Полный текст (8 396 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.
стр. 5951
وقرأ الحسن: " إِنَّهُم " بالكسر على الاستئناف.
﴿لاَ يَرْجِعُونَ﴾: لا يعودون بعد موتهم وهلاكهم.
قوله (تعالى ذكره): ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ إلى كقوله: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
أي: الكل محضرون يوم القيامة.
و" ما " زائدة عند أبي عبيدة، والتقدير: وإن كل الجميع محضرون.
و" إِنْ " مخففة من الثقيلة، وكل مبتدأ، (والجميع) الخبر.
ويجوز/ أن يكون جميع بدلاً من ما، أو نعتاً لها، والتقدير: وإن كل لخلق أو لبشر جميع، وحسن كون " ما " لذلك لأن من يعقل وما لا يعقل أن يحضر يوم القيامة منه بهيمة وإنسان.
стр. 5952
ومن شدد فهي بمعنى إلا، حكى سيبويه: سألتك بالله لّما فعلت، بمعنى: إلا فعلت.
وأنكر الكسائي هذا.
وقال الفراء: المعنى لِمَنَ مَا جميع، ثم أدغم وحذفت إحدى الميمات تخفيفاً كما يقال: " عَلْمَاءِ بنو فلان). فيحذفون ويدغمون، والأصل: عَلَى المَاءِ.
ثم قال (تعالى): ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا﴾ أي: دلالة لهؤلاء المشركين على قدرة الله وتوحيده: إحياؤنا للأرض الميتة بالمطر، ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ أي: في الأرض التي أُحْيِيَتْ بالمطر، ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العيون﴾ أي: عيون الماء ليشربوا منها ويسقموا ثمارهم.
стр. 5953
ثم قال: ﴿لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ﴾ الهاء في ثمره تعود على ماء العيون، لأن الثمر من الماء اندرج وتَكَوَّنَ، فأضيف إليه، أي: فعلنا لهم ذلك ليأكلوا ثمرة النخيل والأعناب. ووحد الثمر في قوله ﴿ثَمَرِهِ﴾ فوحد الضمير، لأن العرب تأتي بالاثنين وتقتصر على خبر أحدهما.
ومن فتح الثاء جعله جمع ثَمَرَةٍ وثَمَرٍ كَخَشَبَةٍ وَخَشَبٍ.
ومن ضم جمع ثمرة على ثمار، ثم جمع ثماراً على ثُمُرٍ كحمار وحُمُرٍ، ويجوز أن يكومن جمع ثمرة أيضاً كخشبة وخشب.
وقوله (تعالى): ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ومن ثمر الذي عملته أيديهم، يعني الذي غرسوا وزرعوا.
ويجوز أن تكون " ما " نافية، أي لم يعمل ذلك الذي أحياه المطر أيديهم.
стр. 5954
ومن حذف الهاء في " عملته " جعل " ما " والفعل مصدراً، او نافية، أو بمعنى الذي لا غير.
ومن أثبتها جعلها بمعنى الذي لا غير.
﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ أي: يشكر هؤلاء على هذه النعم.
ثم قال (تعالى): ﴿سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا﴾ (أي): تنزيهاً وتبرئة لله جل ذكره مما يضيف إليه هؤلاء المشركون من الشركاْ، وهو الذي خلق الألوان كلها والأجناس كلها من نبات الأرض.
﴿وَمِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، أي: وخلق من أولادهم ذكوراً وإناثاً.
﴿وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: وخلق أجناساً من الأشياء التي لم يطلعهم الله عليها.
ثم قال (تعالى): ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾، أي: وعلامة أيضاً لهم على قدرة الله وتوحيده: الليل ينزع منه ضياء النهار.
стр. 5955
﴿وَمِنْ﴾ هنا بمعنى (عن)، أي: ينزع عنه ضياء النهار، ومثله:
﴿فانسلخ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] أي/: عنها وتركها.
وقوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ أي: صاروا في ظلمة.
وقال قتادة: معناه: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.
وهذا بعيد في التأويل ليس هذا موضعه ولا يدل عليه الكلام. وحقيقة سلخت: أزلت الشيء من الشيء وخلصته منه حتى لم يبق منه شيء.
ثم قال: ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ أي: لموضع قرارها.
قال القتبي: مستقرها أقصى منازلها في الغروب لا تتجاوزه، يعني إلى أبعد مغاربها ثم ترجع.
