← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

قتادة. ثم قال [تعالى]: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾. [أي]: يلي أمركم [فينصركم] منه إذا أراد بكم ضراً، ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ أي: يشفع لكم إن عاقبكم على كفركم، فاتخذوه أيها الناس ولياً واستعينوا بطاعته على أموركم. ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتذكرون هذه الموعظة فتعلموا أنه لا معبود لكم غيره/ فتفردوا له العبادة وتخلصوا له العمل. (في) ستة أيام تمام عند نافع، وعلى العرض أتم منه. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السمآء إِلَى الأرض﴾. أي: هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال مجاهد: يعني نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في

стр. 5672

يوم واحد، وذلك اليوم مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مائة عام. وهو معنى قول قتادة والضحاك وعكرمة، وقاله ابن عباس. وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس: إن المعنى أن هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما كألف سنة من سني الدنيا. وعن ابن عباس: أن المعنى ثم تعرج إليه الملائكة بالأمر في يوم مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدنيا. وعن مجاهد: أن المعنى: كان مقدار ذلك التبدير ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: التقدير: كان مقدار ذلك العروج ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: المنى: يدبر الله أمر الدنيا وما حدث فيها مما يجازي عليه الناس وغيرهم

стр. 5673

من أهل السماء إلى أن تقوم الساعة ويبعث الناس إلى الحساب، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة. وقيل: معناه يدبر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض لأنها على أهل الأرض تطلع، وفوق الأرض تطلع إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع في يوم [كان] مقداره في المسافة ألف سنة. والهاء في يَعْرُجُ إليه: قيل تعود على السماء لأنها تذكر. وقيل: تعود على الله جل ذكره. فأما قوله في " المعارج ". ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. فمعناه على قول ابن عباس: أنه يوم القيامة يراد [به] قال: جعله الله على الكفار مقدار خسمين ألف سنة/. وقال وهب بن منبه: [ما] بين أسفل الأرض إلى العرش مقدار خمسين ألف

стр. 5674

سنة من أيام الدنيا. وقيل عنه: الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم [كم] مضى منها ولا كم بقي. وقيل: يوم القيامة أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة. واليوم في اللغة بمعنى الوقت. فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه [في وقت مقدار ألف سنة و] في وقت آخر مقدار خمسون ألف سنة. " إلى لأرض " تمام عند الأخفش. ثم قال تعالى: ﴿ذلك عَالِمُ الغيب والشهادة﴾. أي: الذي تقدمت صفته في قدرته

стр. 5675

وسلطانه هو علم الظاهر والباطن والسر والجهر، وهو الله (الذي) لا إله إلا هو. ﴿العزيز﴾ أي: الشديد في انتقامه ممن كفر به، ﴿الرحيم﴾ بمن تاب من كفره. ثم قال تعالى: ﴿الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. أي: وهو الذي أعطى كل شيء خلقه، الإنسان للإنسان، والفرس للفرس، فقرن كل جنس بشكله. قاله مجاهد. " وأحسن " على هذا القول بمعنى أعلم، تقول [العرب] فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. هذا على قراءة من أسكن اللام من " خلقه " فيكون " خلقه " مفعولاً به. ويجوز عن سيبويه أن ينتصب على المصدر المؤكد. مثل ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وقيل: هو منصوب، على التفسير، كقولك: زيد أوسعكم

стр. 5676

داراً، والتقدير: أحسن كل شيء خلقاً. وقيل: أحسن على هذه القراءة بمعنى أعلم وألهم. فيكون خلقه مفعولاً به. وهو القول الذي ذكرنا عن مجاهد أولاً. ومن فتح اللام جعله فعلاً ماضياً. والمعنى الذي أتقن كل شيء خلقه وأحكمه. والهاء في موضع نصب، والفعل في موضع خفض على النعت لشيء. فالمعنى على قول ابن عباس: الذي أحكم كل شيء خلقه. أي: جاء به على ما أراد لم يتغير عن إرادته. وروي عنه أنه كان يقرأ بفتح اللام، ويقول: أما إن أَسْتَ القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها.

