← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

ثم قال/: ﴿يابني إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ أي: سأذبحك. روي أنه أُمِرَ في المنام بذبحه. وذكر أنه حين بُشِّرَ به نذر أن يجعله إذا وُلِدَ له ذبيحاً. فلما وُلِدَ وبلغ (معه) السعي - مع أبيه -، أُري في المنام فقيل له: فد الله بنذرك. ورؤيا الأنبياء يقين. قال السدي: لما قال جبريل/ ﷺ لسارة أبشري بولد إسمه إسحاق، ضرب وجهها عجباً، وقالت: أألد وأنا عجوز، وهذا بعلبي شيخاً، إن هذا لشيء عجيب، فقالت سارة لجبريل ﷺ : ما آية ذلك؟ فأخذ جبريل ﵇ عوداً يابساً فلواه بين أصابعه فاهتز خضرة، فقال إبراهيم: هو الله إذاً ذبيحاً، فلما كبر إسحاق أتي إبراهيم في النوم، فقيل له: أوْفِ لله بنذرك الذي نذرت، إن الله رزقك غلاماً من

стр. 6057

سارة، فقال لإسحاق: انطلق نقرب قرباناً إلى الله ، وأخذ سكيناً وحبلاً، ثم انطلق معه حتى إذا ذهب بين الجبال قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ قال: با بني إني رأيت في المنام أني أذبحك فانظر ما ترى؟، ﴿قَالَ يا أبت افعل مَا تُؤمَرُ ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين﴾. ثم قال له إسحاق: يا أبت أشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لاينضح عليها من دمي بشيء فتراه سارة فتحزن، وأسرِع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي، فإذا أتيت سارة فاقرأ عليها من السلام، فأقبل عليه أبراهيم يقبله وقد ربطه وهو يبكي وإسحاق يبكي، حتى استنقع الدموع تحت خد إسحاق، ثم إنه جر السكين على حلقه فلم تحك السكين، وضرب الله صفحة من نحاس (على حلق إسحاق)، فلما رأى ذلك ذوب به على جبينه وحز في قفاه، فذلك قوله (تعالى): ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ (أي): أسلما الأمر لله ورضيا بالذبح، الذابح والمذبوح، وتله: صرعه. والجبين: ما عن يمين الجبهة و (عن) شمالها. قال قتادة: تله: كبه وحول وجهه إلى قفاه.

стр. 6058

قال ابن عباس: كبه على جبهته. (قال السدي): فنودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا بالحق، فالتفت فإذا بكبش فأخذه وخلى عن ابنه، وأكب على ابنه يقبله، وهو يقول: اليوم يا بني وُهِبْتَ لي، فهو قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، فرجع إلى سارة فأخبرها الخبر فجزعت، وقالت: يا إبراهيم أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني. قال عكرمة في معنى ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾: قال له الغلام: (يا أبت) اقذفني للوجه كي لا تنظر إلى وجهي فترحمني [وأنظر أنا إلى الشفرة فأجزع. قال مجاهد: " وتله للجبين " وضع وجهه على الأرض]، فقال له: يا أبت لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني، فلا تحن علي، اربط يدي إلى

стр. 6059

(المرفقين)، ثم ضع وجهي في الأرض. ومن قرأ (تَرَى) بفتح التاء والراء، فمعناه: ماذا عندك من الرأي فيما قلت لك، على معنى الامتحان لإسحاق، لا (على) معنى الاستشارة له في أمر الله. ومن ضم التاء، فمعنى قراءته: ماذا ترى [من صبرك أو جزعك. وقيلأ: معنى الكلام: ماذا] تشير، امتحاناً له. وغلط أبو عبيد وأبو حاتم في هذا فجعلاه من رؤية العين، وليس كذلك،

стр. 6060

إنما هو في معنى الرأي. تقول أريت فلاناً الصواب وأريته رشده. قال ابن عباس: إن الله لما أمر ابراهيم بالمناسك، عرض له الشيطان عند المسعى، فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل ﷺ إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرمى بسبع حصيات حتى ذهب، [ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب]. ثم تلّه للجبين وعلى إسماعيل قميض أبيض، فقال (له): يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غير هذا، فاخلعه عني فكفني فيه، فالتفت إبراهيم ﷺ فإذا بكبس أعين أبيض أقرن فذبحه.