وروى أبو ذر أن النبي ﷺ قال: " عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَا أَبَا ذَرّ أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ؟ فقلت: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ، إِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهَا جَلَّ ثَنَاؤُهْ ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ بِالرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّها قَدْ قِيْلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ،
стр. 5956
فَتَطْلَعُ مِنْ مَكَانِهَا وَذَلِكَ مُسْتَقَرُّها ".
وروى أبو ذر أيضاً قال: " سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ فقال: مستقرها تحت العرش ".
قال قتادة: لمستقرها وقت واحد لا تعدوه.
وقيل: المعنى: (إنها) تجري إلى أبعد منازلها في الغروب ثم ترجع فلا تتجاوزه، وذلك أنها لا يتزال تتقدم كل ليلة حتى تنتهي إلى أبعد مطالعها ثم ترجع.
وعن أبي ذر قال: " قُلْتُ (يا) رَسُولَ الله ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ/ لَّهَا﴾ قَالَ: بَيْنَ يَدَيْ العَرْشِ ".
стр. 5957
وروي عن ابن عباس أنه قرأ: " لا مُسْتَقَرُّهَا "، على معنى: هي جارية لا تثبت في موضع واحد: أي هي كل ليلة في موضع لا تكون فيه في الليلة التي تليها تتقدم أو تتأخر.
ثم قال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾ أي: هذا الذي تجري عليه الشمس من التقدير، هو تقدير العزيز في انتقامه العليم بمصالح خلقه.
ثم قال (تعالى): ﴿والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [أي: وآية لهم القمر قدرناه منازل.
وقيل: التقدير: قدرنا له منازل، ثم حذفت اللام واتصل الضمير، كمنزلة: " كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ " [المطففين: ٣]، والمعنى: قدرناه منازل في النقص والزيادة
стр. 5958
والتمام، فهو منذ يطلع كل ليلة في منزلة - ومنازله ثمانية وعشرون منزلة (معروفة) - ثم يستتر ليلتين فلا يُرى.
﴿حتى عَادَ كالعرجون﴾ أي: في النقص كالعذق اليابس من القدم لأن العذق كلما قدم يبس وتقوس وانحنى، ولا يوجد مستوياً أبداً لا أخضر ولا يابس، فكذلك القمر في آخر الشهر ينقص ويتقوس وينحني. هذا قول ابن عباس وقتادة والحسن وغيرهم.
والعِذق بكسر العين هو الكِبَاسَة والقنو. وأهل مصر يسمونه
стр. 5959
الإسْبَاطَة.
والعَذَقُ بفتح العين هو النخلة.
ثم قال (تعالى): ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر﴾ أي: لا ينبغي ولا يمكن للشمس أن تدرك القمر فيذهب ضوؤه بضوئها (فتكون الأوقات كلها نهاراً.
﴿وَلاَ اليل سَابِقُ النهار﴾ أي: ليس يفوته بظلمته). فتكون الأوقات كلها مظلمة ليلاً. وفي هذا - لو كان - إبطال التدبير الذي بنيت عليه الدنيا، ألا ترى أن الدنيا إذا ذهبت، وزال تدبير الشمس والقمر جمع بينهما. قال الله جل ذكره في حال يوم القيامة: ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ [القيامة: ٩]، ففي جمعهما زوال تدبير الدنيا بنهار بعد ليل وليل بعد نهار، فليس في الآخرة ليل يدخل على النهار، ولا شمس ولا قمر، وذلك تدبير أخر، تبارك الله أحسن الخالقين.
قال الضحاك: معناه: إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم
стр. 5960
يكن للشمس ضوء. وهو معنى قول ابن عباس.
قال قتادة: لِكُلِّ (حد) وعلم لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا.
وعن ابن عباس في الآية: إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر، وإذا غابا غاب أحدهما بين يدي الآخر.
وقيل: المعنى: إن القمر في السماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة فلا يدرك أحدهما الآخر.
وقيل: المعنى: إن سير القمر سير سريع، والشمس سيرها بطيء فهي لا تدركه.
وَسُئِلَ ابن عمر، فقيل له: ما بال الشمس تصلانا أحياناً، وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء، قال: لو كانت كذلك ما قام لها
стр. 5961
شيء إلا أحرقته.
وقوله: ﴿وَلاَ اليل سَابِقُ النهار﴾. استدل به بعض العلماء على أن النهار مخلوق قبل الليل، وأن الليل لم يسبقه بالخلق.
وقيل: المعنى: إن كل واحد/ منهما يجيء في وقته ولا يسبق صاحبه.
ثم قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (أي): وكل ما ذكرنا من الشمس والقمر والليل والنهار في فلك يجرون.
