← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة، وكان له إخوة فأتى المَلِكَ فقال: إني (قد) لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. قال: فأمر به أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسلوا معه فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما الله أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم مذعورين، يقولون: شهدت له الشجرة والأرض، فأتوا الملك فأخبروه بما/ رأوا. قال عبد الله: فتناول الملك يد الغلام وأجلسه مجلسه وقال: أنت أحق بهذا المكان مني. قال عبد الله: فأقام ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال أبو عبيدة: أو هنا بمعنى بل. ومثله عنده: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] أي:

стр. 6092

بل مجنون، فليست أو للشك في هذا، إنما هي (بمعنى) بل وهو قول الفراء. وروي عن ابن عباس ذلك. وقال القتبي: أو بمعنى الواو. وقال المبرد: أو على بابها. والمعنى: وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو يزيدون على ذلك. فخوطب العباد بما يعرفون. وقيل: أو على بابها لكنه بمنزلة قولك: جاءني زيد أو عمرو، (و) أنت تعرف من جاءك منهما إلا أنك أبهمت على المخاطب. وقل: " أو " للإباحة. قال ابن عباس: / كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً.

стр. 6093

وقال ابن جبير: يزيدون سبعين ألفاً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿يزيدون عشرين ألفاً﴾ قال ابن جبير: كان العذاب قد أرسله الله إليهم، فلما فرقوا بين النساء وأولادهن والبهائم وأولادها، وعجوا إلى الله جل وعز، كشف عنهم العذاب ومطرت السماء عليهم (ماء). وقوله: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ﴾ أي: أخرنا عنهم العذاب ومتعناهم بالحياة إلى بلوغ آجالهم. ثم قال: ﴿فاستفتهم أَلِرَبِّكَ البنات وَلَهُمُ البنون﴾ أي: سل يا محمد مشركي قريش مسألة تقرير وتوبيخ عن ذلك، لأنهم جعلوا الملائكة بنات الله.

стр. 6094

قال السدي: كانوا يعبدون الملائكة. قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ الله﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. ثم قال: ﴿أَصْطَفَى البنات على البنين﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات

стр. 6095

لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: " سلطان مبين " عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ.

стр. 6096

وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاص له وبراءة عما يقولون ويتفرون. ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: " عليه " في قوله " ما أنتم عليه " بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن/ وقتادة والسدي وابن زيد.

стр. 6097

والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب لله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم﴾. وقوله: " صال الجحيم " أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء.

стр. 6098

ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء/ على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: " صال الجحيم ". على أن يرده على معنى " من " فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد.

стр. 6099

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصآفون﴾ روت عائشة رضي الله عن هـ أن النبي ﷺ قال: " مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ ". فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصآفون * وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون﴾.

стр. 6100

ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه فقالت: " وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصآفون﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون﴾ " فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الأولين * لَكُنَّا عِبَادَ الله المخلصين﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ الله المخلصين﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله وأختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به.

стр. 6101

قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في " به " تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ . ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر.

стр. 6102

ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ﴾. قال/ قتادة: " حتى حين ": إلى الموت. وقال السدي " إلى يوم بدر. ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظروهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب. قوله (تعالى ذكره): ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: أفبنزول عذابنا يستعجلون، وهذا قولهم للنبي ﷺ ، متى هذا الوعد. ثم قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: نزل بهم العذاب. والعرب تقول نزل بساحة فلان العذاب ويِعُقُوتِهِ إذا نزل به، والساحة فناء الدار. وقوله: ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ المنذرين﴾ أي فبئس الصباح صباح القوم الذين أُنْذِرُوا بأس الله فلم يتعظوا.

стр. 6103

قال السدي: " بساحتهم " بدارهم. قال أبو إسحاق: كان عذاب هؤلاء بالقتل. يعني (يوم) بدر. وقيل: الحين الأول: إلى حين ينصرك الله عليهم فيهلكهم بأيدي أصحابك، والحين الثاني: قيام الساعة بعذابهم في الآخرة. فهو قوله: " فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين "، أي: إذا نزل العذاب بالسيف عليهم، ثم قال له بعد نزول السيف " فتول/ عنهم حتى حين " أي: إلى الوقت. ثم قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ﴾ أي: أعرض عنهم يا محمد حتى يأذن الله بهلاكهم يوم بدر. وقيل: بالموت. وقيل: في الآخرة. [ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: أنظروهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم في الآخرة]. ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة﴾ أي: تنزيهاً وبراءة لربك يا محمد من السوء، ﴿رَبِّ العزة﴾ أي: رب القوة والبطش، عما يصفونه من اتخاذ الأولاد وشركهم وافترائهم على ربهم.