стр. 5677

وعن مجاهد في الفتح: أحسن بكل شيء خلقه. وعن ابن عباس: في معنى الإسكان أحسن كل شيء في خلقه، أي: حعل كل شيء في خلقه حسناً. وأجاز الزجاج " خَلقُه " بالرفع على معنى: ذلك، خلقه، ولم يقرأ به أحد. ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ﴾ يعني: آدم ﷺ . ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ أي: جعل ذريته من سلالة، والسلالة ما ينسل من الشيء. فالمعنى جعل/ ذريته من الماء الذي ينسل منه/ ومعنى ﴿مَّهِينٍ﴾ حقير ضعيف. ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني آدم، أي سوَّى خلقه معتدلاً سوياً. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ أي: من روحه الذي يحيى به [الموتى] فصار حياً ناطقاً. ثم قال [تعالى]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ أي أنعم عليكم بسمعكم وأبصاركم وقلوبكم تنتفعون بمها وتسمعون وتبصرون وتفهمون ووحد السمع لأنه مصدر.

стр. 5678

ثم قال [تعالى]: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: أنعم عليكم بهذه النعم، وشكركم قليل عليها. ثم قال [تعالى]: ﴿وقالوا أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض﴾ أي: وقال المشركون: أئذا صارت لحومنا وعظامنا تراباً في الأرض أَنُبْعَثُ؟ إنكاراً للبعث. وقال مجاهدك: " ضللنا ": هلكنا، لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى تلف وخفي فقد هلك. وقرأ أبو رجاء وطلحة: " ضِللْنا " بكسر اللام، وهي لغة شاذة. وقرأ الحسن: " صَلَلْنَا " بالصادر غير معجمة وفتح اللام.

стр. 5679

وروي عنه بكسر اللام. والمعنى أنتنا، وكسر اللام شاذ، يقال صلَّ اللحم وأصَلَّ إذا أَنْتَنَ وَتَغَيَّر، وكذلك. خَمَّ وَأَخَمَّ. ثم قال الله تعالى: ﴿هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون للبعث بعد الموت والرجوع إلى الله (جلّ وعزَّ). قوله تعالى ذكره: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت﴾ إلى قوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين للبعث: يتوفاكم ملك الموت. أي: يستوفي عددكم بقبض أرواحكم، ثم إلى ربكم بعض قبض أرواحكم تردون يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم. قال قتادة: ملك الموت يتوفاكم ومعه أعوان من الملائكة. ودليله قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]. وملك الموت اسمه: عزرائيل، وهو بالعربية عبد الجبار ﷺ ، وعلى جميع الملائكة والنبيين والمرسلين.

стр. 5680

قال مجاهد: جوبت لملك الموت الأرض، فجعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. أي: لو رأيت يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث ناكسوا رؤوسهم عند ربهم حياء منه للذي سلف من كفرهم وإنكارهم للبعث يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾. أي: أبصرنا ما كنا نكذب به من عذابك، ومعادنا إليك، وسمعنا منك، وتصديق ما كانت الرسل تأتنا به وتأمرنا به. ﴿فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: أرددنا إلى الدنيا نعمل فيها/ بطاعتك. ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي: قد أيقنا الآن منا كنا به في الدنيا جهالاً من توحيدك وإفرادك بالعبادة. وقيل: المخاطبة هنا للمجرمين. والمعنى: قل يا محمد للمجرم: لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم لندمت على ما كان منك. وجواب لو محذوف، والتقدير: لرأيت ما تعتبر به اعتباراً شديداً. ومعنى: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا﴾ أي: يقولون يا ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي: رشدها وتوفيقها إلى الإيمان،

стр. 5681

وهذا مثل قوله: ﴿لَهَدَى الناس جَمِيعاً﴾ [الرعد: ٣١]. و ﴿لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]. ﴿ولكن حَقَّ القول مِنِّي﴾ أي: وجب العذاب مني. ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس﴾ يعني: من أهل الكفر والمعاصي. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال: سألني رجل أمس عن القدر؟ فقلت له: نعم قال الله في كتابه ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى (قوله): ﴿أَجْمَعِينَ﴾ حقت كلمة ربك لأملأن جهنم منهم، فلا بد أن يكون ما قال: قال قتادة: لو شاء الله لهدى الناس جميعاً، لو شاء لأنزل عليهم آية من السماء تضطرهم إلى الإيمان. فالمعنى: لو شئنا لأعطينا كل إنسان توفيقاً يهتدي إلى الإيمان في الدنيا.