قال ابن عباس: في فَلَكٍ كَفَلَكِ المغزل. وجاء يسبحون بالواو لأنه لما أخبر عنهن بلفظ من يعقل أجرى ضميرهم مجرى ضمير من يعقل ولم يقل يسبحن، ولو قيل لَحَسُنَ، ولكن جاء على هذا المعنى.
قوله (تعالى ذكره): ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ (فِي الفلك)﴾ إلى قوله: ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾.
стр. 5962
أي: وآية لأهل مكة أنا حملنا ذريات نوح في الفلك المشحون، أي: الموقر. فالضميران على هذا مختلفان.
وقد قيل: إن المعنى: وآية لأهل مكة أنا حملنا أولادهم وضعفاءهم ومن لا يقدر على المشي في السفينة في البحر. فالضميران متفقان، والفلك في القول الأول سفينة نوح واحد في المعنى.
وقيل: المعنى: إن الآباء يسمون ذرية. فالمعنى: وآية لأهل مكة أنا حملنا آباءهم في الفلك المشحون، وهي سفينة نوح. وإنما جاز ذلك لأن الذرية مِنْ: ذَرَأَ الله الخلق. (فسمي الولد/ ذريه لأنه ذري من الأب، ويسمى الأب ذرية لأن الابن ذري منه. فكما جاز أن يقال للابن ذرية لأبيه) لأنه ذري منه، فكذلك يجوز أن يقال للأب ذرية للابن لأن ابنه ذري منه.
فالمراد بها سفينة نوح، ويراد بها في القول الثاني: سفينة من السفن، وهي المَرْكَبُ، فيجوز أن يكون واحداً وجمعاً، فإذا كان جمعاً فواحده فَلَكٌ كُوَثَنٍ وَوُثْنٍ.
стр. 5963
قال الحسن: (المشحون) المحمول.
وقيل: الممتلئ، قاله ابن عباس.
ثم قال (تعالى): ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾.
قال ابن عباس: هي السفن الصغار، ودل على ذلك: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾.
وقال الضحاك: يعني السفن التي أتُّخِذَتْ بعد سفينة نوح.
وقاله قتادة وابن زيد وأبو صالح وغيرهم.
وعن ابن عباس: أنها الابل، قال: فالإبل سفن البر.
وقال مجاهد: يعني الأنعام.
وقال الحسن أيضاً: هي الإبل.
стр. 5964
واختيار الطبري قول من قال هي السفن، لقوله (تعالى): ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ إذ لا غرق في البر، والمعنى: إِنْ نشأ نغرق هؤلاء المشركين إذا ركبوا الفلك في البحر.
﴿فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أي: لا مغيث لهم إذا نحن أغرقناهم.
﴿وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ﴾ أي: ينجون من الغرق.
وصريخ بمعنى مُصرخ: أي مغيث. يقال صرخ الرجل إذا صاح، وأصرخ إذا أغاث وأعان، فهو مُصْرِخ والأول صارخ.
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا﴾.
فنصب " رحمة " عند الزجاج لأنه مفعول من أجله.
وهي عند الكسائي نصب على الاستثناء.
والمعنى: ولا هم ينقذون إلا الأجل الرحمة والإمتاع بالحياة إلى وقت، هذا
стр. 5965
التقدير على قول الزجاج. والتقدير على قول الكسائي: ولا هم ينقذون إلا أن يرحمهم فيمتعهم إلى أجل.
قال قتادة: ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى الموت.
ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ [وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ أي: إذا قيل لهؤلاء المشركين من قومكم يا محمد اتقوا ما بين أيديكم]، أي: احذروا ما تقدم قبلكم من نقسم الله في الأمم الماضية بكفرهم وتكذيبهم الرسل أن يحل بكم مثل ذلك. ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ أي: وما أنتم لا قُوهُ من عذاب الله تعالى إن هلكتم على كفركم وتكذيبكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي لتكونوا على رجاء من الرحمة. هذا قول سيبويه، وقال الطبري: معناه: ليرحمكم ربكم.
قال قتادة: " ما بين أيديكم ": وقائع الله جل ذكره فيمن خلا من الأمم، " وما
стр. 5966
خلفكم " أي: من أمر الساعة.
وقال مجاهد: ما بين أيديهم، ما مضى من ذنوبهم، وما خلفهم: (قال): ذنوبهم لتي (هم) عاملوها.
وقال ابن جبير: " ما بين أيديكم " الآخرة. وما خلفكم ": الدنيا.
