Полный текст (8 396 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
وقال قوم: إنما أسكن استخفافاً لأنه قد اجتمع في الكلمة ياءان: الثانية مكسورة، والكسرة مقام ياء، وبعد ذلك همزة، وهي ثقيلة، فأسكن لاجتماع هذه الثقل.
وقد خففت العرب كسرتين نحو: إِبِلٍ " " وإِطِلٍ "، فقالوا: إِبْلٍ وإِطْلٍ، وخففوا ضمتين فقالوا: " رُسُلٍ وسُبُلٍ ". فشبهوا حركة الإعراب بحركة البناء عند اجتماع كسرتين على حرفين ثقيلين قبلهما حرف ثقيل.
وقيل: إنه إنما كان يخفي الحركة وليس يسكن.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ أي: لا يحل مكروه الباطل وعقوبته إلاّ بمن فعله.
ثم قال: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأولين﴾ أي: سنتنا في إهلاكه الأمم الماضية على كفرهم.
﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلاً﴾ أي: لا تجد يا محمد لعادة الله في إهلاك الكفار تغييراً.
﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلاً﴾ أي: انتقالاً: بل ينتفقم منهم، وينزل عليهم سخطه، فإن أمهلهم وأملى لهم فلا بد من عادة الله فيهم بالانتقام كما مضت فيمن كان قبلهم من الأمم.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض﴾ إلى آخر السورة.
стр. 5917
أي: أولم يسر هؤلاء المشركون من قومك يا محمد في الأرض، فينظروا عاقبة الأمم الذين كذبوا الرسل من قبلهم، فيتعظوا ويزدجروا عن إنكارهم لنبوتك وتكذيبك فيما جئتهم به، ويخافوا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك الأمم من العقوبات.
والمعنى: أنهم قد ساروا ونظروا لأنهم كانوا تجاراً إلى الشام، فيمرون على مدائن قوم لوط وغيرها من المدن التي أهلك الله قومها لكفرهم بالرسل، كما تقول للرجل ألم أحسن إليك؟ أي: قد أحسنت إليك.
ثم قال: ﴿وكانوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: وكان أولئك الأمم أشد من هؤلاء قوة في الأبدان والأموال والأولاد، فلم ينفعهم ذلكإ ذ كفروا، فأحرى أن لا ينتفع هؤلاء بقوتهم وكثرة أموالهم وأولادهم إذ هم دون أولئك.
ثم قال: ﴿قُوَّةً وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض﴾ أي: لم يكن شيء يفوت الله بهرب ولا غيره، بل كان تحت قبضته فلا محيص عنه ولا مهرب في السماوات ولا في الأرض.
بل هذا وعيد وتهديد وتخويف لمن أشرك بالله وكذب محمداً ﵇.
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ أي: بخلقه وما هو كائن، ومَنِ المستحق منهم تعجيل العقوبة، ومن هو راجع عن ضلالته ممن يموت عليها. ﴿قَدِيراً﴾ أي: قادراً على جميع ذلك لا يتعذر عليه شيء.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ﴾ أي: لو عجل الله عقوبة بني آدم الآن بظلمهم لم يبق أحد إلا هلك، ولكن يؤخر عقابهم إلى وقت معلوم، وهو الأجل المسمى الذي لا يتجاوزونه ولا يتقدمون قبله.
قال قتادة: فعل الله ذلك بهم مرة في زمن نوح فأهلك ما على ظهر الأرض من
стр. 5918
دابة، إلا ما حمل نوح في السفينة.
قال أبو عبيدة: " مِنْ دَابَّةٍ " يعني الناس.
وقيل: هو الناس وغيرهم مما يدب.
قال ابن مسعود، كاد الجُعَلُ يعذب بذنب بني آدم ثم تلا: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس﴾ الآية.
وذكر ابن وهب عن الليث بن سعد أنه قال: إن رجلاً زنى بامرأة في عهد (موسى) ﵇ فمات في تلك الليلة لذنبهما مائة ألف من بني إسرائيل، فدل الله هارون على مكانهما فاتنظمهما بحربة، ثم أقبل بهما على بني إسرائيل، وأقبل الدم حتى إذا دنا من يد هارون استدار حتى عاد كالترس ولم يصب الدم مِنْ يَدِ هارون.