стр. 6104

وسئل محمد بن سحنون عن قوله تعالى: ﴿رَبِّ العزة﴾ - والعزة صفة من صفات ذات تعالى كالقدرة والعلم، ولا يقال: رب القدرة ولا رب العلم - فقال: إن العزة تكون صفة فعل وصفة ذات نحو قوله: (فلله العزة) فهذه صفة ذات، ونحو قوله: " رَبِّ الْعِزَّة " فهذه صفة فعل، أي العزة التي يتعازز بها الخلق فيما بينهم الله خلقها. فرب العزة معناه: خالق لعزة التي يتعزز بها الناس فيما بينهم. قال محمد بن سحنون: وجاء في التفسير أن العزة في قوله: " رب العزة ": الملائكة، فصارت مربوبة، وكل ما كان مربوباً فهو فعل لله. فالعزة في هذا الموضع: الملائكة كما قال أهل العلم. قال محمد: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله، فإن أراد عزة الله التي

стр. 6105

(هي) صفته ففيه الكفارة إن حنث، وإن أراد العزة التي جعلها الله بين العباد عزة فحنث فلا كفارة عليه ولا يجور رب القدرة، ولا رب العظمة لأنها صفات ذات غير مربوبة. هذا معنى قول محمد بن سحنون مشروحاً مبيناً. قوله: ﴿وَسَلاَمٌ على المرسلين﴾ أي: وأمنة من الله جل ذكره للمرسلين من فزع العذاب الأكبر. روى قتادة أن النبي ﷺ قال: " إِذَا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلَى المُرْسَلِينَ، فَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ مِنَ المُرْسَلِينَ ". ثم قال: ﴿والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ أي: الحمد من جميع الخلق لله خالصاً، رب الثقلين: الإنس والجن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " مَنْ قَالَ: ﴿والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾

стр. 6106

﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ على المرسلين﴾ فَقَدِ اكْتَالَ بِالجَرِيبِ الأَوْفى ". يعني من الأجر الثواب. وروى الخدري عنه أنه كان يقولها في دبر صلاته.

стр. 6107

الهداية إلى بلوغ النهاية لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة ٤٣٧ هـ المجلد العاشر ص - الجاثية ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

стр. 6108

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6109

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة ص مكية قوله تعالى ذكره: ﴿ص والقرآن ذِي الذكر﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. روي أن ابن المسيب كان لا يدع كل ليلة قراءة صاد. وسئل ولده عن ذلك فقال: بلغني: أنه ما من عبد يقرأها كل ليلة إلا اهتز العرش لها.

стр. 6110

وقرأ الحسن بكسر الدال لالتقاء الساكنين على نية الوصل. وقيل: هو فعل للأمر من صادى يصادي إذا عارض، ومنه " ﴿فَأَنتَ لَهُ تصدى﴾ [عبس: ٦] والمعنى: صاد القرآن بعملك، أي: قابله به. وقد روي هذا التفسير عن الحسن أنه فسّر قراءته به.

стр. 6111

وقرأ عيسى بن عمر بفتح الدال على معنى: اتل صاد. فنصب بالإغراء ولم ينصرف لأنه اسم للسورة. وكل مؤنث سميته بمذكر - قلّت حروفه أو كثرت - لا ينصرف. ويجوز أن يكون فُتح لالتقاء الساكنين على نية الوصل، واختار الفتح للإتباع. ويجوز أن يكون منصوباً على القسم، إذ قد حذف الجر، كما تقول: الله لأفعلن. وقرأ ابن أبي إسحاق بالخفض والتنوين على إضمار حرف القسم، وإعماله

стр. 6112

على مذهب سيبويه. وقيل: إنه كسر لالتقاء الساكنين، وشبه بما لا يتمكن من الأصوات فَنَوَّنَهُ. قال ابن عباس: صَ قسم أقسم الله جلّ ذكره به، وهو من أسماء الله . فعلى هذا القول يكون، والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد، وبالقرآن. وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن أقسم به. وقال الضحاك:

стр. 6113

صاد: " صدق الله سبحانه ". وعن ابن عباس أيضاً: صاد صدق محمد ﷺ والقرآن ذي الذكر. فتكون صاد: جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد ﷺ صدق من عنده. وقوله: ﴿ذِي الذكر﴾، " ذي الشرف " قاله ابن عباس وابن جبير والسدي

стр. 6114

(وقيل معناه: ذي الذكر لكم. وهو اختيار الطبري). وقيل معناه: ذكركم الله فيه، مثل قوله: " فيه ذكرهم ". وقيل: ذي الذكر: فيه ذكر الأمم وغيرها. ثم قال تعالى: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، أي: في تكبر وامتناع عن قبول الحق، مثل / قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم﴾ [البقرة: ٢٠٦]. ومعنى: " وشقاق ": ومخالفة، وكأنهم في شق والمسلمون في شق. وجواب القسم: " بل الذين كفروا "، قاله قتادة. فعلى هذا القول يكون: والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد وبالقرآن وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن اقسم به وقال الضحاك.