стр. 5682

وقيل المعنى: لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا كما سألوا فيعملوا بالطاعة. ولكن حقَّ القول مني لأعذبنَّ من عصاني، وقد علم الله أنهم لو ردوا لعادوا إلى كفرهم كما قال في " الأنعام ". ثم قال تعالى (ذكره): ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هاذآ﴾ أي ذوقوا عذاب الله بترككم العمل للقاء يومكم. ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ إي: تركناكم في النار. وقيل: إن الأول من النيسان لأنهم لما لم يعملوا/ ليوم القيامة كانوا بنزلة الناسي له. ثم قال [تعالى]: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الخلد بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: ويقال لهم: ذوقوا عذاباً تخلدون فيه إلى مَا لاَ نِهَايَة له بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي. ثم قال [تعالى ذكره]: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الذين إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي: إذا ذكروا ووعظوا خروا لله سجداً تذللاً واستكانة لعظمته وإقراراً له بالعبودية.

стр. 5683

﴿وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: سبحوا لله في سجودهم بحمده وَبَرَؤَّه مما وصفه به الكافرون. ﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أي: عن السجود له والتسبيح. وروي أن هذه الآية/ نزلت على النبي ﷺ لأن قوماً من المنافقين كانوا يخرجون من المسجد إذا أقيمت الصلاة. ثم قال تعالى: ﴿تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع﴾ أي: ترتفع وتنبوا جنوب هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من المؤمنين عن مضاجعهم. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته. قاله قتادة. و ﴿تتجافى﴾: تتفاعل من الجفاء [وهو] النَّبْؤ. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي: يزكون ما يجب عليهم في أموالهم. قال أنس في قوله: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وكذلك ﴿تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع﴾.

стр. 5684

وقال عطاء بن أبي سلمة: عني بذلك صلاة العتمة. وقال الحسن: عني بذلك قيام الليل. وقاله الأوزاعي. وهو قول مالك بن أنس. وعن أنس: أنه عني بذلك أيضاً صلاة العتمة. وقال ابن عباس: عني بذلك ملازمة ذكر الله، فكلما انتبهوا ذكروا الله، إما في صلاة، وإما في قيام، وإما في قعود، أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله. وهو قول الضحاك.

стр. 5685

وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: " ألاَ أدُلُّكَ عَلَى أبْوَابَ الْخيرِ؟ [قال]: الصَّوْمُ جنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِئَةَ، وَقِيَّامُ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وتَلاَ هذِهِ الآية: ﴿تتجافى جُنُوبُهُمْ﴾ ". ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. أي: ما خبئ لهؤلاء الذين تصدمت صفتهم في الآيتين مما تَقِرُّ به أعينهم في الجنة جزاء بأعمالهم. وقرأ ابن مسعود: " ما نُخْفِيَ لَهُمْ " بالنون. فهذا شاهد لقراءة حمزة بإسكان الياء، فالقراءتان جرتا على الإخبار عن الله جلَّ ذكره، و " ما " في موضع نصب

стр. 5686

ب " تعلم " إن جعلتها بمعنى الذي في جميع القراءات وإن جعلتها استفهاماً كانت في موضع رفع على قراءة الجماعة، وفي موضع نصب على قراءة حمزة وابن مسعود بأخفي. وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه [وسلّم] " قرأ " (مِنْ قرَّاتِ أعيْنٍ) بالجمع ". وروى أيضاً عن النبي ﵇ أنه قال: " قَالَ رَبُّكُمْ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ. بَشَرٍ، فاقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أخْفِيَ (لَهُمْ) الآية ".

