Полный текст (8 396 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
وكتبه ورسله.
ثم قال: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ أي: يقيمونها بحدودها في أوقاتها.
﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ أي: التي افترض الله عليهم.
﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: يصدقون بالبعث بعد الموت والجزاء.
ثم قال تعالى: ﴿أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي: على إيمان.
﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ أي: الباقون في النعيم/ الفائزون.
ثم قال جل ذكره: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
قال قتادة: معناه: من يختاره ويستحسنه يعني الغناء.
وروي عنه أنه قال: لعله لا ينفق مالاً ولكن اشتراؤه استحبابه. وكذلك قال مطرف.
وقال ابن مسعود في الآية: " الغِنَاءُ والله الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، يُرَددِّهُهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ".
стр. 5637
" والغِنَاءُ يُنْبِتُ فِي الْقَلْبِ النِّفَاق ".
وقال ابن عباس: " هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي الجَارِيَّةَ المُغَنِّيَة تُغَنِّيهِ لَيْلاً وَنَهَاراً ".
وروى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: " لاَ يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ وَلاَ شِرَاؤُهُنَّ وَلاَ التِّجَارَةُ بِِهِنَّ وَلاَ أَثْمَانُهُنَّ، وَفِيهِنَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآية " وَمِنَ النَّاسِ. . . "
روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: " مَنْ جَلَسَ إِلَى قَيْنَةٍ يٍسْتَمِعُ مِنْهَا صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
وروى مالك عن ابن المنكدر أنه قال: " إِنَّ اللهَ ﵎ يَقُولُ يَوْمَ
стр. 5638
الْقِيَامَةِ: " أَيْنَ الذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَسْمَاعَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَنِ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، أَدْخِلُوهُمْ فِي رِيَّاضِ المِسْكِ. ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ: أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي وَثَنَأءً عَلَي وأَخْبِرُوهُمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ".
روت عائشة رضي الله عن ها أن النبي ﷺ قال: " مَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ فَلاَ تُصَلُّوا عَلَيْهِ " رواه مكحول عنها.
وقال ابن عمر: هو الغناء، وكذلك قال عكرمة ومكحول وغيرهم.
والتقدير: على هذا: ومن الناس من يتشتري ذات لهو أو ذا لهو.
وعن الضحاك: إن لهو الحديث: الشرك. ورواه عنه جويبر أنه قال:
стр. 5639
الغناءُ مَهْلَكَةُ للمال مَسْخَطَةٌ للرب مَعْمَاة للقلب.
وسئل القاسم بن محمد عنه فقال: الغناء باطل، والباطل في النار.
وقال معمر: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يشتري الكتب التي فيها أخبار فارس والروم، ويقول: محمد يحدثكم عن عناد وثمود وأنا أحدثكم عن فارس والروم، ويستهزئ بالقرآن إذا سمعه.
وروى ابن جريج عن مجاهد في لهو الحديث: أنه الطبل.
стр. 5640
ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي: عن دين الله، وما يقرب إليه.
وقال ابن عباس: عن القرآن وَذِكْرِ الله، وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنية.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جعلا منه بأمر الله فعل ذلك.
ثم قال: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ أي: ويتخذ سبيل الله هزؤاً. قاله مجاهد.
وقال قتادة: ويتخذ الآيات هُزُؤاً.
﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: في الآخرة.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِءَايَاتُنَا ولى مُسْتَكْبِراً﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيَّ المصير﴾.
أي: وإذا يتلى على الذي يشتري لهو الحديث القرآن أدبر يستكبر عن سماع الحق، ﴿كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي صمماً وثقلاً فهو لا يستطيع أن يسمع ما يتلى عليه.
﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم، يعني في يوم القيامة، وذلك عذاب النار.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جَنَّاتُ النعيم﴾.
أي: إن الذين صَدَّقُوا محمداً وما جاء به وعملوا الأعمال الصالحة، لهم بساتين النعيم ما كثين فيها إلى غير نهاية.
﴿وَعْدَ الله حَقّاً﴾ أي: وعدهم الله ذلك [وعداً] حقاً لا خلف فيه.