стр. 6115

صاد صدق الله سبحانه. عن ابن عباس أيضاً: صاد صدق محمد ﷺ والقرآن ذي الذكر فتكون صاد جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد ﷺ صدق من عنده. صدق الله والقرآن، وهو قول الضحاك. وقيل: الجواب محذوف، والتقدير: صاد والقرآن ذي الذكر، ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار، ودل عليه قوله: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. وهذا اختيار الطبري

стр. 6116

وهو مستخرج من قول قتادة. ثم قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾، أي كثير من القرون أهلكنا قبل هؤلاء المشركين الذين كذبوا رسلهم. ﴿فَنَادَواْ﴾، أي: فضجوا إلى ربهم وَعَجُّوا واستغاثوا بالتوبة حين نزل بهم العذاب. ﴿وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، أي: وليس ذلك الوقت حين فرار ولا هرب من العذاب بالتوبة لأنه أوان لا تنفع فيه التوبة. " ولات " حرف مشبه بليس، والاسم في الجملة مضمر. (أي: ليس) حينكم حين مناص. هذا مذهب سيبويه. والتاء دخلت لتأنيث الكلمة، وحكُي أن من العرب من يرفع بها. وهو قليل على حذف الخبر. والوقف عليها عند سيبويه والفراء وابن كيسان وأبي إسحاق بالتاء لشبهها

стр. 6117

بليس، ولأنها كذلك في المصاحف، وهو مذهب الفراء. والوقف عليها عند الكسائي والمبرد بالهاء كرُبَّه وثَمه. ومناص: مَفْعَلٌ من ناص ينوص إذا تأخر. فالنوص التأخر، والبوص التقدم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾، أي: عجب مشركو قريش أن جاءهم منذر منهم ينذرهم بأس الله على كفرهم ولم يأتهم ملكه. ثم قال: ﴿وَقَالَ الكافرون﴾، أي: المنكرون وتوحيد الله ﴿ هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. " هذا " إشارة إلى النبي ﷺ . ثم قال تعالى عنهم: إنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً﴾ أي: أجعل محمد المعبود معبوداً واحداً؟! ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، أي: عجيب

стр. 6118

قال قتادة: عجب المشركون أن دُعُوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجتنا جميعاً إله واحد، ما سمعنا بهذا (في الملة الآخرة). رُوي أن النبي ﷺ قال للمشركين: " أسألكم أن تجيبوني إلى واحدة تدين بها لكم العرب، وتعطيكم بها الخرج العجم. فقالو: ما هي؟! قال: تقولون لاَ إله إلا الله. فعند ذلك قالو: أجعل الآلهة إلها واحداً، تعجباً من ذلك ". وذكر ابن عباس أنه " لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا إنّ ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعث إليه فنهيته. فبعث إليه فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس إلى جنب أبي طالب. فلم يجد رسول الله ﷺ مجلساً قرب عمّه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب. أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول. قال: فأكثروا عليه القول. وتكلم الله ﷺ فقال: يا عمّي إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. ففزعوا لكلمته ولقوله. وقال القوم كلمة واحدة: نعم، وأبيك عشراً، قالوا: فما هي؟! قال أبو طالب: أيُّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: لا إله إلا الله " قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً.

стр. 6119

إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ [ص: ٨]. وفرّق الخليل بين العَجيب والعُجاب، فالعجيب، العَجَب، والعُجاب: الذي قد تجاوز حد العَجضب، وكذلك عنده الطَّويل الذي فيه طول، والطُّوال الذي قد تجاوز حد الطول. وقيل: هما بمعنى، يقول: طَويل وطُوال، وجَسيم وجُسام، وخَفيف وخُفاف، وسَريع وسُراع، ورَقيق ورُقاق، بمعنى. قوله تعالى ذكره: ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا﴾ - إلى قوله - ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحساب﴾. أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً﴾ [ص: ٥]