وجواب إذا محذوف، والتقدير: إذا قيل لهم ذلك أَعرضوا.
ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي: ما يأتي هؤلاء المشركين من حجة من حجج إلا أعرضوا عنها لا يفكرون ولا يتدبرون.
ثم قال (تعالى): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله﴾ أي: أَدُّوا زكاته لأهل الضعف منكم.
﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي: كفروا بالله ورسوله ﴿لِلَّذِينَ آمنوا﴾ بهما.
стр. 5967
﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ﴾ قالوه على التهزي.
وقوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ يجوز أن يكون من قول الكفار للمؤمنين.
ويجوز أن يكون من قول الله جل ذكره (وثناؤه) للمشركين الذين قالوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ﴾.
قال الحسن: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ﴾ هم اليهود.
[ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ متى هَذَا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: متعى نبعث ونعذب، استعجالاً بالعذاب وتكذيباً للبعث، يقوله المشركون للمؤمنين وللنبي ﷺ ] .
ثم قال (تعالى ذكره): ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً﴾ أي: ما ينتظر هؤلاء المشركون الذين يستعجلون وعيد الله إلا صيحة واحدة، وذلك نفخة الفزع عند قيام الساعة، وهي النفخة الأولى تأخذهم وهم في بيعهم وشرائهم.
﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي: لا يقدرون أن يوصوا ولا يرجعوا إلى أهلهم.
وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ قيل: هي النفخة الثالثة، وقيل: هي الثانية يقوم بها
стр. 5968
الأموات.
وقيل: هي ثلاث نفخات، و (قد) ذكرناها في غير موضع من كتابنا هذا، روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " إن الله جل ثناؤه لما فَرَغَ من خَلْقِ السماوات والأرض خَلَقَ الصُوْرَ فأعطاه إسْرَافِيلَ، فهو واضعه على فِيهِ شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إلَى العَرْشِ ينتظر متى يُؤْمَرُ ".
قال أبو هريرة: " يا رسول الله، وما الصّور؟ قال: قَرْنُ. قال: وكَيْفَ هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فيه ثلاثُ نَفَخَاتٍ، الأُولى: نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيَّامِ لِرَبِّ العَالَمِينَ جَلَّ ذِكْرُهُ، وَيَأْمُرُ الله إسْرَافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُوْلَى، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَأَهْلُ الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ الله، وَيَأْمُرُهُ
стр. 5969
الله فَيُدِيمُهَا ويُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ، وهي التي يَقُولُ: مَا يَنْظُرُ هَؤُلاَءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ ثُمَّ يَأْمُرُ الله إِسْرَافِيلَ بِنَفْخَةِ الصَّعْقِ، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَيَصْقَقُ: أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ الله فَإِذَا هُمْ فِيهَا خَامِدُونَ، ثم يُميتُ مَنْ بَقِيَ فإذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ الله الوَاحِدُ الصَّمَدُ بَدَّلَ الأَرْضَ غَيْرَ الأَرْضِ والسَّمَاوَاتِ، فَيَبْسُطُهَا وَيَسْطَحُهَا وَيَمُدُّهَا مَدَّ الأدِيمِ العُكَاضِيّ لا تَرَى فِيهَا عِوَجَاً وَلاَ أَمْتاً، ثُمَّ يَزْجُرُ الله الخَلْقَ زَجْرَةً فإِذَا هُمْ فِي (هَذِهِ) المُبَدَّلَةِ فِي مِثْلِ مَوَاضِعِهِمْ مِنَ الأُولَى مَا كَانَ في بَطْنِهَا وَمَا كَانَ عَلى ظَهْرِهَا ".
قال قتادة: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ (الله) ﷺ كَانَ يَقُولُ: " تَهِيجُ السَّاعَةُ بِالنَّاسِ وَالرَّجُلُ يَسْقِي مَا شِيَّتَهُ، وَالرَجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يُقِيمُ سِلْعَتَهُ فِي سُوقِهِ،
стр. 5970
والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ، وَتَهِيْجُ بِهِهْ وَهُمْ كَذَلِكَ ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ ".
قال عبد الله بن عمر: وَلَيُنْفَخَنَّ في الصّورِ، والنَّاسُ فِي طُرُقِهِمْ وأَسْوَاقِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ، (و) حَتَّى إِنَّ الثُّوْبَ لَيَكُونَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَتَسَاوَمَانِ فما يُرْسِلُهُ أَحَدُهُمَا مِنْ يَدِهِ حَتَّى يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، وَهِي التِي قَالَ الله :
﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ الآية.
