← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

المجاهدين منهم. وقال عكرمة: " نزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر الغفاري وهو جندب ابن السكن خرجوا/ مهاجرين وطلبهم أهلوهم، فأما أبو ذر فانفلت منهم، وأما صهيب فأخذوه أهله، وافتدى بأهله وماله من مولاه وكان مملوكاً لزيد بن جدعان. وروي أنه كان يعرف بالرومي وأصله من العرب، وإنما سمي بذلك لأنه سبي وهو صغير، فسار إلى الشام، فتغير لسانه ثم صار مملوكاً لزيد بن جدعان، فلما أمر النبي [﵇] بالهجرة آمن وافتدى من مولاه بماله كله، وخلى سبيله/، فخرجت بنو تميم في طلبه، فلما أدركوه أخذ

стр. 632

قوسه وخوفهم من قبله، وتواعدهم، فخافوا رميه ونبله وكان رامياً مجوداً فرجعوا وتركوه، فلما وصل المدينة قال له عمر: " ربح بيعك لا تقيل ولا تقال ". وشهد بدراً، ففيه نزلت ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابتغآء﴾ الآية. فيشري على هذا القول بمعنى يشتري، وعلى القول الأول بمعنى " يبيع ". وقال الربيع: " نزلت في رجل منع الخروج إلى النبي [ ﷺ ] فافتدى منهم بداره وماله، وخلوه فخرج إلى النبي ﵇ فلقيه عمر في رجال فقال: ربح بيعك، قال: وبيعك، فلا خَسِر، فما ذاك؟ قال له: أنزل فيهك كذا وكذا ". وقيل: نزلت الآية في رجل مسلم حمل على المشركين، بسيفه غضباً لله إذ

стр. 633

سمع الكفر به من رجل من المشركين، فقاتل حتى قتل. فيشري على هذا بمعنى/ يبيع. وقيل: نزلت في رجل مسلم قال لمشرك: قل: لا إلا الله. فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشربن نفسي من الله ". أي لأَبِيعَنَّهَا، ثم تقدم فقاتل حتى قتل ﵀. وقال ابن المسيب: " أقبل صهيب مهاجراً فاتَّبعه نفر من المشركين. فنزل عن راحلته وانتشر ما في كنانته، وقال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً وأَيْمُ الله، لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. فعادهوه على أن يدلهم على بيته ماله بمكة ويدعوه

стр. 634

ففعل، وقدم على النبي [﵇] فقال له: أبا يحيى، رح البيع، فأنزل الله ﴿وَمِنَ الناس﴾ الآية. وقيل: إنه عني بها كل من باع نفسه من الله، روي ذلك عن عمر وغيره. وهو أولى بظاهر الآية عند الطبري وغيره. قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ ادخلوا فِي السلم﴾. / قال ابن عباس: " السِّلْمُ - بالكسر - الإسلام " وهو قول أبي عمرو.

стр. 635

وَالسَّلْمُ - بالفتح - المسالمة والصلح. فعلى هذا يكون الكسر هنا أقوى وأحسن لأن الخطاب للمؤمنين، فليس للصلح وجه. وأهل اللغة يسوون بينهما، / قاله الكسائي وغيره، ومعنى أمره إياهم بالدخول في الإسلام وهم مؤمنون على قول الضحاك، إنه إنما خاطب من آمن بالأنبياء أن يؤمنوا بمحمد [﵇]. وقال عكرمة: " نزلت في ابن سلام وابني كعب: أسد وأسيد، قالوا بعد إسلامهم لرسول الله [﵇]: إن السبت كان مفروضاً فأذن لنا أن نسبت وإن التوراة كتاب الله، فأذن لنا أن نحكم بها فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ ادخلوا فِي السلم﴾، أي في الإسلام. ﴿كَآفَّةً﴾: أي في جميعه، فيكون " ﴿كَآفَّةً﴾ " على هذا القول حالاً من السلم.

