثم قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ﴾.
قال مجاهد وقتادة: هو قريب الرجل، صلة الرحم له فرض من الله جل ذكره.
وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجه.
وقال قتادة: إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إلأيه برجليك فقد قطعته.
стр. 5619
وقيل: القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ . مُنَزَّلة مَنْزِلة قوله تعالى ذكره: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى﴾ [الأنفال: ٤١] فيكون المعنى: فأعط يا محمد ذا القربى منك حقه عليك.
وقوله: ﴿والمسكين وابن السبيل﴾ أي: وَفِّيهم حقهم إن كان يُسْر، وإن لم يكن عندك شيء فقل لهم قولاً معروفاً. وابن السبيل: الضيف.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله﴾ أي: إتيان هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله جل ذكره عباده خير للذين يريدون بما يعطون ثواب الله.
﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ الله﴾ أي: ما أعطى بعضهم بعضاً ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغِ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه.
стр. 5620
وهو محرم على النبي ﵇ خاصة بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط عطية لتأخذ أكثر منها.
قال ابن عباس: هو الرجل يهدي الهدية فيطلب ما هو أفضل منها.
فليس له أجر ولا عليه إثم، وهو معنى قول مجاهد والضحاك وقتادة.
وقيل: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليخدمه ويعينه لا لطلب أجر.
وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ماله ليكثر مال لآخذ للثواب.
وقيل: هو الربا المحرم.
ومعنى: ﴿فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ الله﴾ عند من قال: هو المحرم، لا يحكم به لأحد، بل هو للمأخوذ منه.
قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هُمُ المضعفون﴾ أي: وما
стр. 5621
أعطيتم من صدقة تريدون بها ثواب الله لا الازدياد من مال الآخذ ولا الثناء عليها، فأولئك الذين يكون لهم الأضعاف من الأجر، يضاعف لهم الحسنات.
وقيل: المعنى يضاعف لهم الخير والنعيم.
ويلزم من قال هذا التفسير أن يكون اللفظ: ﴿المضعفون﴾ بفتح العين لأنهم فعول بهم. لكن تحقيق المعنى مع كسر العين: فألئك هم الذين أضفعوا لأنفسهم حسناتهم، أي: هم المضعفون لأنفسهم الحسنات، لأن من اختار عمل الحسنة فقد اختبار عمل عشر حسنات لنفسه، ويضاعف الله لمن يشاء أكثر من عشر على الحسنة الواحدة.
ثم قال تعالى: ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ﴾ أي: اخترعكم ولم تكونوا شيئاً، ثم رزقكم وخولكم ولم تكونوا تملكون شيئاً، ثم هو يميتكم ثم هو يحييكم ليوم القيامة، فالعبادة لا تصلح إلا لمن هو هكذا.
﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذلكم مِّن شَيْءٍ﴾ أي: هل يفعل شيئاً من خلق أو موت أو بعث أو رزق أو ضر أو نفع، آلهتكم التي تعبدون، فلا بُدَّ لهم أن يقروا أنها لا تفعل شيئاً من ذلك فيعلمون أنهم على باطل.
ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيها لله وبراءة له عما يشركون به.
ثم قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس﴾ أي: ظهرت المعاصي لله في الأرض وبحرها بذنوب الناس.
قال مجاهد وعكرمة: البحر هنا الأمصار، والبر: الفلوات، ظهرت/ فيها معاصي ابن آدم.
стр. 5622
وقال قتادة: هذا قبل مَبْعَثِ النبي ﷺ ، امتلأت الدنيا ضلالة والظلمة، فلما بُعِثَ النبي ﵇ رجع راجعون من الناس، قال أما البر فأهل العَمُود وأما البحر فأهل القرى والريف.
والتقدير على هذه الأقاويل: ظهر الفساد في مواضع البر والبحر.
وقيل: المعنى ظهر الفساد في مدن البر ومدن البحر.
والفساد: الجدب بذنوب بني آدم.
وقيل: الفساد ظهور المعاصي فيها وقطع السبيل والظلم وعن مجاهد: أن البر القرى والأمصار، والبحر بحر الماء المعروف قال: في البر: ابن آدم الذين قتل أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كل سفينة غضباً.
وهو قول ابن أبي نجيح.
стр. 5623
وقال قتادة: الفساد الشرك.
وعن ابن عباس أنه قال: الفساد نقصان البركة بأعمال العباد حتى يتوبوا.
فالمعنى على هذا: ظهر الجدب في البر والبحر، وظهور الفساد في البحر انقطاع مادة صيده وذلك بذنوب بني آدم.