стр. 5687

وقال ابن مسعود: " مَكْتُوبٌ فِي التَّوْراةِ: لَقَدْ أعدَّ اللهُ ﵎ لِلذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمُ عَنِ المَضَاجِع مَا لَمْ تَرَ/ عَيْنٌ، وَلَمْ يَخْطُر عَلَى قَلْبِ بَشرٍ، وَلَمْ تَسْمعْ أٌُذُنُ وَمَا لاَ يُعْلَمُه ملَكٌ مُقَرَّبٌ. قَالَ: وَنَحْنُ نَقْرَؤهَا: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وروى الشعبي عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قال: " سَأَلَ موسَى ربَّه فَقَال: أيّ ربِّ أخبِرْنِي بِأدْنَى أهل الجنة مَنْزِلةً فَقَالَ: رَجُلٌ أَتى بَعدمَا أُنْزِلَ، أهل الجَنَّةِ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهِم، فَقِيلَ له: ادخل الجنة، فقال: أيْ رَبّ، وقد نَزَل النَّاسُ مَنَازِلَهُم وَأخَذُوا أخَذَاتِهُم، فقيل له: أترضى مثل مُلْكِ مَلِكٍ من مُلُوكِ الدنيا؟ قال: رَضِيتُ أي ربِّ، فَقَالَ: فَإِنَّ لَكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَمِثْلُه [معه]، وِمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ إنْ رَضيتَ، فقال: رَضيتُ أيْ ربِّ، قال: فإن لَكَ ما اشتهت نفسك وَلَذَّت عينك، قاغل: أي رب، فأخْبِرنِي بأعْلَى أهل الجنة مَنزِلَةً، فقال: أولئك الذِينَ أَرَدْتُ وَسَوفَ أخْبِرُكَ عَنْهُمْ، إنّي غَرَسْتُ كَرَامَتَهُم بِيَدي وَخَتَمْتُ عليها، وَلَمْ تَدْرِ نفسٌ وَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أذْنٌ وَلَمْ يَخْطُر عَلَى قَلْب بَشَرٍ وَمِصْداقٌ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عز وجل

стр. 5688

﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية ". وقيل: إن معنى الآية في ثواب الجهاد، أي: لا تعلم نفس ما أخفي لها من ثواب الجهاد في سبيل الله، ذكره ابن وهب عن رجاله. قال سليمان بن عامر: الجنة مائة درجة فأولها درجة من فضة، أرضها فضة ومساكنها فضة، وآنيتُها فضة، وترابها مسك، والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب وآنيَّتُها ذهب وترابها مسك، والثالثة لؤلؤ (و) أرضها لؤلؤ ومساكنها لؤلؤ وآنيَّتُها لؤلؤ وترابها مسك، وسبعة وتسعون درجة بعد ذلك ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية. وعن ابن سيرين أنه قال في الآية: إنه النظر إلى الله . قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً﴾ إلى قوله:

стр. 5689

﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾. أي: أيكون الكافر المكذب كالمؤمن المصدق، لا يستوون عند الله. قال قتادة: لا والله ما يستوون في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت. وإنما جمع يستوون لأن " مَنْ " تؤدي عن جمع فحمله على المعنى. وقيل: إن المراد به أثنان بأعيانهما، وذلك أن الآية نزلت في قول ابن عباس وعطاء وغيرها في المدينة في عل ي بن أبي طالب رضي لله عنه، والوليد بن عقبة بن أبي معيط قال عطاء: كان بين الوليد وعلي كلام، فقال/ [الوليد] " أنا أبْسطُ منك لساناً وأحَدُّ منك سِنَاناً، فقال له علي [اسكت] فإنك فاسق، فنزلت ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً﴾ الآية فيهما. فيكون يستوون على هذا قد جمع في موضع التثنية، لأن التثنية جمع في الأصل.

стр. 5690

ويجوز أن تكون لما نزلت في اثنين بأعيانهما، ثم هي عامة في جميع الكفار والمؤمنين حمل الكلام على معنى العموم، فجمع يستوون لذلك. ثم قال تعالى [ذكره] ﴿أَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ جَنَّاتُ المأوى﴾ أي: الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله ورسوله فلهم بساتين المساكن التي يكسنونها في لجنة ويأوون إليها. ويجوز أن يكون التقدير: فلهم بساتين جنة المأوى. ﴿نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: أنزلهم الله فيها نزلاً بعملهم. ثم قال: ﴿وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ﴾ أي: كفروا بالله. ﴿فَمَأْوَاهُمُ النار﴾ أي: مساكنهم في النار في الآخرة. ثم قال: ﴿كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾. قد تقدم هذا في " الحج ". ثم قال: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: في الدنيا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى﴾ أي: لنذيقن هؤلاء الفسقة من مصائب الدنيا في الأنفس والأموال في الدنيا دون عذاب النار في الآخرة. قاله ابن عباس وأُبي بن كعب والضحاك.

стр. 5691

وقال ابن مسعود: " العذاب الأدنى " يوم بدر. وقال مجاهد: هو الجوع والقتل لقريش في الدنيا. روي أنهم جاعوا حتى أكلوا العِلْهِزَ، وهو القُرَدُ يفقأ دمها في الوبر ويحمل على النار فيؤكل. وعن ابن عباس أيضاً: أنه الحدود. وعن مجاهد أيضاً: أنه عذاب القبر وعذاب الدنيا. وأكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار. وقيل: هو القتل يوم بدر.