стр. 636

وقيل: هي مخاطبة لجميع من آمن بمحمد ﷺ ، ومعناها: ادخلوا في جميع شرائع الإسلام وحدوده. وقيل: نزلت في عبد الله بن سلام كان يقيم شرائع التوراة وشرائع القرى،، فأنكر ذلك [عليه المسملون]، فقال: أنا أقوى على هذا، فنزلت الآية فترك ما كان عليه ورجع إلى شرائع الإسلام وما في القرآن. واختار الطبري قراءة الكسر في السلم. ويختار أن يكون مخاطبة للمؤمنين بمحمد [﵇] وأن الصلح لا معنى له على هذا، واختار ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١] لأنهم دعوه إلى الصلح، وليس في القرآن موضع أمر الله فيه المؤمنين بأن يبتدئوا بالصلح، إنما أمرهم بذلك إذا بدأهم به المشركون ورغبوا فيه، فلذلك يختار الكسر في البقرة لأنا لو فتحنا لأوجبنا أن الله أمر المؤمنين أن يبدأوا

стр. 637

المشركين بالصلح، ويختار الفتح في " الأنفال " لأنه قلا: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١] / أي ابتدأوا وطلبوا ذلك منك، فافعل ما سألوا وتوكل على الله. وإذا كان التأويل أن المؤمنين بمحمد ﷺ أمروا بذلك أو بضعهم، فيكون ﴿كَآفَّةً﴾ حالا من السلم على معنى: " ادخلوا في الشرائع كافة "، أي في جميعها. وإذا كان التأويل أن المؤمنين بالأنبياء - صلوا الله عليهم - الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ ، أمروا بالإيمان لمحمد ﷺ ، فيكون " كافة " حالاً من المأمورين، أي ادخلوا جميعاً. وقال ابن عباس: " هم أهل الكتاب أمروا بالإيمان بمحمد ﷺ بالدخول في شرائعه ". ومعنى " كافة " الإحاطة والعموم، من " كَفَفْتُ فلاناً عن/ كذا "، منعته، ومنه " رجل مَكْفٌوفٌ " أي ممنوع من النظر، ومنه " كَفَّهُ الميزان لأنها تَكُفُّ الأخرى، أي تمنعها من أن تميل بها. ومنه سمي الْكَفُّ لأنه يمتنع بها. فمعناه على هذا إذا جعلت حالاً من الضمير: لا يمتنع منكم أحد أن يكف بعضهم بعضاً من الامتناع.

стр. 638

وجعله حالاص من " السلم "، فمعناه: تمنعكم هذه الشرائع من اتباع غيرها. قوله/: ﴿خُطُوَاتِ الشيطان﴾. أي آثاره. وقال الضحاك: " هي الخطايا التي يأمر بها ". قوله: ﴿فَإِن زَلَلْتُمْ﴾. أي أخطأتم. وقيل: ضللتم. وقال ابن عباس: " هو الشرك ". والبينات محمد ﷺ والقرآن. وقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ أي ذو عز لا يمنعه من الانتقام منكم مانع ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يفعله بكم من العقوبة على زللكم بعد إقامة الحجة وظهور البراهين. قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام والملائكة﴾. مَن خَفَضَ " الملائكة " عَطَفَ على " ﴿ظُلَلٍ﴾ ".

стр. 639

وقال أبو إسحاق: " هي عطف على الْغَمَامِ "، وهي قراءة أبي جعفر، وقراءة الجماعة [الرفع على العطف] على الاسم المرفوع بعد " يَأتِيَهُمْ ". وقرأ أبو جعفر " في ظُلالٍ وَقَضَاءِ الأَمْرِ " بالمد والخفض. وفي قراءة أبي: " إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ وَالْغَمَامُ فِي ظلل مِنَ المَلاَئِكَةِ ". وهذا الإتيان عند أكثرهم يوم القيامة يكون. وقال قتادة: " ذلك عند الموت ". وهو قول شاذ. وقيل: معنى ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾، " بظلل "، ففي بمعنى " الباء ". وهذا قول حسن بَيِّن.

стр. 640

قال عكرمة: ﴿ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾ " طاقات منه والملائكة حوله ". وأكثر أهل التفسير على أن في الكلام تدقديماً وتأخيراً في قراءة من رفع الملائكة، والمعنى: إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام. قالوا: والرب يأتي كيف شاء، و ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾ من حال الملائكة. وجماعة منهم على أنه تعالى يأتي في ظلل من الغمام، وتأتي الملائكة/ كيف شاء. وهذا اختيار الطبري. وروى ابن عباس عن الن بي [﵇] أنه قال: " إن الغمامة [طاقات يأتي الله جل وعز] فيها محفوفاً ". قال أبو محمد رضي الله عن هـ: [ويجب] أن تعتقد أن صفات الله جل ذكره بخلاف صفات المخلوقين، فلا تعتقد إلا أن الإتيان والمجيء من الله ﵎ صفة وصف بها نفسه لا إتيان انتقال وتغير حال، تعالى الله عن ذلك.