ومعنى قوله: ﴿وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يرجعون إلى أهلهم بعد موتهم أبداً.
وقيل: لا يرجعنن من أسواقهم إلى أهلهم، يموتون مكانهم، وهو اختيار الطبري.
وهو قول قتادة.
стр. 5971
وقيل: المعنى: ولا إلى أهلهم يُرجِعُونَ قَوْلاً، يُشْغَلُونَ بأنفسهم.
ومعنى ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي: لا يمهلون حتى يوصوا بما في أيديهم.
ثم قال (تعالى): ﴿وَنُفِخَ فِي الصور فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾.
قال قتادة: الصور هنا جمع صُورَةٍ، أي: نَفَخَ في الصُّوَرِ الأَرْوَاحَ.
وهو قول أبي عبيدة كَبُسْرَةٍ وَبُسْرٍ.
وقرأ ابن هرمز " في الصُّوَرِ " جعله كظُلْمَةِ وَظلْمٍ.
وقيل: هو القرن على ما تقدم. وهذه النفخة هي الثالثة، وهي نفخة البعث.
стр. 5972
والأجْدَاثُ: القُبُور، يقال جَدَثٌ وَجَدَفٌ.
ومعنى: ﴿يَنسِلُونَ﴾: يخرجون سراعاً. والنَّسَلاَنُ: الإسراع في المشي.
وقال الحسن في الآية: وثب القوم من قبورهم لمَّا سمعوا الصرخة ينفضون التراب عن رؤوسهم يقول المؤمنون: سبحانك ويحمدك وما عبدناك حق عبادتك.
قال وهب بن منبه: (يبلون) في قبورهم، فإذا سمعوا الصرخة عادت الأرواح إلى الأبدان، والمفاصل بعضها إلى بعض، فإذا سمعوا النفخة الثانية، وثب القوم قياماً على أرجلهم ينفضون التراب عن رؤوسهم.
(قوله تعالى ذكره): ﴿قَالُواْ ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ إلى/ قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
أي: يقول ذكل المشركون إذا نُفِخَ في الصَّورِ نفخة البعث.
стр. 5973
قال أُبَيٌّ بن كعب: ناموا نومة قبل البعث. وكذلك قال قتادة.
قال مجاهد: يهجع الكفار قبل يوم القيامة هجعة يذوقون فيها النوم، فإذا قامت القيامة قالوا: ﴿قَالُواْ ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾.
ثم قال: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن﴾.
قال قتادة: قال لهم أهل الهدى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون﴾.
وقال مجاهد: قال ذللك لهم المؤمنون (المرسلون).
وقال ابن زيد: هو من قول بعضهم لبعض، صدقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به من البعث بعد الموت.
وقال الفراء: هو من قول الملائكة لهم.
وهذا القول موافق لقول قتادة، لأن الملائكة أهل هدى. وكذلك يتأول قوله:
стр. 5974
﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ/ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك هُمْ خَيْرُ البرية﴾ [البينة: ٧].
وكذلك الحديث: " المُؤْمِنُ عِنْدَ الله خَيْرٌ مِنْ كُلِّ مَا خَلَقَ " وهو قول القتبي.
والوقف على " مَرْقَدِنَا " إجماع إلا ما حكى أحمد بن جعفر أنه يوقف على " هذا "، ثم يتبدئ: ﴿مَا وَعَدَ الرحمن﴾، أي: بعثكم ما وعد الرحمن.
وقرأ ابن عباس: " مِنْ بَعْثِنَا " بكسر الميم وخفض البعث.
فالوقف على ﴿ياويلنا﴾ جائز إلا على هذه القراءة لأن من متعلقة بما قبلها.
стр. 5975
ثم قال تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ أي: قد حضروا للعرض على الله. وقد تقدم ذكر هذا.
ثم قال (تعالى): ﴿فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ لا يُنْقَصُ من أجرها ولا يُحْمَل عليها وزر غيرها.
﴿وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ولا تكافؤون إلا مكافأة أعمالكم في الدنيا.
ثم قال (تعالى): ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾.
قال مجاهد: شغلهم افتضاض (الأبكار).
[وقال ابن مسعود: افتضاض العذارى].
وهو قول ابن المسيب.
стр. 5976
وقال أبو قِلابة: بينما الرجل من أهل الجنة مع أهل إذ قيل له تحول إلى أهلك.
وقيل: " فِي شُغْلٍ " في نعمة.
وقيل: في شغل عما فيه أهل النار.
والشُّغْلُ والشُّغُلُ لغتان كالبُخْلُ والبُخُلُ.