стр. 6120

يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين آبائكم. وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنماً / يعبدونها من دون الله سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. وقوله: ﴿أَنِ امشوا﴾، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنمار وهو من قول العرب: مَشَى الرجل وأُمْشَى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كَثُرَ وَلَدُها. قال الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... * والشَّاةُ لا تُمْشَى على الهمَلَّعِ أي: لا تُنْهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). ثم قال عنهم إنهم قالو: ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، أي: لشيء يريد بنا محمد - ﷺ يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع. ثم قالو: ﴿مَا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة الآخرة﴾. قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى صلى الله عليه وسلم

стр. 6121

أن محمداً يبعث رسولاً إلينا ولا يأتينا بكتاب. ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق﴾، أي: ما هذا إلا كذب. وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرنا به النصارى. وقال مجاهد: معناه ملة قريش. وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. قال أبو إسحاق: ﴿فِى الملة الآخرة﴾: في النصرانية ولا في اليهودية ولا فيما أدركنا عليه لآباءنا. ثم قال: ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق﴾، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد ﷺ إلاّ كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسداً منهم لمحمد ﷺ . ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: ﴿عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا﴾، أي: كيف خُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من بيننا.

стр. 6122

وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أي: من إحدى القريتين، مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، أي: في شك من القرآن. ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعملوا أن الذين كذَّبوا به حق. ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العزيز الوهاب﴾، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتيح ربك وعطاياه، فَيَخُصُّوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. ثم قال جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب﴾، أي: إن كان لهم مُلْكُ ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد

стр. 6123

وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة. وقال الربيع بن أنس: الأسباب أَرَقُّ من الشعر وأشَدُّ من الحديد، وهو مكان ولكن لا يُرى. والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو قرابة أو طريق أو باب. يقال: رَقِيَ يَرْقَى رَقْياً إذا صعد، كرَضِيَ يرضى. ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقي يرقِي رقياً من الرقية مثل: رمى يرمي رمياً. ثم قال: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن الأحزاب﴾. يعني بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: الذين قال فيهم: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ وهم أشراف قريش الذين هُزِموا وقُتلوا يوم بدر. والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. ومعنى ﴿مِّن الأحزاب﴾: من القرون الماضية.

стр. 6124

قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه ﷺ وهو بمكة أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. وقال الفراء: معناه: هم جنود مغلوب أن يصعد السماء. وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ فأتوا إلى المدينة فهزمهم الله بالريح والخوف. فأعلم الله نبيه ﷺ ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم سيهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد ﷺ وصِدْقِه في جميع ما يَعِدُهُم به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتاد﴾. فرعون هو: الوليد بن مصعب.

стр. 6125

وقيل هو: مصعب بن الديان. وقيل: كان يسمى كل من مَلَكَ مصر فرعون، كما يسمى كلُّ من ملك اليمين تبّعاً، ومن مَلَكَ فارس كسرى، ومن مَلَكَ الروم قيصر وهرقل. قال المبرد: كَسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. وإنما نُعِتَ فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن جبير. وقال السدي: كان يُعِّبُ الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع (الصخرة تمد بالحبال) ثم تُلقى عليه فتشدخه. وقال الضحاك: ﴿ذُو الأوتاد﴾: ذو البُنيان. وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء.

стр. 6126

وقوله: ﴿أولئك الأحزاب﴾، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى والكفر به . ثم قال: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل﴾، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هؤلاء إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " لَمَّا فَرَغَ الله مِنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ وأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ. فَهْوَ واضِعُهُ عَلَى فيهِ، شَاخِصٌ إلى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال: قَرْنٌ. قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَة الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهَ. وَيَأْمُرهُ الله فَيُدِيُمَها وَيُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ. وَهِيَ الَّتي يَقُولُ اللهُ جَلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَنظُرُ هؤلاء إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ ".

стр. 6127

وقال ابن عباس: ﴿فَوَاقٍ﴾: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: " من رجوع ". وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذاباً يهلكهم. فالصيحة عنده: العذاب. ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يُغشى عليه. وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. والقط من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة.

стр. 6128

فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو مثل قولهم: " ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] " الآية. وقال السدي: إنما سألوا تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا حقيقة ما يعدهم به محمد ﷺ . وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره. هذا قوله تعالى ذكره: ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمرهم بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول.

стр. 6129

ثم قال: ﴿واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيد﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: " أُعْطِيَ داود قوة في العباد وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاع عما يكره الله إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتاجة: كان مطيعاً لله كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح.

стр. 6130

ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله حين سلَّم / بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقشاء حوائج أهله. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق﴾، أي: يسجن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بالعشي والإشراق﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا وصفت وأضاءت. فإذا صلى داود
следующие страницы →