стр. 641

وقد قدره قوم على حذف كأنه " إلا أن يأتيهم أمر الله ". وقيل: معناه: ثواب الله وعقابه. وهذا كله توعد لمن تقدم ذكره من التاركين للدخول في الإسلام ولسعيهم بالفساد في الأرض. ومعنى: ﴿وَقُضِيَ الأمر﴾: فرغ منه. قوله: ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾. أعلمنا تعالى برد الحساب والعقاب إليه والأمور الآن وفي كل وقت إليه مصيرها، وبيده تصرفها، وعن مراده كونها. وإنما خص ذلك الوقت بالذكر لأنه وقت لا يدعي فيه أحد أمراً ولا نهياً ولا ملكاً ولا مقدرة، والدنيا يها الجبارون والكافرون يدعون ذلك لأنفسهم، والآخرة لا يدعي فيها أحداً شيئاً، فلذلك خص الله رد الأمور إليه/ في الآخرة مع كونها مردودة إليه في الدنيا. قوله: ﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ﴾ الآية.

стр. 642

كتبوا في المصحف ﴿نِعْمَةَ الله﴾ هاهنا بالهاء، وكذلك في سائر القرآن إلا أحد عشر موضعاً كتبت بالتاء: في البقرة: ﴿واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ [الآية: ٢٣١]. وفي آل عمران ﴿واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ﴾ [الآية: ١٠٣]. وفي المائدة: ﴿اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ﴾ [الآية: ١١]. وفي إبراهيم: ﴿نِعْمَةَ الله كُفْراً﴾ [الآية: ٢٨]. وفيها: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]. وفي النحل: ﴿وَبِنِعْمَتِ الله هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [الآية: ٧٢]. / وفيها: ﴿نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣]. وفيها ﴿واشكروا نِعْمَتَ الله﴾ [النحل: ١١٤]. وفي لقمان: ﴿تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله﴾ [الآية: ٣١]. وفي فاطر: ﴿نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ [الآية: ٣]. وفي: والطور: ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [الآية: ٢٩]. والأصل في جميعها التاء، ولكن من موقف بالهاء فإنما ذلك للفرق بين الأفعال

стр. 643

والأسماء نحو " قامت " و " شجرة ". [وقال] سيبويه: فعل ذلك للفرق بين التاء الأصلية والملحقة والزائدة في " العنت " و " ألفت "، و " عفريت "، و " ملكوت " و " شجرة ". وهذه هي التاء الزائدة. ولغة طيء الوقف بالتاء. وقال الفراء: " من وقف بالتاء، أراد الوصل، ومن قف بالهاء أراد الوقف الصحيح ". وأنكر ذلك ابن كيسان وغيره. [وكل ما] كتب منه بالتاء، فمذهب المدنيين الوقف بالتاء على ما في المصحف. ومذهب أبي عمرو والكسائي وخلف وابن كيسان الوقف بالهاء على الأصل المشهور وقد قال ابن كيسان: " من وقف بالتاء فإنما نوى أصلها لأن أصلها التاء ". وقوله: ﴿كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾. يعني العصا وانفجار الحجر وانفلاق البحر ونحوه، ثم كفروا بعد ذلك وبدلوا هذه النعم، فأمر الله نبيه ﵇/ بالصبر وأخبره بفعل من قبله في سالف الدهر، وقال

стр. 644

له: سلهم كم أعطوا من الآيات ثم لم ينفعهم ذلك. ومعنى ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله﴾ أي: من يغير ما عاهد الله عليه من قبول/ ما جاء به محمد ﷺ من الإسلام فيكفر، فإن الله يعاقبه. قوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾. أخبرنا الله تعالى أنه زين لهم حب الدنيا واتباعها، وأنهم يسخرون ممن اتبع الآخرة، وذلك أ، هم قالوا: " لو كان محمد نبياً لا تبعه أشرافنا، وما نرى اتبعه إلا أهل الحاجة ". وقال الزجاج: " معنى ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي زينها لهم إبليس لأن الله تعالى قد زهد فيها ". وقيل: معناه خلق الأشياء الحسنة المعجبة، فنظر إليها الكفار بأكثر من مقدارها، ومثله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ/ حُبُّ الشهوات﴾ [آل عمران: ١٤]. قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

стр. 645

قال قطرب: " معناه يعطي العدد، لا من عدد أكثر منه، فيوجب بذلك بقاء الكثير ". وقيل: معناه أن ثمة أشياء لا يحاسب بها ويغفرها. وقيل: معناه: ليس يرزق المؤمن على قدر إيمانه، والكافر على قدر كفره، أي ليس يرزق في الدنيا على قدر العمل. وقيل: معناه: نحو محاسبة أي ما يخاف أحداً/، يحاسبه عليه. وقيل: معناه: بغير حساب للمعطي. أي يعطيه من حيث لا يحتسب. قوله: ﴿كَانَ الناس أُمَّةً واحدة﴾. الآمة هنا قول ابن عباس وعكرمة: من كان بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون، وكانوا على دين من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال ذلك ابن عباس وغيره. وول من بعث الله نوحاً ﵇.