стр. 5641
﴿وَهُوَ العزيز﴾ أي: الصنيع الشديد في انتقامه من أهل الشرك.
﴿الحكيم﴾ في تدبيره لخلقه.
ولا يحسن الوقف على: " خالدين فيها " عند سيبويه، لأن الجملة عاملة في: " وَعْدَ الله " إذ هو عنده مصدر مؤكد.
وأجازه أبو حاتم لأنه يضمر فعلاً ينصب به " وعداً الله "، وتقديره: وعدهم الله بذلك وعداً حقاً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿خَلَقَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾.
قال ابن عباس: عمدها قاف، وهو الجبل المحيط بالدنيا، وهو من زبرجدة خضراء. من زبرجد الجنةن وخضرة السماء منه، وخضرة البحار من السماء، والسماء مقبة على الجبل الذي اسمه قاف، ولكنكم لا ترونه.
وروي عنه أنه قال: لعلها بعمد لا ترونها. وقاله عكرمة.
فيكون ترونها على هذا القول في موضع خفض نعتاً للعمد، والتاء متعلقة
стр. 5642
بخلق.
وقال الحسن: لا عمد لها البتة. فيكون " ترونها " على هذا القول في موضع نصب على الحال من السماوات والباء متعلقة بِتَرَوْنها.
ويجوز أن يكون " ترونها " مستأنفاً، أي أنتم ترونها/ فتقف على: " بعير عمد " ولا تقف على القولين الأولين إلا على: " ترونها "، فإذا كان الضمير في ترونها للعمد، فترونها نعت للعمد، وليس ثم عمد، والمعنى فلا عمد مرئية البتة ويحتمل على هذا الوجه، فلا عمد مرئية لكم، أي ثم عمد ولكن لا ترونه.
[فإذا جعلت الضمير في ترونها يعود على السماوات، كان ترونها] حالاً من السماوات.
والمعنى ترون السماوات بغير عمد تمسكها، فلا عمد ثم البتة، كالتأويل الأول.
ثم قال تعالى: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: أن تحرك بكم يميناً وشمالاً، أي: حمل على ظهر الأرض جبالاً ثوابت لئلا تميد بكم.
قال قتادة: لولا ذلك ما أقرت عليها خلقاً.
стр. 5643
﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ أي مطراً.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي في الأرض بذلك الماء.
﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: نوع من البنات.
﴿كَرِيمٍ﴾ قال قتادة: حسن.
وقال ابن عباس: من كل لون حسن.
وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، فمن كان منهم إلى لاجنة فهو الكريم، ومن يصير إلى النار فهو اللئيم.
وتأويله غير في النطفة لأنها مخلوقة من تراب في الأصل.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ أي فرق في الأرض من كل أنواع الدواب، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره خلق الله الذي لا تصلح العبادة والألوهية إلاّ له، فأروني أيها المشركون أي شيء خلق الذي عبدتم من دونه.
ثم قال تعالى: ﴿بَلِ الظالمون فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في عبادتهم الأصنام في جور عن الحق وذهاب عن الاستقامة ظاهر لمن تأمله.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة أَنِ اشكر للَّهِ﴾.
стр. 5644
قال مجاهد: كان لقمان رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً.
وروي عنه أنه كان لقمان الحكيم عبداً حبشياً غليظ الشفتين مصمفح القدمين قاضياً على بني إسرائيل.
وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسوداً من سودان مصر.
وقال ابن عباس: كان عبداً حبشياً.
وروي أنه كان في وقت داود.
وعن عكرمة أنه قال: كان نبياً.
стр. 5645
قال مجاهد: الحكمة التي أوتي لقمان: الفقه والعقل، والإصابة في القول في غير نبوة.
وقال قتادة: الحكمة التي أوتي: الفقه في الإسلام.
قال قتادة: لم يكن نبياً ولم يوح إليه.
وعن مجاهد: أن الحكمة التي أوتي: القرآن.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: قال لقمان لابنه: إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنك قد استدبرت الدني منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن داراً تصير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها، يا بني ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس.