стр. 5692

ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ﴾. أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بحجج الله وآي كتابه فأعرض عن ذلك وكذب به. ثم قال: ﴿إِنَّا مِنَ المجرمين مُنتَقِمُونَ﴾ أي: من الذين اكتسبوا السيئات منتقمون في الآخرة. وقيل: عني بالمجرمين [هنا] أهل القدر، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ المجرمين فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] الآيات في أهل القدر أيضاً. [وقال] / معاذ بن جبل: سمعت النبي صلى الله عليه [وسلّم] يقول

стр. 5693

" ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهنَّ فقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِواءً في غير حقٍّ، أوْ عَقَّ وَالِِدَيْه، أو مَشَى مَعَ ظَالِم يَنْصُرُ فَقَدْ أجْرَمَ، يقولُ اللهُ جلَّ ذِكرُهُ ﴿إِنَّا مِنَ المجرمين مُنتَقِمُونَ﴾ ". ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب﴾ أي التوراة. ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: في شك من أنك لقيته أو تلقاه ليلة الإسراء، قاله قتادة. وبذلك أتى الخبر عن النبي ﷺ أنه لقيه ليلة الإسراء، روى ابن عباس: أن النبي ﷺ / قال: " أرِيتُ لَيْلَةَ أسْرِي [بي] موسى بن عِمْرِان رَجلاً آدَمَ

стр. 5694

طوَّالاً جَعْداً، كَأنَّهُ مِنْ رِجَال شَنوءةَ، وَرَأيت عِيسَى رَجُلاً مَربُوعَ الخَلْق، إلى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأسِ، وَرَأيتُ مَالِكاً [خَازِنَ] النَّارِ والدَّجَّال " فالهاء لموسى، وقيل: الهاء عائدة على الكتاب. والتقدير: فلا تكن في شك من تلقي موسى الكتاب بالقبول، وتكون المخاطبة على القول الأول للنبي خاصة، وعلى القول الثاني لجميع الناس.

стр. 5695

وعن الحسن أنه قال في معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكذب فلا تكن في شك يا محمد من أنه سيلقاك مثل ما لقيه موسى من التكذيب والأذى. فالهاء عائدة على معنى محذوف كأنه قال: من لقاء ما لاقى، والمخاطبة على هذا للنبي ﵇ خاصة. ويجوز أن يكون هذا خطاباً للشاك في إتيان الله موسى الكتاب، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والهاء في ﴿لِّقَآئِهِ﴾ تعود على الرجوع إلى الآخرة والبعث، والتقدير: قل يتوفاكم ملك المت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون، ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: من لقاء البعث والرجوع إلى الحياة بعد الموت فهو خطاب للنبي ﵇، والمراد به من ينكر البعث. وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ كلام اعترض بين كلامين. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لبني إِسْرَائِيلَ﴾. أي: الكتاب جعله الله هادياً لهم من الضلالة إلى الهدى. وقال قتادة: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: جعلنا موسى هدى لهم.

стр. 5696

ثم قال (تعالى ذكره) ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. أي: وجعلنا من بني إسرائيل قادة في الخير يؤتم بهم. قال قتادة: ﴿أَئِمَّةً﴾ رؤساء الخير. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: أي يرشدون أتباهم بإذننا هم وتقويتنا إياهم على ذلك. ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ أي: حين صبروا على طاعة الله وعلى أذاء فرعون لهم، فيكون المعنى: إنهم إنما جعلوا أئمة حين وُجِدَ منهم الصبر. ومن قرأ " لِمَا " بكسر اللام فمعناه فعلنا بهم ذلك لصبرهم على طاعة الله. فيكون المعنى: فهل بهم ذلك الجزاء لهم الصبرهم المتقدم في الله. ثم قال (تعالى): ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ أيك بحججنا وكتابنا يصدقون. وفي قراءة أُبي: " كَمَا صَبَروا ". وفي قراءة أبن مسعود: " بِمَا صَبَروا ". فهذا شاهد لمن كسر اللام، وهو حمزة والكسائي.