ثم قال: ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً﴾ أي: إذا جاء وقتهم فهو تعالى بصير بمن يستحق العقوبة ومن يستوجب الكرامة.
стр. 5919
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة يس
مكية
قوله تعالى (ذكره): ﴿يس * والقرآن الحكيم﴾ إلى قوله: ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾.
قال ابن أبي ليلى: لكل شيء قلب وقلب القرآن يس، من قرأها نهاراً كُفِي همه، ومن قرأها ليلاً كُفِي ذنبه.
وقال شهر بن حوشب: يقرأ أهل الجنة وطه ويس فقط.
стр. 5920
روى عن عقبة بن عامر أنه كان يحدث: (أن) النبي ﷺ قال: " مَنْ قَرَأَ يَس فَكَانَّما قَرَأَ القُرْآنَ عَشْرَ مَرَّاتٍ " من رواية ابن وهب.
قرأ عيسى بن عمر: " يَاسِينَ " بفتح النون، جعله مبنياً على الفتح، ويجوز أن يكون فتح لالتقاء السكانين، وأراد به الوصل واختار الفتح، كما قالوا: كيف وأين.
وأجاز سيبويه أن يكون مفعولاً به على معنى: اقرأ ياسين، أو: اذكر ياسين. لكنه لم ينصرف لأنه اسم للسورة، فهو اسم أعجمي عنده كهابيل.
стр. 5921
وذكر الفراء: كسر النون لالتقاء الساكنين كما قالوا: جَيْرٍ لا أَفْعَل.
قال ابن عباس: " يس " قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى ذكره.
وعنه أيضاً: " يس " يا إنسان يريد محمداً ﷺ .
وروى عكرمة عنه: " يس ": يا إنسان بالحبشية.
وقال مجاهد: " يس " مفتاح كلام افتتح الله جل ذكره به كلامه.
وقال قتادة: (كل هجاء) في القرآن فهو اسم من أسماء القرآن.
стр. 5922
وقال الزجاج: جاء في التفسير " يس " معناه: يا إنسان، وجاء (يا) رجل، وجاء: يا محمد.
وقوله: ﴿والقرآن الحكيم﴾ قسم، والحكيم: المحكم آياته.
﴿إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ جواب القسم، (أي) لمن المرسلين بوحي الله إلى عباده.
﴿على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: على طريق لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام، قاله قتادة.
وقيل: على طريق الأنبياء قبلك.
والوقف على ﴿يس﴾ جائز إذا جعلته اسماً للسورة، أو تنبيهاً.
стр. 5923
ولا يحسن الوقف على ﴿المرسلين﴾ لأن ما بعده متعلق به.
و (قد) أجازه أبو حاتم. وهو غلط.
ثم قال (تعالى): ﴿تَنزِيلَ العزيز الرحيم﴾ من رفعه جعله خبراً ثانياً لإنَّ. ويجوز رفعه على إضمار مبتدأ، أي: هذا القرآن تنزيل المنيع بسلطانه وقدرته، الشديد في انقامه ممن كفر به الرحيم بخلقه.
ومن نصب " تنزيل " فعلى المصدر، أي: نزله تنزيلاً.
стр. 5924
ولا يحسن الوقف على " الرحيم "، لأن اللام بعده متعلقة بما قبله، أي نزله تنزيلاً لتنذر.
ويجوز أن يتعلق بالمرسلين، أي: إنك لمن المرسلين لتنذر.
(والمعنى لتنذر) يا محمد قوماً لم يُنْذَر آباؤُهم من قبلهم، قاله قتادة فما جحد.
وقال عكرمة: قد أُنْذِرَ آباؤهم. فتكون " ما " والفعل مصدراً [أي إنذاراً مثل إنذار آبائهم. ويجوز أن تكون " ما " بمعنى الذي على هذا القول]، أي لتنذر قوماً الذي أُنْذِرَ آباؤهم، أي: الذي أُنْذِرُوا.
﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ أي: غافلون عن دين الله وما لله صانع بهم إن ماتوا
стр. 5925
على كفرهم به.
وهذا يدل على أن (ما) نافية، لأنهم لو كان آباؤهم أنذِروا لم يكونوا غافلين. ويدل على ذلك أيضاً قوله (تعالى): ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤].
ثم قال: ﴿لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ﴾ أي: وجب عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون.