стр. 6061

قال ابن عباس: لقد رأيتنا نتبعُ هذا الضرب من الكباش. وجواب لما محذوف، والتقدير: فلما أسلما سُعِدَا وأجزل لهما الثواب. وقال الكوفيون: الجواب: ناديناه، والواو زائدة. وقوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ﴾ التي أريناك في منامك أن تذبح ولدك. ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ أي: كما خلصنا الذبيح والذابح من الشدة والكرب، كذلك نخلص من أحسن بالعمل الصالح من الشدة والكرب. ثم قال: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين﴾ إي: إن أمرنا لك بذبح ابنك لهو الاختبار الظاهر. وقال ابن زيد: / البلاء في هذا الموضع الشر والمكروه. وقيل: المعنى: إن هذا الفداء الذي فديناه به من الذبح لهو النعمة الظاهرة. وقيل: لا يقال في الاختبار إلا الابتلاء. يقال أبلاه الله إذا أنعم عليه أو

стр. 6062

امتحنه وبلاه إذا اختبره. والذِّبْح بالكسر المذبوح، والذَّبح بالفتح المصدر. وقال كعب الأحبار/: لما أري ابراهيم ﷺ [ ذبح إسحاق قال الشيطان] [والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم] لا أفتن منهم أحداً أبداً (فتمثل الشيطان لهم رجلاً يعرفونه، فأقبل حتى خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه، دخل على سارة، فقال لها: (أين أصبح) إبراهيم غادياً بإسحاق؟ قالت سارة: غدا لبعض حاجته. قال

стр. 6063

الشيطان: (لا) والله ما لذلك غدا، قالت سارة: فَلِمَ غدا به؟ قال: غَدَا بِهِ ليذبحه، قالت سارة: ليس من ذلك شيء، لم يكن ليذبح ابنه، قال الشيطان: بلى والله. قالت سارة: فَلِمَ يذبح؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قالت: فهذا أحسن أن يطيع ربه إن كان أمره بذلك. فخرج الشيطان من عند سارة حتى أدرك إسحاق، وهو يمشي على إثر أبيه، فقال له: أين أصبح أبوك غادياً بك؟ قال: غدا بي لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله ما غدا بك لبعض حاجته، ولكنه غدا بك ليذبحك، قال إسحاق، ما كان أبي ليذبحني، قال: بلى، قال: لِمَ؟ قال: زعم أنه ربه أمره بذلك. قال إسحاق: فوالله لئن أمره بذلك ليطيعنه. فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم، فقال: أين أصبحت غادياً بابنك؟ قال: غدوت به لبعض حاجتي، قال: أما والله ما غدوت به إلا لتذبحه، قال: لِمَ أذبحه؟ قال: زعمت أن ربك أمرك بذلك، قال إبراهيم: فوالله (إِنْ) كان أمرني بذلك لأفعلن. قال كعب: أوحى الله إلى إسحاق أني أعطيتك دعوة استجبت لك فيها، قال: إسحاق اللهم إني أدعوك أن تستجيب لي، أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك شيئاً فأدخله الجنة. وروي أن الكبش الذي فدي به هو الكبش الذي تُقُبِّلَ من ابن آدم حين قربه. وقال ابن عباس: " بذبح عظيم " (بكبش قد) رعى في الجنة أربعين سنة.

стр. 6064

وقال الحسن: ما فدي إلا بتيس من الأوري أُهْبط عليهما من ثبير. وقيل: فدي بوعل. الوعل: التيس الجبلي. وأجاز بعض العلماء نسخ الشيء قبل فعله، واستدل بأن هذه الآية قد نسخ الله فيها الأمر بالذبح بالفداء (له) بالكبش قبل فعله. ومثله عنده أمر الله النبي ﷺ بفرض خمسين صلاة، ثم رده إلى خمس. ومثله الأمر بالصدقة قبل مناجاة النبي ﷺ في سورة المجادلة، ثم نسخه بالترك.

стр. 6065

[وقال غيره: لا يجوز في هذا نسخ لأنه بَدَاء، لو قلت: قم، ثم قلت لا تقم لكان] بداء، وذلك لا يجوز على الله جل ذكره بل فعله إبراهيم ما أمر به من أخذ السكين والإضجاع وغير ذلك. وهذا عند الحذاق من العلماء، إنما هو من تأخير البيان.