وروى أشهب عن مالك: أن لقمان كان يقول لابنه: اتق الله جهد نفسك.
стр. 5646
قال: وكان يقول له: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشيهم، (اتق لا ينزل) عليهم عذاب من السماء فيصيبك معهم، يا بني جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم.
وروي عنه: أنه كان عبدً حبشياً نجاراً. وقيل: كان خياطاً.
وقيل: كان راعياً، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخر اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه في ذلك منكراً عليه وممتحناً له: [أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فأخرجتهما وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخجرتهما]، فقال لقمان: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.
وروي أنه أتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال: ألست الذي كنت
стр. 5647
ترعى معي الغنم في موضع كذا؟ قال: نعم.
[قال]: فما بلغ بك ما أمرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني.
قال وهب بن منبه: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب.
وقوله: ﴿أَنِ اشكر للَّهِ﴾ أن بمعنى أي: لا موضع لها.
وأجاز سيبويه أن كون في موضع نصب على معنى بأن أشكر، كما تقول كتبت إليه أن قم، أي: بأن قم.
والمعنى: أن أحمد الله على ما آتاك من الحكمة، فقوله: " أَنْ أشْكُرْ " بيان عن الحكمة لأن من الحكمة التي أوتيها شكر الله على ما أتاه.
ثم قال: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: من شكر نعم الله عليه فإنما يشكر
стр. 5648
لنفسه لأنه يتزيد لنفسه من/ النعم بالشكر، ويؤدي ما على نفسه من الشكر، ويكتب له الأجر والذخر، بالشكر فلنفسه يعمل وأياها ينفع.
ثم قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ﴾ أي: ومن كفر نعمة الله فلنفسه أساء، إذ الله تعالى معاقبه على ذلك، وهو غني عن شكره، ولا يزيده شكر العبد في سلطانه ولا ينقص تركه منه.
﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود على كل حال.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يابني لاَ تُشْرِكْ بالله﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك، أي: لا تعبد معه غيره.
﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: الخطأ كبير.
وروي أن اسم ابنه ثاران.
ثم قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: يبرهما.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ﴾ أي: ضعفاً على ضعف وشدة على شدة، ومنه: " وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي ".
قال ابن عباس: شدة بعد شدة وخلقاً بعد خلق.
وقال الضحاك: ضعفاً على ضعف.
стр. 5649
وقال قتادة: جهداً على جهد.
فهذا كله يعني به الحمل، يعني: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس.
وعن ابن عباس أنه قال: مشقة وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها.
والوهو في اللغة الضعف: يقال: وَهَنَ يَهِنُ وَوَهُنَ يُوْهَنُ، وَوَهِنَ يَهِنُ مثل وَرِمَ يَرِمُ.
ثم قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: وفطامه من الرضاع في انقضاء عامين مثل وسئل القرية.
﴿أَنِ اشكر لِي﴾ أن بمعنى أي: أو في موضع نصب على ما تقدم.
وكونها بمعى (أي) أحسن.
والمعنى: وعهدنا إليه أن أشكر نعتمي عليك، وأشكر لوالديك تربيتهما لك، ومحنتهما فيك.
стр. 5650
﴿إِلَيَّ المصير﴾ أي: مصيرك فسائلك عن شكرك لي ولهما وعن غير ذلك. وروي أن هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه، وذلك أن أمه حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى يتحول عن دينه، فأبى عليها، فلم تزل كذلك حتى غشي عليها فلما أفاقت دعت عليه، فنزلت الآية.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي﴾ إلى قوله: ﴿وإلى الله عَاقِبَةُ الأمور﴾.
أي: وأن جاهداك أيها الإنسان والداك على أن تشرك بي في العبادة ما لا تعلم أنه لي شريك، فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك.
﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً﴾ أي: بالطاعة لهما فيما لا إثم عليك فيه.
﴿واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أي: واسلك طريق من تاب ورجع عن شركه إلى الإسلام.