وقيل: معناه: وجب (عليهم العذاب)، كما قال: ﴿ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين﴾ [الزمر: ٧١].
وهذا إثبات للقدر، وأن الأمر كله قدره الله وفرغ منه، فحق وقوعه على ما قدره وعلمه.
وكذلك: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً﴾ [يس: ٩] الآية. كله يدل على أن القدر قد سبق في علم الله، يضل من يشاء فَيَخْذِلُهُ، ويهدي من يشاء فيوفقه.
стр. 5926
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى الأذقان﴾ قال الضحاك: منعناهم من النفقة في سبيل الله (كما) قال: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩].
وقيل: ذلك يوم القيامة إذا دخلوا النار.
فجعل (بمعنى يجعل).
قال الطبري: التقدير: إن جعلنا أيمان هؤلاء الكفار مغلولة إلى أعناقهم بالأغلال فلا تنبسط لشيء (من) الخير.
وفي قراءة ابن/عباس وابن مسعود: ((إنَّا جَعَلْنَا) فِي أَيْمَانِهِمْ أَغْلالاً)
стр. 5927
وقرأ بعضهم: " في أَيْدِيهِمْ ".
والكناية في (فهي) ترجع إلى الإيمان، (لأن) الكلام دل على الأيمان، لأن الغل لا يكون في العنق دون اليد ولا في اليد دون (العنق).
فالمعنى: فالأيدي إلى الأذقان. والذَّقْنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ. ثم قال: ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾.
قال مجاهد: رافعوا رؤوسهم [و] أيديهم على أفواههم.
وقال قتادة: ﴿مُّقْمَحُونَ﴾ مغللون عن كل خير.
(و) قال أبو عبيدة: (هو الذي) يحدث وهو رافع رأسه.
стр. 5928
قال الفراء: هو الرافع رأسه الغاض بصره.
وقيل: المقمح: الرافع رأسه لمكروه نزل به.
وأراهم علي بن أبي طالب الإقماح فجعل يديه تحت لحييه وألقصهما ورفع رأسه.
(وحكى) الأصمعي: أكْمَحْتَ الدابة إذا أَخَذْتَ لجامها لترفع رأسها/ والكاف بدل من القاف وقالوا: (الكانونين) شَهْرَا قِمَاحٍ لرفع الإبل فيهما رؤوسها عند الماء لبرده.
قوله (تعالى ذكره): ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً﴾ إلى قوله ﴿قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ قد تقدم ذكر السَّدِّ والسُّدِّ في الكهف، والمعنى: جعلنا من بين أيدي هؤلاء الكفار حاجزاً ومن خلفهم حاجزاً.
стр. 5929
﴿فَأغْشَيْنَاهُمْ﴾ أي: جعلنا على أعينهم غشاوة.
وروي عن ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر: " فَأَعْشَيْنَاهُمْ "، بالعين غر معجمة من عَشَى العين.
قال الطبري في " سُدّاً ": من فتح كان من فعل بني آدم، وإذا كان من فعل الله كان بالضم.
وقيل: معناه أنهم زين لهم سوء أعمالهم فهم يعمهون فلا يبصرون شيئاً.
قال مجاهد: سداً عن الحق فهم يترددون.
وقال ابن زيد: جعل هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان فهم لا يخلصون
стр. 5930
إليه. وقرأ: ﴿وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ﴾، وقرأ: ﴿إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦]، وقرأ شبه ذلك.
وقيل: هو تمثيل، والمعنى: أنه تعالى منعهم من الهدى بالضلال فلم ينتفعوا بالإنذار.
قال ابن إسحاق: جلس عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وأمية من خلف يترصدون النبي ﷺ ليبلغوا من أذاه، فخرج عليهم فقرأ أول ﴿يس﴾ وفي يده تراب فرماهم به، وقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً﴾ إلى رأس العشر، فأطرقوا حتى مر رسول الله ﷺ .
وقال ابن عباس: أقسم أبو جهل لئن رأيت محمداً يصلي لأدمغنه، فأخذ حجراً
стр. 5931
والنبي ﵇ يصلي ليرميه به، فلما أومأ به إليه رجعت يده إلى عنقه والتصق الحجر بيده، فهو قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً﴾ [يس: ٨].