стр. 6066

ومن قال: إنه نسخه، فإنما فعل ذلك لأن تأخير البيان لا يجوز عنده، وهو (الغاساني). ولو جاز أن يقال: إن هذا منسوخ لجاز في قوله: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ثم بَيَّنَهَا بعد ذلك فيكون البيان ناسخاً لما تقدم، وهذا لم يقله أحد. ويدل على جواز تأخير البيان قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]. وثم تدل على

стр. 6067

التراخي. وقد بينا هذا في كتاب " الناسخ والمنسوخ " بأبين من هذا. ويروى أن إبراهيم ﷺ لمَّا أراد أن يذبح ابنه قال له: اربطني، فلما أسلما لأمر الله ووضع السكين على حلقه، بعث الله نحاساً فكان على حلقه فجر على النحاس، ثم نودي فالتفت فرأى الذبح وراءه، فقال إبراهيم: يا بني إنك نبي وإن لك لدعوة أُعطيتَها كما أُعطي الأنبياء فاسأله، فقال إسماعيل: وإني أسأل أن يغفر لكل عبد مات ولا يشرك به شيئاً. قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم ﵇ ربه فقال: ﴿واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي

стр. 6068

الثناء الحسن، فأبقى الله عليه يقال: ﴿سَلاَمٌ على إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة/ من الله أن يذكر الإنجيل. ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصالحين﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) / بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه.

стр. 6069

ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعلى إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهوالمطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراً يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقالم الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة.

стр. 6070

وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا على موسى وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ الكرب العظيم﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ الغالبين﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالين. وقال الفراء: الضيمر في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ الغالبين﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الكتاب المستبين * وَهَدَيْنَاهُمَا الصراط المستقيم * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخرين * سَلاَمٌ على موسى وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جع في موضع التثنية لأنهما عظيماً الشأن جليلا القدر. والعرب

стр. 6071

تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. ومعنى ﴿المستبين﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخرين﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المرسلين﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن

стр. 6072

هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخالقين﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي.

стр. 6073

وري ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها/ من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسواك ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون/ الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله ، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكان ملوك بني إسرائيل قد افترقت في

стр. 6074

البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من نعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان

стр. 6075

حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إليا لأبنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. وفآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كاما قالهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء،

стр. 6076

قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عهنم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم في من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولانزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله أوحى إليه: أخرج إلى بلك كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، / وألبسه النور، / (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة

стр. 6077

إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عن هـ: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخالقين﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿الله رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين * سَلاَمٌ على إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيال: " سلام على آل ياسين "، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء.

стр. 6078

ومن قرأ " اليَاسِينَ " غير مقطوع. فقال ابن إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة حكى الأشعرون،

стр. 6079

يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الحظ مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجميه في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس والياسين هو واحد. قال السدي: " سلام على الياسين " هو: إلياس.

стр. 6080

قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل أخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ المرسلين﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم.

стр. 6081

وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي الغابرين﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: " في الغابرين " في الهالكين. وقيل: في " الغابرين ": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخرين﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. " وبالليل " وقف كاف، و " تعقلون " التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه

стр. 6082

بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى الفلك المشحون﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له/: آبق لأنه خرج بغير أمر الله مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. " فَسَاهَمَ " أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من/ حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ المدحضين﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي

стр. 6083

قليلة وقوله: ﴿فالتقمه الحوت﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب. قوله (تعالى ذكره): ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين﴾ إلى قوله: ﴿أَلِرَبِّكَ البنات وَلَهُمُ البنون﴾. أي: لولا أنه كان من المصلين قبل البلاء والعقوبة للبث في بطن الحوت إلى يوم القيامة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إِنَّ يُونُسَ حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُو الله وَهُوَ فِيْ بَطْنِ الحُوتِ، قَالَ: اللَّهُمَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنْتُ مِنَ الظَّالمِينَ. فَأَقْبَلَتِ الدَّعْوَةُ