стр. 5697

ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾. أي: يحكم بين جميع خلقه فيما اختلفوا فيه في الدنيا من أمور الدين، فيوجب للمحسن الجنة وللمسيء النار. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ القرون﴾. قال الفراء: كم في موضع رفع فاعل ليهدي. ولا يجيزه البصريون لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقال المبرد: الفَاعِل المَصَدر مَحْذُوف لأِن يَهْدِي يَدُلُّ عَلَى مَصْدرِهِ، تقديره: أَوَ لَمْ يَهْدِ الهُدَى لَهُم. وقيل التقدير: أولم يهد الله لهم. وهذا إن شاء الله أحسنها. ويقوي ذلك أن أبا عبد الرحمن السلمي وقتادة قرأ: أو لم نهدِ بالنون.

стр. 5698

وكم في موضع نصب " أهلكنا ". ومعنى الآية على قول ابن عباس: " أَوَلَمْ يتبين لهم، أي لقريش كم أهلكنا من قبلهم من القرون فيتعظوا ويزدجروا. وقدر بعض النحويين الآية على قول الفرء فقال: التقدير: أو لم يتبين لهم كثرة من أهلكنا من قبلهم من الأمم فيتعظوا. ثم قال تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: تمشي قريش في مساكن الأمم الخالية، فكيف لا تتعظ وتزدجر وتعلم أن مصيرها إن كفرت إلى ما صارت إليه هذه الأمم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إن في خلاء مساكن من مضى، وأهلاك الله إياهم لعبرا وحججاً لقريش، أفلا يسمعون عظات الله وتذكيره إياهم وتعريفه مواضع حججه عليهم. وقيل: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾، معناه: أفلا يعقلون، مثل " سَمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه ". قوله تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ المآء إِلَى الأرض الجرز﴾ إلى آخر السورة. أَلَم يرَ هؤلاء المكذبون بالبعث [بعد الموت] أنا بقدرتنا نسوق الماء إلى الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها/.

стр. 5699

وأصل الجِّرزِ من قولهم: رجل جَرُوزٌ، إذا كان لا يُبقي شيئاً إلا أكله. وحكى الفراء وغيره فيه أربع لغات: أرض جُرْزٌ، وَجُرْزٌ وَجَرَزٌ وَجَرْزٌ، وكذلك حكوا في البُخل والرُّعب والرُّهب، هذه الأربع على أربع لغات، قال ابن عباس: هي أرض باليمن. يروى أنه ليس فيها أنهار وأنها بعيدة من البحر يأتها كل عام واديان عظيمان بسيل عظيم من حيث لا يعلمون فيزرعون عليه ثلاث مرات في السنة. وقال مجاهد: هي أَبْين. وقال عكرمة: هي الظَّمأى. وقال ابن عباس: الجرز: التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً.

стр. 5700

وقال الضحاك: هي الميتة العطشى. وقال أهل اللغة: هي التي لا نبات فيها. ثم قال [تعالى] ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً﴾ أي: بالماء. ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ اي: ترعاه مواشيهم، ويأكلون منه هم. وقوله: ﴿وَأَنفُسُهُمْ﴾ أي: وهم يأكلون منه. والنفس يراد بها جملة الشيء وحقيقته، منه قوله تعالى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. وتكون النفس الجزء من الإنسان كقولك [خرجت] نفسه. ثم قال: ﴿أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: أفلا يرون ذلك بأعينهم فيعلمون أن من قدر على ذلك هو قادر على إحيائهم بعد موتهم. ثم قال [تعالى]: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: يقول لك يا محمد هؤلاء المشركون: متى يجيئ هذا الحكم بيننا وبينك، أي: متى يكون هذا الثواب والعقاب.

стр. 5701

قال قتادة: قال أصحاب النبي ﷺ : إن لنا يوماً يوشك أن نستريح فيه ونتنعم، فقال المشركون: ﴿متى هذا الفتح إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقال القتبي: يعني فتح مكة. وقال مجاهد وغيره: هو يوم القيامة. وقوله تعالى [ذكره]: ﴿قُلْ يَوْمَ الفتح لاَ يَنفَعُ الذين كفروا إِيَمَانُهُمْ﴾ يدل على أنه يوم القيامة لأنه قد نفع من آمن من الكفار إيمانهم يوم فتح مكة. وروي أن المؤمنين قالوا: سيحكم الله بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن ويعاقب المسيء، فقال الكفار على التهزي: متى هذا الفتح؟، أي: هذا الحكم. يقال للحاكم فاتح وفتاح لأن الأحكام تنفتح على يديه. وفي القرآن: ﴿رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق﴾ [الأعراف: ٨٨] أي احكم. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفتح﴾ أي: قل لهم يا محمد: يوم الفتح لا ينفع من كفر