قال عكرمة: كانوا يقولون: هذا محمد، فيقول أبو جهل: أين هو؟ أين هو؟ لا يبصره.
ثم قال: ﴿وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ﴾ أي: الإنذار وتركه على هؤلاء الذين حق عليهم القول سواء، فيهم لا يؤمنون لما سبق لهم في أم الكتاب، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس﴾ [الأعراف: ١٧٩].
قال ابن عباس: ما آمن منهم أحد، يريد من القوم الذين تقدم ذكرهم.
ثم قال: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر﴾ أي: من آمن بالقرآن.
﴿وَخشِيَ الرحمن بالغيب﴾ أي: وخاف الله حين يغيب عن أبصار الناس لأن
стр. 5932
المنافق يستخف بدين الله إذ خلا.
ويجوز أن يكون المعنى: وخاف الله من أجل ما أتاه من الأخبار التي غابت عنه فلم يعاينها، ولكنه صدقها فخاف من عواقبها، فهو مثل قوله: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ [البقرة: ٣].
ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ أي: بستر من الله لذنوبه إذا اتبع الذكر وخاف الله.
﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ أي: وثواب في الآخرة حسن، وذلك الجنة.
ثم قال: (تعالى ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الموتى﴾ يعني في الآخرة للنشور.
﴿وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ﴾ أي: من أعمالهم في الخير والشر. وتقديره: ونكتب ذكر ما قدموا.
﴿وَآثَارَهُمْ﴾ أي: ما أخروا بعدهم من الأعمال والسنن التي يتبعون عليها (ويقتدى بهم فيها). فهو ما أبقى الرجل بعده من عمل يجري عليه ثوابه أو إثمه.
стр. 5933
وقيل/ هو تصرفهم وتقلبهم في (الدنيا) وخطاهم مكتوب (كله).
وروي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا أن يقربوا من مسجد رسول الله ﷺ ليقرب عليهم. فيكون المعنى: ونكتب ثواب خطاهم ومشيهم إلى المسجد على بعد مساكنهم وقربها.
قال ابن عباس: كانت (منازل) الأنصار متباعدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَاَ (قَدَّمُواْ) وَآثَارَهُمْ﴾ فقالوا: نثبت مكاننا.
وقال جابر: أَرَادَ بَنُوا سَلِمَة قُرْبَ المَسْجِدِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَّارَكُمْ إِنَّهَا تُثْبِتُ آثَارُكُمْ ".
وقال مجاهد (والحسن) وقتادة: آثارهم خطاهم.
قال جابر بن عبد الله: " هَمَمْنَا أَنْ نَنْتَقِلَ إِلَى قُرْبِ المَسْجِدِ، واسْتَشَرْنَا رَسُولَ الله
стр. 5934
صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: امْكُثُوا (مَكَانَكُمْ)، فَإِنَّ لَكُمْ فَضِيْلَةٌ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْكُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً ".
وروى جابر " أنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقال: يَا رَسُولَ الله أَرَدْنَا نَتَحَوَّلَ إِلَى قُرْبِ المَسَجِدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ: " لا تَفْعَلُوا فَإِنَّ بِكُلِّ خُطْوَةٍ (حَسَنَةً) ".
وروى عقبة بن عامر عن النبي أنه قال: " يُكْتَبُ لَهُ بِرِجْلٍ حَسَنَةً وَيُحَطُّ عَنْهُ بِرِجْلٍ سَيِّئَةً/، ذَاهِباً وَرَاجِعاً إِذَا خَرَجَ إِلَى المَسْجِد ".
ثم قال (تعالى): ﴿وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ما كان وما هو كائن
стр. 5935
أثبتناه في أم الكتاب. ومعنى ﴿مُّبِينٍ﴾ أي: بَيّنٍ عن حقيقة ما أثبت فيه، وهو اللوح المحفوظ. قاله مجاهد وقتادة وابن زيد.
ثم قال (تعالى): ﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية إِذْ جَآءَهَا المرسلون﴾ أي: اذكر لهم يا محمد مثلاً لهم مثلاً.
يقال هذا من ضرب هذا، أي: من أمثاله وجنسه.
أصحاب القرية بدل من مثل، والتقدير مثل أصحاب القرية.
قال عكرمة: هي أَنْطَاكِيَة.
وقاله الزهري.