وقال الحسن: أفسد الله بذنوبهم بَرَّ الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة لعلهم يرجعون، أي: يرجع من يأتي بعدهم.
ثم قال تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ﴾ أي: ليصيبهم بعقوبة بعض ذنوبهم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: ينيبون إلى ترك المعاصي ويتوبون.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا﴾ الآية. هي مثل " أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ " في أول السورة. وقد تم تفسيرها.
ومعنى ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ أي: مثلكم يا قريش.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القيم﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾.
أي: اتبع يا محمد الدين أمرك الله به فهو المستقيم.
فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل ان ينقطع وقت العمل بالموت وقيام الساعة. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته.
стр. 5624
﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله﴾ أي: لا بد من إتيانه وهو يوم القيامة.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة وفريق في السعير.
يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس.
ثم قال تعالى ذكره ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: إثم وزره.
﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه.
﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون.
قال مجاهد: يمهدون في القبر.
ثم قال: ﴿لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يومئذ يتفرقون ليجزي المؤمنين من فضله، أي: يومئذ يتفرقون لهذا الأمر، فيخص بالجزاء المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالغيث.
﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد.
﴿وَلِتَجْرِيَ الفلك بِأَمْرِهِ﴾ أي: السفن في البحر بأمره إياها.
стр. 5625
﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه في سفركم في البحر.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون على هذه النعم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بالبينات﴾ هذه الآية تسلية للنبي ﷺ إذ كذبه قريش، فأعمله الله أنه قد أَرْسَل من قبله رسلاً إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أَتَوْا أقوامهم بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك.
﴿فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ﴾ في الكلام حذف والتقدير فكذبوا الرسل فانتقمنا من المكذبين، فكذلك تفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم إياك.
﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين﴾ أي: ونجينا المؤمنين إذ جاء بأسنا، وكذلك نفعل بك يا محمد ومن آمن بك.
وقيل: المعنى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ومن آمن بك على الكافرين من قومك.
وفي الحديث: " مَنْ رَدَّ عَلَى عِرْضِ صَاحِبِهِ رَدَّ الله عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلَى رَسُولُ الله: " وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤمِنِينَ " والتمام عند نافع آخر واو.
стр. 5626
وقف بعض الكوفيين، " وَكَانَ حَقًّا " أي: فكان انتقامنا/ حقاً، ثم يبتدئ " عَلَيْنَا نَصْرُ المؤُمِنِينَ ". نصر ابتداء، وخبره علينا.
والوقف عند أبي حاتم: " نَصْرُ المُؤمِنِينَ ".
ثم قال تعالى: ﴿الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي: ينشئ الرياح سحاباً، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السمآء كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ويجمعه.
قال قتادة: يبسطه: يجمعه.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي: ويجعل الله السحاب في السماء قطعاً متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه.
ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة.
ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف.
ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي: المطر يخرج من بين السحاب.
قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحاً فتعم الأرض
стр. 5627
قماً، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحاباً فتجعله كسفاً، أي: قطعاً متفرقة، ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، ثم يبعث الرابعة فتمطر.
ومعنى ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فالتذكير فيه حسن.
وخلال جمع خلل.
وقد قرأ الضحاك: " يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ ".
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أي: أرض من يشاء من عبادة استبشروا وفرحوا.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإن هؤلاء الذين أصابب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ينزل عليهم الغيث.
وقوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ تأكيد للأول عند الأخفش.
стр. 5628
وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر.
وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب.
وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضاً ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ يعني الزرع.
ثم قال تعالى: ﴿فانظر إلى آثَارِ رَحْمَتِ الله﴾ أي: انظر يا محمد إلى أثر المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، واهتزت بعد جدبها، فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم.
ومن قرأ " أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ " بالتوحيد ورده على التوحيد في: " فَيُبْسِطُهُ "، و " يَجْعَلُهُ "، و " مِنْ خِلاَلِهِ "، " وَأَصَابَ بِهِ "، " وَمِنْ قَبْلِهِ ".
стр. 5629
ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الريح، وإثارتها السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفاً، وإخراجه الودق، فهذا كله آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك.
ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الموتى﴾ أي: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها لمحيي الموتى بعد موتهم.
﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يمتنع عليه فعل شيء أراده.
والمضر في " يحيي الأرض " يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر.
وقرأ محمد اليماني " كَيْفَ تُحْيِي " بالتاء رده على الرحمة، أو على الآثار.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً﴾ أي: ولئن أرسلنا ريحاً مفسدة لما أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفراً قد فسد بتلك الريح.
﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: لصاروا من بعده فرحهم واستبشارهم بالغيث
стр. 5630
يفكرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في " رَأَوْهُ " للنبات من زرع وغيره.
وقيل: الهاء للسحاب.
وقيل: للريح.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى﴾ الآية.
أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم. وهذا مَثَلٌ [ضربه] الله للكفار.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ العمي عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ الآية.
أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى.
﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ﴾ أي: تسمع إلا من وفقه الله للإيمان، وقد تقدم تفسير الآيتين بأشبع من هذا في " الأنبياء ".
قوله تعالى ذكره: ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ إلى آخر السورة.
стр. 5631
هذه الآية احتجاج على من أنكر البعث، فتقرر عندهم أنه تعالى خلفهم من ضعف وهو النطفة، فجعله بشراً قوياً، ثم رد القوي إلى الضعف وهو الهرم والشيب، فمن فعل هذا يقدر على إحيائكم بعد موتكم.
والضعف بالفتح: المصدر، والضعف بالضم الاسم.
وروى عطية عن ابن عمر أنه قال: " قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيّ ﷺ الَّذي خَلَقَكُم مِنْ ضَعْفٍ " فقال لي: " مِنْ ضُعْفٍ ".
وقرأ عيسى بن عمر " مِنْ ضُعُف " بضمتين/.
وأجاز الكوفيون ضَعَفٍ بفتح الضاد والعين لأجل حرف الحلق.
ثم قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾.
стр. 5632
أي: يخترع ويحدث ما يشاء.
﴿وَهُوَ العليم﴾ أي: بخلقه، ﴿القدير﴾ أي: القادر عليهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون﴾ أي: ويوم تجيئ ساعة البعث فيبعث الله الخلق، يحلف الكفار ما لبثوا فيب قبورهم غير ساعة واحدة.
قال قتادة: لما عاينوا الآخرة هان عندهم ما لبثوا.
﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كما كذبوا في قولهم في الآخرة ما لبثها في قبورنا غير ساعة، كذلك كانوا في الدنيا يكذبون، أي: يصرفون الصدق إلى الكذب.
وقيل معنى ذلك: أن الكفار لابد لهم من خمدة بين النفختين فلم يدروا مقدار ذلك فقالوا: ما لبثنا غير ساعة.
وقيل: معناه: ما لبثنا في الدنيا غير ساعة، هان عليهم مكثهم في الدنيا لا نقطاعه وزواله، فادعوا أنهم ما لبثوا فيها غير ساعة.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إلى يَوْمِ البعث فهذا يَوْمُ البعث﴾.
هذا رد من المؤمنين على الكفار يوم القيامة دعواهم أنهم ما لبثوا غير ساعة، تقديره عند قتادة: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث.
стр. 5633
وقال ابن جريج " تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان بالله وبكتابه لقد لبثتم إلى يوم البعث.
وقيل: المعنى على غير تقدير ولا تأخير، والتقدير: وقال الذين أعطاهم الله العلم به والإيمان لقد لبثتم في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، أي: يوم يبعث الناس من قبورهم، ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا أنه يكون وأنكم تبعثون بعد الموت، ولذلك كذبتم به.
وقيل: التقدير: لقد لبثتم في حكم الله وتقديره إلى يوم البعث.
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ الذين ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾.
أي: لا ينتفعون بعذر يعتذرون به من كفرهم وجحودهم ونفيهم للبعث.
﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يقيمون في أنفسهم ولا يسترجعون.
روي أنه لما رد المؤمنون عليهم سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذرا ولا استعتبوا.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: مَثَّلْنَا للناس في القرآن من كل مثل يدلهم على الهدى احتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: وإن جئتم يا محمد بدلالة على صدق ما تقول لهم. ﴿لَّيَقُولَنَّ الذين كفروا﴾ أي: الذين جحدوا آيات الله ورسله.
стр. 5634
﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ فيما جئتم به.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: كتم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به يا محمد من عند الله.
ثم قال جل ذكره لنبيه ﷺ : ﴿ فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾.
أي: اصبر على أذاهم وتكذيبهم إياك، إن وعد الله الذي وعدك من النصر عليهم والظفر بهم حق لا بد منه.
﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لاَ يُوقِنُونَ﴾ أي: لا يستخفن حلمك هؤلاء المشركون بالله الذين لا يوقنون بالمَعَاد، ولا يصدقون بالبعث.