стр. 5702

بالله وآياته إيمانه في ذلك الوقت، وذلك يوم القيامة. قال ابن زيد " يوم الفتح "، أي: إذا جاء العذاب. وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي: يؤخرون للتوبة/ والرجوع إلى الدنيا. ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن هؤلاء المشركين. وهذا منسوخ نسخة آية السيف قوله جل ذكره ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآية، قاله ابن عباس وغيره. ثم قال: ﴿وانتظر إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ أي: انتظر ما الله صانع بهم. إنهم منتظرون ما تعدهم من العذاب ومجيئ الساعة.

стр. 5703

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الأحزاب سورة الأحزاب مدنية. قوله تعالى ذكره: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾. النبي عند جميع النحويين نعت لأي، إلا الأخفش فإنه جعله صلة لأي. وهو غلط لأن الصلة لا تكون إلا في جملة. وأكثر النحويين على منع جواز النصب في ﴿النبي﴾ لأنه نعت لا بد منه، فهو المقصود بالنداء.

стр. 5704

وأجاز بعضهم النصب على الموضع، وهذا في الكلام لا في القرآن. والمعنى: يا أيها النبي اثبت على تقوى الله، لأنه كان متقياً. وقيل: هو مخاطبة للنبي والمراد به أمته. ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾. إن جعلته خطاباً للنبي ﷺ خاصة فمعنه: لا تطعهم في قولهم لك: اصرف عنا أتباعك من فقراء المؤمنين حتى نجالسك، ولا تطع المنافقين الذين يظهرون لك الإيمان والنصيحة وهم لا يسألونك وأصحابك خبالاً فلا تقبل لهم رأياً. ومن جعله خطاباً للنبي ﷺ والمراد به أمته فمعناه: لا تطيعوهم فيما نهيتم عنه فتفعلوه/ ولا فيما أمرتم به فتتركوه. ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً﴾ أي: بخلقه وما في نفوسهم واعتقادههم. ﴿حَكِيماً﴾ في تدبيره إياهم. ثم قال: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أي: اعمل بما ينزل إليك من وحي الله. ﴿إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي: ذو خبر وعلم باعمالكم في هذا القرآن وفي غيره،

стр. 5705

ومن قرأه بالياء رده على المنافقين والكافرين، أي بما يعمل هؤلاء خبيراً. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَتَوَكَّلْ على الله﴾ أي: فوض أمرك إلى الله. ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ أي: وحسبك بالله في أمرك حفيظاً. ثم قال تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه﴾. هذا تكذيب لقوم من المنافقين زعموا أن النبي ﷺ ذو قلبين. قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه نزلت في رجل من قريش يسمى من حدة ذهنه ذا القلبين فنفى الله ذلك عنه. وقال مجاهد: قال رجل من بني فهر. إن في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فكذبه الله. وقال الحسن: كان رجل يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه ما

стр. 5706

تسمعون. وقال قتادة وعكرمة: كان ارجل يمسى ذا القلبين، فأنزل الله فيه هذه الآية. وعن قتادة أنه قال: كان رجل لا يسمع شيئاً إلا وعاه، فقال الناس: ما يعي هذا إلا أن له قلبين، فكان يسمى ذا القلبين فأنزل الله ذلك ونفاه. وقال الزهري: نزلت في زيد بن حارثة. ضرب الله له مثلاً يقول: ليس ابن رجل هو ابنك يا محمد. وقيل: المعنى: ما جعل الله لرجل قلباً يحب به، وقلباً يبغض به، وقلباً يكفر به، وقلبً يؤمن به. ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. أي: ولم نجعل أزواجكم بقولكم: هي على كظهر أمي أمهاتكم، بل جعل ذلك قولكم كذباً، فألزمكم الكفارة عليه عقوبة على كذبكم.