стр. 5936
وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن عيسى بن مريم ﵉ بعث رجلين من الحواريين إلى أنْطاكِيَة مدينة الروم فكذبوهما، فقواهما الله بثالث فكذبوهم.
وقال وهب بن منبه: كان بمدينة أنطاكية فرعون من الفراعنة يعبد الأصنام، يقال له: أنطيخس بن أنطيخس، فبعث الله (إليه) المرسلين وهم ثلاثة صَادِقٌ وصَدُوقٌ وَشَلُومٌ، فقدم الله إليه وإلى أهل مدينته اثنين منهم فكذبوهما، وهو قوله: ﴿قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ أي: لستم بملائكة، إنما أنتم بنو آدم مثلنا فلا نقبل منكم، ﴿وَمَآ أَنَزلَ الرحمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ﴾ قالت الرسل: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾.
(أي من عنده)، ﴿وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ البلاغ المبين﴾ أي: ليس يلزمنا إلا أن
стр. 5937
نبلغ إليكم ما أُرْسِلْنا به (إليكم) ونبينه لكم. قال وهب: ثم عزز الله بثالث، فلما دعته الرسل ونادته بأمر الله وعابت دينه قالوا لهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: تَشَاءَمْنا بِكُمْ، ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾، أي: لئن لم تسكتوا عما تقولون لنقتلنكم رجماً ولنعذبنكم عذاباً (أليماً).
وتأول الفراء: أن الثالث أرسل قبل الاثنين، وأنه شمعون ولو كان كما قال لكان القرآن: فعززنا بالثالث.
ومعنى: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ فقوينا وشددنا، وأصله من عَزَّنِي إذا غلبني، ومنه قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الخطاب﴾ [ص: ٢٣]، أي غلبني.
ثم قال (تعالى): ﴿قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ أي: قالت لهم الرسل لما تشاءموا
стр. 5938
بهم أعمالكم معكم وحظكم من الشر والخير معكم ليس ذلك من شؤمنا، أَمِنْ أجل أَنَّا ذَكَّرْنَاكُمْ بالله وبعقابه تطيرتم بنا.
وقيل: التقدير: قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم فمعكم طائركم، يقدره على التكرير، وهو مذهب بعض البصريين.
وقرئت ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ بهمزتين مفتوحتين.
والمعنى: لأن ذُكِّرْتُم تطيرتم بنا فهو على ما مضى، وقراءة الجماعة على ما يأتي.
﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ أي: في المعاصي.
стр. 5939
قوله (تعالى ذكره): ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا المدينة رَجُلٌ (يسعى)﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾.
قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وعن كعب الأحبار وعن وهب بن منبه: أن رجلاً من أهل أنطاكية، اسمه حبيب النجار، (كان) يعمل الجرير، وكان مقيماً (قد أسرع فيه) الجذام/، وكان منزله عند باب من أبواب المدينة (قاصياً)، وكان مؤمناً ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيقسمه نصفين، فيطعم نصفه عياله ويتصدق بنصفه فلم يهمه سقمه ولا عمله ولا ضعفه عن عمل ربه، فلما اجتمع قومه. يعني أهل أنطاكية - على قتل الرسل بلغ ذلك حبيباً وهو على باب المدينة الأقصى فجاء يسعى إليهم ويذكرهم الله ويدعوهم إلى اتباع المرسلين، فقال لهم ما قص الله علينا.
стр. 5940
قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن اسمه حبيب وكان يعبد ربه في غار.
ويروى أنه كان نجاراً، وقيل: (إنه) كان حطاباً، لما بلغه أمر الرسل أتى مسرعاً بحزمته فآمن، وقال للناس: ﴿ياقوم اتبعوا المرسلين﴾.
ثم أقبل على المرسلين فقال: أتريدون مالاً نعطيكم، فقالو: لا، فأقبل على الناس يقول: ﴿اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ فقيل له: أَفأَنْتَ تتبعهم، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي﴾، إلى قوله: ﴿ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، ثم أقبل على المرسلين فقال لهم: ﴿إني آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فتألب عليه الناس فقتلوه.
قال ابن عباس: هو حبيب النجار.
ويروى أنه لما سمع بخبر الرسل جاء يسعى فقال لهم: أتطلبون (على) ما جئتم به أجراً، قالوا: لا، فأقبل على قومه فقال: ﴿قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين﴾ إلى قوله:
стр. 5941
﴿إني آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسمعون﴾ يقول هذا للرسل.