قال قتادة: " مَنَ أَنَابَ إِلَيّ " أقبل إلي.
قال الليث: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص، كان بَرّاً بأمه، فلما أسلم كلمها بعض قومها أن تكلمه أن يرجع إلى دينه، فقالت: أنا أكفيكموه، فكلمته في
стр. 5651
ذلك، فقال: أما في هذا فلا أطعيك ولكن أطعيك فيما سوى ذلك.
قال الليث: فصارت له ولغيره وأن لا يطاع أحد في شرك ولا في معصية لله.
وروي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عن هـ فهو الذي أناب إلى الله، وأمر الله أن يتبع سبيله، وذلك أن أبا بكر حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأتاه قبل ذلك عثمان وطلحة والزبير رضي الله عن هم، فسألوه هل أسلم؟ فقال: نعم، فنزلت ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اليل سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الآخرة﴾ الآية إلى قوله:
стр. 5652
﴿أُوْلُواْ الألباب﴾ [الزمر: ١٠]. فلما سمعوا ما نزل الله في أبي بكر أتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا فنزلت فيهم: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا وأنابوا إِلَى الله لَهُمُ البشرى﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ الألباب﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصيركم بعد مماتكم.
﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فأخبركم بجميع ما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشر، ثم أجازيكم عليه.
وهذه القصة كلها معترضة فيما بين كلام لقمان لابنه، وإنما جاز الاعتراض هنا لأنها أيضاً مما كان وصى به لقمان ولده، فجعلها الله جل ذكره خبراً من عنده لنا لنتبعها ونعمل بها، مما دعل على ذلك قوله تعالى عن لقمان أنه قال لولده: ﴿يابني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ أي: إن القصة التي سألتني عنها/ أو المسألة.
روي أنه كان يسأل والده عن ذكل، فجرى الإضمار عن سؤال ولده له.
وقيل: التقدير: إن الخطيئة أو المعصية إن تكن مثقال حبة. هذا على قراءة من نصب " مثقال حبة " فأما من رفع. فلا إضمار في " كان " عنده، ورفع إلقاء ثبت في
стр. 5653
" تك " حملاً على المعنى لأن المقصود الحبة، فكأنه قال: إنها إن تك حبة. يقال: عندي حبة فضة ومثقال حبة فضة بمعنى واحد، وقد قالوا: اجتمعت أهل اليمامة.
فالمعنى على الرفع: إن الخطيئة إن تك حبة، أي إن وقعت حبة من خرذل. ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً -، والتقدير: إن تك حبة خرذل في موضع يأت بها الله.
والتقدير في هذا كله: زنة حبة من خير أو شر.
ثم قال: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات أَوْ فِي الأرض﴾.
روي أن ابن لقمان سأل لقمان فقال: أرأيت الحبة تكون في مثل البحر أمن يعلمها الله فأعمله أن يعلمها في أخفى الموضع لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في السماء.
وهذا مثل لأعمال العباد، أن الله يأتي بأعمالهم يوم القيامة.
روي أن لقمان لما وعظ ابنه هذه الموعظة أتى بحبة خرذل فألقاها في اليرموك -
стр. 5654
في عرضه -، ثم مكث ما شاء الله ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته. من رواية ابن وهب وروي عن ابن عباس [أنه] وزن رطل لحم وجعله للذَّرِّ حتى اسود من كثرة الذر عليه، ثم أخذه بما عليه من الذر ووزنه فلم يزد شيئاً، فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره أراد أن يرغبكم وأن يحضكم على ثواب الآخرة، وأما الذر والخرذل. فلا مثاقيل لها، ولكن في عظمة الله وقدرته وعلمه ما يعلم به مثاقيل الذر والخرذل.
ويروي أن عائشة رضي الله عن ها: " تصَّدقَتْ بحبة عنب فقالت لها مولاتها بُرَيْرَةُ يا أُمَّ المؤمنين: أي شيء حبة عنب؟ فقالت لها عائشة: كم ترين فيها من مثقال ذرة ".