стр. 6084

نَحْوَ العَرْشِ، فَقَالَتِ المَلاَئِكَةُ: يَا رَبِّ هَذَا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلاَجٍ غَرِيْبَةٍ، فَقَالَ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: يَا رَبِّ، وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَبْدِ يُونُسَ، قَالُوا: أَعَبْدُكَ يُونُسَ الذِي لِمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُجَابَةٌ! أَفَلاَ يَرْحَمُ بِمَا كَأنَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنْجِيَهُ مِنَ البَلاَءِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ الحُوتَ فََطَرَحَهُ بِالعَرَاءِ ". قال ابن عباس وابن جبير والسدي: " من المسبحين ": من المصلين. وكان الضحاك بن قيس يقول على منبره: اذكروه في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس كان عبداً ذاكراً فلما أصابته الشدةة دعا الله فذكروه الله بما كان منه، ففرج عنه، وكان فرعون طاغياً باغياً فلما أدركه الغرق قال: آمنت، (الآن وكنت)،

стр. 6085

من المفسدين، فلم يسمع قوله. قال الحسن: فَوَالله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت. قال ابن جبير: لما قال في بطن الحوت: ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧] قذفه الحوت. قال قتادة في قوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: أي: لصار له بطن الحوت قبر إلى يوم القيامة. قال السدي عن أبي مالك: لبث يونس في بطن الحوت أربعين يوماً. ثم قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بالعرآء﴾ أي: ألقاه الحوت في المكان الخالي، هذا قول أهل اللغة. وقال ابن عباس: " بالعراء ": بالساحل.

стр. 6086

وقال قتادة: بأرض ليس فيها شيء ولا نبات. وقال السدي: " بالعراء ": بالأرض. وقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال السدي: كهيئة الصبي. قال ابن عباس: لفظه الحوت بساحل البحر، فطرحه مثل الصبي المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء. قال ابن عباس: كانت رسالة يونس بعد أن ألقاه الحوت. وقال ابن مسعود: أرسل قبل وبعد إلى قومه بأعينهم الذين صرف عنهم العذاب، وهو قول مجاهد والحسن. وروي عن ابن مسعود وغيره: أن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا فجاروا إلى الله

стр. 6087

واستغفروه فكف عنهم العذاب. ولم يكف عنهم العذاب بعد معاينته، إنما رأوا مخايله وعلامات له ذكرهما لهم يونس ﷺ ، فآمنوا وتابوا وتضرعوا (إلى الله) قبل معاينة العذاب، ولو عاينوه لم ينفعهم الإيمان لأن من عاين العذاب نازلاً به سقط عنه حد التكليف، ولم يقبل منه الإيمان كفرعون لما آمن عند معاينة الغرق. وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فمن عاين العذاب لم يقبل منه توبته ولا إيمان، كذلك من عاين الموت وغرغر لم تقبل منه توبة. وإنما قبلت توبة قوم يونس، وإيمانهم قبل معاينتهم لنزول العذاب لما فقدوا يونس، وقد أوعدهم العذاب/ وعلموا صدقه ورأوا مخايل العذاب وأمارته، أيقنوا بنزول العذاب، فقبل الله توبتهم. ولو فعلوا ذلك فور معاينة العذاب لم ينفعهم ذلك كما لم ينفع ذلك فرعون/ وأشباهه لأن معاينة العذاب تسقط التكليف، وإذا سقط التكليف لم يقبل ما تكلفه العبد من العمل. فاعرف هذا الأصل. ويروى أن قوم يونس لما عيانوا العذاب قام رجل منهم فقال: اللهم إن ذنوبنا عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، فافعل فينا ما أنت أهله [ولا تفعل فينا ما نحن أهله]. فكشف عنهم العذاب فخرج يونس ينتظر العذاب فلم يَرَ شيئاً،

стр. 6088

وكان حكمهم أنه من كذب ولم تكن له بينة قتل، فخرج يونس مغاضباً على قومه، فأتى قوماً في سفينة فحملوه، فلما دخل السفينة ركدت، والسفن تسير يميناً وشمالاً، فقالوا ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري: فقال يونس ﷺ : إن فيها عبداً آبقاً من ربها وإنها لن تسير حتى تلقوه. قالوا: أما أنت يا نبي الله فإنا لا نلقيك، قال: فاقترعوا فمن قرع فليقع، فاقترعوا فقرع يونس ثلاث مرات فوقع، فوكل الله جل ذكره حوتاً فابتلعه فهو يهوي به إلى قرار الأرض فسمع يونس تسبيح الحصى، ﴿فنادى فِي الظلمات أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧]. يعني ظلمة الليل والبحر وظلمة بطن الحوت. قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بالعرآء وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. فروي أنه طرح على شاطئ البحر وهو ضعيف كالطفل المولود، فلما طعت عليه الشمس نادى من حرها، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع، وهو