قال قتادة: فرجمه قومه، فقال: اللهم اهد قومي، أحسبه قال: فإنهم لا يعلمون فقتلوه رجماً، فأدخله الله الجنة، فلم ينظر الله قومه حتى أهلكهم.
روي أن جبريل ﷺ وضع جناحاً في أقطارها فقبلها عليهم فبقوا خادمين ساكنين.
وعن كعب الأحبار أنه قال: الرسولان والذي جاء يسعى خُدَّ لهم أُخْدود وحرقوا بالنار فيه.
وأكثر الناس على أنس الرسل كانوا من حواريي عيسى ﵇، تنبأهم الله بعد/ عيسى، وأرسل منهم اثنين إلى أنطاكية فكذبوهما وضربوهما وحبسوهما،
стр. 5942
فقواهم الله برسول ثالث.
وقد قيل: إن الثالث شمعون، (وهو) من أصحاب عيسى، وأنه أرسل قبل الاثنين إلى أنطاكية فكذبوه، وإلى ذلك ذهب الفراء.
قال كعب ووهب: وثبوا على الذي جاء يسعى وثبة رجل واحد فقتلوه. وقوله: ﴿وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ أي: على استقامة من الحق، فاهتدوا بهداهم.
ولا يحسن الوقف على " المرسلين " لأنَّ مَنْ بدل " من " المرسلين بإعادة الفعل.
وقوله: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي﴾ (أي): وأَي شيء لي في ترك عبادة خالقي.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: تصيرون أيها القوم.
قال ابن إسحاق على روايته عن ابن عباس وكعب ووهب: فنادى قومه
стр. 5943
بخلاف ما هم عليه وأظهر لهم دينه، وعاب آلهتهم فقال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ﴾.
أي: لا شفع لي آلهتكم عند ربي إذا عذبني على الكفكر ولا ينقذون من عذابه ولا تدفع عني ضراً ولا تجلب إليَّ نفعاً.
ثم قال: (تعالى): ﴿إني إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: لفي جور عن الحق ظاهر، إن اتبعت آلهتكم وعبدتها من دون الله.
ثم قال: ﴿إني آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسمعون﴾.
قال بن إسحاق: هذا مخاطبة لقومه.
والمعنى: أني آمنت بربكم الذي كفرتم به فاسمعوا قولي.
[وقيل بل خاطب بذلك الرسل قال لهم: اسمعوا قولي فاشهدوا لي] بما أقول
стр. 5944
لكم عند ربي، فعندما قال هذا وثبوا عليه فقتلوه.
قال ابن مسعود وابن عباس وكعب ووهب: وثبوا عليه فرطؤوه بأقدامهم على سقمه ومرضه حتى مات.
ثم قال: ﴿قِيلَ ادخل الجنة قَالَ ياليت قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المكرمين﴾ قال هذا بعد أن قتل.
وقوله: ﴿فاسمعون﴾ هو آخر قوله لقومه في الدنيا، وبه تم كلامه. ثم حكي الله عنه حاله في الآخرة وما قال وما قيل له بقوله: ﴿قِيلَ ادخل الجنة﴾.
وقد قيل: إنه إخبار من الله عما يقال له يوم القيامة وما يقول، (أي): فلما قتلوه قيل: له: ادخل، (فلما) دخلها وعاين ما أكرمه (الله به)، قال: يا ليت قومي يعملون بغفران ربي لي، وجعله إياي من المكرمين. (أي): فعل ذلك على إيماني،
стр. 5945
فلو عاينوا ذلك لآمنوا واستوجبوا مثل ما استوجبت.
قال النبي ﷺ : " نَصَحَ قَوْمَهُ حَيّاً وَمَيِّتاً ".
قال قتادة: فلما دخلها، قال ذلك، فلا تلقى المؤمن إلا ناصحاً.
(فما) والفعل مصدر، ويجوز أن تكون بمعنى الذي.
ثم قال (تعالى): ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السمآء﴾ أي: من رسالة ولا نبي بعد قتله، قاله قتادة ومجاهد.