стр. 646

والأمة هنا معنها الأمم، ودل الواحد على الجماعة. وأصل الأمة الجماعة [تجتمع على دين] واحد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨] أي على دين واحد. وقيل: معناه: كان آدم وحواء ﵉ أمة واحدة في الطاعة. وسيما بالجماعة لأنهما أصل لها. وقال ابي بن كعب: " معناه كان جميع الخلق أمة واحدة إذا استخرجهم من [صلب آدم] وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. فأقروا كلهم فكانوا كلهم أمة واحدة مسلمين، ثم اختلفوا/ إذ ظهروا إلى الدنيا فبعث الله النبيين مبشرين من أقام على عهده بالجنة. ومنذرين من خالف ما عهدَهُ إليه بالنار ".

стр. 647

وقال ابن زيد عن أبيه " لم يكن الناس أمة واحدة قط، إلا حين أخرجهم الله من ظهر آدم ﷺ ". وقيل: الناس هنا: نوح ومن كان معه في السفينة. وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: " كانوا على الكفر فبعث الله النبيين ". قوله: ﴿وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ﴾. أي لم يختلف في التوراة إلا الذين نزلت عليهم. ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات﴾ الآية. أي الحجج أنه من عند الله، فكان خلافهم تعمداً للبغي بينهم لحب الدنيا وملكها والتنافس فيها فبغى بعضهم على بعض، وقتل بعضهم بعضاً على ذلك. وقال زيد بن أسلم: " اختلفوا في يوم الجمعة؛ فاتخذ اليهود السبت، / والنصارى الأحد فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة؛ فاستقبلت النصارى المشرق،

стр. 648

واليهود بيت المقدس، وهدى الله أمة محمد صلى الله عليه [وسلم] للقبلة. واختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنه من يسجد ولا يركع ومنهم من يصلي ويتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام؛ فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم ﷺ ؛ فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، وجعله الله حنيفاً مسلماً، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى ﷺ ؛ فكفرت به اليهود، وقالوا في أُمِّهِ بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد صلى الليه عليه وسلم للحق من ذلك ".

стр. 649

والبغي: الاعتداء والطغيان، يقال للبحر إذا فاض وكثر ماؤه: " بَغَى الْبَحْرُ " أي طغى. وتقدير الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغياً بينهم من بعد ما جاءتهم البينات. وقد أنكر هذا قوم لأن المصدر لا يتقدم عليه ما تعلق به، وهذا الا عتراض لا يلزم لأن " من " متعلقة " بأُوتُوهُ " لا " بالبغي ". ومعنى: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب﴾ أي الكتب. قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس﴾. وقرأ الجحدري. " لِنَحْكُمَ " بالنون. وقالوا أبو إسحاقَ: " معنى ﴿وَمَا/ اختلف فِيهِ﴾. أي في النبي محمد ﷺ ﴿ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ﴾، أي أعطوا علم نبوته، فعلوا ذلك للبغي. قوله: ﴿فَهَدَى الله الذين آمَنُواْ﴾.

стр. 650

أي هداهم الله لمعرفة ما اختلفوا فيه من الحق إذ هداهم للإيمان بما اختلف فيه الأولون من الحق. قال النبي ﷺ : " نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُون/ يَوْم الْقِيَامَةِ؛ نَحْنُ أَوَّلُ/ النَّاسِ دُخُولاً الجَنَّة بَيْدَ أنَّهُمْ أُوتُو الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وأُتينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَدَانَا اللهُ لِمَا/ اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بإِذْنِهِ " فَهَذا اليّوْم الذِي هَدَانتَا اللهُ لَهُ وَالنَّاس لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، غداً لليهود، وبعد غَدٍ لِلنَّصَارى ". وهذا الاختلاف الذي هدى الله المؤمنين إليه، ووفقهم لإصابته وهي الجمعة ضلوا عنها، وقد فرضت عليهم كما فرضت علينا فجعلوها السبت، وجعلها النصارى الأحد. وقال ابن زيد: " اختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من صلى إلى بيت المقدس، فهدانا إلى الكعبة. واختلفوا في الصيام؛ فمنهم من يصوم بعض يوم، ومنهم من/ يصوم بعض ليلة، فهدانا الله له. واختلفوا في الجمعة؛ فأخذ اليهود السبت،