стр. 6089

جمع يقطينة، وقيل: هو كل شجرة لا تقوم على سائق كالقرع والبطيخ ونحوهما. وقال المبرد: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطينة، فإن قامت على ساق فهي شجرة. واشتقاق يقطين: من قطن بالمكان إذا أقام به. وعلى أنها القرع: ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جبير وابن زيد. وقيل: هي شجرة أظلته سماها الله يقطيناً، وليست بالقرع. وقيل: البطيخ، روي ذلك عن بن عباس أيضاً. قال ابن جبير: أرسل الله على الشجرة دابة فقرضت عروقها فتساقطت

стр. 6090

ورقها (فلحقته الشمس فشكاها، فقيل له جزعت من حر الشمس). ولم تجزع لمائة ألف أو يزيدون تابوا فتاب الله عليهم. روي أنهم لما رأوا علامات إتيان العذاب خرجوا وتابوا، وأفردوا الأطفال والبهائم، وضجوا إلى الله مستغيثين تائبين فصرف عنهم العذاب وتاب عليهم. قال ابن مسعود في حديثه: فكان يستظل بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها. فأوحى الله (إليه) أتبكي على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم، قال: وخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال يا غلام: من أنت؟ فقال: من قوم يونس ﵇، قال: فإذا جئتهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس، فقال له الغلام: إِنْ كُنْتَ يونس فقد علمت أنه من كذب قُتِل إذا لم تكن له بينة، فمن يشهد لي؟ قال: هذه الشجرة وهذه البقعة، قال: فَمُرْهُمَا، قال لهما يونس: إذا

стр. 6091

جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة، وكان له إخوة فأتى المَلِكَ فقال: إني (قد) لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. قال: فأمر به أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسلوا معه فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما الله أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم مذعورين، يقولون: شهدت له الشجرة والأرض، فأتوا الملك فأخبروه بما/ رأوا. قال عبد الله: فتناول الملك يد الغلام وأجلسه مجلسه وقال: أنت أحق بهذا المكان مني. قال عبد الله: فأقام ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال أبو عبيدة: أو هنا بمعنى بل. ومثله عنده: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] أي:

стр. 6092

بل مجنون، فليست أو للشك في هذا، إنما هي (بمعنى) بل وهو قول الفراء. وروي عن ابن عباس ذلك. وقال القتبي: أو بمعنى الواو. وقال المبرد: أو على بابها. والمعنى: وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو يزيدون على ذلك. فخوطب العباد بما يعرفون. وقيل: أو على بابها لكنه بمنزلة قولك: جاءني زيد أو عمرو، (و) أنت تعرف من جاءك منهما إلا أنك أبهمت على المخاطب. وقل: " أو " للإباحة. قال ابن عباس: / كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً.

стр. 6093

وقال ابن جبير: يزيدون سبعين ألفاً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿يزيدون عشرين ألفاً﴾ قال ابن جبير: كان العذاب قد أرسله الله إليهم، فلما فرقوا بين النساء وأولادهن والبهائم وأولادها، وعجوا إلى الله جل وعز، كشف عنهم العذاب ومطرت السماء عليهم (ماء). وقوله: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ﴾ أي: أخرنا عنهم العذاب ومتعناهم بالحياة إلى بلوغ آجالهم. ثم قال: ﴿فاستفتهم أَلِرَبِّكَ البنات وَلَهُمُ البنون﴾ أي: سل يا محمد مشركي قريش مسألة تقرير وتوبيخ عن ذلك، لأنهم جعلوا الملائكة بنات الله.

стр. 6094

قال السدي: كانوا يعبدون الملائكة. قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ الله﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. ثم قال: ﴿أَصْطَفَى البنات على البنين﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات

стр. 6095

لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: " سلطان مبين " عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ.
следующие страницы →