ويقل: إن الصخرة هنا هي الصخرة الخضراء التي على ظهر الحوت وهو النون الذي ذكره الله في قوله: نون والقلم والحوت في السماء والسماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي
стр. 5655
ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض.
وقال قتادة: " فتكن في صخرة " أي: في جبل من الجبال.
وقيل: معنى ﴿يَأْتِ بِهَا الله﴾ بعلمها الله.
﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ﴾ أي: باستخراجها.
﴿خَبِيرٌ﴾ أي: يمكن ومستقرها لا يخفى عليه شيء.
ثم قال تعالى: ﴿يابني أَقِمِ الصلاة﴾ أي: بحدودها في أوقاتها.
﴿وَأْمُرْ بالمعروف﴾ أي: آمر الناس بطاعة الله.
﴿وانه عَنِ المنكر﴾ أي: إنه الناس عن معصية الله.
﴿واصبر على مَآ أَصَابَكَ﴾ أي: من أذى الناس ومحن الدني في ذات الله إذا أنت أمرتهم بالطاعة ونهيتهم عن المصعية.
﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ أي: إن الصبر على ذلك مما أمر الله له من الأمور عزماً.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تعرض بوجهك، على من كلمك تكبراً واستخفافاً.
وأصله من الصعر وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها. ورؤوسها، تلتوي منه
стр. 5656
أعناقها فقيل هذا للمتكبر لأنه تكبر لوى عنقه على من تكبر عليه.
قال ابن عباس: معناه لا تتكبر فتحقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك، إذا كلموك وهو معنى قول مجاهد والضحاك.
وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يكون بينه وبين أخيه إحْنَةٌ فيراه فيعرض عنه فنهاه عن ذلك.
وقال النخعي: هو التشدق.
ثم قال: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً﴾.
قال الضحاك: لا تمش بالخيلاء.
стр. 5657
وقال قتادة: نهاه عن التكبر.
﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: كل متكبر مفتخر بما أعطى وهو لا يشكر الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿واقصد فِي مَشْيِكَ﴾ أي: تواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر ولا تستعجل ولكن اتئد.
قال مجاهد: واقصد في مشيك التواضع.
وقال قتادة: نهاه عن الخيلاء.
وقال يزيد بن أبي حبيب: نهاه عن السرعة.
ثم قال: ﴿واغضض مِن صَوْتِكَ﴾ أي: اخفض منه واجعله قصداً إذا/ تكلمت.
وقيل: معناه إذا ناجيت ربك لا تصح، وبالخفاء دعا زكرياء ربه.
قال قتادة: أمره بالاقتصاد في صوته.
ثم قال: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأصوات لَصَوْتُ الحمير﴾.
стр. 5658
قال مجاهد والضحاك والأعمش وقتادة: معناه إن أقبح الأصوات.
قال قتادة: أوله زفير وآخره شهيق.
قال عكرمة: معناه إن شر الأصوات.
وقال الحسن: معنها إن أشد لاأصوات.
قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله للحمير.
ووحج الصوت لأنه مصدر.
وفي الحديث: " ما صاح حِمَارٌ ولا نَبَحَ كَلْبٌ إلا أن يرَى شَيْطَاناً ".
стр. 5659
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يعني: شمسها وقمرها ونجومها وجبالها وعيونها وبحرها وجميع منفعها التي هي صلاح للعباد في أنفسهم وفي معاشهم وتصرفهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾.
[من جمع النعم ظهرة وباطنة حالا]. ومن وحد جعلها نعتاً.
وقال ابن عباس في توحيد النعمة: هي الإسلام.
وقال مجاهد: هي لا إله إلا الله.
وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس.
فيكون المعنى: ظاهرة على الألسن وعلى الأبدان والجوارح عملاً، وباطنة في القلوب اعتقاداً ومعرفة.
وروى الضحاك، عن ابن عباس أنه سأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: " الظاهرة
стр. 5660
الإسلام وما أحسن من خَلْقِكَ، والباطِنَةُ ما سَتَرَ عليك من سيئ عَمَلِكَ ".
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يُجَادِلُ فِي الله﴾.