стр. 651

وأخذ النصارى الأحد، فهدانا الله له. واختلفوا في إبراهيم ﷺ ؛ فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، فهدانا الله إلى إنه كان حنيفاً مسلماً، وكذلك اختلفوا في عيسى ﷺ ؛ فهدانا الله لجميع ذلك على الحق بمحمد ﷺ ". وهذا عند أكثر أهل العلم فيه قلب، والمعنى: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، كما قال: كَانَ الزِّنَا فَرِيضَةَ الرَّجْمِ ... فالهداية إنما هي للحق ولم يهدهم للاختلاف. وظاهر الآية يعطي الهداية للاختلاف لأنه قال: ﴿فَهَدَى الله الذين آمَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ الحق﴾. ولكن الكلام فيه قلب أتى على لغة العرب وعادتها في كلامها. وهذا قول الطبري واختياره.

стр. 652

وقد قيل: إن المعنى: إن الله هداهم للاختلاف أنه باطل، فآمنوا بما كفر به غيرهم. قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾. " أم " للخروج من حديث إلى حديث. وقال الطبري: " أم " للاستفهام، ومعنى اللام " أحسبتم ". قال: وإنما تكون " أم " للاستفهام إذا تقدمها كلام، فإن لم يتقدمها كلام لم تقع كذلك ". قوله: ﴿حتى يَقُولَ الرسول﴾. النصب فيه على الغاية كأنك قلت: " وزلزلوا إلى أن يقول الرسول ". فيكون الفعلان قد مضيا. ويجوز النصب في غير القرآن على أن تجعل الثاني من أجله وقع الأول،

стр. 653

كأنك قلت: " كي يقول "، فالأول حدث كي يكون الثاني، ولا يحسن هذا في الآية. والرفع في الآية على أن يكون ما بعدها جملة لا تعمل " حتى " فيه، أي " زلزلوا، فقال الرسول "، ويكون الفعلان أيضاً مضيا أي حتى هذه حال الرسول، ويجوز الرفع في الكلام على أن يكون الأول قد مضى، والثاني في الحال؛ تقول: " سرت حتى أدخلها " أي حتى أنا الآن أدخلها، فالسير مضى، والدخول الآن، ولا يجوز هذا في الآية. وقال أبو عمرو: " لما اختلف الفعلان في الآية، كان الوجه في الثاني النصب ". قوله: ﴿ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾. يجوز في " قريب " النصب على أنه نعت لظرف محذوف. ولا يثنى قريب

стр. 654

ولا يجمع ولا يؤنث إلا أن يكون للنسب والقرابة، فيجوز ذلك فيه. ومعنى الآية: أحسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ولم يصبكم مثل ما أصاب من كان قبلكم من اتباع الأنبياء من الشدائد والخوف حتى قال الرسول والذين معه: ﴿متى نَصْرُ الله﴾، كأنهم استبطأوا النصر فأخبرهم الله تعالى أن/ نصر الله قريب. وقيل: إن في الآية تقديماً وتأخيراً وحذفاً للاختصار والتقدير: وزلزلوا حتى يقولوا؟ ﴿متى نَصْرُ الله﴾، ويقول لهم/ الرسول: ﴿ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ اسبتطأوا النصر وزاد عليهم الخوف، فقالوا: متى نصر الله؟ فقال لهم الرسول: ﴿ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾. فقوله: ﴿ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ من قول الرسول، وقوله: ﴿متى نَصْرُ الله﴾ من قول المؤمنين من أمة الرسول. وهذه الآية في قول السدي وقتادة نزلت يوم الخندق حين اشتد على المؤمنين أمر الأحزاب وآذاهم البرد وضيق العيش، وفيه نزل: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا

стр. 655

نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩ إلى ﴿قَدِيراً﴾ [الأحزاب: ٢٧]. قال السدي: [اشتد على/المؤمنين الأمر] حتى قال قائلهم: ﴿مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ [الأحزاب: ١٢]. يريد قاله بعض المنافقين. ﴿والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [الأنفال: ٤٩]. أي شك. قالوا ذلك أيضاً/ كذلك حكى الله عنهم في سورة الأحزاب. وقيل: " إنها نزلت في المهاجرين إذ تركوا أموالهم ودورهم بمكة، فحكم فيها المشركون، فضاقت بهم الحال في المدينة فَآخَى النبي [﵇] بينهم وبين الأنصار فَوَاسَوْهُمْ فنزلت الآية تعزية لهم وتصبيراً. وذكر وهب بن منبه: " أن سبيعن نبياً دفنوا في مسجد الخيف، كلهم ماتوا