وعن ابن مسعود: أن المعنى: أن الله غضب لقتله غضبه فعجل لهم النقمة بما استحلوا منه فلم يبعث إليهم جنوداً من السماء بعد قتله، وما كانت إلا صيحة واحدة فلم يبقَ منهم باقية قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله حتى
стр. 5946
أهلكم. وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ ظاهر الكلام أن " ما " نافية.
وقال بعض النظر: " ما: اسم في موضع خفض على " جند " على اللفظ، أو في موضع نصب عطف على موضع جند لأن " من " زائدة. وتقديره: وما أنزلنا على قومه من جند من السماء، وما كنا منزلين على الأمم الكافرة من نحو الحجارة والغرق والمسخ والريح وغير ذلك، إنما أخذتهم صيحة فهلكوا.
وقوله: ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي: ما كانت عقوبتهم على قتله إلا صيحة واحدة.
وقيل: التقدير: وما كانت هلكتهم إلا صيحة.
وقرأ أبو جعفر: برفع الصيحة الواحدة، على أنه اسم كان، والتقدير: أن
стр. 5947
كانت عليهم إلا صيحة واحدة.
وقيل: التقدير: إن وقعت إلا صيحة.
ومنعه أبو حاتم لأجل التأنيث الذي في الفعل، وقال: لا يجوز: ما جاءتني إلا جاريتاك وإنما يقال: ما جاءني (لأن التقدير ما جاءني) أحد. وهذا الذي منع جائز على أن يكون التقدير: ما جاءتني امرأة إلا جاريتاك.
وقول أبي حاتم أولى لأنه نفي عام فلا يضمر إلا أحد.
وفي حرف ابن مسعود: " إِنْ كَانَتْ إِلاَّ زَقْيَةَ واحدة " بالرفع. (وزقية) في موضع صيحة.
والمعروف في اللغة: زقا يزقو زقوة: إذا صاح، ويُقْرَأُ به لأنه مخالف لخط
стр. 5948
المصحف.
وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ أي: هالكون وساكتون بمنزلة الرماد الخامد.
ثم قال (تعالى): ﴿ياحسرة عَلَى العباد﴾ أي: تعالي يا حسرة فهذا إبانك/ ووقتك يَتَحَسَّرُ بِكِ العباد على أنفسهم. هذا مذهب سيبويه. ونصبت لأنها نكرة.
وقال الطبري: معناه: يا حسرة من العباد على أنفسهم وتندماً وتلهفاً في استهزائهم برسل الله.
وذُكِر أن بعض القراءات: " يا حسرة على العباد على أنفسها ".
روي عن قتادة: يا حسرة العباد على أنفسها ما ضيعت من أمر ربها وفرطت في
стр. 5949
جنب الله.
قال ابن عباس: " يا حسرة على العابد " معناه: يا ويلاً على العباد.
وقال أبو العالية: العباد هنا الرسل. والمعنى أن الكفار لما رأوا العذاب قالوا: يا حسرة على العباد، أي: على الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إليهم، تحسروا عليهم أن يؤمنوا بهم.
ثم قال جل ذكره: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقال بعض أهل اللغة: (المعنى): يا لها حشرة على العباد. وحقيقة الحسرة أن يحلق الإنسان من الندم ما يصير به حسيراً، أي منقطعاً.
ثم قال (تعالى): ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ القرون﴾ أجاز الفراء أن تكون
стр. 5950
" كم " في موضع نصب يروا، واستدل على ذلك أن في حرف ابن مسعود: " أَلَمْ يَرَوا مَن أهلكنا ".
ولا يجوز هذا عند البصريين لأن " كم " استفهام، ولا يعمل فيها ما قبلها. والعامل فيه أهكلنا، وأنها عند سيبويه بدل من كم. ورد ذلك عليه المبرد، والتقدير عنده: بأنهم.
والمعنى: الم ير هؤلاء المشركون من قومك يا محمد كم أهلكنا قبلهم من القرون بتكذيبهم الرسل، فيخافوا أن ينزل بهم مثل ما أنزل بأولئك، أي: ألم يعلموا ذلك.
стр. 5951
وقرأ الحسن: " إِنَّهُم " بالكسر على الاستئناف.
﴿لاَ يَرْجِعُونَ﴾: لا يعودون بعد موتهم وهلاكهم.
قوله (تعالى ذكره): ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ إلى كقوله: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
أي: الكل محضرون يوم القيامة.