أي: يخاصم في تويحد الله وإخلاصه العبادة له بغير علم عنده لما يخاصم به ﴿وَلاَ هُدًى﴾ أي: ولا إيمان يبين به صحة ما يقول ﴿وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ أي: ولا تنزيل من الله عنده بما يدعي يبين به صحة دعواه.
قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله﴾ أي: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في الله بـ غير علم: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من القرآن.
﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا﴾ من عبادة الأوثان.
قال الله جل ذكره: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير﴾. هذا على التوبيخ له: أي: أَوَلَوْ كان الأمر هكذا أكان يجب لهم أن يتبعوه.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من يتذلل إلى الله بالعبادة وهو مطيع لما أمره الله به فقد استمسك بالأمر الأوثق الذي لا يخاف معه، أي: يمسك من رضى الله تعالى بما لا يخاف معه غداً عذاباً.
قال ابن عباس: العروة الوثقى: لا إله إلا الله.
﴿وإلى الله عَاقِبَةُ الأمور﴾ أي: إليه ترجع أمور الخلق فيجازيهم بأعمالهم.
стр. 5661
قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ إلى آخر السورة.
أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره بسور عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله " ﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨] ".
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي: يعلم ما تكنه صدورهم من الكفر بالله.
ثم تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي: يمهلهم في الدنيا إمهالاً قليلاً ووقتاً قليلاً.
﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إلى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: يلجئهم إلى الدخول في عذاب النار - نعوذ بالله منها -.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ أي: إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا بأنه الله، فقل يا محمد عند إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك وتفرج به لأنهم لم يخلقوا شيئاً.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون من يجب له الحم والشكر.
ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ أي يملكها.
﴿إِنَّ الله هُوَ الغني﴾: أي: عن خلقه. ﴿الحميد﴾ أي المحمود على نعمه.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾. أي: ولو أن شجرة الأرض كلها بريت أقلاماً، والبحر لها مداد، ويمدها سبعة أبحر مداداً - أي الأقلام - ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله﴾.
стр. 5662
وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت وفرغ المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع " البحر " فعلى الابتداء، أو على موضع أن.
" وما " عملت فيه، أو على موضع " ما "، إذ لم يظهر فيه الإعراب.
قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد/ فنزلت هذه الآية. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في سبب مجادلة كانت من اليهود له.
قال ابن عباس: " قالت أحبار يهود للنبي ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأَيْتَ قَوْلُكَ " وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمُكَ؟ فقالَ النبي ﷺ : " كَلاَّ "، قالوا: ألسْتَ تَتْلُو فِيما جَاءَك أنَّا قَد أوتينَا التَّوراة فيها بيان كل شيء؟ فقال النبي ﷺ :
стр. 5663
" فإنَّها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما تكفيكم " فأنزل الله في ذلك: " ولو أنما في الأرض من شجرة " إلى تمام الثلاث الآيات.
وهذا معنى قول عكرمة.
ويروى أن النبي ﷺ ق قال لهم: " وَقَدْ أَتَاكُم اللهُ ما أن عَمِلْتُم بِهِ انْتَفَعْتُم وهو في عِلْمِ الله قَلِيلٌ ".
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة في انتقامه ممن أشرك به وادعى معه إلهاً غيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه.
ثم قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: ما خلقكم إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون قليلاً كان أو كثيراً. هذا معنى قول مجاهد.
ثم قال: ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ﴾ أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بأعمال الخلق كلهم.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل﴾. أي يزيد من كل واحد في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في الآخر.
стр. 5664
ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشمس والقمر﴾ أي: سخرهما لمصالح العباد. ﴿كُلٌّ يجري إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: يجري بإذن الله إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس والقمر.
﴿وَأَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. والمراد بها الخطاب المشركون.
ثم قال عالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الحق﴾. أي: هو الخالق الحق لا ما تعبدون. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطل﴾ أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي يضمحل ويفنى.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الله هُوَ العلي﴾ أي: ذو العلو على كل شيء، وكل من دونه متذلل منقاد له، ﴿الكبير﴾ أي: الذي كل شيء يتصاغر له.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله﴾ أي: السفن تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ أي: من حججه وقدرته فتتعظوا.
وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات وحججاً على قدرة الله وضعف ما تدعون من دونه.
﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على نعمة. قال مطرف: إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور.
стр. 5665
وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله.
وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل﴾. أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يشركون بالله غيرهم في حال ركوبهم لابحر موج كالظلم، شبه سواد كثرة الماء وتراكب بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة.
وقال الفراء: الظل هنا: السحاب.
﴿دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ أي: إذا غشيهم الموج فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك شيئاً، ولا يستغيثون بغيره.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر﴾ أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق فصاروا في البر.
﴿فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر بعد ذلك، وقال أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ذلك قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور على الكفر المحذوف.
стр. 5666
وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك/.
والختر عند العرب أشد.
ثم قال ﴿يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ﴾. أي: اتقوه في قبول طاعته والعمل بمرضاته، ﴿واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ يعني: وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا بالإيمان والأعمال الصالحة.
﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم حق.
﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا﴾ أي: لا يخدعنّكم نُزهَتُها ولذاتها فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عذاب الله تعالى ونعيمكم أبداً.
﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور﴾. أي: ولا يخدعكم بالله خادع، فالغرور هو كل ما غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدراً.
وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير.
стр. 5667
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾. أي: يعلم متى تكون، فاتقوا أن تأتيكم بغتة.
﴿وَيُنَزِّلُ الغيث﴾: أي: لا يعلم متى ينزله.
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام﴾ أي: لا يُعْلَمُ ذلك غيره.
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي: ما تعمل من خير وشر.
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله.
﴿إِنَّ الله عَلَيمٌ﴾ أي: ذو علم بكل الأشياء، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما هو كائن وما كان. وقال النبي ﷺ " مفاتح الغَيب خَمْسة. ثم قرأ هذه الآية. . ".
стр. 5668
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة السجدة
سورة السجدة مكية إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة في رجلين من قريش. وهن
قوله: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا) إلى آخر الثلاث الآيات.
قوله تعالى ذكره: ﴿الم * تَنزِيلُ الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾.
من رواية أبن وهب: أن النبي ﷺ قال: " مَنْ قَرَأَ آلم تَنْزِيلُ السِّجْدَةِ، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَأ وَافَقَ لَيْلَةَ القَدْرِ ".
стр. 5669
وعنه أنه قال: " آلم تنْزِيلُ السَِّجْدَةِ وَتَبَارَكَ يَفْصُلاَنِ عَلَى السُّوَرِ بِسِتِّينَ حَسَنَة ".
وقال جابر بن عبد الله: " مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ " قد تقدم ذكر ﴿الم﴾.
وقوله: ﴿تَنزِيلُ﴾ رُفِعَ بالابتداء، و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ الخبر. ويجوز أن يكون خبر الابتداء محذوف، أي: ها المتلوا تنزيل الكتاب. ويجوز أن يكون [التقدير]: هذه الحروف تنزيل الكتاب، ﴿الم﴾ بدل من الحروف دالة عليها فهي موضع الابتداء، و ﴿تَنزِيلُ﴾ الخبر. ويجوز: " تنزيل " بالنصب على المصدر. والمعنى: تنزيل الكتاب المنزل على محمد لا شك فيه أنه من رب العالمين، وليس بسحر ولا سجع ولا كهانة ولا كذب. وهذا تكذيب لمن قال ذلك في القرآن من المشركين.
стр. 5670
ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾.
قال أبو عبيدة: معناه: بل يقولون. وهو خروج من حديث إلى حديث.
وقال الزجاج: التقدير: أيقولون. والتقدير عند الطبري: أيقولون، يعني المشركين أيقولون اختلق محمد ﷺ هذا القرآن من قبل نفسه، وأم عنده تقرير كالألف.