стр. 656

من الجوع والقمل وقال النبي [ ﷺ ] : " سأل نبي من الأنبياء سعة الرزق فأوحى الله إليه: (أَمَا يَكْفِيكَ أَنِّي عَصَمْتُكَ مِنَ الْكُفْرِ) ". فلو رضيَ اللهُ الدنيا لأحد من أوليائه ما نال منها الكافر جرعة ماء، ولكن الله لم يجعلها ثوباً لمؤمن ولا عقاباً لكافر. قوله: ﴿البأسآء والضرآء﴾ الفقر والمرض. وقيل: القتل والفقر. وقال القتبي: " البأساء: الشدة والضراء: البلاءً ". ومعنى ﴿وَزُلْزِلُواْ﴾ خوفوا وحركوا. وأصله من " زال الشيء من مكانه ". ومعنى " زلزلته " كررت زلزلته.

стр. 657

قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾. سأل/ أصحاب النبي [﵇] على من ينبغي أن يفضلوا، فأنزل الله الآية، وهذا قبل أن تفرض الزكاة. وقيل: هي منسوخة بالزكاة. وقيل: هي محكمة فيها صفة أين يوضع التطوع، والزكاة مفروضة على بابها. وهذه الآية تدل على أن النفقة على الوالدين من الصدقة. قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال﴾. أكثر العلماء على أن الجهاد فرض يحمله الإمام ومن معه عن الناس، وليس على كل رجل ذلك فرض. ومعنى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ فرض عليكم، وهو كالصلاة على الموتى ودفنهم، دليله قوله: ﴿فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ [النساء: ٩٥]. فأخبر أن الكل له الحسنى وهي الجنة، وأن المجاهدين أفضل له. وقال ابن جبير: " هو فرض على جميع المسلمين ".

стр. 658

وقد قيل: هي ناسخة واجبة لما أمروا به من العفو والصفح بمكة. وقيل: هي منسوخة بقوله: ﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]. وقيل: هي على الندب لا على الوجوب. وقد قال عطاء: " هي فرض على الصحابة خاصة ". وهو قول مطعون فيه. قوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾. الكره بضم الكاف ما كان من نفسك، وبالفتح ما أُكْرِهْتَ عليه فيه. وقال معاذ بن مسلم: " الكُره المشقة، والكَره الإجبار ". وقيل: هما لغتان: كالضُّعف والضَّعف.

стр. 659

وقيل: الكره بالضم الاسم، وبالفتح المصدر. قوله: ﴿وعسى أَن/ تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. معناه: إن كرهتم القتال فهو خير لكم، لأن فيه الظفر والغنيمة والشهادة. ﴿وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾. أي إنكم إن تحبوا القعود عن الجهاد فهو شر لكم لأنكم تحرمون الظفر والغنيمة و [الأجر. أو] الشهادة. ﴿والله يَعْلَمُ﴾: أي يعلم ما هو خير ممّا هو شر لكم، فلا تكرهوا ما كتب عليكم من جهاد عدوكم فإنكم لا تعلمون. قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ﴾. قال السدي: " بعث رسول الله ﷺ سرية في سبعة نفر فبينما هم سائرون إذا بنفر من المشركين ببطن نخلة فاقتتلوا، فأسر المسلمون منهم وقتلوا وغنموا،

стр. 660

وكانت أول غنيمة غنمها أصحاب النبي [﵇. وكان] ذلك في الشهر الحرام فتكلم الناس في القتل في الشهر الحرام. وروي أن النبي ﷺ قال لهم: " ما أمرتكم أَن تَقْتُلُوا فِي الْشَهْرِ الْحَرَامِ " فسقط في أيدي القوم [وأخذوهم الناس باللائمة]، فأنزل الله : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ [كَبِيرٌ]﴾ " فأخبرهم أنه منكر عظيم. ثم ق ل: ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله﴾. أي وصدكم أيها المشركون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكفركم بالله تعالى وأخراجكم أهل المسجد الحرام منه. يريد الله النبي ﷺ وأصحابه ذلك كله من فعلكم أكبر عند الله من القتل، أي الشرك الذي أنتم عليه أكبر من القتل في الشهر الحرام. / وكذلك قال ابن عباس. وقال الضحاك: " لما قتل عمرو بن الحضرمي في سرية بعثها رسول