و" ما " زائدة عند أبي عبيدة، والتقدير: وإن كل الجميع محضرون.
و" إِنْ " مخففة من الثقيلة، وكل مبتدأ، (والجميع) الخبر.
ويجوز/ أن يكون جميع بدلاً من ما، أو نعتاً لها، والتقدير: وإن كل لخلق أو لبشر جميع، وحسن كون " ما " لذلك لأن من يعقل وما لا يعقل أن يحضر يوم القيامة منه بهيمة وإنسان.
стр. 5952
ومن شدد فهي بمعنى إلا، حكى سيبويه: سألتك بالله لّما فعلت، بمعنى: إلا فعلت.
وأنكر الكسائي هذا.
وقال الفراء: المعنى لِمَنَ مَا جميع، ثم أدغم وحذفت إحدى الميمات تخفيفاً كما يقال: " عَلْمَاءِ بنو فلان). فيحذفون ويدغمون، والأصل: عَلَى المَاءِ.
ثم قال (تعالى): ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا﴾ أي: دلالة لهؤلاء المشركين على قدرة الله وتوحيده: إحياؤنا للأرض الميتة بالمطر، ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ أي: في الأرض التي أُحْيِيَتْ بالمطر، ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العيون﴾ أي: عيون الماء ليشربوا منها ويسقموا ثمارهم.
стр. 5953
ثم قال: ﴿لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ﴾ الهاء في ثمره تعود على ماء العيون، لأن الثمر من الماء اندرج وتَكَوَّنَ، فأضيف إليه، أي: فعلنا لهم ذلك ليأكلوا ثمرة النخيل والأعناب. ووحد الثمر في قوله ﴿ثَمَرِهِ﴾ فوحد الضمير، لأن العرب تأتي بالاثنين وتقتصر على خبر أحدهما.
ومن فتح الثاء جعله جمع ثَمَرَةٍ وثَمَرٍ كَخَشَبَةٍ وَخَشَبٍ.
ومن ضم جمع ثمرة على ثمار، ثم جمع ثماراً على ثُمُرٍ كحمار وحُمُرٍ، ويجوز أن يكومن جمع ثمرة أيضاً كخشبة وخشب.
وقوله (تعالى): ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ومن ثمر الذي عملته أيديهم، يعني الذي غرسوا وزرعوا.
ويجوز أن تكون " ما " نافية، أي لم يعمل ذلك الذي أحياه المطر أيديهم.
стр. 5954
ومن حذف الهاء في " عملته " جعل " ما " والفعل مصدراً، او نافية، أو بمعنى الذي لا غير.
ومن أثبتها جعلها بمعنى الذي لا غير.
﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ أي: يشكر هؤلاء على هذه النعم.
ثم قال (تعالى): ﴿سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا﴾ (أي): تنزيهاً وتبرئة لله جل ذكره مما يضيف إليه هؤلاء المشركون من الشركاْ، وهو الذي خلق الألوان كلها والأجناس كلها من نبات الأرض.
﴿وَمِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، أي: وخلق من أولادهم ذكوراً وإناثاً.
﴿وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: وخلق أجناساً من الأشياء التي لم يطلعهم الله عليها.
ثم قال (تعالى): ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾، أي: وعلامة أيضاً لهم على قدرة الله وتوحيده: الليل ينزع منه ضياء النهار.
стр. 5955
﴿وَمِنْ﴾ هنا بمعنى (عن)، أي: ينزع عنه ضياء النهار، ومثله:
﴿فانسلخ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] أي/: عنها وتركها.
وقوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ أي: صاروا في ظلمة.
وقال قتادة: معناه: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.
وهذا بعيد في التأويل ليس هذا موضعه ولا يدل عليه الكلام. وحقيقة سلخت: أزلت الشيء من الشيء وخلصته منه حتى لم يبق منه شيء.
ثم قال: ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ أي: لموضع قرارها.
قال القتبي: مستقرها أقصى منازلها في الغروب لا تتجاوزه، يعني إلى أبعد مغاربها ثم ترجع.
وروى أبو ذر أن النبي ﷺ قال: " عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَا أَبَا ذَرّ أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ؟ فقلت: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ، إِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهَا جَلَّ ثَنَاؤُهْ ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ بِالرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّها قَدْ قِيْلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ،
следующие страницы →