стр. 5707

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾. أي: ولم يجعل ابن غيرك هو ابنك بدعواك ذلك وقولك. ونزل هذا على النبي ﷺ لأجل تبنيه لزيد بن حارثة، قاله مجاهد وغيره. ثم قال: ﴿ذلكم قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ أي: دعواكم يا بُنَيَّ لمن ليس هو ابن لكم قول منكم لا حقيقة له. ﴿والله يَقُولُ الحق﴾ أي: الصدق. وقيل: المعنى قولكم لأوزاجكم: هي علي كظهر أمي، قول منكم لا حقيقة له لأنها ليست بأم لكم. ثم قال: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أي: يبين لعباده طريق الحق والرشاد. وقوله تعالى ذكره: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ إلى قوله: ﴿مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾. أي: انسبوا أدعياءكم إلى آبائهم فهو أعدل عند الله. ﴿فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ﴾ أي: تعرفوا أسماء آبائهم فتنسبوهم إليهم. ﴿فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين إذا كانوا أهل ملتكم. ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ أي: وهم مواليكم أي: أوليائهم، أي بنو عمكم. ثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي: لا إثم عليكم في الخطإ يكون

стр. 5708

منكم في نسب من تنسبونه إلى غير أبيه إن كنتم ترون أنه أبوه، وليس بأبيه. ﴿ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. أي: ولكن الإثم عليكم فيما تعمدتم من ذلك فنسبتم الرجل إلى غير أبيه معتمدين ذلك، هذا معنى قول قتادة ومجاهد وغيرهما. و" ما " في موضع جر عطف على " ما " الأولى. ويجوز أن تكون في موضع رفع على خبر ابتداءٍ محذوف، والتقدير: ولكن الذي تأثمون فيه ما تعمدت قلوبكم. وقد أجرى بعض الفقهاء الفتيا في غير التعمد على ظاهرة هذه الآية، فجعلها عامة في كل شيء لم يتعمده فاعله. قال عطاء: إذا حلف رجل أنه لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه، فأخذ منه ما يرى أنه حقه فوجدها زائدة أو ناقصة، إنه لا شيء عليه لأنه لم يتعمد. وكذا إذا حلف أنه لا يسلم على فلان فسلم عليه وهو لا يعلم، إنه لا حنث عليه لأنه لم يتعمد ذلك. وأكثر الفقهاء على خلافه، فالآية عندهم مخصوصة في هذا بعينه. إنما كان هذا قبل

стр. 5709

النهي عندهم، أو في دعاء الرجل الرجل لغير أبيه مخطئاً. فهي مخصوصة في أحد الحكمين لا عامة في كل ما لم يتعمد الإنسان، دليله ما أوجبه الله جل ذكره/ على القاتل خطأ. ثم قال: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً﴾ أي ذا ستر على ذنب من دعا إنساناً بغير اسم أبيه وهو لا يعلم. ومن قال: إن الآية مخصوصة فيما كان قبل النهي، أو هي مخصوصة في أن يدعو الإنسان الرجل إلى أب وهو عنده أبوه، وليس هو كذلك، لم يقف على " ومواليكم " لأن ما بعده متصل به، ومن جعل ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ عاماً في هذا وغيره جعله مستأنفاً، حسن الوقف على ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾، ثم استأنف ما بعده لأنه عام. فإذا جعلت (ما) في موضع خفض لم تقف على ﴿فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [لأن ما بعده معطوف عليه. فإن جعلت (ما) في موضع رفع على ما تقدم وقفت على " أخطأتم به "]. ثم تستأنف: ﴿ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. ثم قال تعالى ذكره: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. أي: أولى بهم من بعضهم لبعض، مثل: ﴿فاقتلوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]

стр. 5710

وقيل: المعنى: أمر النبي أولى بالاتباع مما تأمر به النفس. وقال ابن زيد: المعنى: ما قضى فيهم النبي من أمر جاز، كما كلما قضيت على عبدي جاز. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى النَّاس بِه فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَؤْوا إِنْ شِئْتُمْ: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم "، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالاً فَلَوَرَثَتِهِ وَلِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَو ضِيَاعاً فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهُ ". وحكى قتادة والحسن: بأنه كان يقرأ في بعض القراءات: " مِنْ أنفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ "، ولا ينبغي أن يقرأ بذلك الآن لمخالفته المصحف والإجماع. ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: في الحرمة كالأم، فلا يحل تزوجهن من بعد وفاة النبي ﷺ كما لا يحل تزويج الابن الأم، وهن في الحق والتعظيم والبِرِّ كالأم.
следующие страницы →