стр. 661

الله [﵇] إلى بطن نخلة وأمر عليها عبد الله بن جحش، عَيَّرَ المشركون المسلمين بالقتل في الشهر الحرام فأنزل الله الآية فأخبرهم/ أن ذلك كبير، وأن صد المشركين محمداً ﷺ وأصحابه عن سبيل الله وعن المسجد الحرام والكفر بالله تعالى أكبر عند الله سبحانه من القتل الذي أنكروه. والآية عند أكثر العلماء والصحابة منسوخة لأنه تعالى قال: ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أي عظيم فأخبر أنه شيء عظيم منكر في الشهر الحرام وأنه محظور ثم نسخته آية/ السيف في براءة: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. فأبيح ذلك في الحرام وغيره، ونسخه أيضا قوله: ﴿وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. والأشهر الحرم المذكورة في براءة ليست المعلومة، إنما هي أشهر كان فيها عَهْدٌ بينهم وبين النبي [﵇] فأمر بقتلهم حيث وجدوا إذا انسلخت تلك الأشهر وهي أربعة أشهر بعد يوم النحر لمن كان له عهد، ومن لم يكن له عهد فإلى انسلاخ

стр. 662

الحرم عهده. وقال عطاء: " الآية محكمة، والقتال محظور في الأشهر الحرم ". ورويى ابن وهب أن النبي [ ﷺ ] رد الغنيمة والأسى وودى القتيل. قوله: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله﴾. كتبت " رحمت " بالتاء وذلك في سبعة مواضع؛ هذا، وفي الأعراف: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ﴾ [الآيه: ٥٦]، وفي هود: ﴿رَحْمَتُ الله وَبَرَكَاتُهُ﴾ [الآية: ٧٣]، وفي مريم: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [الآية: ١]، وفي الروم: ﴿إلى آثَارِ رَحْمَتِ الله﴾ [الآية: ٥٠]. وفي الزخرف: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الآية: ٣٢]. وفيها ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [الزخرف: ٣٢] وما عداها كتبت بالهاء.

стр. 663

/ قوله: ﴿إِنَّ الذينءَامَنُواْ والذين هَاجَرُواْ وجاهدوا﴾ الآية. نزلت هذه الآية حين قتلت السرية عمرو بن الحضرمي وأنكر عليهم القتل في الشهر الحارم الحرام، وقال بعض المسلمين في السرية، قد أصابوا وزراً، فأعلم الله أن من هاجر وجاهد فهو يرجو رحمة الله، وأنه غفور لما وقع منهم من القتل في الشهر الحرام ورحيم بهم. وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه قالوا: يا رسول الله، أنطمع أن يكون خروجنا [غزوة نعطى] فيها أجر المجاهد، فأنزل الله: / ﴿إِنَّ الذينءَامَنُواْ

стр. 664

والذين هَاجَرُواْ﴾، الآية. قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. من قرأ بالثاء فقراءته مختارة، لأن الكثرة تشتمل على العظم واكبر، والكبر والعظم لا يشتمل على الكثرة فبالثاء أعم وأولى. وكل ما كثر فقد عظم وليس كل ما عظم بكثير، فوصف الإثم بالكثرة أبلغ من وصفه بالعظم، وقد قال تعالى: ﴿وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان: ١٤] وأيضاً فإن الإثم الأول بمعنى الأثام لقوله: " ومنافع " ولم يقرأ " ومنفعة ". والآثام فالبكثرة توصف أولى من العِظم. وأما الثاني فهو إجماع بالباء لأنه يراد به التوحيد لا الجمع. ومن قرأ بالباء فحجته إجماعهم على ﴿أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ بالباء، أي

стр. 665

أعظم. وقوله: ﴿حُوباً كَبِيراً﴾ [النساء: ٢]، وقول العرب: " إِثْمٌ صَغِيرٌ "، يدل على جواز " كبير " وحُسْنِه وترك استعمالهم " الإثم قليل "، يدل على بعد " كثير ". وأجماع المسلمين على قولهم: " صغائر وكبائر "، يدل على حسن " كبير ". ونزلت الآية جواباً لمن سأل النبي [﵇] عن الخمر والميسر. / والخمر: ما خامر العقل أي ستره، فكل شراب ستر العقل وأحاله فهو خمر، يقال: " دخل فِي خِمَارِ النَّاسِ " أي هو مستتر في الناس، ويقال للضبع: " خَامِرِي أُمِّ عَامِر "، أي استتري. وخمار المرأة قناعها لأنه يسترها. وقوله: " اخْتَمَرَ الْعَجِينُ "، أي غطى فطورته الاختمار. والميسر القمار سمي بذلك لما كانوا ييسرون من الجزور وغيرها للقمار عليها. وقال مجاهد: " كل القمار من الميسر حتى لغب الصبيان بالجوز ". وقال عطاء: " حتى لعب الصبيان بالكعاب ".