وقرأ أبو جعفر: (فَكِهُونَ).
وهو عند الفراء مثل فاكهين في المعنى كَحَذِرٍ وحَاذِرٍ.
وقال أبو زيد: رجل فَكِهٌ إذا كان طيب النفس ضَحُوكاً.
стр. 5977
وقال قتادة: " فكهون " معجبون.
قال ابن عباس: " فاكهون " فرحون.
وقال بعض أهل اللغة: الفاكه الكثير الفاكهة، وكذلك تَامِرٌ وَلاَ حِمٌ وَشَاحِمٌ إذا كثر ذلك عنده.
وقرأ طلحة بن مُصَرِّف: " فَاكِهِينَ " بالنصب على الحال، وجعل في شغل الخير.
ثم قال: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ﴾ يعني أزواجهم من أهل.
وظلال جمع ظُلُةٍ كقُلَّةٍ وَقِلاَلٍ، ويجوز أن يكون جمع ظِل.
ومن قرأ " ظُلَلٍ " جعله أيضاً جمع ظُلَّة. كغُرفة وغُرَف، وظلْمَةٍ وظُلَمٍ، وَحُلَّةٍ وَحُلَلٍ.
стр. 5978
وقوله: ﴿عَلَى الأرآئك﴾ أي: على السُّرُرِ في الحجال، واحدها أريكة.
وقيلأ: (كل) فراش أريكة.
والقول الأول هو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة.
قال أبو إسحاق: ﴿الأرآئك﴾ الفرش في الحجال، (وقيل الفرش)، وقيل: الأسرة. واختار أن تكون الفرش كانت في حجال أو فيغير حجال.
وقيل: الأرائك أسرة الذهب مكللة بالزَّبَرْجَدِ والدُّرِّ واليَاقُوتِ.
والأريكة الواحدة مثل ما بين صَنْعَاءَ إلى أَيْلَةَ، وليس في الجنة نوم، إنما هو
стр. 5979
الاتكاء عليها.
ثم قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ أي: يتمنون، ويدعون: يفتعلون من دعا، و " ما " في موضع رفع بالابتداء، و " لهم " الخبر.
ثم قال: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ سلام بدل من " ما "، ومعناه: ولهم أن يسلم الله عليهم، وذلك غاية أمنيتهم.
ويجوز أن تكون " ما " نكرة، " وسلام " نعت لها، بمعنى مسلم لهم.
ويجوز أن يكون " سلام " خبراً عن " ما ".
وفي حرف ابن مسعود: " سَلاَماً "، نصب على المصدر أو في موضع الحال بمعنى مسلماً لهم. " وقولاً " مصدر، أي: يقولونه قولاً يوم القيامة، أو يقوله الله لهم قولاً.
стр. 5980
قال محمد بن كعب القرظي لعمر بن عبد العزيز: إذا فَرَغَ الله (من) أهل الجنة وأهل النار، أقبل في ظل من الغمام والملائكة إلى أول درجة، فيسلم عليهم فيردون السلام/، وهو في القرآن ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾، فيقول: اسألوا، فيقولون: ما نسألك وعزتك وجلالك لو أنك قسمت بيننا أرزاق الثقلين لأطعمناهم وسقيانهم وكسوناهم، (فيقول: سلوني)، فيقولون: نسألك رضاك، فيقول: رضائي أَحَلَّكُمْ دَارَ كَرَامَتِي. فيفعل ذلك بأهل كل درجة. قال: ولو أن امرأة من الحُورِ تَطَلَّعَتْ لأَهْلِ الأرض لأطفأ ضوء سِوَارِهَا الشمس والقمر، فكيف بِالمُسَوَّرَةِ.
وأجاز أبو حاتم الوقف على: " سلام " وهو لا يجوز، لأن الجملة التي قبل قَوْلٍ عملت فيه فقامت مقام العامل.
ثم قال (تعالى) " ﴿وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون﴾ (أي): اعتزلوا وانفردوا
стр. 5981
أيها الكافرون عن المؤمنون.
قال قتادة: عزلوا عن كل خير.
وروى محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: " إذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أَمَرَ الله جَلَّ ذِكرُهُ جَهَنّمَ، فَيَخْرُجُ مِنْهَا عُنُقٌ سَاطِعٌ مُظْلِمٌ، ثُمَّ يَقُولُ/: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابنيءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعبدوني هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ إلى قوله: ﴿كُنتُمْ] تُوعَدُونَ﴾ ثم يقول: ﴿وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون﴾، فَيَتَميَّزُ النَّاسُ ويَحْثُونَ، وهو قوله (تعالى ذكره):
﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ (كُلُّ أُمَّةٍ) ﴿تدعى إلى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: ٢٨].
وقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ أي: (ثم قال): ألم أوصيكم وآمركم في الدنيا ألا تطعيوا الشيطان في المعاصي، وأعلمتكم أنه لكم عدو مبين، وأنه أخرج أبويكم من
стр. 5982
الجنة لِعَدَاوَتِهِ لَهُمَا.
ثم قال: ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ أي: ألم أعهد إليكم أن اعبدوني وأخلصوا العبادة لي.
﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: عبادتكم إياي خالصاً هو الصراط المستقيم.
ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ أي: أضل الشيطان منكم خلقاً كثيراً فأطاعوه، وجِبِلاًّ بكسر الجيم، والتشديد جمع جِبِلَّة.
و (من) قرأ بضم الجيم والباء والتخفيف جعله جمع جَبِيلٍ كَسَبِيلٍ وَسُبُلٍ.
وَجَبِيلٍ معدول عن مَجْبُولٍ كَجَريحٍ بمعنى مَجْرُوحٍ.
وكذلك قراءة من أسكن الباء وضم الجيم وخفف، إنما أراد الضم ولكن أسكن استخفافاً.
стр. 5983
ثم قال: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون أنه لا ينبغي أن يطاع من هو عدو، والكلام كله بمعنى التوبيخ والتقرير، أي قد عهدت إليكم ذلك.
ثم قال: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي: في الدنيا، فتكذبون (بها). (و) جهنم أول باب من أبواب النار.
ثم قال: ﴿اصلوها اليوم﴾ (أي): احترقوا فيها، وَرَدُوهَا جزاء بكفرهم في الدنيا بها وبالله ورسله.
قوله (تعالى ذكره): ﴿اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ﴾ إلى آخر السورة.
أي: نطيع (على) أفواه المشركين.
﴿وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي: بما عملوا في الدنيا.
﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ أي: بما سعت فيه من المعاصي.
روي أن الذي ينطبق (من) أرجلهم أفخاذهم من الرجل اليسرى.
стр. 5984
قال أبو موسى: يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فيعرض عليه ربه عمله فيما بينه وبينه، فيعترف فيقول: نعم إني عملته، قال: فيغفر الله (منه) ذنوبه ويستره منها. ويدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرض عليه ربه عمله، فيجحده فيقول: أي: ربي وعزتك لقد كتب عَليَّ هذا المَلَكُ ما لم أعمل، فيقول له المَلَكُ: أما عملت كذا يوم كذا؟ فيقول: (لا) وعزتك، (أي): رب ما عملته، فإذا فعل ذلك ختم الله على فِيهِ. قال أبو موسى: فإني أحسب أول ما ينطق منه لفخذه اليمنى ثم تلى الآية: ﴿اليوم نَخْتِمُ. . .﴾.
وعن النبي ﷺ أنه قال: " أَوَّلُ شَيْءٍ يَتَكَلَّمُ مِنَ الإنْسَانِ يَوْمَ يُخْتَمُ عَلَى الأَفْوَاهِ فَخِذُهُ مِنْ رِجْلِهِ اليُسْرَى "، رواه عقبة بن عامر عنه.
ثم قال (تعالى): ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ أي: لأعميناهم عن الهدى فلا
стр. 5985
يهتدون إلى طريق الحق أبداً. قاله ابن عباس.
وقال الحسن: (معناه): لو شاء لتركهم عمياً يترددون.
وكذلك قال قتادة.
وهو اختيار الطبري، لأن القوم كانوا كفاراً، فلا معنى لعماهم (عن) الهدى وهم كذلك كانوا، والمعنى عنده: لو نشاء لعاقبناهم على كفرهم فأعميناهم فلا يبصرون طريقاً في تصرفهم إلى منازلهم ولا إلى غيرها.
وقيل معنى: ﴿فاستبقوا الصراط﴾ أي: فبادروا إذا حدث بهم العمى إلى منازلهم/ ليلحقوا بأهلهم.
والأَطْمَسُ هو الذي لا يكون بين عينه شق.
وحكى الكسائي طَمَسَ يَطْمِسُ وَيَطْمُسُ.
стр. 5986
ثم قال (تعالى): ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ على مَكَانَتِهِمْ﴾ أي: لأفقدناهم جزاء على كفرهم، فلا يستطيعون أن يمضوا إلى أمامهم ولا يرجعون إلى ورائهم، هذا قول الحسن وقتادة.