стр. 5635
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة لقمان
سورة لقمان مكية إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ) إلى تمام الثلاث الآيات.
قوله تعالى ذكره: ﴿الم * تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾.
أي: هذه الآيات آيات الكتاب المحكم هادياً وراحماً الله به من آمن بالله وكتبه ورسله. وإن رفعت " رحمة ". فالتقدير هو هدى ورحمة لمن أحسن لنفسه فآمن بالله
стр. 5636
وكتبه ورسله.
ثم قال: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ أي: يقيمونها بحدودها في أوقاتها.
﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ أي: التي افترض الله عليهم.
﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: يصدقون بالبعث بعد الموت والجزاء.
ثم قال تعالى: ﴿أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي: على إيمان.
﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ أي: الباقون في النعيم/ الفائزون.
ثم قال جل ذكره: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
قال قتادة: معناه: من يختاره ويستحسنه يعني الغناء.
وروي عنه أنه قال: لعله لا ينفق مالاً ولكن اشتراؤه استحبابه. وكذلك قال مطرف.
وقال ابن مسعود في الآية: " الغِنَاءُ والله الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، يُرَددِّهُهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ".
стр. 5637
" والغِنَاءُ يُنْبِتُ فِي الْقَلْبِ النِّفَاق ".
وقال ابن عباس: " هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي الجَارِيَّةَ المُغَنِّيَة تُغَنِّيهِ لَيْلاً وَنَهَاراً ".
وروى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: " لاَ يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ وَلاَ شِرَاؤُهُنَّ وَلاَ التِّجَارَةُ بِِهِنَّ وَلاَ أَثْمَانُهُنَّ، وَفِيهِنَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآية " وَمِنَ النَّاسِ. . . "
روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: " مَنْ جَلَسَ إِلَى قَيْنَةٍ يٍسْتَمِعُ مِنْهَا صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
وروى مالك عن ابن المنكدر أنه قال: " إِنَّ اللهَ ﵎ يَقُولُ يَوْمَ
стр. 5638
الْقِيَامَةِ: " أَيْنَ الذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَسْمَاعَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَنِ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، أَدْخِلُوهُمْ فِي رِيَّاضِ المِسْكِ. ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ: أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي وَثَنَأءً عَلَي وأَخْبِرُوهُمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ".
روت عائشة رضي الله عن ها أن النبي ﷺ قال: " مَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ فَلاَ تُصَلُّوا عَلَيْهِ " رواه مكحول عنها.
وقال ابن عمر: هو الغناء، وكذلك قال عكرمة ومكحول وغيرهم.
والتقدير: على هذا: ومن الناس من يتشتري ذات لهو أو ذا لهو.
وعن الضحاك: إن لهو الحديث: الشرك. ورواه عنه جويبر أنه قال:
стр. 5639
الغناءُ مَهْلَكَةُ للمال مَسْخَطَةٌ للرب مَعْمَاة للقلب.
وسئل القاسم بن محمد عنه فقال: الغناء باطل، والباطل في النار.
وقال معمر: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يشتري الكتب التي فيها أخبار فارس والروم، ويقول: محمد يحدثكم عن عناد وثمود وأنا أحدثكم عن فارس والروم، ويستهزئ بالقرآن إذا سمعه.
وروى ابن جريج عن مجاهد في لهو الحديث: أنه الطبل.
стр. 5640
ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي: عن دين الله، وما يقرب إليه.
وقال ابن عباس: عن القرآن وَذِكْرِ الله، وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنية.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جعلا منه بأمر الله فعل ذلك.
ثم قال: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ أي: ويتخذ سبيل الله هزؤاً. قاله مجاهد.
وقال قتادة: ويتخذ الآيات هُزُؤاً.
﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: في الآخرة.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِءَايَاتُنَا ولى مُسْتَكْبِراً﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيَّ المصير﴾.
أي: وإذا يتلى على الذي يشتري لهو الحديث القرآن أدبر يستكبر عن سماع الحق، ﴿كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي صمماً وثقلاً فهو لا يستطيع أن يسمع ما يتلى عليه.
﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم، يعني في يوم القيامة، وذلك عذاب النار.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جَنَّاتُ النعيم﴾.
أي: إن الذين صَدَّقُوا محمداً وما جاء به وعملوا الأعمال الصالحة، لهم بساتين النعيم ما كثين فيها إلى غير نهاية.
﴿وَعْدَ الله حَقّاً﴾ أي: وعدهم الله ذلك [وعداً] حقاً لا خلف فيه.
следующие страницы →