ثم أكذبهم الله في قولهم فقال: ﴿بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الصدق من عند ربك أنزله عليك، لتنذر قوماً بأس الله أن يحل بهم على كفرهم لم يأتهم نذير من قبلك.
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يهتدون إلى طريق النجاة من عذاب الله. أجاز بعض النحويين الوقف على ﴿رَّبِّكَ﴾، على أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف، والتقدير: وأنزله عليك لتندر. وأجاز أبو حاتم الوقف على ﴿افتراه﴾.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية.
أي: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم/ السابع، قاله
стр. 5671
قتادة.
ثم قال [تعالى]: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾.
[أي]: يلي أمركم [فينصركم] منه إذا أراد بكم ضراً، ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ أي: يشفع لكم إن عاقبكم على كفركم، فاتخذوه أيها الناس ولياً واستعينوا بطاعته على أموركم.
﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتذكرون هذه الموعظة فتعلموا أنه لا معبود لكم غيره/ فتفردوا له العبادة وتخلصوا له العمل.
(في) ستة أيام تمام عند نافع، وعلى العرض أتم منه.
ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السمآء إِلَى الأرض﴾.
أي: هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض.
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
قال مجاهد: يعني نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في
стр. 5672
يوم واحد، وذلك اليوم مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مائة عام.
وهو معنى قول قتادة والضحاك وعكرمة، وقاله ابن عباس. وهو اختيار الطبري.
وقال ابن عباس: إن المعنى أن هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما كألف سنة من سني الدنيا.
وعن ابن عباس: أن المعنى ثم تعرج إليه الملائكة بالأمر في يوم مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدنيا.
وعن مجاهد: أن المعنى: كان مقدار ذلك التبدير ألف سنة من أيام الدنيا.
وقيل: التقدير: كان مقدار ذلك العروج ألف سنة من أيام الدنيا.
وقيل: المنى: يدبر الله أمر الدنيا وما حدث فيها مما يجازي عليه الناس وغيرهم
стр. 5673
من أهل السماء إلى أن تقوم الساعة ويبعث الناس إلى الحساب، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة.
وقيل: معناه يدبر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض لأنها على أهل الأرض تطلع، وفوق الأرض تطلع إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع في يوم [كان] مقداره في المسافة ألف سنة.
والهاء في يَعْرُجُ إليه: قيل تعود على السماء لأنها تذكر.
وقيل: تعود على الله جل ذكره. فأما قوله في " المعارج ".
﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].
فمعناه على قول ابن عباس: أنه يوم القيامة يراد [به] قال: جعله الله على الكفار مقدار خسمين ألف سنة/.
وقال وهب بن منبه: [ما] بين أسفل الأرض إلى العرش مقدار خمسين ألف
стр. 5674
سنة من أيام الدنيا.
وقيل عنه: الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم [كم] مضى منها ولا كم بقي.
وقيل: يوم القيامة أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة.
واليوم في اللغة بمعنى الوقت.
فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه [في وقت مقدار ألف سنة و] في وقت آخر مقدار خمسون ألف سنة.
" إلى لأرض " تمام عند الأخفش.
ثم قال تعالى: ﴿ذلك عَالِمُ الغيب والشهادة﴾. أي: الذي تقدمت صفته في قدرته
стр. 5675
وسلطانه هو علم الظاهر والباطن والسر والجهر، وهو الله (الذي) لا إله إلا هو. ﴿العزيز﴾ أي: الشديد في انتقامه ممن كفر به، ﴿الرحيم﴾ بمن تاب من كفره.
ثم قال تعالى: ﴿الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. أي: وهو الذي أعطى كل شيء خلقه، الإنسان للإنسان، والفرس للفرس، فقرن كل جنس بشكله.
قاله مجاهد.
" وأحسن " على هذا القول بمعنى أعلم، تقول [العرب] فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. هذا على قراءة من أسكن اللام من " خلقه " فيكون " خلقه " مفعولاً به.
ويجوز عن سيبويه أن ينتصب على المصدر المؤكد. مثل ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وقيل: هو منصوب، على التفسير، كقولك: زيد أوسعكم
следующие страницы →