وقال ابن عباس: معناه: لأهلكناهم في منازلهم.
وقيل: المعنى: لو شاء الله لمسخهم في الموضع الذي اجترؤوا فيه على معصية الله، فلا يقدرون على المضي ولا على الرجوع.
وقال ابن سلام: هذا كله في القيامة، قال إذا كان يوم القيامة مُدَّ الصِّرَاطُ، ونادى مُنادٍ لِيَقُمْ محمد ﷺ وأمته، فيقومون بَرُّهم وفَاجِرُهُمْ يتبعونه فيتجاوزوا الصراط فإذا صاروا عليها، طمس الله أعين فُجَّارهم، فاستبقوا الصراط فمن/ أين يبصرونه حتى يجاوزوه، (قال): ثم ينادي مناد ليقم عيسى وأمته فيقومون فيتبعونه بَرُّهُمْ وفاجِرُهُم فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذلك سائر الأنبياء. والعرب تقول
стр. 5987
مَكَانٌ وَمَكَانَةٌ، وَدَارٌ وَدَارَةٌ.
وحتى ابن الأعرابي: أن العرب تجمع مكاناً على أمكنة ومكنات.
ثم قال (تعالى): ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق﴾ أي: نرده إلى مثل حاله الأولى من الضعف وقلة العلم والفهم، بمنزلة قوله:
﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [النحل: ٧٠].
ثم قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر﴾ أي: لم نُعَلِّمَ محمداً الشعر، بل علمناه القرآن، وليس هو شعر كما قال المشركون.
﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ أي: ما ينبغي له أن يكون شاعراً.
وقيل: معناه: ما يسهل له قول الشعر.
وقالت عائشة: " لَمْ يَتَمَثَّلْ رَسُولُ الله ﷺ بِبَيْتِ شِعْرٍ قَطُّ إِلاَّ بِبَيْتِ طَرَفة
стр. 5988
فَجَعَلَ آخِرَهُ أَوَّلَهُ وأَوَّلَهُ آخِرَهُ، وهو قول طرفة: " سَتُبْدِي لَكَ الأَّيَّاُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً " البيت. فكان يقول: وَيَأْتِيكَ مَنْ لمَمْ تُزَوِّدِ بِالأَخْبَارِ.
فأما ما روي عنه من قوله ﷺ :
" أنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ ... أَنَ ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ ".
فإنه فيما ذُكِرَ أنه كان يعرب: (كذباً) و (المطلب)، وإذا أعربها لما يكن شعراً.
ثم قل: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما هذا القرآن إلا ذكر وليس شعر، أنزله على محمد لينذر من كان حياً، وهو المؤمن، مثل قوله: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر﴾ [يس: ١١].
стр. 5989
وقال الضحاك: مَنْ كَانَ حَيَّاً هو العاقل.
ثم قال: ﴿وَيَحِقَّ القول عَلَى الكافرين﴾ أي: ويجب عليهم العذاب الذي تقدم لهم في علم الله أنهم صائرون إليه بكفرهم.
ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون أنا خلقنا لهم من خَلْقِنَا أنعاماً، وهي المواشي والإبل، ومعنى ﴿أَيْدِينَآ﴾ أي: بقوتنا وقدرتنا كان خَلْقُنَا لَهُمْ.
[ثم قال: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ أي: مصرفون لهم كيف شاؤوا].
ثم قالوا: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ (أي): سهلناها لهم فلا تعدو عليهم.
﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ أي: ما يركبون.
وقرأت عائشة " رَكُوبَتُهُمْ ".
قال أبو عبيدة: الرَّكُوبَة تكون للواحدة والجماعة، والركوب لا يكون إلا
стр. 5990
للجماعة.
قال البصريون: حذفت الهاء من " ركوبهم " على النسب، والأصل الهاء.
قال الكوفيون: العرب تفرق في فَعُول بين ماله الفعل، وبين ما الفعل واقع عليه، فيقولون: امرأة صبور وشكور، بغير هاء، ويقولون: شاة حَلُوبَةٌ ونَاقَةٌ رَكُوبَةٌ. ثم قال (تعالى): ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ (أي): لحوم الإبل والمواشي.
(ثم قال تعالى): ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ يعني في أصوافها وأوبارها وجلودها وغير ذلك.
ثم قال: ﴿وَمَشَارِبُ﴾ يعني ألبانها.
﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ أي: يشكرون الله على هذه النعم التي خلق (لهم).
следующие страницы →