стр. 666

وقال القاسم: " كل ما أنهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر ". قال ابن عباس: " كان الرجل في الجاهلية يخاطر عن أهله وماله، فأيهما قامر صاحبه ذهب بأهل الآخر وماله ". وأشعار العرب: تدل على أن الميسر كان قماراً بينهم في الجزور خاصة. وقيل: سمي ميسراً لأنهم كانوا يجزرون الجزور. وكل/ شيء جرزته فقد يسرته والياسر الجازر. وفقيل للضاربين بالقداح: ياسرون، لأنه سبب لتجزئة الجزور. ويقال للضارب بالقداح " يَسَرٌ وأَيْسَارٌ ". وقيل: إن " يَسْراً " جمع " لِيَاسِرٍ "، ثم يجمع " يَسَرٌ " على " أَيْسَارٍ " وكانت العرب أهل المقدرة منهم يقامرون على الإبل في الشدائد، ويجعلون لحومها للفقراء/ منهم لتعدل

стр. 667

أحوال الناس، ولذلك قال: ﴿ومنافع لِلنَّاسِ﴾ ". والقداح التي كانوا يقامرون بها عشرة: منها سبعة ذوات خطوط، على كل واحد علامة يعرف بها، وهي: الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى. ومنها ثلاثة لا خطوط فيها، يقال لها: " الأغفال/ والغفل من الدواب الذي لا سمة له؛ وهي: السفيح والمنيح، والوغد وليس لها سهام. والسبعة الأول للفذ منها نصيب، وللتوأم نصيبان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمبسل ستة، وللمعلى سبعة، وعلى كل واحد من العلامة على قدر ما له من الأنصباء. وقوله: ﴿ومنافع لِلنَّاسِ﴾. هي أثمانها وما كانوا يصيبون من الجزور. ﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾. أي الإثم فيهما بعد التحريم أكبر من النفع قبل التحريم. قال سعيد بن

стр. 668

جبير " لما نزلت: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ﴾ كره الخمر قوم للإثم، وشربها قوم للمنافع وهو الفرح الذي فيها حتى نزلت ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فتركوها عند الصلاة حتى نزلت/ ﴿إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه﴾ [المائدة: ٩٠] فحرمت ". فهذا يدل على أنها منسوخة بما في " المائدة ". وروي أن عمر رضي الله عن هـ كان يقول: " اللهم بيّن لنا في الخمر "، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر﴾ الآية، فقرئت ع ليه، فقال: [اللهم بين لنا في ال خمر بياناً شافياً، فإنها تذهب العقل والمال]، فنزلت ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى﴾، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت: ﴿إِنَّمَا الخمر والميسر﴾ الآية التي في المائدة فقال عمر: انتهينا، انتهينا ". فالخمر محرمة بنص القرآن لأن الله جل ذكره أخبرنا في هذه

стр. 669

السورة أن فيها إثماً كبيراً، وحرم تعالى اكتساب الإثم بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم﴾ [الأعراف: ٣٣] أي واكتساب الإثم. فهذا النص ظاهر في التحريم مع قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. فهذا تهدد ووعيد؛ وذلك لا يكون إلا في المحرمات مع قوله: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فتحريم المسكر منصوص بَيِّنٌ في كتاب الله [جل وعز]، وكل ما أسكر فهو خمر، لأن كل مسكر يخامر العقل، وكل ما خامر العقل فهو خمر وهو مسكر. وإنما سميت الخمر خمراً لأنها تخامر العقل، أي تخالطه. وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر، أي تغطي من الخمار الذي تغطى به. وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر العقل، أي تستره من الخمار الذي يغطى به الرأس.

стр. 670

قوله: ﴿قُلِ العفو﴾. أي تتصدق بما فضل عن أهلك. قال السدي: " كانوا يعملون كل يوم فيما فيه، فإن فضل في ذلك اليوم فضْلٌ عن العيال قدموه ". وقال ابن عباس: " العفو ما لا يتبين/ خروجه من المال ". وقال طاوس: " العفو اليسير من كل شيء ". وقال اليزيدي: العفو هو ما أطلقته من غير أن تجهد فيه نفسك ". وقيل: ما فضل عن أهلك. وروي أن هذه الآية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ نزل في رجل أتى إلى النبي [ ﷺ ] فقال: " إن لي ديناراً "، فقال: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ. فقال: إن لي دينارين. فقال: أَنْفِقْهُمَا عَلَى أهْلِكَ، فقال: إن لي ثلاثة، قال أَنْفِقْهَا عَلَى
следующие страницы →